المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كتاب : أزهار الصَّداقة : قصص للأطفال : من منشورات اتحاد الكتاب العرب



Naadi
05-11-2010, 08:46 PM
أزهــــار الصَّداقــــة
قصص للأطفال




من منشورات اتحاد الكتاب العرب
دمشق - 2003

الثلج الدافئ



توقف الثلج عن الهطول، لقد خلعت الغيوم أرديتها البيضاء فوق أسطحة المنازل والأشجار والطرقات وظهور السيارات. أسند سحبان رأسه إلى النافذة يرنو بحزن إلى الطبيعة... نعم بحزن فهو لن يستطيع الخروج ومشاركة رفاقه اللعب هذا اليوم الذي انتظره طويلاً، لقد شُفي منذ أيام من مرضه واستعاد عافيته، لكنّ أوامر الطبيب كانت صارمة: (استراحة في البيت مدة أسبوع). سامحك الله أيها الطبيب أهذا وقت استراحة؟! انظر إلى الطبيعة ما أحلاها! كلُّ شيء فيها يدعو للركض والقفز والتراشق بكرات الثلج. لقد رجا والديه أن يأخذاه معهما إلى بيت جده لكنهما رفضا، تخيّل سحبان بيت جده الآن... الثلج يغطي قرميده الأحمر كما يغطي أرض الدار الواسعة ورخام البركة ويكسو شجرة النارنج ثوب عروس ناصع البياض. أما جده فسوف يكون جالساً قرب مدفأة الحطب وقد ارتدى عباءته يشرب الشاي الساخن ويحكي لوالده مغامرته حين فاجأه الذئب في ليلة مثلجة وكيف حطّم رأس الذئب بعصاه، أما القط (نمّور) فهو راقد حتماً بخمول عند قدمي الجد وتمنّى سحبان لو كان هناك لأجبر هذا القط الكسول على الخروج واللعب معه في الباحة البيضاء.

أفاق من حلمه وتراءت لـه من بعيد رؤوس أشجار السرو في الحديقة ترتدي عمائم بيضاء سوف يذهب رفاقه إليها ويطاردون بعضهم بكرات الثلج. ستحمرّ أيديهم ووجوههم ويغمرهم شعور بالفرح والسعادة وبعد أن يتعبوا من الركض والمطاردة سوف يصنعون تمثالاً من الثلج رأسه كالملفوفة وعيناه من أغطية العلب وأنفه جزرة كبيرة وربما ألبسوه معطفاً قديماً ووضعوا على رأسه قبعة صيّاد كما فعلوا في العام الماضي، ولكنْ لا أحد من رفاقه قد تذكّره حتى الآن، لم يتصلْ به أحد أو يطرق الباب... لقد نسوه.. فالجميع قد خرجوا يحتفلون بالثلج، شعر سحبان بالبرودة تنتشر في جسده إنه يرتعش... ترك النافذة وجلس قرب المدفأة.. أشعل التلفاز.. قلّب المحطات... غناء.. صراخ... مطاردات.. حيوانات... شرطة... سيّارات... مخلوقات عجيبة... ولكن لا شيء فيها يشدّه أو يزيل الحزن عنه. أطفأ التلفاز.. ما زال يرتعش، ليس مريضاً إنه واثق من ذلك ولكنّ ماءً بارداً ينسكب فوق قلبه، اتجه إلى مكتبته الصغيرة قلّب الكتب والمجلات باحثاً عن شيء يسليه ولكنه اكتشف أنه قد قرأها جميعاً... ربما كان جائعاً... كلا إنه لا يشعر بميل إلى الطعام، اتجه نحو المسجلة ضغط زرها... أحس بالموسيقا تزيد إحساسه بالبرد أغلقها... بحث في الأشرطة فلم يعثر على شريط واحد يفرحه.
استلقى أخيراً على الديوان أغمض عينيه محاولاً جلب أطياف النوم ازداد شعوره بالصقيع غطى جسده... إنه يرتجف... ما زال مريضاً... كلا.. إنه وحيد... كاد أن يبكي.. فجأة رن جرس الهاتف.. قذف سحبان الغطاء ووثب نحو الهاتف.
-ألو.. ألو.. مَنْ..؟ ارفع صوتك... أرجوك
-أنا مهند
-أهلاً.. أهلاً.. لا.. لا.. لست مريضاً... أنا بخير ولكني لا أستطيع الخروج..
-ستأتي مع الرفاق لزيارتي... أنا بانتظاركم... مع السلامة... مع السلامة.
قبّل سحبان سماعة الهاتف مراراً ثم أعادها وأخذ يقفز ويصرخ فرحاً كمهر نشيط ثم أسرع نحو النافذة يرقب بفارغ الصبر قدوم رفاقه، زال إحساسه بالبرد تماماً، الدفء اللذيذ يغمر روحه وجسده أما الثلج الذي غفا بغطائه الأبيض الناصع فوق كل شيء فقد شعر سحبان بأنه دافئ وحنون.

qqq

Naadi
05-11-2010, 08:47 PM
الإوزة زيزي



هبطت عشرُ إوزات بيضاء في بحيرة ماء صغيرة صافية تقع في قلب غابة جميلة من أشجار الأرْز والصنوبر والبلّوط، فقررن البقاء حتى نهاية الصيف فالمكان جميل وهادئ والطعام متوفر في مياه البحيرة وعلى شواطئها وبين الأشجار، لكنّ الإوزة (زيزي) كانت كثيرة الشكوى والتبرُّم فهي تؤكد أنها لم تشبع يوماً واحداً مع أنها كانت كما تزعم قد بحثت عن الطعام بجدّ في كل مكان لكنها في الحقيقة كانت تمضي معظم ساعات النهار نائمة قربَ الشاطئ، وقد أخفت رجلها اليسرى في ريش بطنها، حالمةً بوجبة من القواقع والديدان والضفادع الصغيرة. في صباح أحد الأيام استيقظت الإوزّات مذعوراتٍ على هدير حافلة تخترق الغابة، وتتقدم نحو البحيرة متمايلةً على الطريق الترابي وقد أطلّت من النوافذ وجوهٌ صغيرة باسمة، أسرعت الإوزات بالهرب والاختباء واضطرت إحداهن للعودة بسرعة وجرّ زيزي الكسولة نحو أشجار الغابة، توقّفت الحافلة قرب الشاطئ ونزل منها بسرعة ثلاثون طفلاً انتشروا هنا وهناك يركضون ويصرخون ويقفزون، ثمّ صمتوا حين نزل المعلّم المشرف وأمرهم بالهدوء والاصطفاف أمامه، راح يوزّع عليهم مهام إقامة المعسكر الصغير، وسرعان ما ارتفعت الأعمدة وانتصبت الخيام ودُقّتْ الأوتادُ وشُدّت الحبال ثم رفرفتْ الأعلام.
وبعد استراحة قصيرة عقد الأطفال حلقات الغناء والرقص ثم تناولوا طعامهم واستراحوا في الخيام وبين ظلال الأشجار، تسلّلت زيزي مستطلعة وكم كانت فرحتها كبيرة حين لمحت بقايا تفاحة، فانقضّت عليها وابتلعتها دُفعة واحدة وأتبعتها بقطعة خبز وحين انتصف النهار كان بطن زيزي قد امتلأ تماماً.
في اليوم التالي قررت الإوزات مغادرة المكان والبحث عن مكان أكثر هدوءاً وأماناً لكنّ زيزي رفضت الفكرة فهي تريد البقاء بعد أن ملّت من الطيران والبحث بمشقة عن الطعام ورفضت بعناد كلّ النصائح التي قدّمتها صديقاتها وبعد أن يئسن من إقناعها اندفعن إلى الفضاء بأجنحتهن التي لمعت كالأشرعة الصغيرة في أشعة الشمس وطُفن دورة كاملة حول البحيرة، ثم اندفعن يمخُرْن الفضاء الواسع نحو الجنوب..
بقيت زيزي وحيدةً، شعرت بالحزن قليلاً وسُرعان ما نسيت وراحت تبحث عن بقايا الطعام حول الخيام وتجرأت مرّة ودخلتْ خيمة مليئة بالخبز والخضار والفواكه فأخذت تنقر من هذا الطعام وذاك بنهم وسرعة، ولم تتوقف إلاّ حين سمعت صُراخ الأطفال وقد أحاطوا بها من كل جانب وهم يصرخون بفرح إوزّة.. إوزّة... حاولت الهرب وزعقت وفتحت منقارها ورفرفت بأجنحتها، لكنها وجدت نفسها أخيراً قد رُبطت بمَرَسة إلى جذع شجرة وهدأ ضجيجها تماماً حين انهال عليها الطعام اللذيذ من أيدي الأطفال كما قدموا إليها صحناً مليئاً بالماء العذب فكادت ترقص من الفرح واكتشفت زيزي أنّ الطعام يزداد كلّما قفزت وصفقت بجناحيها ورقصت فيضحكُ الأطفال ويزداد سخاؤهم... قالت زيزي في نفسها: (هذه هي الحياة حقاً.. نومٌ وراحةٌ وطعام لذيذ دون جهد أو تعب... اللعنةُ على الضفادع والديدان والقواقع وطعمها الكريه).
تتالت الأيام سهلةً سعيدةً على زيزي وقد امتلأت لحماً وشحماً... ولكنْ في عصر أحد الأيام لمحَتْ زيزي الأطفالَ وهم يحزمون أمتعتهم ويقوّضون خيامَهم ثم اقترب منها طفل وأطلق سراحها... لم تفهم زيزي ما يجري ولكن حين أنشد الأطفال أغنية الوداع وركبوا الحافلة ثم لوّحوا لها بأيديهم أدركتْ أنهم راحلون.. تحرّكتْ الحافلةُ وزيزي مذهولةٌ لا تصدّق ما يجري فركضَتْ خلفَ الحافلة وهي تصرخ كواك... كواك... كواك... ولكنّ الحافلة واصلت سيرها حتى الطريق المعبّد ثم اختفت في منعطف جبلي بعيد... وقفت زيزي تنتظر ساعاتٍ حتى خيم الظلام... وكانت تقول لنفسها.. سيعودون... سيعودون حتماً... إنهم أصدقائي لن يتركوني هكذا بلا طعام...
ونامت تلك الليلةَ قربَ الطريق تحلم بعودة الأطفال حاملين إليها صحوناً مليئة بالبسكويت والفستق والشوكولا... لكنها استيقظتْ عند الفجر على نسمات باردة أرعشت قلبها فجرّت جسدها السمينَ نحو البحيرة، بدا لها المكان موحشاً وعند الظهيرة قرص الجوع بطنها فأخذت تبحث عما خلّفه الأطفال فلم تعثر على شيء لأن العصافير والنملات النشيطات قد نظَّفت المكان تماماً، فدفعها الجوع أخيراً لمطاردة الضفادع والبحث عن الديدان والقواقع وبعد جهد كبير عثرت على قوقعة اختبأ فيها حلزون مسكين فابتلعتها بصعوبة وقرف وشعرت كأنّ حجراً كبيراً يرقدُ في بطنها، وهكذا نامت زيزي تلك الليلة وحيدة جائعة، وأيقظَها فجأةً في الصباحِ هديرُ محرك سيارة قادمة من بعيد، فركضت زيزي فرحةً نحو الطريق وهي تصرخ كواك... كواك... ولكنها تجمّدتْ فجأة حينَ لمحتْ سيّارة صغيرة قادمة نحوها... توقفت السيارةُ وامتدتْ من نافذتها فُوّهة بندقية ثم أومض برقٌ وأعقبه دويٌّ مفزع، انخلعَ قلب زيزي من الرعب حين رأت ريشات تتطاير من جناحها الأيسر وأحسّت بسائل ساخن يقطر منه فاندفعت تقفزة بكل قوتِها نحو الغابة وهي تصرخ مذعورة... زيزي تركض ورصاص الصيادين يلاحقها... حاولَتْ الطيرانَ لكنّ جناحها المحطّم فَقَدَ القدرة على الحركة، وأخيراً توقفت يائسة لاهثة خلف إحدى الأشجار والرصاصُ يحاصرها... نظرت بلهفة إلى السماء فشاهدت سرباً من الإوز يعبرُ الفضاء بحريّة وشموخ فتمنّتْ زيزي من أعماقها أن تكون طائرة معه تعانق بجناحيها أجنحة الرياح.

ÿÿÿ

Naadi
05-11-2010, 08:49 PM
الآن.. الآن..

هو المستقبل




حين عاد هاني من المدرسة ظهرَ يوم الخميس وجد والديه يستعدان للسفر إلى اللاذقية لزيارة خاله هناك، كان يتمنّى السفر معهم لولا مذاكرةُ الرياضيات التي عيّنها الأستاذ يومَ السبت القادم. قالت لـه أمه وهي تجهّز حقيبة السفر:
-الطعام جاهز.. اخلع ثيابك قبل أن تجلس إلى المائدة.
-سأخلعها بعد قليل...
-اغسل يديك.
-سأغسلها بعد قليل.
وهكذا يكونُ جواب هاني دائماً حين يجبُ عليه أن يقوم بعمل ما. وقبل أن يركب والداه سيارة الأجرة تتالتْ على هاني النصائحُ والأوامر:
-الحمَّامُ ساخن
-ضع ثيابك في الغسالة وأدرها..
-لا تنسَ وضعَ ماء جديد للكنار..
-وكان هاني يردد سأفعل.. سأفعل
وما كاد هاني ينتهي من وداع والديه حتى جلس إلى مائدة الطعام دون أن يخلع ثيابه أو يغسل يديه..
انتهى من الطعام فرمى الصحون الوسخة في المجلى وتركها وهو يردّد.. سأغسلها بعد أن أشاهد قليلاً برامج الأطفال. تمدّد على الديوان وراحَتْ عيناه تتابعان البرامج منتقلاً من قناة إلى أخرى.. أيقظه من استغراقه رنينُ الباب ولما فتحه شاهدَ رفاقه يحملون الكرة ويدعونه للعبِ معهم
-لا أستطيع اللعب معكم.. لديّ امتحانُ رياضيات بعد غد
-تعال الآن.. وسوف تدرسُ مساءً أو غداً.. ما رأيك؟!
وسُرعان ما وافقهم هاني على هذا الاقتراح وطار معهم إلى الملعب يجري ويصرخ وينطحُ ويسجّل الأهداف.
ثم عاد قُبيل المغرب متعَبا يجرّ نفسه إلى البيت وقد اتسخَتْ ثيابُه وتبلّلَ جسدُه بعرق مالح. نهشَ الجوعُ معدته. فتحَ باب البراد، تناولَ بعضَ الطعام وعاد من جديد يتأمل شاشة التلفاز ثم فطن فجأة أن لديه وظائف كثيرة فجلب الكتب والدفاتر وبعد أن تصفّحها قليلاً.. قال في نفسه (إنها سهلة.. سأكتبها وأنا أشاهد التلفاز من حين إلى حين..) ولكن لم تمضِ دقائق حتى عاف هاني الكتبَ والدفاترَ وراح يتابع بشغف فيلماً يبحثُ فيه المفتش الذكي عن اللصّ الذي سرق بالتعاون مع كلبه مجوهرات امرأة عجوز. ولما انتهى الفيلم بالقبضِ على اللصّ وكلبهِ كانَ النُعاس يشدُّ أجفان هاني، نظر بفتور إلى الكتب والدفاتر المبعثرة هنا وهناك.. قال في نفسه وهو يتثاءب غداً غداً سأقومُ بكلّ شيء ثم سحبَ نفسَه إلى السرير واستلقى غارقاً في بحرِ النوم... في الصباحِ أيقظه غناءُ الكنار الحزين الذي يهدده العطش. صرخ به هاني: اسكت.. أنا جائع الآن.. سأضع لك الماء بعد الإفطار..
انتهى من طعامه فجلس خلف مكتبه يفكر بالواجبات التي تراكمت عليه.. الوظائف.. المذاكرة.. الحمّام.. ماء للعصفور.. غسل الثياب.. سيبدأ بالوظائف أولاً.. ولكنْ هل يبدأ بوظيفة العلوم أولاً أم العربي أم الاجتماعيات.. لا بأس سيبدأ بالعلوم.. رن.. رن.. إنه جرس الباب.. فتح الباب فشاهد رفاقه بانتظاره من جديد
-هيا معنا بسرعة..!
-إلى أين..؟!
-إلى مدينة الألعاب.. لقد أحضروا سيارات جديدة وسريعة.. أسرع..
-لديَّ امتحان غداً.. ووظائف.
-ستقوم بكل شيء بعد الظهر هيّا.. هيّا
وسرعان ما وافقهم هاني.. وطار معهم إلى مدينة الألعاب وأمضوا هناك عدة ساعات تدور بهم السيارات الكهربائية وتتصادم.. وترتفع بهم الأراجيح.. وتعدو الأحصنة.. ولما عاد إلى البيت كانَتْ الساعةُ قد تجاوزَتْ الثالثة.. تناولَ بسرعة شطيرتين ثم جلسَ خلف طاولته حائراً بم يبدأ.. سيبدأ بوظيفة اللغة العربية.. (اكتب موضوعاً تتحدثُ فيه عن أهمية الوقت).. ما هذا الموضوع الآن؟!.. سأكتبه فيما بعد.. والآن إلى وظيفة العلوم.. ارسم على لوحة جهازَ الهضم.. ومن أين سآتي الآن باللوحة والألوان.. الأفضل أن أبدأ بالتحضير للمذاكرة.. المطلوب حتى نهاية الفصل الثاني.. يا إلهي! إنها ستون صفحة بالتمام والكمال.. سأبدأ بحفظ القوانين.. لا.. لا المسائل أولاً.. ولكن ما كاد هاني يبدأ بحلِّ المسألة الأولى حتى شعر بحكّة شديدة في رأسه ورقبته وامتدت إلى أنحاء جسده.. فصرخ..
لن أستطيع حلّ مسألة واحدة إذا لم أغتسل أسرعَ نحو الحمّام ورمى في الموقد عود ثقاب تلو الآخر ولكنه لم يشتعل.. رمى هاني علبة الكبريت وقال متحسّراً: (آه لو كانت أمي هنا لأشعلته بعود ثقاب واحد).. عاد إلى غرفته يحاول الدراسة للمذاكرة حيناً وكتابة الوظائف حيناً وحكَّ جسده في أكثر الأحيان.. وفجأة بدأ النعاس يداعب جفونه وكثر تثاؤبه.. فقال في نفسه.. (سأنام الآن وأستيقظ في الثالثة صباحاً فأقوم بكل شيء..).
في الثالثة صباحاً قفزت الساعة قرب هاني ترنُّ وترنُّ. فاستيقظ كلُّ ما في البيت.. الكنارُ العطشانُ والكتبُ والدفاترُ والمكتبُ والنوافذُ.. وكلُّ شيء ما عدا هاني..! أخيراً استيقظ من أحلامِه على يدٍ لطيفة تداعبُ وجهَه وشعرَه فتح عينيه فصافحه وجه أمه التي كانت توقظه سألها بفزع:
-كم الساعة الآن؟
-السابعة..
-يا إلهي! لم يبق سوى نصف ساعة على بدء الدوام..
قفزَ من سريره وأخذ يركضُ هنا وهناك وهو لا يدري ماذا يفعل.. فتارة يفتح كتاباً أو دفتراً وتارةً يكتب جملة في موضوع التعبير وتارةً يحاول حفظ قانون.. أو حلَّ مسألة.. أو يدور باحثاً عن أقلامه وأدواتِ الرسم والهندسة.. في الثامنة إلا خمس دقائق حشا هاني كتبه ودفاتره في الحقيبة واندفع نحو الباب.. ولكن أمه أوقفته.. وصاحت في دهشةٍ:
-أتريد الذهاب إلى المدرسة بلباس النوم؟
فعاد مسرعاً يرتدي ثيابه كالبرق النشيط ثم جرى راكضاً ولكنه توقف بسرعة حين لمح الكنار الأصفر منكمشاً على نفسه وقد أخفى رأسه بين ريشه الجميل.. فقال متوسّلاً:
-أماه.. أرجوك.. ضعي ماءً للكنار حالاً..
-سأضع لـه بعد قليل.. أخبرني ما بك..؟
-أرجوك.. الكنار سيموت ضعي لـه الماء الآن.. الآن!
ثم اندفع هاني نحو الباب لا يلوي على شيء وأمه تنظر بدهشة إليه..
óóó

Naadi
05-11-2010, 08:50 PM
يومٌ واحد!




سئم أطفالُ مدينةِ الكرز الأزرق كثرةَ أوامر الكبار ونصائحهم التي لا تنتهي أبداً، فذهب وفد منهم برئاسة الطفل (شقلوب) إلى الملك المحبوب (حسون) وكانَ يحبُّ الأطفالَ والعزف واللعب كثيراً وقفَ شقلوبُ أمام الملك وبعدَ أن حيَّاه قدَّم لـه مزماراً من القصب نفخَ فيه الملك فأصدرَ صوتاً جميلاً جعله يتمايل طرباً ثمَّ قال:
-لماذا جئتَ لمقابلتي أنتَ ورفاقُك يا شقلوب؟
-نريدُ أن نشكوَ لك أيها الملك كثرةَ أوامر الآباء والأمَّهاتِ والأعمامِ والعمَّاتِ والأخوالِ والخالاتِ والجيرانِ والجاراتِ والمعلمين والمعلِّمات.
-يكفي.. يكفي يا شقلوب ماذا يأمرونكم؟!
وهنا ارتفعت أصواتُ الأطفال من كلِّ جانب.. استيقظوا حانَ وقتُ المدرسة.. اغسلوا وجوهكم وأيديكم جيداً.. اشربوا كأس الحليب.. نظِّفوا أسنانكم.. لا تسرعوا في الطريق.. لا تلعبوا.. انتبهوا للسيَّارات.. وفي المدرسة تتواصلُ الأوامر.. أينَ الوظيفة؟.. لماذا تأخّرتم؟.. احفظوا الدرس جيداً.. لا تركضُوا في الباحة.. مللنا حياتَنا أيها الملك. يبدو أنّ الكبار قد أتوا بنا إلى هذه الدنيا من أجل إلقاء الأوامر والنصائح فقط.

صمتَ الملك قليلاً ثمّ تناول ثلاثَ كرزاتٍ شهية وغنَّى بصوت جميل عن طفل يعيشُ في الغابات وأصدقاؤه الشمسُ والطيورُ والغدرانُ والرياح. وبعد أن أنهى الملك أغنيته كانَتْ عيونُ الأطفال مليئةً بالدموع.. فكَّر الملك قليلاً ثم قال:
-اسمعوا.. لديّ فكرة طريفة يا أصدقاء!
-ما هي؟!
-سأريحُكم من أوامر الكبار أسبوعاً كاملاً.. ما رأيكم؟
-هذا قليل.. أرحنا منهم شهراً كاملاً
-بل سنةً وأكثر!
صرخ الملك:
-يكفي.. يكفي.. سآخذ غداً جميع الكبار في المدينة إلى جزيرة (الكركي المجنون) وسنبقى هناك حتى تبعثوا لنا رسالة!
صرخ طفل من الوفد:
-لن نرسل لكم أية رسالة!
وصرخَتْ طفلةٌ غاضبة:
-لا تنسَوا أخذَ الصغار الذين يرضَعون الحليب ويبلِّلون ثيابهم.
-وخذوا معكم أيضاً كلَّ من لا يستطيع إلاَّ قول بابا.. بابا.. ماما.. ماما
-سئمنا صُراخَهم وبكاءَهم.. سئمْنا حملَهم وتدليلهم..
عزف الملك حسُّون على المزمار قليلاً وتناول كرزتين ثمَّ قال:
-لا بأس أيُّها الأطفال سأفعلُ كلَّ ما تطلبون.
في صباحِ اليومِ التالي وقفَ الأطفالُ على شاطئِ البحرِ يودِّعون السفن التي ستحملُ الكبارَ وراضعي الحليب إلى جزيرة (الكركي المجنون) وقبلَ أن يركبَ الملك حسّون آخرَ سفينة قدَّم للأطفال حمامةً برتقاليّة اللون وقال:
-إذا أردتُمْ أن نعودَ سريعاً فأرسلوا إلينا هذه الحمامةَ واسمُها (سجيعة).
صرخَ شقلوبُ وردَّد الأطفال خلفه:
-لا نريدُ هذه الحمامةَ الغبيّة.
-ليتَ ثعلباً ينقضُّ عليها وهي نائمة.
-ليتَ صقراً يخطفها طعاماً لفراخه!
غضبت سجيعة وطارت نحو غابة السناجب. ولم تكَدْ السفن تغادر الميناء حتى قفز الأطفال وصرخوا.. هيه.. هيه.. نحنُ أحرار.. نحن أحرار.. ورموا قبعاتهم وكراتهم وحتَّى أحذيتهم في الهواء ثمّ ركضوا على رمال الشاطئ وخلع بعضهم ثيابه وألقى نفسه في مياه البحر كما أخذ آخرون يبنون من الرمل بيوتاً وقصوراً وقلاعاً ويزينونها بالأصداف والحجارةِ الملونةِ وحين سئموا من البحر والرمل أسرعوا إلى الشوارع فلعبوا كما يشاؤون وقذفوا الكراتِ في كلِّ اتجاه غير مبالين بتحطيمِ النوافذِ كما سدَّدوا حجارتَهم نحو العصافيرِ والمصابيح وحين أصبحت الشمس عموديةً فوقَ رؤوسهم قرصَ الجوع بطونَهم فهرعوا إلى بيوتهم فتحوا البرّادات أخرجوا ما فيها من طعامٍ وحلويات والتهموها باردة ثمّ خرجوا ثانية إلى الشوارع وقادهم شقلوب إلى مدينة الألعاب فوجدوها مغلقة، لكنَّهم تسلَّقوا الأبوابَ والأسوار وقفزوا إلى ساحتها ولم يستطيعوا الاستمتاع إلاّ بالأراجيح لأنّ الكبار المسؤولين عن تشغيلِها قد رحلوا إلى الجزيرة مع الراحلين فاقترحَ عليهم شقلوبُ أنْ يذهبوا إلى الحدائق. وهناك ركضوا فوق المروج وداسوا الأحواض وقطفوا الأزهار وألقوا بأنفسهم في البحيرات يطاردون البطّ والإوز.. ولم يدرِ الأطفالُ كيف رحل النهار فجأةً وخيّم الظلام الشديد بهذه السرعة فعادوا إلى بيوتهم بعد أنْ جعلوا المدينةَ أشبه بحاوية قمامةٍ مقلوبة. ولمَّا أرادوا إشعال المصابيح الكهربائية لم تضئ لأن المسؤولين عن توليد الكهرباء كانوا قد رحلوا أيضاً إلى جزيرة (الكركي المجنون). جلسَ الأطفال متعبين جائعين، الخدوشُ والجروح تغطّي وجوههم وأيديهم والتراب والأوساخ تغطِّي شعرهم وثيابهم. استراحوا قليلاً وحين صرخَتْ بطونُهم من الجوع اتَّجهوا إلى البرَّادات فوجدوها فارغة إلا من الماء وبقايا الطعام فنظَّفوها تماماً ولكنَّها لم تسدَّ جوعهم. اشتدَّ الظلام تلك الليلة وهبَّت ريح شديدة فتراكضت العفاريت والأشباح فوق الأسطحة وأمام النوافذ وعلى الأدراج والشرفات وقرعت الأبواب والنوافذ. فأسرع جميع الأطفال إلى أسرَّتهم مبكِّرين وشدُّوا الأغطية فوق أجسادهم ورؤوسِهم وهم يرتعدون خوفاً ورعباً ولم تغمضْ جفونُهم طوال الليل. وحين أطلّ الصباح انسلُّوا من بيوتهم مرهقين شاحبي الوجوه. فجرُّوا أنفسهم إلى الساحة الكبيرة وتشاوروا فيما سوف يفعلون وبعد نقاش قصير ورغم الأصوات القليلة المعارضة فقد قرَّروا إرسال الحمامة (سجيعة) إلى جزيرة (الكركي المجنون) وتفرَّقوا في كلِّ اتجاه يبحثون عن الحمامة وينادونها: يا سجيعة.. يا سجيعة.. أنقذينا يا بديعة.. أنقذينا يا بديعة.. كانت الحمامة نائمة بين أغصان شجرة حور عالية فاستيقظت على أصواتِ الأطفال وهم ينادونها ولكنَّها لم تردّ ووضعَتْ رأسَها تحتَ جناحِها وتابعَتْ نومها. إنَّها ما تزال حانقةً عليهم، عند الضُّحى ارتفعَ بكاءُ الأطفال وصاروا يتوسَّلون إلى الحمامة كي تأتي إليهم فرقَّ قلبها وطارت نحوهم ثم حطَّت فوق شجيرة رمَّان فأحاطوا بها فرحين.. سألتهُم وهي عابسة:
-ماذا تريدون منِّي؟
صاح شقلوب وهو يمسح دموعه:
-نريدك أن تسافري إلى جزيرة (الكركي المجنون) وتطلبي من الكبار أن يعودوا إلينا.
-ولكنَّكم طردتموني وتمنَّيتم موتي!
-نحن آسفون يا سجيعة ونعتذر منك.
-اسمعوني جيداً.. لن أذهبَ إلى جزيرة الكركي إلاّ إذا نظَّفتم المدينة من جميع الأوساخ تماماً.
-صرخ بعضُ الأطفال محتجّين
-ولكنَّ تنظيفَ المدينةِ صعبٌ جداً يا سجيعة!
-ولماذا لم تفكِّروا بهذا حين وسَّختم المدينة؟
ثم طارت الحمامة ووقفت فوق أحد أسلاك الهاتف وصاحت:
-هيه.. ماذا قرَّرتم؟
صرخوا مستسلمين: اذهبي.. اذهبي.. سننظِّف المدينة.
-هناك شرط آخر..!
-ما هو؟
-أريدكم أن تعتذروا من الكبار وتستقبلوهم بفرح وابتسام.
-موافقون.. موافقون. أسرعي فقط يا سجيعة.
صفَّقت الحمامة بجناحيها ويمَّمت نحو البحر تطير فوق أمواجه الزرقاء.. واندفع الأطفال بحماس نحو الشوارع والساحات ينظِّفون المدينة ويصلحون ما أتلفوا رغم الجوع والتعب.. وحين مالَت الشمس للغروب عادت المدينة نظيفة أنيقة كما كانت فأسرع الأطفال نحو الشاطئ يرقبون بلهفة عودة أهلهم وقلوبهم تخفق شوقاً لرؤية آبائهم وأمَّهاتهم وإخوتهم وكلِّ الكبار الذين يحبُّونهم.. وبعد انتظار محرق.. لمعت أخيراً أجنحة الحمامة من بعيد قادمة مع الشفق الوردي فألاحوا لها بأيديهم فرحين.. حامَتْ فوق رؤوسهم تبشِّرهم بقدوم السفن.. وما هي إلا ساعة من الزمن حتّى ظهرت أولُ سفينة تشقُّ الأمواج نحو الشاطئ تتبعها بقية السفن وقد سطعَتْ بأنوارِها فوقَ مياه البحر.. رسَتْ السّفن وهبط منها الركّابُ فتدافع الأطفال كالسيل يقبِّلون ويعانقون أهلهم وإخوتهم ويشكون ما حلَّ بهم.. وساد الصمت حين هبط الملك (حسُّون) من السفينة وهو يرتدي ثياباً رياضية وينشد أغنية جميلة عن جزيرة الكركي ثمَّ صعد فوق صخرة قرب الشاطئ وقال:
-أيها الأطفال الأعزَّاء لا يمكنُنا الاستغناء عنكم ولا يمكنكم الاستغناء عنَّا.. ولذلك فقد قررت بالتشاور مع الكبار ما يلي:
أولاً: تخفَّض أوامر الكبار إلى النصف هذا العام..!
ثانياً: يطلب من الأطفال أن يقوموا بما هو ضروري وجميل ونافع لهم ولأوطانهم دون أيِّ أمر.. ما رأيكم؟
صرخ الأطفال جميعاً بحماسة:
-موافقون..!
أمسك الملك مزماره وعزف لحناً جميلاً فغنّى الجميع.
¦¦¦

Naadi
05-11-2010, 08:55 PM
رحلة الأصدقاء


قبل أن أصعد إلى الحافة المتوجّهة إلى اللاذقية أعدتُ قراءةَ البطاقة... سومر عبد الكريم... الرقم عشرون... إنها المرّة الخامسة التي أقرأ فيها ما كُتب على بطاقةِ السفر. طبعاً حتى أتأكّد من مقعدي فأنا لا أريد سؤال أحد عنه. ها هي أرقام المقاعد تتوالى سبعة عشر... ثمانية عشر... تسعة عشر وأخيراً... الرقم عشرون إنه بجانب النافذة تماماً... هذا أفضل، سوف أستمتع بمناظر الطريق الجميلة... جلسْتُ مريحاً كامل جسدي على المقعد... أغمضْتُ عينيّ، يا لـه من شعور لذيذ!... إنّها المرة الأولى التي أسافر فيها وحدي مسافةً طويلة... كلا بل الثانية.. تذكّرتُ... كانت المرة الأولى مع المدرسة في رحلةٍ إلى تدمرَ. لقد سافرتُ وحدي طبعاً فمن غير المعقول أن يأخذ الطالب والديه في رحلة مدرسية إلا إذا كانا معلّمين أما أنا فوالدي يعمل مهندساً زراعياً ويتحدثُ كثيراً عن الأزهار والنحل والنباتات والحشرات. لقد أوصلني منذ قليل إلى محطة الانطلاق وودّعني مسرعاً فعليه أن يكون في عمله تمام الثامنة. إنّ أبي لا يكثُرُ من إصدار النصائح ولا يغضبُ إلا نادراً وخاصّة حين يكون ذنبي من العيار الثقيل فيكون غضبُه وعقابه من العيار الثقيل أيضاً ومع أنه لا يضرب أبداً فإني أشعر أن كلماتِه الصارخة ونظراتِه البركانية أشدُّ ألماً من أيّ عقاب.
أما أمّي فإنها لا تتوقف أبداً عن إبداء الملاحظات وإصدار النصائح والتوجيهات فهذا الصباح بالذات قالت لي وهي تنهي حزم حقيبة السفر:
-تناولْ شيئاً من الطعام قبل السفر.
-لا أشعر بالجوع.
-أمامك أربع ساعات للوصول إلى اللاذقية.
-أستطيعُ التحمل.
-يا لك من عنيد... اسمع إذن... إياكَ أن تشربَ ماءً بارداً ومعدتُك فارغة.
سوف أستريح من نصائحها وتوجيهاتها مدة أسبوع لأني سأكون ضيفاً عند بيت خالي في اللاذقية وتعرفون طبعاً أنّ الضيف يعاملُ بدلال زائدٍ ولا أحدَ يوجّه إليه لوماً أو ملاحظة مهما فعل.
أنا الآنَ بجانب النافذة أتأمّل الركابَ الصاعدين إلى الباص فأرى صديقين يودّع أحدهما الآخر وامرأةً عجوزاً تسلّم معاون السائق حقيبتها وتوصيه بها كثيراً. وهناك أمٌّ تودّع صبياً في مثل سني تقبّله وتضمّه أيضاً... يا لـه من طفل مدلّل!.. يخيلُ إليّ أنني أعرفهُ ها هو يلتفتُ ويتجهُ نحو بابِ الباص يا إلهي!... إنه صديقي مهند. كلا ليسَ صديقي فما تزال آثارُ أظافرهِ على وجهي ورقبتي على الرغم من مُضي عشرةِ أيام على مشاجرتنا.. وكانَ يمكنُ لهذهِ المشاجرة أن تمرّ بسلام دون أن يعلم والداي بها لولا هذه الخدوشُ اللعينة وقميصي الذي تقطّعت أزرارُه وتمزّق كتفه. لقد انهالَ عليّ اللومُ كمطارقِ الحدّاد لكنّ أوجعها كان تأنيب أبي:
-يا للعار..! كيف تتضارب مع زميلك كأولاد الشوارع؟!
-هو الذي دفعني!
-ولماذا دفعك؟... تكلّم بصدق.
-لأني خطفت منه مجلّة كان يقرؤها.
-لماذا؟
-كانت تشغلُه عن اللعب معنا.
-وبعد ذلك..
-تعاركنا... مزّقتُ لـه المجلة... فخدش وجهي ورقبتي
-وأنت؟
-لقد عضضتُ يده!!
-اسمع يا بني... العراك والعضُّ للحيوانات وليس للبشر.. وعليك أن تصالحه فوراً...
لقد وعدْتُ والدي بمصالحة مهنّد حقاً ولكنْ حين نظرت في المرآة إلى هذه الخطوط الحمراء التي تشوّه وجهي ورقبتي وحين قالت والدتي بأن قميصي لم يعد يصلح إلا لمسح الأرض قررتُ عدم الصلح مهما كان..
ها هو حضرتُه يبحثُ الآن عن مقعدِه كالأحمقِ الضائع... لقد اقترب مني سأتجاهلُه... رفعْتُ ياقةَ سترتي وأخفيْتُ ما أستطيعُ من رأسي ثم استدرت نحوَ الطريق أتشاغلُ برؤية معاون السائق وهو يُحكم إغلاق باب الأمتعة ولكني أحسسْتُ بأنّ شخصاً يقف في الممر قرب المقعد ويتردّد بالجلوس.
-هل هذا هو المقعد رقم تسعة عشرَ يا أخ؟
يا إلهي!... إنه صوت مهنّد، يبدو أنّ رقم بطاقته تسعة عشر... يا لَها من مصادفة منحوسة.!
-أهذا هو المقعد رقم تسعةَ عشر؟
لن أرد عليه ولو بقي يسأل حتى يوم القيامة...
-أنا أسألك يا أخ... هل أنت...؟
التفت بسرعة غاضباً وقلت:
-كلا... لست أطرش... إنه المقعد رقم تسعة عشر ألا تعرف القراءة؟
فوجئ مهند تماماً بوجودي... أصابه الذهول... تردّد قليلاً ثم جلس بجانبي محاذراً أن يلمسَني وأدار وجهه عابساً نحو الأمام وسارعْتُ فأدرت وجهي بكبرياء نحو الطريق، كيف أستطيع تحمل غريمي جالساً إلى جانبي مدة أربع ساعات، ستكون حتماً ساعات مملّة طويلة، ولكن لماذا يسافِرُ مثلي إلى اللاذقية؟ وما علاقتك؟ فليذهبْ إلى آخرِ الدنيا.
دارَ المحرك بقوة وثقة وانطلق الباص بحملِه عبر شوارع المدينة. تمايل كثيراً في أحد المنعطفات فلامسَتْ ذراعي جسدَ مهند دون قصد فانتفضْتُ مبتعداً كأنّ تياراً كهربائياً قد لمسها... إنه يتقصّدُ الاقتراب مني أنا واثق من ذلك ولكن هذا مستحيل... خرج الباصُ من المدينة وانسابَ كريشةِ عصفورٍ فوق الطريقِ الإسفلتي وبدأتْ الحقول والأشجارُ والزروعُ والحيواناتُ والطيورُ تمرّ بسرعة أمام ناظري كأنّها بساط يسحبه بسرعة ماردٌ عملاق.
أقبل مضيفُ الباص يوزّع كؤوس الماء الفارغة على الركاب، وصل إلى مقعدنا أعطى مهنّد كوبين وقال له:
-أعطِ الكوبَ الثاني لأخيك.
أخي... يا لـه من ساذج كيف ظنه أخي. إنه لا يشبهني. سرقْتُ نظرة خاطفةً نحو مهند ربما كان يشبهني فكلانا حنطيُ البشرة وله شعرٌ أشقرُ أجعدُ وجسدانِ نحيلان، في الحقيقة لقد أخطأ كثيرون قبلَ هذا المضيف وتوهّموا أننا أخوان. ربّما لأنهم لم يرونا إلا معاً باستمرارٍ هذا كان فيما مضى أما الآن فلن يرونا أبداً... ناولني مهند الكأس بتردد فخطفته بسرعة دونَ أنْ أنظر إليه وأدرْتُ رأسي بسرعة نحو الخارج. ارتفع صوت التلفاز في مقدمة الباص فالتفتت الرؤوس نحوه ورأسي أيضاً كان الفيلم مضحكاً لممثل مشهور ولكنني لن أتابعَه وسوف أعودُ للنظرِ نحوَ الخارج بل سوف أتابعه... لن يحرمَني مهند من التسلية والمتعة ألا يكفي أنه خدشَ وجهي ومزّق قميصي. وأنا أيضاً مزقتُ مجلتَه ونهشتُهُ من يده. سأحدّق نحو التلفاز فقط.. الممثلُ الأحمقُ يسير شبهَ عار في الشارع لقد نسي ارتداءَ ثيابه وهو يسلّمُ على جيرانِهِ الذين أصابتهُم الدهشة ويدخل أحدّ المطاعم... صاحبُ المطعم يطرُدُه... يفطنُ أخيراً إلى عُريه فيجري في الشارع كالمجنون ويستعيرُ دراجةَ أحد الأطفال... الأطفالُ يلاحقونَه فيقتحم بدراجتِه بائعَ خضار... ضحكتُ بصوتٍ مرتفعٍ وضحك مهند أيضاً، تلاقت نظراتنا ولكن سرعان ما عبس وعبست... لن أتابع الفيلم... يبدو أن مهنداً يتابعه... إنه يضحك... ما الذي يضحكه؟... الفيلمُ سخيف حتماً... يا لـه من غبي! كلا إن مهنداً ليس غبياً فهو الثاني في ترتيب صفه دائماً.
أقبلَ المُضيف يصبُّ الماء في الكؤوس. شعرْتُ بالعطش وبعضِ المرارةِ والجفاف في حلقي.. ربما لأنني لم آكل شيئاً هذا الصباح.
ولكني عطشان... تذكرْتُ نصيحة أمي: (لا تشربْ ماءً بارداً ومعدتُك فارغة) ولكني عطشان جداً... سامحيني يا أمي وما أكثرَ ما سامحتِني... لن أشرب كثيراً... رشفةً واحدةً فقط.
ملأ المُضيف الكأسَ... ارتشفْتُ منه قليلاً... الماءُ باردٌ ولكنه لذيذ... لم أستطعْ المقاومة فأفرغت الكأس في جوفي حتى آخرِ قطرة. خمدتْ نارُ العطش ولكن إحساساً بالوجعِ بدأ يصعد من معدتي ثم يزداد شيئاً فشيئاً. ضغطت عليها بذراعي...
الباص يسير الآن في منطقة جبلية يصعد... يصعد... يدور.. يدور... رأسي يدور أيضاً... معدتي قد انقبضَتْ وارتفعَتْ إلى حلقي تماماً إنها تريدُ أن تطرد ما فيها...الباص يدور.. كلُّ شيء حولي يدور... الجبالُ.. الجدرانُ... الأشجارُ... نوافذُ الباص سقفُه... المقاعدُ... الركابُ... هديرُ المحركِ يخترقُ رأسي بلا رحمة.. قطرات العرق البارد تنضحُ من جبيني ماذا أفعل؟! قبضةٌ قاسية من حديد باردٍ تضغطُ على معدتي.
رأسي يدور... شعورٌ بالتقيؤ يسيطر على روحي... ليتَ الباص يتوقفُ... لا أحدَ يهتمّ بي... الجميع مشغولون بمتابعةِ الفيلم... إنهم يضحكون.. وسوف يضحكون بعدَ قليل مني... شعرتُ بأني وحيد وغريب وضعيف.. فجأة...
-ما بك يا سومر؟
جاءني صوت مهند دافئاً حنوناً... كأنه قادم من سماء بعيدة
-أشعر بدوخة في رأسي وألم في معدتي..
ارتسم خوف حقيقي على وجهه وأسرع إلى مقدمة الباص ثم عاد حاملاً كيساً أسود فتحه بسرعة وقربه من فمي وسُرعان ما لفظت كل ما في معدتي... أحسسْتُ بالراحةِ لكنّ صُداعاً خفيفاً بدأ ينتفض في رأسي... أسندني مهند إلى الخلف ومسح وجهي بمنديل مبلل
-كيف حالك الآن؟
-بخير.. شكراً لك.
-سامحكَ اللهُ... نحنُ أصدقاء.
تأملته ملياً كأنِّي أراه أول مرة... حقاً نحن أصدقاء لقد تعارفْنا منذ أكثر من عشرِ سنوات حين التقينا أول مرة في روضة للأطفال وكنا أكثر الأطفالُ بكاء وصُراخاً في الأيام الأولى... ثم اعتدْنا حياة المدرسة نذهب معاً ونعود معاً.. نتقاسم الطعامَ والحلوى والوظائف والعقوباتِ والأسرار الصغيرة... وها نحن الآن في الصف السادس... تلمّس مهند بحنان خدي ورقبتي حيث آثار أظافره... وقال مبتسماً:
-أنا آسف..
تلمست أنا مكان العضة في يده حيث ما تزال آثار أسناني بارزة وقلت ضاحكاً...
-وأنا آسف أيضاً
ضحكنا معاً بصوت مرتفع... التفتَ إلينا بعضُ الركاب بدهشة... وغرقْنا في حديث طويل فنحن لم نتحادث منذ عشرة أيام ولم نتوقف عن الحديث إلا حين فاجأنا البحر وهو يستقبلُنا بزرقته الحالمة.

Naadi
05-11-2010, 09:06 PM
العصفور الطائش




فجأة سقط عصفور صغير بيننا، لم ندر كيف سقط، كنت ألعب مع إخوتي وأبناء وبنات عمي تحت شجرة جوز ضخمة في بستان جدي، توقفنا عن اللعب نتأمل بدهشة العصفور الصغير. كانَ يزقزق ويحدّق إلينا دونَ مبالاة بعينيه الصغيرتين، بدأنا نقترب منه بحذر ونمدُّ أيدينا للإمساك به يغرينا جناحاه القصيران وانشغالُه بالزقزقة ثم قفزنا نحوه كالقطط الجائعة فارتفَع قليلاً في الفضاء فوق رؤوسنا وحلّق على ارتفاع منخفض ثم حطّ في حقل ذرة قريب ووقف على رأس عود يزقزق ويتمايل وكأنه يهزأ بنا.
تسلّلنا بخفة وهدوء بين أعواد الذرة فتشاغل عنا بالزقزقة ونقر الكوز وما كادت أيدينا تقترب منه حتى رفرف بجناحيه الصغيرين وطار إلى حقل نعناع. اندفعنا نحوه صارخين فانتظرَنا بشجاعة وحين أصبحنا على مسافة خطوتين منه طار بعيداً عن أيدينا ولم نستطع كبح اندفاعنا الشديد فتساقطْنا على الأرض فوق بعض ونهضنا ننفض عن ثيابنا غبار الهزيمة وننظر بغضب إلى العصفور الذي وقف على سياج البستان يزقزق ساخراً فاشتعل عنادُنا لملاحقته والقبضِ عليه حياً أو ميتاً وحين طار خارج البستان تابعنا مطاردته فقفز الكبار من فوق السور وتسلّل الصغار من بين الأسلاك وجرينا خلفه غير آبهين بصرخات جدي (إلى أين تذهبون؟!... إلى أين...؟ عودوا يا عفاريت!)
لقد صمَّمنا على الإمساك بهذا العصفور مهما كلّف الأمرُ وركضْنا خلفَه مهدّدين إياه بالسجنِ في القفصِ والرمي للقططِ والربطِ بالخيط ولكن العصفورَ الصغير لم يأبه بنا واستمرّ يقفز ويطير بنشاط من مكان إلى آخر ونحن نجري خلفه لاهثين وأخيراً اختفى العصفور عن أبصارِنا خلفَ منحدر وعرٍ مليء بالحفر السوداء. توقفنا نسترد أنفاسنا ثم أخذنا نجول هنا وهناك باحثين عن العصفور الصغير. فجأة علا صراخ أختي تنادي بفزع...
-أسرعوا.. أسرعوا
ركضنا نحوها... كانت تقفُ على حافة حفرة عميقة في قعرها طين والعصفور يتخبطُ فيه محاولاً الخلاص وحين عزَمتُ على هبوطِ الحفرة وإنقاذِ العصفور شدّتني أختي إلى الخلف وهي تصْرُخُ برعب..
-الأفعى... الأفعى...!!
تجمّدنا مذعورين ننظرُ إلى أفعى سوداء تزحفُ من جُحرها متلويةً نحو العصفور وتمدّ لساناً متشعباً بين الحين والآخر... ارتفع صراخ ابن عمي يشتمُ الأفعى ويطلب منها العودةَ وتركَ العصفور فتبعناه بصراخنا وتعالَتْ صيحاتُنا كما خبطْنا الأرضَ بأقدامنا.
توقفت الأفعى قليلاً تحدق إلينا بعينيها المرعبتين ثم تابعَتْ زحفها نحو العصفور الذي قيّده الرعبُ فاستسلمَ للهلاك القادم.
غابَتْ أصواتُنا شيئاً فشيئاً وخيمَ الصمت، عيونُنا ترقب الأفعى بخوف وقلوبُنا يعصرُها الحقد. ولم أدرِ كيف امتدّتْ يدي نحو الأرض والتقطَتْ حجراً ثم قذفته بكلّ قوة وحقد نحو الأفعى فوقعَ قريباً منها. تباطأَتْ فأتبعتُه بآخر فأصابَها وسُرعان ما انهمَرتْ الحجارةُ فوقها تصيبُ وتخطئُ وحينَ أصبحَتْ حجارتُنا أكثرَ دقة في إصابةِ جسدِ الأفعى تلوّتْ متألمةً ثم انثنتْ هاربةً إلى جُحرها وحجارتُنا تلاحقُها حتى اختفت فيه.
وشعرتُ بقوة غريبة تدفعني فوثبْتُ نحو قاعِ الحفرة تصلُني صرخاتُ التحذيرِ والتشجيعِ وانتشلْتُ العصفورَ من الطينِ ثم قفزتُ خارجَ الحفرة بسرعةٍ عجيبة.
عُدنا إلى البستان نتبادلُ حملَ العصفور الصغير نضمُهُ بحنان وحبّ إلى صدورِنا ولمّا وصلْنا كانَ جدي ينتظرُنا عابساً أمامَ باب البستان وفي لحظات قليلة روى لـه الصغارُ كلّ شيء.
نظرَ إلينا بدهشةٍ وإعجاب.. دخلْنا البستانَ.. فأحضرَ جدي سلماً أسندَهُ إلى جذعِ شجرةِ الجوز وأعاد العصفور الطائشَ إلى عشه.

ÿ*ÿ

Naadi
05-11-2010, 09:09 PM
أزهار الصداقة



كان يا ما كان في بلدة جميلة تدعى (زهر البيلسان) يعيش عددٌ من الأطفال، أعمارُهم كأعماركم وأسماؤهم كأسمائكم.. (أسامة.. طارق.. مازن.. ليلى.. خولة..) يتعلّمون في مدرسة البلدة يلعبون في ساحاتها يمرحون وينشدون، يتخاصمون أحياناً ولكنهم سرعان ما يتصالحون. لم يكن يعكّر صفاء حياتهم الحلوة سوى صبي ضخم الجسم اسمه عمران يهوى إيذاء الصغار والحيوانات المسكينة، ويتفاخرُ بأنّ جميع الأطفال يخافون منه. وفي نهاية العام الدراسي من السنة التي حدثَتْ فيها قصتُنا نجحَ جميعُ الأطفال مِن صفهم ما عدا عمران، فقد رسب كما توقع الجميعُ،ولكنَّ هذا لم يحزنْهُ كثيراً بل قالَ في نفسِه: (ولماذا أحزن ما دمتُ سأترك المدرسة وأسافرُ بعيداً عن هذه البلدة؟!) ثم ركضَ خلفَ الأطفال الناجحين واعترضَ طريقهم واقفاً أمامَهم
بجسدِه الضخم كمارد المصباح في حكاية
علاء الدين (التي تعرفونها) وصرخ في وجوه الأطفال.
-هيه أنتم! مَنْ يصارعني الآن منكم؟!
نظر الأصدقاء بعضهم إلى بعضٍ وهزّوا رؤوسهم مُشفقين، وتابعوا طريقهم إلى بيوتهم بعد أن أفسد عليهم عمران بعضاً من سعادتهم ثم لحق بهم وهو يصرُخ.. جبناء.. جبناء.. ومضى نحو بيته نافخاً صدره رافعاً رأسه بغرور كديك منتصر على دجاجة هزيلة. كان بيتُ عمران يقع في طرف البلدة وقد بناه والده قبل أن يموت بسنوات على رابية تشرف على غابةٍ كبيرة تمتد نحو الغرب حتى الوديان البعيدة العميقة. وبينما كانَ عُمران في طريقِه سمعَ فجأةً صوتاً يناديه (عمران.. عمران.. ما تفعلُه خطأ يا عمران!..)
رفع رأسه فوجدَ حمامة زرقاء لها ذنب أبيض. فصرخ عمران:
-مَنْ أنت وماذا تريدين؟
-أنا الحمامةُ الزرقاء.. أريدُ نصيحتَك يا عمران.
-لا أريدُ أيةَ نصيحة!
-لا بدّ أن تسمعني.. (مَنْ يتفاخرْ بقوةِ عضلاته يضعفْ عقلُه وقلبُه).
فيغصبُ عمران ويقذفُ الحمامة الزرقاء بحجر فتطيرُ حزينة نحو الغابة..
وصل عمران إلى البيت فوجد أمّه وإخوته بانتظاره.. سألته أمّه بلهفة عن النتيجة فأجابها دون مبالاة.
-لقد رسبت.
-لماذا يا بني؟
-لأن الجميع يكرهني..
-ولماذا يكرهونك؟
-لأني أقوى منهم جميعاً.
-وماذا ستعمل؟
-سأترك المدرسة.
فغادرت أم عمران البيت حزينةً بينما طلب عمران من أخته الكبرى أن تضع لـه الطعام بسرعة.
وفي أحد الأيام بينما كان الأطفال يلعبون في الساحة اقترب منهم بهدوء طفل غريب باسم الثغر بسيط الثياب.. حيّاهم بلطف.. توقّفوا عن اللعب ونظروا إليه بدهشة فهم يرونه لأول مرة. تشجّع طارق وسأله:
-من أنت؟!
-أنا (رائد) وصلتُ مع أسرتي مساءَ البارحة إلى بلدتكم الجميلة.
قالت ليلى:
-هل تنوون الإقامة هنا؟
-نعم.. أبي بنّاءٌ ماهر وقد أحبَّ السكنَ في بلدتكم الجميلة.
قال أسامة فرحاً:
-أهلاً وسهلاً بكم في بلدتنا (زهر البيلسان).
-أتقبلونني صديقاً لكم؟
نظر الأطفال بعضهم إلى بعض وهمّوا بأن يقولوا لـه نعم، لكنّ صوتاً قوياً هدرَ خلفَهم:
-كلا.. نحن لا نقبل صداقة الغرباء.
التفت الجميع نحو مصدر الصوت فشاهدوا عمران قادماً وهو يحمل قطّاً مسكيناً من ذيله ويستمتع بموائه الحزين، نظر عمران باستهزاء إلى رائد ثم دار حوله يقرّب القط البائسَ من وجهه فبقي رائد صامتاً لا يرفُّ لـه جفن لكنّ الابتسامة الجميلة غابتْ من محياه..
قهقه عمران وصرخ:
-انظروا إلى صديقكم كيف خاف من قطٍّ صغير.
-وهل تعذيب الضعفاء شجاعة؟!
قال رائد وهو ينظر بهدوء إلى عمران الذي غضب وقذف القط بعيداً ثم تأهبَ للعراك:
-إذا كنت شجاعاً حقاً فهيّا صارعني.
-أريد الصداقة والمحبة.. لا أريد الشجار.
-أنت جبان إذن!
-سامحك الله.
ثم انصرف رائد ومضى يغادر الساحة لكن عمران أسرع خلفه واعترض طريقه:
-لن أسمح لك بالذهاب حتى أهزمك أمام الجميع.
كتم رائدٌ غضبه وتابع سيره لكنّ يد عمران الضخمة انقضّتْ على كتفه وشدّته بعنفٍ إلى الخلفِ فاستدار رائد ونارُ الغضب تلتهب في عينيه وفي لمح البرق انهال على عمران بعدة ضربات قوية جعلته يصرخ من الألم ويتراجع مذهولاً من المفاجأة، ثم تمالكَ نفسَه واندفع هائجاً شاتماً نحو رائد الذي انحرفَ ببراعة عن طريقه ودفعه نحو الأمام من ظهره فهوى عمران على الأرض كجذع شجرة يابسة، فنهض خجلاً أشعث الشعر مغبر اليدين والوجه والثياب وغادر الساحة يركضُ على غير هدى، وأخيراً وجد نفسه قربَ الغابة فجلسَ فوق إحدى الصخور يفكّر في الانتقام والثأر من رائد الذي جعله سخرية أمام الأطفال.. فجأة حطّ غرابٌ فاحمُ اللون أصفرُ العينين والساقين على غُصنِ شجرةٍ يابسة ونعق
-قاق.. قاق.. قاق.. أتريد الانتقام يا عمران؟
-نعم.. نعم.. كيف؟
-اذهبْ بسرعة.. واطلب مساعدةَ الساحرة شوكيّة!
-وهل ستمنحني القوة التي أريد؟
-طبعاً.. إذا نفذت لها ما تريد!
-وكيف أصل إليها؟
-اسلك هذا الدرب الشوكيّ المظلم.
نعق الغراب وطار بعيداً واختفى في أعماق الغابة.
نهض عمران واتجه نحو الدرب الشوكي يحلم بالقوة وهزيمة رائد.. لكنه سمع صوت الحمامة الزرقاء تناديه:
-عمران.. عمران.. لا تسلكْ طريق الشرّ يا عمران.
-اسكتي أيتها الحمامة الغبية!
-ستخسر نفسك يا عمران.
-بل سأربح القوة.
والتقط حجراً رمى به الحمامة التي رفرفت حزينة فوق الأشجار العالية. دخل عمران الدرب الشوكي فخيم الظلام فجأة وأخذت الأشواك تمدّ إبرها نحوه لكنّه تابع السير يأتيه صوت الغراب الأسود يحثّه على السير بين الحين والآخر. أخيراً وصل إلى كهف الساحرة (شوكية).
كان يقع في تجويف صخور سوداء تعشش بينها الخفافيش والعناكب، أما باب الكهف فقد كان مصنوعاً من جلود تماسيح وأفاعٍ، وفي أعلى الباب عُلقّ رأس ثعلب عجوز لـه عينان ماكرتان.
دقّ عمران الباب وانتظر بخوف فأطلت (شوكية) من فتحة في أعلى الباب بشعرها الرمادي وأنفها المعقوف كمنقار نسر عجوز. صرخت الساحرة:
-مَنْ أنت.. وماذا تريد؟
-أنا عمران.. أريدُك أن تمنحيني قوةً كبيرةً يا شوكيّة.
-سأمنحك قوة ثور برّي.. ولكن على شرط
-ما هو؟!
-أعطني قلبك أولاً.
-وكيف أعطيك قلبي؟
-لا تفكر إلا بنفسك ولا تحزنْ أبداً عندما يحزنُ الناس.. ما رأيك؟
تردد عمران قليلاً ولكنّه حينَ تذكّر هزيمتَه أمامَ رائد وبأنه سينتقم ويغدو أقوى الجميع أجاب الساحرة بحماس:
-لقد رضيتُ هاتي قوة الثور البرّي بسرعة.
قهقهت شوكية فرحة ثم دخلتْ الكهف وأحضرَتْ لعمران كأساً رُسم عليه ثور برّي لـه قرنان كبيران وفي الكأس شراب كريه الرائحة يتصاعد منه بخار أحمر.. قدّمت شوكية الشراب لعمران بيد طويلة الأظافر.
-هيّا اشرب أيها الصبي حتى تصبح أقوى الجميع.
شرب عمران الكأس بصعوبة وشوكية تشجعه وحين انتهى من آخر قطرة أحسّ بحرارة في جسده وانتفاخ في عضلاته، كما شعر بأنّ رأسه يكبر وتبرز على جانبيه عظمتان تمنّى أن ينطح بهما شيئاً ما وحين لمح جدار الكهف راح ينطحه وشوكية تنظر إليه فرحة ثم دخلت كهفها تضحك وطلبت منه أن يغادر المكان قبل حلول الظلام، فأسرع عمران يجتازُ الدربَ الشائكَ المظلم.
وصل البلدة قبيل المغرب، بحث عن الأطفال في الساحة فلم يجدهم غضب لأنهم قد غادروا إلى بيوتهم. عاد إلى البيت وحين دخله وجد أمه وإخوته يعملون معاً في صنع طبق جميل من القش عليه رسوم زهور وعصافير.. نظر الجميع إليه بدهشة.. قالت الأم:
-ما بك يا عمران؟!.. هل أنت مريض؟
-كلا.. أنا في أحسن حال.
-تعال وساعدْنا في صنع هذا الطبق.
-أنا لا أساعد أحداً..
-هل أنت متعب؟!
-كلا.. أنا جائع أريد الطعام حالاً.
تناول عمران الطعام وحدَه ثم نام بسرعة وهو يحلم بأنه سيهزم رائداً ويرميه على الأرض. وسوف يصفّق لـه المتفرّجون ويهتفون باسمه والتفتَ عمران إلى المتفرجين فشاهد مجموعة من الثيران الضخمة تخور وتصفّق لـه بأظلافها وتلوّح برؤوسها الضخمة وأذنابها.. ثم حمله أكبرها وراح يطوف به في أرجاء الساحة رماه على الأرض وسرعان ما هاجمته الثيران بقرونها.. استيقظ عمران يصرخ خائفاً فأسرعت أمه نحوه ولكنها تراجعت مذعورة حين شاهدت رأسه الضخم.
-رأسك يا بني!
-ما به؟!

Naadi
05-11-2010, 09:09 PM
-إنه كبير ويشبه رأس..
-لا يهم.. أنا أقوى الأطفال وسيخافني الجميع.
-ماذا فعلت بنفسك؟
-يكفي.. أنا جائع جداً.
-انتظر حتى تفطر مع إخوتك.
-لن أنتظر أحداً.
وبعد أن التهم عمران وحدَه طعام الإفطار بشراهة. واستعدّ للخروج نادته أمه:
-إلى أين تذهب يا بني؟
-لدي عمل هام.
-ألن تذهب معنا لزيارة خالك المريض؟
-أنا مشغول.
لم يجد عمران الأطفال في ساحة القرية أو شوارعها بل وجدهم قرب أحد البساتين يبنون كوخاً صغيراً من الحجارة والأغصان اليابسة وهم في سعادة وسرور، فانقضّ على البيت بسرعة وأخذ ينطحه ويرفسه فتهدّمت جدرانه وانهار سقفه ثم صرخ بصوت يشبه خوار الثور:
-رائد.. أيها الجبان تعال وصارعني!
-ألم يكفك درس البارحة؟
-بل أنا الذي سألقنك درساً لن تنساه طوال حياتك.
تهيأ الاثنان للصراع وتحلّق الأطفال حولهما ينظرون بخوف ودهشة إلى رأس عمران الضخم.
ضرب عمران الأرض بقدمه يثير الغبار والحصى كما يفعل ثور المصارعة، ثم اندفع برأسه الضخم نحو رائد الذي تلقاه بشجاعة وثبات ثم قفز بمهارة أمامه ماداً قدمه في طريق عمران فاختل توازنه وهوى متدحرجاً على الأرض ووقع هائجاً يشتم ويصرخ وقد أعماه الغضب تماماً، ثم هاجم من جديد ولكنه فشل ثانية وتلقى سيلاً من الضربات الموجعة ألقته أخيراً على الأرض خائراً مهزوماً وتعفّر جسده وثيابه بالتراب وتمدد على الأرض يئن من الألم، اقترب الأطفال منه يريدون مساعدته لكنه نظر إليهم بحقد ونهض يركض نحو الغابة لا يلتفت إلى شيء. وهناك عند طرف الغابة سمع صوت الحمامة يناديه:
-عمران.. عمران.. لا تعُدْ إلى الساحرة الشريرة..
لم يأبه عمران لنداء الحمامة الزرقاء بل تابع جريه نحو الدرب الشوكي المظلم.. طارت الحمامة خلفه تناديه متوسّلة كي يعود.. فتوقف غاضباً ورماها بحجر وأقسم بأنه سيصيدها يوماً وينتف ريشها ويشويها ثم اخترق الغابة يركض في الدرب الشوكي غير مهتم بالأشواك التي تجرّح جسده. وصل كهفَ الساحرةِ وقرعَ الباب بعنف وغضب.. مدّت الساحرة رأسها ذي الأنف المعقوف وصرخت:
-ماذا تريد؟
-خدعتني أيتها الماكرة.. لقد هُزمت من جديد.
-لكني أعطيتك قوة ثور بري!
-لم تنفع في شيء.. أريد قوة أكبر.. أكبر..
-اسمعْ.. سأمنحُك قوّةَ دبّ الجبل وذئب الوادي.. ما رأيك؟
-وهل سأتغلّب على عدوي؟
-طبعاً.. طبعاً..
-أسرعي أرجوك.
-أعطني روحك بسرعة.
-روحي.. كيف؟!
-الأمر بسيط.. لا تساعدْ أحداً... واكره جميع الناس.. ما رأيك؟
تردد عمران ثانية في قبول شروط الساحرة ولكنْ حين نظر إلى ثيابه المعفّرة بالتراب وتذكّرَ هزيمته المنكرة أمام الأطفال أجاب:
-لقد رضيت أيتها الساحرة.. أسرعي وهاتي شراب دبّ الجبل وذئب الوادي.
ضحكت شوكية ضحكة المنتصر ثم أحضرت كوبين يتصاعد منهما بخار أصفر كريه الرائحة رُسم على الأول صورةُ دبّ مفترس وعلى الثاني صورة ذئب غادر مكشّر عن أنيابه.. صرخت الساحرة:
-اشرب بسرعة.. اشرب..
تراجع عمران خائفاً ثم تشجّع حين تذكّر أنه سيمتلكُ قوةَ دبّ الجبل وشراسة ذئب الوادي فأغمض عينيه وشرب سائل الكوبين بصعوبة، فانتشرت نارٌ حارة في جسده وبدأ شعر أسود خشن يخرج من مسامات جلده كما طالت أسنانه حتى برزت من فمه، وسيطرت عليه روح شريرة تأمره أن يحطّم كل شيء.. أغلقت الساحرة الباب هاربةً وهي تضحك كما نعقت الغربان وطارت الخفافيش تحوّم حوله. أسرع عمران عائداً من حيث أتى وهو متشوق للعراك والشجار كمارد مجنون.. وصل أخيراً حيث يلعب الأطفال فوجدهم يعيدون بناء البيت الصغير الذي هدّمه وهم يتعاونون على نقل حجر كبير.. فصرخ بصوت وحشي:
-هيّا إلى العراك أيّها البنّاء الجبان!
توقف الأطفال عن العمل ونظروا بذعر إلى عمران فتقدّم نحوهم يطلق صرخات مفزعة.. برز رائد لقتال عمران وسرعان ما انضمّ الجميع للقتال وتحلّقوا حول عمران كسوار من فولاذ.. فزأر وعوى وكشر عن أنيابه ولكنّ هذا لم ينفعه في تفريق الأطفال أو إبعادهم بل رفعوا قبضاتهم القوية وتقدّموا نحوه فصمت وشعر بالخوف يتسلّل إلى قلبه فتراجع شيئاً فشيئاً ثم أدار ظهره هارباً نحو بيته يجري في شوارع البلدة، وحين شاهده الناس صرخوا.. الوحش.. الوحش.. اقتلوا الوحش.. ثم هاجموه بالعصي والفؤوس والحجارة فأسرع هارباً من مكان إلى مكان تلاحقه الجموع، ودمعتْ عيناه عندما رأى إخوته وأمه بين الجموع المطارِدة.. إنهم لم يعرفوه إذن.. ولكن كيف يعرفونه وله هذا الشكل القبيح؟
كانت الغابة ملجأه الأخير، فدخلها واختبأ بين أشجارها الكثيفة يراقب بهلع الجموع الغاضبة وهي تبحث عنه.. لقد أصبح الجميع يكرهه ويتمنّى موته حتى أهله وإخوته ولكنهم لا يعرفونه ولا يجرؤ على مناداتهم.. انسحب أهالي البلدة أخيراً عائدين بعد أن يئسوا من العثور عليه وعمّ الغابة سكونٌ مخيف.. شعر عمران بالعطش فخرج من مخبئه يبحث بهدوء عن الماء. وصل إلى ساقية يجري ماؤها بصفاء بين الأشجار فانكبّ عليها ليروي ظمأه لكنه تراجع خائفاً حين لمح وحشاً مخيفاً يرتسم أمامه على صفحة الماء. صبر قليلاً واختار مكاناً آخر لشربه لكن وجه الوحش برز لـه من جديد. أمعن النظر قليلاً فتأكّد أنه يرى صورته منعكسة على الماء فبكى بألم وصرخ.. ماذا حدث؟ وجاءه الجواب على لسان الحمامة الزرقاء التي وقفت فوقه على أحد الأغصان.
-لقد أصبحت وحشاً يا عمران!
-أخبريني.. لماذا؟
-لأنك قدّمت قلبك وروحك للساحرة الشريرة.
فأطرق عمران خجلاً.. وسأل الحمامة بصدق:
-ماذا سأفعل؟ أرجوك أنقذيني!
-اتبعني يا عمران.
طارت الحمامة ترشده في طرقات الغابة ومضى يركض خلفها محتملاً ألم الأغصان التي تلطم وجهه والحجارة التي تدمي قدميه.. ركض.. ركض ثم توقف يلهث.. رفرفت الحمامة فوقه:
-ما بك؟
-لقد تعبت.
-تابعِ الجريَ إذا كنت تريد الخلاص.
تحامل عمران على نفسه وتابع الركض خلف الحمامة الزرقاء وأخيراً انكشفتْ أشجار الغابة عن سهل واسع تتوسطه بحيرة رائقة تضحك الشمس فوق أمواجها الهادئة الزرقاء.. حطّت الحمامة قرب البحيرة ثم توارتْ خلفَ أعشابٍ ونباتاتٍ كثيفة.. غابتْ قليلاً ثم خرجت وقد انقلبت إلى فتاةٍ ساحرة الجمال ترتدي ثوباً طويلاً رسمت عليه أحلى الأزهار. تأمّل عمران الفتاة بدهشة:
-مَنْ أنت؟!
-أنا الحمامة الزرقاء.. أميرة هذه البحيرة.
-ولماذا جئت بي إلى هنا؟
-حتى تصبح إنساناً خيّراً يحبّك الناس وتحبُّهم..
-كيف؟
-اخلع ثيابك ثم اسبحْ في هذه البحيرة حتى الشاطئ الآخر وابحث هناك عن أزهار الصداقة.. اجمع باقة منها وعد بها إلى هنا قبل مغيب الشمس.
-وكيف سأعرفها؟
-رائحتها الزكية ترشدك إليها.
قذف عمران بنفسه في مياه البحيرة وأخذ يسبح بحماسة أحس ببرودة الماء ترعش جسده لكنه تابع السباحة بإصرار ترافقه أسماك صغيرة ذهبية اللون حتى وصل مجهداً إلى الشاطئ فاستقبلته هناك عصافير ملونة أخذت تغرد فرحةً بقدومه فنسي تعبه وندم كثيراً لأنه كان يصيد بقسوة هذه المخلوقات الجميلة اللطيفة. تجوّل يبحث عن أزهار الصداقة هنا وهناك فلم يجد سوى الحصى والصخور والأعشاب البحرية والرمال.. بحث طويلاً حتى كاد ييئس ونظر بخوف إلى الشمس التي أخذت تميل نحو الأفق الغربي.. أين تلك الأزهار؟ تذكّر قول الأميرة: (رائحتها الزكية ترشدك إليها). فجأة هبَّتْ نسمة خفيفة تحمل إليه رائحة شذية لم يعهدها في حياته.. بحث بلهفة عن مصدر الرائحة الساحرة فشاهد زهرة صغيرة حمراء تمدّ تاجها بصعوبة من خلال كومة من الصخور المتراكمة فوقها فأسرع يزيح الصخور عنها وكلما أزاح صخرة انكشفت تحتها مجموعةٌ من الأزهار الحمراء ولما انتهى من إزاحة الصخور وقف يتأمل المشهد البديع لتلك الأزهار التي أخذت تتمايل بأعناقها مرسلةً أحلى عطر في الفضاء فينساب إلى قلب عمران الذي عاد يخفق بشدة مشتاقاً إلى أمه وإخوته وتمنّى في هذه اللحظة الساحرة أن يعانق رفاقه جميعاً كما أحسّ بروحه تطير نحو أعالي الأشجار والغيوم وتشارك الطيور فرحتها بهذا الفضاء الواسع الجميل.. قطف عمران باقة من أزهار الصداقة وحملها ثم عاد يسبح بلهفة نحو أميرة البحيرة وحين وصلّ إلى الشاطئ استقبلته الأميرة بابتسامة عذبة وقالت لـه مبشّرة:
-عمران.. انظر إلى جسدك!
نظر عمران إلى جسده فوجد أنه قد عاد سليماً كما كان وحين نظر إلى وجهه في مياه البحيرة رأى أن الملامح الوحشية قد اختفت وعاد وجهه صافياً مشرقاً تزينه ابتسامة عذبة يراها لأول مرّة.
شكر عمران بحرارة أميرة البحيرة وقدّم إليها زهرة صداقة ثم طلب منها أن تسمحَ لـه بالعودة إلى البلدة فقالت:
-أسرع واسلك هذه الجهة من الغابة.
-وماذا أفعل إذا أضعتُ الطريق؟
-لا تخفْ.. أزهارُ الصداقة سوف ترشدك.
مالت الأزهار بأعناقها النحيلة الخضراء حيث أشارَتْ الأميرة فانطلق عمران عائداً يخترق الغابة وحين يفقد الاتجاه الصحيح كان يقرّبُ الأزهار من صدره فتميل بتيجانها حيث الطريق الصحيح.. وأخيراً وجد نفسه يخرج من الغابة أسرع يبحث عن رفاقه فوجدهم يتابعون بناء الكوخ الصغير وهم يحاولون حملَ حجر ثقيل ليجعلوه سقفاً للباب. لمحته خولة فصرخت في رفاقها محذرة:
-انتبهوا... عمران قادم!
ألقى الأطفال الحجر من أيديهم وتأمّلوا عمران وهو يقترب منهم باسماً قال مازن:
-أمر غريب.. إنه يحمل باقة زهر جميلة ويبتسم أيضاً..
وصل عمران إليهم تأمّلهم بحبّ ثم مدّ يده وصافح رائداً وعانقه ثم قدّم إليه زهرة حمراء والجميع ينظر إليه بعجب ودهشة.. قالت ليلى وهي تتناول منه الزهرة الجميلة:
-هل أنت عمران حقاً؟!
-طبعاً أنا عمران!
-وعمران الذي كان يشبه الوحش؟
-لقد اختفى في الغابة.
تابع عمران توزيع بقية الأزهار على الأطفال فانتشر شذاها يملأ النفوس بالمحبّة والصفاء. ثم اتجه نحو الصخرة الكبيرة وسأل رفاقه:
-هل تسمحون لي بمساعدتكم في بناء البيت؟
صاح الأطفال جميعاً:
-بكل سرور..
امتدّتْ أيدي الأصدقاء نحو الصخرة وحملوها ثم ثبّتوها في مكانها بأعلى الباب وتابعوا عملهم فرحين وهم يغنّون ويضحكون وقبل مغيب الشمس كان البيت الصغير جاهزاً ليسكن فيه الجميع.
... وأنتم يا أطفال إذا شعرتهم أنكم تتصرفون بقسوة ووحشية تجاه أهلكم وأصدقائكم فاذهبوا بسرعة واسبحوا في البحيرة الزرقاء واجلبوا أزهار الصداقة واستنشقوا عطرها... إنها موجودة.. اسألوا عنها آباءَكم وأمهاتكم ومعلميكم.
zzz