المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كتاب : أسرار التخييل الروائي



dabe3
05-18-2010, 01:57 PM
أسرار التخييل الروائي

نبيل سليمان

منشورات اتحاد الكتاب العرب
دمشق ـ 2005

ذهب أرسطو إلى أن السرد التخييلي أوفر فلسفة وعلمية من التاريخ، لتعلقه بالحقائق العامة. ولأن السرد التخييلي، بحسب أرسطو، يُعنى بما يحدث، وليس بما حدث، فلا تكفي معه القوانين العامة. وفي ذلك الأمس البعيد ذهب أفلاطون إلى أن التخييل أبو الكذب. أما في يومنا فقد ذهب مارتن والاس إلى أن التخييل ابن الكذب، فيما رآه سيرل أكبر تعقيداً من الكذب.
بتحديد السرد التخييلي بالرواية تطلع ـ مما تقدم ـ الأسئلة عما بين الرواية والتاريخ (ما حدث) وراهن الكاتب والكتابة (ما يحدث)، وعن اللغة والمخيلة و.. وبذا تمضي الأسئلة إلى أسرار التخييل الروائي ـ وبعبارة بعضهم منذ أرسطو: القوانين الخاصة بهذا السرد ـ مما يتعلق بتفاعل صدقه وكذبه، تزييفه وحقائقه، مرجعيته ولذته ولعبه و.. على طريق قيامته.
من أسرار التخييل الروائي، ومع كل رواية وقراءة، ينهض أو يتقوض أو يغمض أو يتعقد أو ينجلي أو يتبسّط سرٌّ أو أكثر من أسرار التخييل الروائي، وذلك ما يحاول هذا الكتاب أن يتقراه عبر أكثر من ستين رواية عربية، جلّها ما صدر إبان رحيل القرن العشرين وقدوم القرن الحادي والعشرين، حيث يتواصل الدفق الروائي العربي، وتتكاثر الأصوات الجديدة. ولأن الرواية العربية قد بلغت ما بلغت، آثرتُ أن يبدأ الكتاب بالسؤال عن صبوتها الكونية والعالمية، وعن شأنها مع شرك العالمية ـ الخصوصية، حيث قد يكون مجمع الأسرار، أو واحد من مجامعها الكبرى على الأقل.
من بعد، ومن فصل إلى فصل، تدافعت الأسئلة: لماذا أخفى بهاء طاهر وعبد الجبار العش مدينتيهما الروائيتين، الأول في رواية (الحب في المنفى) والثاني في رواية (وقائع المدينة الغريبة)؟ ما الذي حققته روايات غازي القصيبي (العصفورية) وهاني الراهب (رسمت خطاً في الرمال) وأبو بكر العيادي (آخر الرعية) وواسيني الأعرج (المخطوطة الشرقية) ومؤنس الرزاز (سلطان النوم زرقاء اليمامة) من التكنية بعربستان أو عربانيا أو أندروميدا أو نفيطية أو بمدينة الضاد أو بمدينة الزيت؟ إلى أين أفضت مغامرة التجريب في بناء رواية عزت القمحاوي (غرفة ترى النيل) وفي معنى الصداقة والموت؟ إلى أين أفضت تلك المغامرة في التفاعل مع الأنترنيت في رواية محمد سناجلة (ظلال الواحد) أو في رواية خليل صويلح (بريد عاجل)؟ وماذا عن بلوغ تلك المغامرة حدّ بناء رواية (قمر بحر) لعلم الدين عبد اللطيف بالتفاعل مع شخصية من رواية كاتب آخر؟ كيف حضر الكاتب أو الكاتبة في روايات (الكرنفال) لمحمد الباردي و(مواعيد الذهاب إلى آخر الزمان) لعبده جبير و(الوفاة الثانية لرجل الساعات) لنورا أمين؟ وهل للأنوثة وشمها في روايات عفاف البطاينة (خارج الجسد) ولطيفة الدليمي (حديقة الحياة) وهيفاء بيطار (امرأة من هذا العصر) ورجاء عالم (موقد الطير) وآمال بشيري (فتنة الماء)..؟
من الأسئلة السابقة ومن سواها في بقية فصول الكتاب، يبدو أن أسرار التخييل الروائي تتشظى وتنبهم وتلتبس، كما يبدو أنها تزداد غواية أو سذاجة أو فجاجة أو.. ومن ذلك ما يتعلق في الفصول التالية بالعبودية (يوسف المحيميد: فخاخ الرائحة) والبداوة (ميرال الطحاوي: نقرات الظباء ـ أحمد إبراهيم الفقيه: فئران بلا جحور) والشيخوخة (الحبيب السالمي: عشاق بيّه ـ جميل إبراهيم عطية: المسألة الهمجية) والصراع العربي الإسرائيلي (ناديا خوست: أعاصير في بلاد الشام) والصراع الداخلي (منهل السراج: كما ينبغي لنهر) وحرب الخليج الثانية (غالية قباني: صباح امرأة) ووعي الآخر الأمريكي والرحلة (صنع الله إبراهيم: أمريكانلي ـ أنيسة عبود: باب الحيرة ـ ماري رشو: أول حب آخر حب) وتخييل اليهودي سواء في الأندلس (فوزية شويش السالم: حجر على حجر) أو على أبواب قيام إسرائيل أو بعده (فيصل خرتش: حمام النسوان ـ كمال الخمليشي: حارث النسيان ـ يوسف فاضل: ملك اليهود ـ ممدوح عدوان: أعدائي ـ الحبيب السالمي: تماسخت). وكذلك هو الأمر حين تتعلق أسئلة وأسرار التخييل الروائي بالحفر في التاريخ (خيري الذهبي: فخ الأسماء ـ ثائر تركي الزعزوع: السلطان يوسف..) أو بتفاعل زمن الكتابة مع زمن الكاتب أو بِسَوْقِ الزمن الروائي عشرات السنين إلى المستقبل.
إنه غمار من الأسئلة كما هو غمار من الأسرار، يقترح هذا الكتاب صيغة بعضها كما يقترح صياغة بعض الأجوبة، ولكن مع التشديد على أن ليس من جواب قاطع ولا من سؤال أخير. ومع التشديد أيضاً على أن تقوم محاولة فض الأسرار كمحاولة صياغة الأسئلة والأجوبة ـ في حضور النصّ، وهذا ما ضاعف الحرص على عرض النصّ. ولعله من فضل القول أن تبويب النصوص تحت عنوانات الفصول، لا يعني أن ليس في مدونة فصل ما يتصل بسواه، وإنما هي الغلبة قد مالت بنص إلى فصل. كما حرصت القراءة على ألا يحرمها التبويب من تناول أمر ما في نصٍ ما، لا يؤطره الفصل. وكل ذلك إنما يشير إلى جماع القراءة في نهاية الكتاب، إذ تتجدد الأسئلة والأسرار، ولكن بعدما انعجنت بالنصوص، كما انعجنت النصوص بها.
نبيل سليمان
اللاذقية /2005

dabe3
05-18-2010, 02:00 PM
الفصل الأول



الرواية العربية
من شرك المحلية / العالمية إلى الكونية


الفصل الأول


الرواية العربية
من شرك المحلية ـ العالمية إلى الكونية

ينهض بحث محمد برادة (الرواية العربية: الكونية أفقاً)( ) بتشغيل عدد من المفهومات، أهمها:
العالمية ـ الخصوصية ـ ما بعد الكولونيالية ـ الأصولية ـ الأدب العالمي ـ الرواية الكونية.. لكن المفهوم الرئيس والحاسم هو: الكونية. ويبدو أن الباحث قد عوّل في درجة جلاء وتشغيل هذا المفهوم في بحثه، على أبحاث سابقة له. ومن هنا أحسب أن العودة إلى تلك الأبحاث، فضلاً عن تقليب القول في (الكونية) هو البداية الأوفى لمحاورة الباحث في: (الرواية العربية: الكونية أفقاً).
ففي بحثه (التعددية والكونية وانعكاساتهما على ثقافة المتوسط) ( ) كتب محمد برادة أن مصطلح (كونية universalisme) قد عرف تحليلات وتعديدات عديدة بوصفه يؤشر على مذهب يطمح إلى البحث عن توافق كوني. ومن المقولات الأساسية لـ (الكونية) يعدد الباحث: التقدم، العقل، التضامن، وهي المقولات التي اهتزت جراء التحولات الكونية، بالترابط مع الأزمة الحادة التي تعتور علاقة السياسي بالثقافي.
ويذهب الباحث مع رشارد إلى أن الكونية الأخلاقية هي من ابتكار الشعوب الغنية، بهدف التستر على الأغراض السياسية. كما يشدد الباحث على ارتباط طموحات الكونية بالأهداف السياسية والأيديولوجية. فالكونية الأحادية والكونية السلبية هي إمبريالية ثقافية تعتمد ـ بعبارة خوان غويتسولو التي يستعيرها برادة ـ (أصولية تكنو ـ علمية). لكن المآل قد أفضى، رغم ذلك كله، إلى أفق كوني "يتوفر على مسار آخر قوامه احترام الاختلاف والابتعاد عن المركزية الأحادية".
وفي بحثه (التعددية وتأثيرها على الحقل الثقافي العربي)( ) يكتب برادة أن المفهوم "حزمة من الإمكانات والعراقيل وقد انخرط في عالم معيش". وهذا ما يبدو عليه بحق المفهوم في بحث (الرواية العربية: الكونية أفقاً). أما الكونية في البحث السابق فتقترن بالتعددية التي يراها الباحث "أحد مكونات الصيرورة، وتضطلع بالتهجين، وتؤشر على أفق آخر للكونية".
والكونية كأفق هي إذاً شاغل مكين لمحمد برادة. إنها أفق ـ حلم للثقافة الإنسانية، كما يضيف.
ولكن ذلك لا يخفي نسبيتها، ما جعل الباحث يميز بين مستويين متباينين ومتكاملين للكونية: مستوى القيم الدينية والفلسفية، ومستوى التاريخ الملموس، حيث يوضح أنه على الرغم من ارتباط الكونية بالتطلع الطوبوي إلى نسق من القيم الإنسانية التي تقرب بين شعوب وثقافات العالم، فإن مضامينها المختلفة كانت وما تزال تستعمل لتبرير الاستعمار باسم مبادئ كونية تنشر الحضارة والتمدين المستمدين من مرجعية كونية محكوم لها بالتفوق والكمال. وهكذا يتابع الباحث ما تقدم في بحثه (التعددية والكونية..) ويعمقه، فالدول الأقوى والأغنى مُهيمنة على تحديد وتكييف مضامين الكونية فلسفياً وثقافياً، والنقلة الإيجابية التي عرفتها الكونية بعد الاستقلالات ـ الإشارة بادية إلى منتصف القرن العشرين ـ تقوضت. وبعد انتهاء الحرب الباردة ـ الإشارة بادية إلى سقوط الاتحاد السوفييتي ونهاية العقد الثامن من القرن العشرين ـ لم تتبوأ الكونية مكانة الأفق، وصار التناقض صارخاً بين التوجهات الكونية الربحية للدول المتحكمة في ثورة التكنولوجيا والاتصال، وبين انغلاقها على امتيازاتها..
إن كل ما تقدم سيحضر في بحث (الرواية العربية: الكونية أفقاً) سافراً، كما سيحضر بصياغات أقل أو أكثر تمويهاً. ومن الأمس القريب إلى اليوم يبدو نشدان الباحث للحلم (الكونية أفقاً) مغالباً واقع الحال الذي تفاقم خلال ما انصرم من سنوات معدودات على انتهاء الحرب الباردة واستفحال العولمة والأمركة والأسرلة والاستبداد. وليس يخفى ما في قول برادة في الكونية ـ وهو ما يؤسس ويحكم قولـه في الرواية الكونية وفي كونية الرواية العربية ـ من التفاعل مع أطروحات منظري ما بعد الكولونيالية. ولئن كان ذلك قد سرى في النسغ سابقاً، فهو سيسفر في بحث (الرواية العربية: الكونية أفقاً). ومن أجل ذلك أحسب أن وقفة هاهنا ستكون مفيدة لمحاورة هذا البحث، ولاسيما أنها وهي تتعلق بالكونية سوف تتعلق أيضاً بالعالمية والخصوصية من بين المفهومات والمصطلحات التي نهض بحث برادة بتشغيلها.
وأبدأ بهومي بابا الذي يرى أن موقع الثقافة اليوم يقع على حواف التماس بين الحضارات، حيث تنطلق بينية وهجنة وهويات جديدة. والكونية ـ العالمية، المنشودة، بالتالي، هي في منظور الأقلية الدال الذي يقاوم إضفاء الطابع الكلياني، دون أن يكون محلياً أو خصوصياً. وعند هومي بابا أيضاً أن الأصولية السلفية والبراغماتية الجديدة تصنّمان الخصوصية. وعنده أن العالمية موسومة بالمركزية الإثنية، وبلاغاتها إرادوية، وأن العالمية والخصوصية جلاء لديناميات السلطة والإخضاع والمقاومة، المقاومة التي تدخل الجدّة على العالم( ).
لقد تحدث هومي بابا عن الحداثة ما بعد الكولونيالية، وتحدث سواه عن النقد ما بعد الكولونيالي، وعن التأويل ما بعد الكولونيالي... وفي كل حديث تحضر الكونية والعالمية، بل والعولمة والحداثة وما بعد الحداثة. وبالنسبة لنا، ربما كان في رأس الأسئلة الملحة، ما صدرت به ر. رادا كريشنان مقالتها (العولمة والرغبة وسياسية التمثيل)( ) قائلة: "ما هو وجه الفتنة في العالمية؟ ولماذا تكون خطابتها مغرية بشكل لا يقاوم؟ ما هي طبيعة سلطتها؟". ولئن كانت كريشنان تعد العالمية والعولمة البيان الدارويني لبقاء الأصلح، فهي تضيء السؤال والجواب إذ تقول: "تقدم العالم ذاته كواقع وكتمثيل لذاك الواقع، وكل ذلك ضمن زمانية موحدة، كما لو أن جوهر الواقع بحد ذاته عالمي. وبالتالي، فإن أية محاولة لاستقصاء العالمية لن تكون أقل من تكذيب للواقع ذاته. لكن كيف أصبح الواقع معولماً بشكل مطلق ومعياري على هذا النحو؟ وبأية سيرورة تم سد الفراغ بين الواقع والتمثيل وادعائه باسم العالمية؟". ولئن شددت كريشنان على نسبية وتباين العالمية، فقد تركز قولها أيضاً في التوترات بين العالمية كأفق والعالمية كمضمون ـ وبلغة برادة: الكونية كأفق والكونية كمضمون ـ وبين العالمية أحادية القطب والعالمية متعددة الأقطاب، وبين العالمية كسيرورة والعالمية كرؤية متحققة ونتاج.
لا فكاك لأي قول اليوم ـ يوم ما بعد الكولونيالية ـ في الكونية والعالمية من التعالق بالعولمة والحداثة وما بعد الحداثة. ومن هنا أحسب أيضاً أن من الأهمية بمكان، استدعاء تيري إيجلتون لإضاءة أطروحة برادة (الكونية أفقاً). وأول ذلك هو رهن إيجلتون للعالمية التي يبتغيها الكاتب على الموقع الذي يحدث أن يقف فيه، وليس على السماكة التي يريدها لكتبه. فعلى الرغم من صخب العولمة والعالمية وما بعد الحداثة بالاختلاف والتعدد والتغاير ـ ومما يصخب به أيضاً خطاب ما بعد الكولونيالية ـ فهي تعمل من خلال تقابلات ثنائية صارمة: مقابل الإيجابية المطلقة للاختلاف والتعدد والتغاير، هي ذي النقائض المشئومة: الوحدة والهوية والكلية والكونية. وبذا يجوز الحديث عن الجنسين، وليس عن الطبقة، وعما بعد الكولونيالية وليس عن البورجوازية الصغيرة، وعن المتعة، وليس عن العدل..( ).
ليست الكونية بحسب إيجلتون وهماً إيديولوجياً، بل السمة الملموسة لعالمنا. ليست فكرة يمكن للمرء أن يختارها أو يعارضها على هواه النظري، بل هي بنية الواقع العالمي. والكونية هذه تشتمل على الهوية التي لا تعكس ضرباً من جنون العظمة.
تلك كونية، وإزاءها الكونية قصيرة الدارة التي تنتهك الحدود القومية كأنها شركة عابرة للقوميات.
تلك كونية لا تتعارض بالضرورة مع الاختلاف ومع القومية، وإزاءها كونية راديكالية ومحافظة معاً، كونية رأسمالية ليست غير خصوصية مكوننة. والأمر إذاً: ثمة كونية وكونية، فلنمض مع محمد برادة لنتبين الكونية التي يعلنها أفقاً للرواية العربية.

تحت عنوان (إعادة تحديد إشكالية المحلية والعالمية)، وبما هو بمنزلة مقدمة، يبدأ برادة بحثه الموسوم (الرواية العربية: الكونية أفقاً). وفي هذه البداية يرسم الإشكالية في إهابها الروائي العربي، ويحدد غرض بحثه بتبديد بعض الالتباسات والمغالطات التي يراها في هذا الإهاب. أما سبيله إلى ذلك فقد حدده بفكفكة معادلة المحلية والعالمية، وإعادة صياغتها على أسس من العناصر المستجدة والتحليلات السوسيو ـ أدبية التي أنجزها كل من بيير بورديو وباسكال كازانوفا وإدوارد سعيد.
من بعد، يأتي تصميم البحث في طبقتين، أو رواقين هما على التوالي: الرواية العربية ومنجزات الرواية الكونية ـ الرواية العربية في سياق ما بعد الكولونيالية. ويتتوج تصميم البحث بالطبقة الأخيرة أو الرواق الأخير تحت عنوان (الكونية أفقاً: الإنجاز والوعي). وكما ابتدأ البحث بما هو بمنزلة المقدمة، سينتهي بما هو بمنزلة الخاتمة التي أجملت خلاصة ما بلغه. ولئن كانت البداية قد غلّبت الخوض في المفاهيم وفي المستوى النظري، فسوف توالي طبقات البحث أو أروقته هذا الخوض. لكن التغليب سيكون للمستوى العملي، أي للقول في الرواية العربية: أمس واليوم وغداً، وهو ما كان لـه حضوره أيضاً في البداية. وعلى ذلك يبدو اشتباك النظري بالعملي سمة كبرى للبحث. وهي السمة التي تنمّ عن /وتؤكد خبرة محمد برادة العميقة والطويلة في النقد والثقافة والكتابة، ومنها لاسيما كتابة الرواية. ولعل ذلك ما يغوي وما يفخخ في آن مهمة التعقيب على مثل هذا البحث.
ينطلق الباحث مما تختزنه ذاكرته خلال نصف قرن مضى حول القول الأدبي العربي الجاهز في العالمية والمحلية: "كل عالمية تمر بالضرورة من المحلية". ويتعلق بذلك صون المحلية لأنها رديف الخصوصية وضمانتها، ولاسيما في مرحلة ما بعد الاستقلالات. وهذا ما يؤوله الباحث على أنه تأكيد لأهمية التراث في دعم الهوية. وقبل ذلك يدعو الباحث إلى الخروج من أسر القول الجاهز و"تحيين الإشكاليات من منظور تنقيدي يربطها بانشغالات الحاضر وأسئلة المستقبل". وفي دحضه للقول الجاهز، يستذكر تعليل نجيب محفوظ لإيثاره في بداياته للأسلوب الواقعي، بقدرة هذا الأسلوب على تصوير واقع المجتمع المصري. ويرى الباحث في تعليل محفوظ ما "يوحي بالتشبث بالأبعاد المحلية قبل الانفتاح على أشكال وأساليب ذات أبعاد عالمية، كما ينبئنا بذلك مسار نجيب محفوظ". وهنا يتساءل المرء عما إذا كان الأسلوب الواقعي أسلوباً محلياً، أم هو واحد من الأساليب ذات الأبعاد العالمية؟


ومثل هذا التساؤل يتوالى بصدد ما مضى إليه البحث من القول باختيار كتاب آخرين البدء من مستوى طلائعي يلتقي مع تحققات كونية في كتابة الرواية، مما عنى أن الرواية العربية في تحولاتها وإنجازاتها الجيدة، لم تعد مقيدة بالبدء مما يلائم المستوى المحلي. أليس الأسلوب الواقعي واحداً من التحققات الكونية في كتابة الرواية لعقود وعقود؟ أليس واحداً من أشكال مغامرة الرواية في تجلياتها وأبعادها الكونية لعقود وعقود؟ ومن جهة أخرى ألم تبتغ مغامرات (نجمة أغسطس) و(نجمة) و(موسم الهجرة إلى الشمال) ـ وهي الروايات التي يدلل بها الباحث على ما ذهب إليه ـ وفاء أكبر بالمستوى المحلي؟ وإن لم تكن قد ابتغت ذلك، ألم يتحقق لها؟ ألم يكن اشتغالها بالمستوى المحلي ـ إلى البعد السوفييتي في (نجمة أغسطس) والبعد الإنكليزي في
(موسم الهجرة..) ـ تعبيراً عن ذلك الابتغاء وعن ذلك التحقق؟

فلنمض من ثم مع البحث إلى وقفته المطولة مع غوته ودعوته إلى (الأدب العالمي) التي يتبناها الباحث، من حيث أنها لا تعني اضطرار الأمم إلى التفكير بالطريقة نفسها، بل وعي بعضها بضعاً. فجدارة الخصوصية الحق هي أن تترجم الإنسانية. والأدب العالمي، إذاً، وكما بشرّ به غوته، ليس مدفناً تكريمياً لروائع أدبية لا علاقة لها بالزمن، بل أقرب إلى ملتقى للحوار بين متعاصرين، وهو ارتباط مباشر بالمحيط وانفتاح على الكون في آن. ويبرز الباحث اقتراح غوته ـ كسبيل إلى ذلك ـ تدريس اللغات وترجمة النصوص الأجنبية والحديث الرائد عن سوق عالمية للخبرات الثقافية. وكل ذلك سيعود إليه الباحث بصيغ شتى فيما يلي من بحثه، سواء بصدد الأدب العالمي
أو الرواية الكونية أو الرواية العالمية.. ولئن كان الباحث يلاحظ موقع دعوة غوته فيما رسم من استراتيجية النهوض بالأمة انطلاقاً من إمارة فايمار، وكذلك غلبة الجانب النفعي السياسي والاستخدام الأيديولوجي لمشروع الأدب العالمي، فالباحث يخلص إلى ما يخاطب يومنا من دعوة غوته المبكرة، وهو مساعدتها على رفض الأصوليتين اللتين تهددان العالم اليوم: أصولية الهوية الإثنية، وأصولية العولمة.

يستدعي موقع دعوة غوته من بحث برادة ما قالته كاتارينا مومزن في مقدمة الطبعة العربية لكتابها (جوته والعالم العربي)( ): "لقد كان لدراسة جوته للثقافة العربية نصيب كبير في إدخاله، وقد بلغ الشيخوخة، مصطلح الأدب العالمي في تاريخ الفكر". ومن المعلوم أنه قد كان لشعر امرئ القيس وعمرو بن كلثوم والحارث بن حلزة ولبيد بن ربيعة وتأبط شراً وطرفة بن العبد وزهير بن أبي سلمى، وكذلك للطغرائي والمتنبي.. تأثير عميق في جوته، وهو التأثير الذي يغفله تماماً ـ كما تذكر مومزن ـ فرتس شترش في كتابه (جوته والأدب العالمي).
كما يستدعي موقع دعوة جوته من بحث برادة ما ساقه هومي بابا( ) بصددها، ابتداءً بقول جوته بإمكانية قيام أدب عالمي من الاختلاط الثقافي الذي تحدثه الحروب البغيضة والصراعات المتبادلة ـ والإشارة هنا هي إلى الحروب النابليونية ـ حيث لا تستطيع الأمم بعدها أن تعود إلى حياتها المستقرة والمستقلة دون أن تلحظ أنها قد تلقت كثيراً من الأفكار والطرائق الأجنبية، فتتبناها دون وعي منها، وتشعر هنا وهناك بحاجات روحية وفكرية لم تكن من قبل.
يسجل هومي بابا أن قول جوته بعلاقات الجوار في سياق دعوته إلى الأدب العالمي، هو مفهوم مركزي أوروبي، إذ لا يطول سوى انجلترا وفرنسا. وعلى ضوء قول جوته بعمل الطبيعة الداخلية للأمة وللفرد بصورة لا واعية، وبأن الحياة الثقافية للأمة تعاش دون وعي منها؛ على ضوء ذلك يرى هومي بابا أنه يمكن للأدب العالمي "أن يبرز كمقولة استشراقية بازغة، تعنى بشكل من أشكال الخلاف والتغاير الثقافي، حيث يمكن لعلاقات الاستلحاق والإدماج غير المبنية على التراضي أو الإجماع، أن تقوم على أساس من الرضّة أو الصدمة التاريخية. وبذا يمكن لدراسة الأدب العالمي أن تكون دراسة للطريقة التي تدرك بها الثقافات ذاتها من خلال إسقاطات الآخرية فيها".
وفيما يخاطب يومنا من دعوة جوته إلى الأدب العالمي، يقترح هومي بابا، مقابل انتقال التراثات القومية ما كان ثيمة كبيرة في دراسة الأدب العالمي، يقترح ميداناً جديداً لهذا الأدب، هو التواريخ العابرة للقوميات، تواريخ المهاجرين أو المستعمرين أو اللاجئين السياسيين، وبذا لن يكون المركز في سيادة الثقافات القومية، ولا في كونية الثقافة الإنسانية "بل الإلحاح على تلك الانزياحات الاجتماعية والثقافية العجيبة التي تمثلها موريسون وغوردايمر فيما تكتبانه من قصص غريبة. وهذا يقودنا إلى السؤال: هل يمكن لتعقيد عالم الغرابة الشخصي والداخلي أن يفضي إلى ثيمة عالمية". وسوف نرى صدى هذا السؤال في الطبقة الثانية من بحث برادة.
ولأن هومي بابا واحد من ألمع (فقهاء) ما بعد الكولونيالية ـ الذين يعنى بأطروحاتهم بحث برادة ـ، لا بد من متابعة قوله في الأدب العالمي، وهو القول الذي لا يفتأ ينادي كتابة موريسون وغوردايمر وسواهما من كتّاب الرواية، كما يتأسس في مشروع بابا المنادي بفتح زمن جديد وفضاء جديد للنطق النقدي" حيث يعيد الاختلاف الثقافي الإفصاح عن محصلة المعرفة من منظور موقع الأقلية الدال الذي يقاوم إضفاء الطابع الكلياني دون أن يكون محلياً أو خصوصياً" ( ).
لقد رأى بابا أن السعي إلى جعل الأدب عالمياً "يكمن في فعل نقدي يحاول التقاط خفة اليد التي يبديها الأدب في تلاعبه بالخصوصية التاريخية، مستخدماً أداة الارتياب النفسي أو المسافة الجمالية أو الدلائل الغامضة الخاصة بروح العالم، ما هو سام ومصعّد وما هو دون عتبة الوعي والشعور. فنحن كمخلوقات أدبية وحيوانات سياسية يفترض بنا أن نعني بفهم الفعل الإنساني والعالم الاجتماعي على أنهما تلك اللحظة التي يكون فيها شيء ما خارج السيطرة، لكنه ليس خارج الاستيعاب".

على الرغم من تمكن وغواية وألمعية مشروع هومي بابا، ستظل الأكثرية المقيمة في فضاء ما بعد الاستعمار، وبخلاف الأقلية المهاجرة إلى فضاء المستعمر، تسأل عن مساحة أكبر لها وعن فعل أعمق في هذا المشروع وما يماثله من خطاب ما بعد الكولونيالية. وهنا نعود إلى المعادلة ـ الشرك السارية في تقويمات النقد العربي، بحسب برادة: العالمية تمر عبر المحلية. وأساس العلة هو الارتكان إلى نوع من التعميم والتجريد. فالمحلية والخصوصية غالباً ما تستدعيان مقولات ـ أصالة اللغة وواقعية الواقع والهوية والقيم التاريخية ـ لا تأخذ بالاعتبار التحولات العميقة التي اخترقت مجتمعاتنا منذ بدايات النهضة، وباطراد فعل المثاقفة. أما العالمية والكونية في المعادلة ـ الشرك فهما مفهوم يقترن بمقولات مغرقة في التجريد والالتباس، مثل القيم الإنسانية والأسلوب المؤثر والشكل الاستاتيكي. ولعل للمرء أن يتساءل هنا بأي قدر من البساطة، بل ومن السذاجة والمكر في آن: ما الكونية وما العالمية إن لم تكونا قيماً إنسانية وأسلوباً مؤثراً؟
يتحوط الباحث لمثل هذا السؤال حين يحدد مصدر الالتباس بتجاهل المعادلة ـ الشرك لترسانة الأجهزة والمحافل والأسواق الكامنة خلف العالمية، ويضرب مثلاً بجائزة نوبل. كما يحدد الباحث مصدر الالتباس بتحول المعادلة ـ الشرك لدى مبدعينا إلى المفتاح السحري الذي سيقودهم إلى المحجة البيضاء للعالمية. وللخروج من الشرك يعرض الباحث مساهمة باسكال كازانوفا في كتابها (الجمهورية العالمية للآداب) والتي أفادت من إنجاز بيير يورديو، فأعادت تحليل جدلية القومي والعالمي باتجاه الانتقال من التجريد إلى البنيات الملموسة، ودرست التكونات الأولى للنصوص في سياقها القومي، والبنيات المتيحة فيها للارتقاء إلى زمنية مشتركة هي بمنزلة توقيت غرينيتش ـ مقياس غرينيتش الذي يعلو على كل الأزمنة والأمكنة، ليحدد زمن النص المتقاطع مع زمنيات النصوص التي تتوفر على أبعاد كونية.
هو ذا مفتاح سحري آخر للمحجة البيضاء للعالمية، للفضاء الأدبي العالمي بحسب كازانوفا، والذي يقوم على التراتبية الضمنية، أما الأداة والرهان في سيرورة تكوّن هذا الفضاء فهما رأس المال الأدبي.
والتراث القومي أداة شرعية في هذا الفضاء ـ الملعب، حيث يشترط الدخول إليه اعتقاد اللاعب الجديد بقيمة الرهان ومعرفته. واللاعب الجديد يسهم في صنع الفضاء العالمي وتوحيده وتوسيع فضاء التنافسات الأدبية.
تقترح باسكال كازانوفا مصطلح التدويل بديلاً لمصطلح العولمة الذي يسمح بالتفكير بالكلية كتعميم لنموذج بعينه. ففي التدويل يصارع الجميع للدخول إلى الفضاء ـ السياق ذاته بأسلحة غير متساوية، لبلوغ الهدف الواحد: الشرعية الأدبية. وتنتهي كازانوفا إلى القول بفضاء عالمي مستقل للأدب، يخضع للإرغامات السياسية، لكن استقلاله النسبي يجعل منه عنصراً كونياً، وهو يعوض بالسياسة الأدبية اتّباع السياسة. وعلى الرغم من ذلك، كما يرصد محمد برادة، تأخذ كازانوفا على إدوارد سعيد الأولوية التي ترى أنه يعطيها للسياسة على النص. وهي تراهن كسعيد على الرواية الجديدة في فترة ما بعد الكولونيالية، لكنها ـ كما يرصد الباحث ـ تجعل من هذه الرواية استمراراً لخصائص رواية عالمية ذات أبعاد كونية ثورية ما أنتجه جويس وبروست وكافكا.. يستعيدها روائيون من أصقاع العالم أساس شروطهم الخاصة، بينما يجعل إدوارد سعيد من الرواية ما بعد الكولونيالية رديفاً ومبلوراً لفكرة نقد الإمبريالية.

بهدْيٍ من كل ما تقدم، يتبلور السؤال المركزي لبحث برادة في كيفية استجلاء مسار الرواية العربية عبر شبكة علائق الخصوصية والعالمية. وبصياغة أخرى للسؤال يغدو: "كيف نرسم ملامح السياقات والمنجزات والتفاعلات مع النصوص العالمية ومع الوعي بأفق الكونية؟".

dabe3
05-18-2010, 02:00 PM
من أجل الجواب يأخذ برادة بنا إلى طبقات ـ أروقة بحثه، مؤكداً أنه لا يؤرخ للرواية العربية، بل يقف عند لحظات وتمفصلات، ومعتذراً على اكتفائه باستحضار عناوين وثيمات الروايات التي يدلّل بها.
ولأن للأمر ـ كما أسلفت ـ غوايته وتفخيخه، فلا بد من التحوط إزاء رحابة بساط البحث وتعدد الأفكار وكثافتها وتعالقاتها. وقد يكون الأولى لذلك أن يتقفّى المعقبُ الباحثَ بالوقوف عند لحظات وتمفصلات البحث في طبقاته ـ أروقته معاً.
1 ـ الرواية الكونية:
بحضور ما سبق للباحث قوله في الكونية كما رأينا، يأتي قوله هنا باستيحاء الرواية الكونية سياقات محلية، قبل أن يرتقي بها التخييل والتركيب الفني وآليات التكريس والتلقي إلى أفق الكونية. ويتصل بذلك ـ أم تراه يبدأ به؟ ـ ارتقاء الرواية الأوروبية إلى المستوى الكوني بفعل ثلاثة فواعل: اتساق المجتمعات الأوروبية في تطوراتها السياسية والاقتصادية ـ انغراس الرواية في طبقة قارئة ـ اهتمام الفكر الفلسفي بالتنظير للرواية وإدماجها في أنساق التفكير.
والرواية الكونية بحسب برادة هي أيضاً شكل مرن يمتص جميع الأجناس التعبيرية، ويستوعب كل الأشكال والأساليب السردية، ويطوعه لمختلف الرؤيات والأفكار، لتكون الرواية قريبة من الحياة ومتفاعلة مع تبدلاتها وتعقيداتها. ومفهوم الرواية الكونية ليس أحادي الدلالة والإحاطة، بل هو موضع صراع ومنافسة وتشييد" وعليه فإن الرواية الكونية الحاملة لقيم إنسانية جديدة، تجابه رواية تتوسل بالعولمة الربحية وتكنولوجيا التواصل والتسلية".
2 ـ الرواية العالمية:
على الرغم من حرص الباحث على القول الواضح والمحدد بالرواية الكونية، فالقول يرادفها بالرواية العالمية، ولكن ليس بالمؤدى نفسه دوماً وتماماً. ومن ذلك أن الثقافة العربية قد تعرفت على الرواية العالمية في القرن التاسع عشر من خلال الترجمة وسيرورة المثاقفة ومحاولة بعض الكتاب الذين درسوا لغات أجنبية. وهنا لا تعني الرواية العالمية غير الرواية الأوروبية في ذلك الفجر النهضوي العربي. وفي مقام آخر يرى الباحث أن ترجمة الرواية العربية إلى لغات أجنبية هي حلقة أساس في فك الحصار عن النصوص المتوفرة على تقنيات ذات أواصر قوية بالرواية العالمية في مبناها ودلالاتها الإنسانية. وفي مقام ثالث يؤكد الباحث أن الرواية العربية "تتصادى وتتقاطع مع نصوص عالمية استوحت أسئلة الوجود والكينونة، وذلك في نصوص تتعدى طموحاتها تمثيل الواقع واسترجاع التاريخ، إلى صعيد محاورة الكينونة".
وحين يصل الباحث في الختام إلى استخلاصاته، يبتدئ بالشطب على المعادلة ـ الشرك، فليس بالممكن "أن نردد بعد، أن العالمية تمر عبر المحلية، لأن شروطاً جديدة حوّرت مفهوم الأدب العالمي والرواية العالمية، وربطت إضفاء مشروعية الكونية على النصوص بأولويات معقدة تتصل باستراتيجية الكتابة والنشر والتوزيع والترجمة والجوائز والتسويق..
وأخيراً، ينتهي الباحث إلى أن "التطلع إلى رواية عالمية ذات قيم كونية ملائمة للسياق وقادرة على حماية النزعة الإنسانية الحق، يظل دوماً معرضاً لمخاطر العولمة الربحية ولمنافسة الرواية "العالمية" المصنوعة وفق الطلب التجاري".
والأمر كذلك، قد يكون للمرء أن يرى أن اقتراح القول بالرواية الكونية، ليس مستقراً في البحث، على الرغم من وضوحه وتحديده، وعلى الرغم مما يبدي الباحث فيه ويعيد، لكأنه لم يستطع التخلص من وطأة القول بالرواية العالمية، على طول وصخب وغواية العهد بهذا القول. وما يقوي الميل إلى هذا التشخيص أن الباحث يأخذ على الترجمات العربية للرواية أنها لم "تتبع مقاييس تولي الأسبقية لنصوص تتوفر على قيمة عالمية". وكذلك هو القول بأن الرواية العربية بما هي عليه "تضاهي ما يمكن أن يعتبره النقد العالمي رواية كونية". فما هو هذا النقد العالمي الذي يأتي ذكره فقط هذه المرة طوال البحث؟ هل هو النقد الفرنسي أم الأمريكي أم الصيني؟ هل للناقد العربي نصيب في هذا النقد؟
وإذا لم تكن الرواية العالمية هي الرواية الكونية عينها، فهل النقد العالمي هو ما يحدد كونية الرواية؟ أم ـ ويا للمماحكة! ـ لا بد من النقد الكوني الذي لم يرد ذكره البتة في البحث؟ وإذا ما كانت الرواية العالمية هي الرواية الكونية عينها، والنقد العالمي هو النقد الكوني عينه، فلماذا هذا الابتداع المرادف أو المفرق بين العالمية والكونية؟
3 ـ ما بعد الكولونيالية:
يتابع الباحث تحديد ما بعد الكولونيالية بفترة الخروج من الاستعمار
أو فترة ما بعد الاستقلالات، لمواجهة عواقبه وامتداداته من خلال تأكيد الهوية، وتحرير التاريخ والثقافة، والبحث عن مرتكزات إيديولوجية وسياسية لمقاومة هيمنة الإمبريالية.. والمهم هنا هو أن الأدب ما بعد الكولونيالي قد تبلور على أسس حديثة، ومن خلال نصوص تتميز بفنيتها ومضامينها وقيمها الكونية الجديدة. والباحث يعزز هذا الذي يرسله بمساهمة إدوارد سعيد الذي يتحدث عن ثقافة بازغة جديدة في مناخ ما بعد الكولونيالية، لم تكن ممكنة لولا أعمال السابقين المتحزبين أمثال جورج انطونيوس وخوسيه مارتي..
غير أن برادة يلاحظ أن الأدب العربي، ولاسيما الرواية "لم تول اهتماماً كبيراً للأبعاد ما بعد الكولونيالية على النحو الذي برزت به في النصوص المكتوبة بلغات أجنبية داخل القارات الثلاث. بل إن الرواية العربية في فترة ما بعد الكولونيالية انصب اهتمامها على "الداخل" أي المؤسسات ورموز السلطة وتشخيصات المقدس، خاصة بعد هزيمة 1967". ويعود الباحث إلى مثل هذا القول حين يتعجب من أن النصوص التي استوحت ثيمة نقد الإمبريالية والامتدادات الاستعمارية، في مرحلة ما بعد الكولونيالية، تكاد تعد على الأصابع. وبالمقابل، ومنذ سبعينات القرن العشرين، تكاثرت النصوص التي تستعيد تجارب الخيبة والإحباط والسجن. فهل الأمر كذلك حقاً؟
من سورية وحدها، يسع المرء أن يذكر الكثير من الروايات المتميزة التي أولت جل اهتمامها للأبعاد ما بعد الكولونيالية، واستوحت نقد الإمبريالية والامتدادات الاستعمارية في مرحلة ما بعد الاستقلال. وقد جاء أغلب تلك الروايات منذ سبعينيات القرن العشرين، وبالتوازي مع الروايات التي تستعيد تجارب الخيبة والإحباط والسجن، والتي تخاطب هزيمة 1967. فبعد الرواية الرائدة الهامة لصدقي إسماعيل (العصاة ـ 1964) وبعد رواية خيري الذهبي الأولى (ملكوت البسطاء ـ 1972) توالت ثلاثيتا حنا مينه، ثم أطلت ثمانينات القرن العشرين برواية هاني الراهب (الوباء) مبشرة بسلسلة من الروايات التي ستحفر عميقاً أو أعمق في الأمس البعيد أو القريب، نقداً للإمبريالية ولامتداداتها، في الوطن وخارجه، وأعني ثلاثية خيري الذهبي (التحولات بأجزائها حسيبة ـ فياض ـ هشام) وثنائية نهاد سيريس (رياح الشمال) وروايتي فواز حداد (موزاييك دمشق 1939 ـ تياترو 1949) ورباعية كاتب هذه السطور (مدارات الشرق) وروايته (أطياف العرش) ورواية فيصل خرتش (موجز تاريخ الباشا).. ولم تفتأ هذه (الثيمة) تشغل الرواية العربية، وحسبي أن أذكر من ذلك (المسألة الهمجية) لجميل عطية إبراهيم و(باب الشمس) لالياس خوري و(الطوفان) لسميحة خريس. بل إن اشتغال ـ أداء الرواية العربية على هذه الثيمة قد مضى في الزمن قدماً، مستشرفاً العقود التالية من هذا القرن، كما في رواية واسيني الأعرج (المخطوطة الشرقية)، ولقد كان الإنجاز الفني الرفيع هو السمة الكبرى والموحدة لأغلب هذه الروايات.
وبالعودة إلى ما بعد الكولونيالية وأبعادها، لعله من الأهمية بمكان أن يحضر في هذا السياق ما هو مشترك في دراسات ما بعد الكولونيالية كما يبلوره هومي بابا: إنه ما تحاوله الحواف في زمن ما بعد الحداثة من إعادة تحديد اللب، وما تتجرأ عليه الهوامش من إعادة تشكيل المركز. لكن، وبالمقابل، هي ذي غاياتاري سبيفاك تتساءل في كتابها (نقد العقل ما بعد الكولونيالي: نحو تاريخ للحاضر المتلاشي):
"كيف يقوم الأوروبي ـ أو في السياق النيوكولونيالي: الناقد الأميركي ومعلم الإنسانيات ـ بإعادة إنجاز مشروع الصيني أو الهندي أو الإفريقي؟" ( )
بين فعل الهامش في المركز والعكس، يصخب خطاب ما بعد الكولونيالية ـ ومنهم من يؤثر: ثقافة ما بعد الاستعمار ـ بالثقافة الهجين التي ليست بثقافة المستعِمر، ولا بثقافة المستعَمر. ومن ذلك يفضي الاحتفاء بالهجنة إلى ازدراء أو تأخير أو تجاوز الثقافة الوطنية. فما أثر ذلك في الرواية الكونية بالنسبة لمن لم يبرحوا فضاء ما بعد الاستقلال، مهما يكن صدى خطاب ما بعد الكولونيالية قوياً في هذا الفضاء وضرورياً له، وليس على مستوى الرواية وحسب؟

dabe3
05-18-2010, 02:01 PM
4 ـ العولمة:
يتحدث برادة عن عولمة الرواية. وكما هو معلوم، ثمة بيننا من يؤثر القول (الترجمة) بالكوننة، لا بالعولمة. فإن مضى الاشتقاق إلى كوننة الرواية بدلاً من عولمتها، فإلى أين يمكن أن يفضي القول بكونية الرواية وبالرواية الكونية؟
ليس هذا بالمماحكة كما لعله سيتبدى. ولقد رأى محمد برادة أن شروط الكتابة عالمياً ليست مرضية اليوم. فإعصار العولمة الربحية يحتاج إلى الثقافة والفن ليحولهما إلى صناعة مبرمجة، وإلى إنتاج رواية معلبة وظيفتها التسلية أو طمس الرؤية الانتقادية. وهذه المخاطر المشتركة، تضاعف من مسئولية الروائيين عربياً وعالمياً، بحسب الباحث الذي يخلص إلى أن عولمة الرواية حسب المنظور التجاري تمس بقيم كونية تسعى إلى مقاومة الانغلاق والأصولية الشوفينية والعنصرية الهدامة.
5 ـ رواية المتعة والتسلية:
ليست إشارة الباحث إلى الرواية والتسلية في الفقرة السابقة بالوحيدة في بحثه. فهو حين يتابع فعل الترجمة والنقد في كونية الرواية العربية، يرى أنهما قد عرفا بنظريات الرواية، ما "نبّه المتعاطين معها إلى أبعاد أخرى غير التسلية، واستبدال التخييل بالواقع المتجهم". ولا تفوت الباحث الإشارة إلى اقتران ترجمة الرواية بالصحافة والحاجة إلى تسلية القارئ وإمتاعه. كما يؤكد الباحث أن النقد قد اضطلع بنقل الرواية من "حيّز المتعة والتسلية" إلى نطاق الحوار الثقافي داخل المجتمع. ومؤدى ذلك كله يشي بأن الباحث ينظر سلباً إلى المتعة والتسلية في الرواية، وإلى رواية المتعة والتسلية. ويبدو أن هذه المسألة قد رافقت الرواية العربية منذ فجرها. فهاهو فرح أنطون (1874 ـ 1922) يكتب منذ عام 1903 في تقديمه لروايته (الدين والعلم والمال أو المدن الثلاث): "من الروايات ما ينشأ للتفكهة والتسلية، ومنها ما ينشأ للإفادة ونشر المبادئ والأفكار"( )
ويرى أنطون أننا في الشرق محرومون من رواية المبادئ والأفكار، لعدم رواجها، ما سيّد رواية التفكهة على الساحة. غير أن لآخرين ما يختلفون فيه بصدد ذلك، منذ فرح أنطون إلى محمد برادة. ومنهم من يأخذ على الرواية العربية فرط جديتها وجهامتها. ومنهم من يدلّل على مكانة رواية المتعة والتسلية. ومن الكتّاب من صمت النقد أو كاد عما كتبوا من هذه الرواية، بل وعمّن راجت في رواياتهم شبهة المتعة، مثل محمد عبد الحليم عبد الله ويوسف السباعي وإحسان عبد القدوس.. فهل آن الأوان لتفحص هذا النتاج، ولاعتبار عنصر المتعة والتسلية، مع التشديد على ألا يكون هذا العنصر استجابة للتعليب أو التسطيح أو الاتجار وما ماثل من اللوثات العولمية للفنون وللآداب؟
6 ـ كونية الرواية العربية:
مرّ بنا أن الباحث يأخذ على الرواية العربية أنها لم تول الأبعاد ما بعد الكولونيالية من الاهتمام كالذي بدا في القارات الثلاث، فالرواية العربية عكفت على الداخل، وبخاصة بعد هزيمة 1967. لكن الباحث لا يرى في ذلك انكفاء الرواية العربية على نفسها، إذ أنها سلكت طريقاً آخر قادها إلى ملامسة الأبعاد الكونية بدرجات متفاوتة. وهذا ما تابعه الباحث عبر أربعة محاور هي: الكتابة خارج أسيجة الأيديولوجية السائدة ـ تطويع اللغة وانتهاك المقدس ـ التأريخ لزمنية الرماد ـ تأريخ الذات واستعادة الكينونة المغيبة.
لتبيان ذلك يتقرى الباحث عجلان تارة وبأناة تارة، مفاصل تاريخ الرواية العربية، جاعلاً الوكد في مرحلة ما بعد الكولونيالية، مرحلة الاستقلالات والنصف الثاني من القرن العشرين.
فمن البلاغة الموروثة والمحاكاة إلى استيحاء المواد الخام في فضاءات المدن وثنايا الطبقات، تطور الشكل الروائي إلى دور المرايا العاكسة للتحولات، وتشبع بتعددية اللغة والأصوات وتمازج مستويات التعبير، وتخطى الاستسلافية، كما تخفف المتخيل الوطني من كوابح الفردية وانخرط في العصر.
ويلاحظ الباحث انشقاق الأدب العربي فكرياً وجمالياً وقيمياً بفعل هزيمة 1967، بحيث بدا جيل الستينيات من الروائيين ورشة للتجريب بعيداً عن الأيديولوجيا السائدة، وبحيث تحولت الرواية إلى خطاب أساسي يحفر في الروح ويستوعب ما عجزت الدولة عن تمويهه.
بفضل ذلك، ومن هذه الزاوية يقدر الباحث أن الرواية العربية قد استطاعت مد جسور وطيدة مع الرواية في أبعادها الكونية. ويعزّز الباحث تقديره بارتياد الرواية العربية لمناطق الكلام الممنوع، وتوغلها في "إنتاج خطاب مركب يمتح من المعيش والمحلوم به، من الذاكرة والتاريخ، من الأسطوري والواقعي، من النفسي والجسدي".
وفي خطوة تالية تؤكد على جوهرية اللغة في إشكالية النهضة على المستوى الكوني، يعزز الباحث قوله بكونية الرواية العربية بمساهمتها في تجديد اللغة، مما يرتهن به تجديد الخطاب الفكري والإبداع الأدبي. فقد ذهبت الرواية العربية عكس التقديس الاستسلافي للغة، ودفع الوعي الجريء بعض روائيي جيل الستينيات إلى انتهاكات إيجابية (صياغة الحوار بالكلام اليومي ـ استعمال الكلمات الأجنبية).
غير أن العلة هنا كبيرة، فالعربية غير معترف بها في السوق العالمية للثقافة، ولذلك يذيع صيت من يكتبون لغة أجنبية جراء إفادتهم من البنيات التحتية للنشر والتوزيع والتلقي، فضلاً عن حرية التعبير.
ومرة ثالثة تتعزز كونية الرواية العربية بما استوحى من نصوصها أزمنة الرماد والرصاص والاحتراب التي ليست فقط مناخاً محلياً يؤشر على سيرورة التاريخ العربي المتعثر، بل مناخ يلامس ظاهرة كونية طبعت تاريخ الأمم وما تزال.
ومرة رابعة تتعزز كونية الرواية العربية بالنصوص التي يمتزج فيها السيري بالروائي، مستوحية أسئلة الوجود والكينونة، في غياب فكر فلسفي عربي يواجه مثل هذه المعضلات. وهذه سانحة لي للجهر بشكوى الرواية من استعلاء المشتغلين في الفلسفة والفكر، مهما يكن من أمر الفكر والفلسفة فيها. وهذه سانحة أيضاً للتبصرّ في المحاولة الروائية العربية المتنامية لما يدعوه الباحث بتأرخة الذات واستعادة الكينونة المغيبة، حيث بات القول يصخب منذ عقد على الأقل بالاستقالة من الشأن العام والقضايا الكبرى، والاكتفاء بالجواني وبالجسدي. وعلى أهمية ذلك أستحضر هنا من إدوارد سعيد هذا التساؤل: "لماذا ليس هناك إلا نفر قليل جداً من الروائيين العظماء يتعاملون مع وقائع وجودهم الخارجية الاقتصادية والاجتماعية الكبرى ـ أي الكولونيالية والإمبريالية ـ ولماذا يدأب نقاد الرواية في الوقت نفسه على إجلال هذا الصمت المهيب"( )

حين يبلغ الباحث من بحثه المحطة الأخيرة (الكونية أفقاً: الإنجاز والوعي)، يعلن أنه قدم عامداً قراءة إيجابية للرواية العربية من منظور العالمية، تعويلاً على القيمة الرمزية الكبيرة للمحصلة الروائية. وفيما يبدو أنه استدراك، يتابع الباحث إلى ما يشي بنقض ما تقراه للتو من كونية الرواية العربية، إذ يرى أن التجربة الروائية العربية المحدودة في الزمن والتراكم بحاجة إلى النماء النوعي، ولذلك لا تضاهي، بما هي عليه، ما يمكن أن يعتبره النقد العالمي رواية كونية. وهنا أضيف إلى ما سبق أن سقت من تساؤلات حول النقد العالمي، فحتى إن كان هناك ما هو نقد عالمي، فماذا تفعل الرواية العربية إذا كان هذا النقد جاهلاً بها؟ هل ستظل كونية الرواية العربية معلقة في الأفق إلى أن تبرأ من علّة الترجمة إلى اللغات الأجنبية للنقد العالمي؟ أما إن كان لهذا النقد ناقده العربي، فأين يذهب ما رصد محمد برادة من كونية الرواية العربية، مع التشديد الدائم على الحاجة الدائمة للرواية العربية، كما لكل رواية، إلى النماء الواعي؟
لقد كتب إبراهيم المازني (1890 ـ 1949) منذ أكثر من سبعين سنة، في مقدمة روايته (إبراهيم الكاتب): "ولكن من الذي قال إن الرواية إما أن تكون على النسق الغربي أو لا تكون". ومن هذا القول الذي صدّرت به روايتي (في غيابها) ( ) إلى محمد برادة، لا زال السؤال يلحّ، بقدر ما اغتنى طوال هذه العقود التي هي تاريخ الرواية العربية، فكأن هذا السؤال هو سؤال هذا التاريخ.


وهاهو محمد برادة يؤكد ارتقاء الرواية العربية إلى المستوى الكوني بغير شروط ارتقاء الرواية الأوروبية إلى هذا المستوى. فالرواية العربية غدت خلال قرن "محفلاً للخطاب المتميز الملتقط لذبذبات التغيرات ولحدة التوترات النفسية والاجتماعية". والباحث يشترط للكونية هذا الالتقاط، بينما توفرت للرواية الأوروبية شروط ارتقاء أخرى لم تتوفر للرواية العربية، كما مر بنا. والسبيل إذاً ليست واحدة إلى الكونية. ولقد تقرى محمد برادة سبيل الرواية العربية بما عرف به من مكنة الحوار وثراء الأفكار وعمق الثقافة ودقة النظر والتماعة الفنان وقلقه وشجنه. ولذلك كانت لبحثه كما أسلفت غوايته وتفخيخه. وما أخشاه أن التحوط الذي ذكرت لم ينفع إزاء رحابة بساط البحث وتعدد الأفكار وكثافتها وتعالقاتها. فإلى كل ما تقدم هو ذا ما ساقه الباحث في الشكل بعامة، والشكل الروائي العربي بخاصة، كرافعة للكونية، إذ الشكل ليس العنصر الحاسم في تقويم الرواية، على أهميته، وإذ لا يفصل الشكل التراثي الرواية العربية عن أفقها الكوني، بل يحمل إليها عناصر إضافية، ويسهم في إزالة الحواجز المصطنعة بين شكل تراثي أصيل وآخر عالمي مستورد، وإذ تبدو الدعوة إلى شكل روائي عربي بدعوى الأصالة، دعوة تخدم الأصولية، وتبطل مثل الدعوة إلى رواية إسلامية ـ وأضيف: إلى أدب إسلامي أو نقد أدبي إسلامي أو ديني بعامة. وما هو أكبر أهمية هنا أن الشكل ليس محايداً، لأنه يتدخل في ترتيب فوضى العالم وتنظيم السرد وعلائق الشخوص وتوجيه الرؤية إلى العالم. وتبدو هنا متابعة الباحث لإدوارد سعيد وأقرانه في القول بترحال الأشكال وهجرة النظريات. فأشكال الأجناس الأدبية لا تتقيد بالوسط الثقافي الذي ظهرت فيه، لأنها منفتحة، متفاعلة مع الثقافات الأخرى، ولا تنفك تتلقى من مبدعي العالم إضافات وتعديلات وتحويرات، وهذا ما يؤيده تاريخ الرواية الكونية.
وكما يليق بالنقد ـ إذ يكون فاعلية ومعرفة مشاكسة بصراحة، بحسب إدوارد سعيد، وهو ما توخيته هنا ـ جاء اختلاف الباحث مع فيصل دراج في شروط إنتاج الرواية العربية ودعواه بإخفاقها الاجتماعي. وجاءت كذلك انتقادات الباحث للروائيين العرب في مسألة وعيهم النظري، وفي إدراك الأبعاد السسيولوجية والفلسفية للشكل الروائي، وفي تشبث بعضهم بطريقة معينة في الشكل والكتابة.
ولقد دأبت على التعبير عن ذلك برثاء من يأسره نجاحه الأسلوبي، فلا يغامر في الفكاك من الأسر، ولا يجرب في جديد فجديد، فتتكلس كتابته وتصدأ أو تتعفّن، مهما يتوفر لها من احتفاء السوق والنقد والقراءة.
لقد افتتح أرسطو القول بالعالمية /الكونية كمرادف للعام مقابل الخاص، وكخصيصة للشعر مقابل التاريخ. فالشعر بحسب أرسطو يصور الإنسان بمقتضى قانون الاحتمال أو الضرورة. أي كما يحتمل أن يكون الإنسان، أو كما لا بد له أن يكون. والعالمية /الكونية الأرسطية إذاً تشير إلى الجوهري. وقد التقط غوته هذا الجوهري، ولكن ليمضي إلى الجغرافي الثقافي الأوروبي في العالمية الكونية. ومن عالمية /كونية غوته إلى يومنا تسيدت عالمية /كونية الغرب بمقتضى مركزيته، أي إن الجغرافي الثقافي الأوروبي في مفهوم العالمية /الكونية قد تسيّد، وإن لم يغب الجوهري، وبخاصة في الفضاء غير الغربي، وفيما بعد الكولونيالية. ومن ذلك تبدو العالمية /الكونية في الثقافة العربية المعاصرة (قيمة) جوهرية، كما تبدو غربية. فالأديب العالمي ـ كما تتلمذنا على محمد مندور في (الميزان الجديد) ـ هو من يعترف به الغرب. والعالمية ـ كما تتلمذنا على محمد غنيمي هلال في (الأدب المقارن) هي الأدب الغربي.
غير أن آخرين نقدوا هذا التسييد للمركزية الغربية، من شكري عياد وفاضل تامر وعبد الله إبراهيم و.. إلى محمد برادة. وهذا النقد يتقاطع مع نظيره لدى إدوارد سعيد وهومي بابا وفريدريك جيمسون وسوزان باسنيت وغاياتري سبيفاك وتشينوا أتشيبي ونجوجي واثيونجو الذي أصرّ على أن يكتب بلغته المحلية (الجيكيويو) رافضاً العالمية /الكونية الغربية. واليوم وقد اشتبكت العالمية والكونية بالعولمة والكوننة، قد يكون التعبير الأوفى عن واقع الحال أن يقال: "إن العالمية هي نتيجة لهيمنة الغرب، بينما العولمة وصف لكيفية حدوث تلك الهيمنة"( ). وببلوغ ذلك إلى الرواية العربية، تبدو الإشكالية قائمة منذ البداية في الترجمة وفي محاولات الرواد، وصولاً إلى الحداثة الروائية العربية، وحيث تترجّع العولمة الثقافية في هيمنة حتمية وتلقائية ومرغوبة، وفي قلق على الخصوصية. لكن ذلك، ليس كل شيء، لا في بداية الرواية العربية، ولا في تطورها، ولا في راهنها، فالرواية العربية تنجز كونيتها، والكونية تتأكد أفقاً لها، بالمعنى الجوهري أولاً وأخيراً، وبالمعنى الغربي أيضاً، أي بالحضور المتواتر في المحفل الغربي، مهما يكن البطء ومهما تكن التفاصيل، كما بيَّن محمد برادة في بحثه القيِّم والمحفّز.
إن ما أخشاه، وإلى أمد غير منظور، أن نظل ندور في حلقة مفرغة بصدد كونية الرواية العربية. فحين تتوفّر للرواية مقومات الكونية ـ مما عدد محمد برادة وسواه ـ ما عدا آليات الترجمة والتسويق والتلقي والتكريس، يبدأ الدوران في الحلقة المفرغة، ويتوسل من الكتاب من يتوسل الإكزوتيكا ليحظى بنعيم الترجمة إلى لغة المركز الأوروبي الأمريكي، أو ليحظى باعتراف المركز إن كان يكتب بواحدة من لغاته. وقد يزحف من الكتاب من يزحف على بطنه إلى أفراد ومؤسسات الاستعراب. وقد ينطوي من الكتاب من ينطوي على طموحه وإبداعه زهداً ويأساً. لذلك تتضاعف أهمية ما ختم به محمد برادة بحثه، إذ أكد أن العالمية تقتضي الوعي بأفق الكونية المناهضة للقيم المتحيزة للذات الأوروبية، أو المشايعة لأيديولوجيا التفوق الإمبريالية. وكذلك حين أكد أن الاستقلال أساس للراوية العالمية ذات القيم الكونية القادرة على حماية النزعة الإنسانية بحق ـ وهنا لن يعدم الباحث من يسأل ساخراً عما يعنيه اليوم بالنزعة الإنسانية بحق ـ دون أن يغفل عن نسبية هذا الاستقلال، المرتبط بالقراءة الواعية وبالسياسات الثقافية غير التجارية. وإذا لم يكن للكونية من وصفة جاهزة كما قال محمد برادة، وإذا كانت نقطة البدء التي يقترحها هي ابتداع أفق للمعنى المشترك الذي يعطي وجوداً وحضوراً للإنسانية، فهل لسواه أن يستعير الطباقية من إدوارد سعيد، لتكون عنواناً للكونية أفقاً روائياً، بما تعنيه من تشغيل لحنين متزامنين أو أكثر بغية إنتاج المعنى الموسيقيّ؟ أية عناصر ستبدع الطباقية تشغيلها كي تعانق الرواية أفق الكونية؟

dabe3
05-18-2010, 02:02 PM
الفصل الثاني



كنائية المدينة الروائية


الفصل الثاني

كنائية المد ينة الروائية

في الفصل الرابع (رواية المدينة ومدينة الرواية) من كتابه (الرواية في القرن العشرين) ( ) يرى جان إيف تادييه أن المدينة الروائية هي قبل كل شيء عالم من الكلام، سواء كانت انعكاساً أو انزياحاً.
وهي في ذلك قريبة من شخصية الرواية، وتنبغي معالجتها كفضاء أبدعته الكلمات. ومن المدن الروائية التي يُعنى بها تادييه مدينة هيليوبوليس التي عنونت رواية جنجر، والتي لا تشترك مع طيبة المصرية في شيء، وتفلت من المعايير الواقعية فيما هي تملي بنيتها. ويضيف تأدييه أنموذجاً آخر للمدينة الروائية، كالذي تبدى في رواية كافكا (المحاكمة) حيث تتلامح معالم براغ، وإن كانت الرواية لا تسمّيها.
تلك هي إذاً المدينة الروائية التي تتعين باسم مدينة بعينها، دون أن تحمل منها غير الاسم، وتلك هي أيضاً المدينة الروائية التي لا تتعين، وإن تكن تحمل من مدينة ما يعيّنها. وإلى هذه وتلك، ثمة المدينة الروائية التي تتعين في مدينة واقعية ـ قاهرة نجيب محفوظ مثلاً ـ وهي الأكثر حضوراً في الرواية بعامة.
في أي من هاته المدن الروائية الثلاث ينبغي التشديد على ما سماه ميشيل بوتور بالإحالة التخييلية بين الفضاء الواقعي والفضاء الروائي ( )، أو على ما سماه صلاح صالح بمثنوية الاتصال والانفصال بين المكان الخيالي والمكان الواقعي( ). أما غاية هذا التشديد فهي تقوم ـ مثل أسّه ـ في كنائية الفضاء المديني الروائي، حيث تشتغل استراتيجية اللاتعيين، فيكون للمعنى الجمالي نظامه أو أنظمته.
وسيكون تشغيل هذه الاستراتيجية، وجلاء تلك الكنائية وهذا المعنى، مناط دراستنا للرواية العربية التي لا تعيّن زمانها ولا مكانها، أو تكتفي من التعيين بالزمان، ذلك أن هذه (اللعبة) التي تواترت في التجربة الحداثية الروائية العربية منذ أكثر من عقدين، تواتراً لافتاً، باتت ظاهرة تذخر بالأسئلة. وربما كانت خماسية عبد الرحمن منيف (مدن الملح) المثال الأكبر لها، حيث قامت (حران) و(موران) كمدينتين روائيتين، وبدّل المكان ـ غالباً ـ داخل الجزيرة العربية مرجعيته، وإن تكن المطابقة بين الروائي والمرجعي ظلت يسيرة، بينما حافظ المكان خارج الجزيرة العربية على مرجعيته، وهو ما يعلله صلاح صالح بحرص الكاتب "على تعميم صورة هذه المدن المؤقتة المرتجلة وصلاحية عدها أنموذجاً، أو حالة نمطية لجميع المدن الأخرى المماثلة التي أنشأتها حضارة البترول وسياسات النهب الاستعماري أينما كانت" ( ). ويذهب صلاح صالح إلى أن تبديل المكان لاسمه في (مدن الملح) لا يبدو محملاً بقيمة فكرية أو فنية صريحة، ويرجّح أن ذلك نابع "من حرص الكاتب على نسبة عمله الضخم إلى فن الرواية الخالص، ومنعه من الانضمام إلى التاريخ أو التوثيق التاريخي، إضافة إلى شيء من الرغبة في تأكيد افتراق روايته عن الرواية التاريخية التي تضع همها الأساسي في سرد الوقائع والأحداث كما جرت بالضبط ( ).
من ذلك العهد (المبكر) لاستراتيجية اللاتعيين في المدينة الروائية، تأتي أيضاً ثلاثية إسماعيل فهد إسماعيل (المستنقعات الضوئية ـ الحبل ـ الضفاف الأخرى) حيث تومئ المدينة الروائية إلى بغداد.
وكذلك تأتي رواية حنان الشيخ (مسك الغزال) ورواية هاني الراهب (التلال) ورواية عبد الله خليفة (أغنية الماء والنار) ورواية مؤنس الرزاز (متاهة الأعراب في ناطحات السراب)، ورواية هشام القروي (ن) ورواية حميدة نعنع (الوطن في العينين) ورواية جيلالي خلاص (حمائم الشفق).

لكن نشاط استراتيجية اللاتعيين في المدينة الروائية سيدفق (دفقاً) من بعد، فيكتب عبد الرحمن منيف وجبرا إبراهيم جبرا رواية (عالم بلا خرائط)، وهاشم غرايبة رواية (المقامة الرملية)، وسالم بن حميش (فتنة الرؤوس والنسوان)، وعزت القمحاوي (مدينة اللذة)، وعبد السلام العمري (اهبطوا مصر) ويوسف المحيميد (فخاخ الرائحة)، ورجاء عالم (حبّى).. ومن هذا (الدفق) ستركز هذه الدراسة قولها في الروايات التالية:
1 ـ بهاء طاهر: الحب في المنفى
تتسمّى المدينة الروائية في رواية بهاء طاهر (الحب في المنفى) ( ) بحرف (ن). وإذا كانت الرواية ترمي بما ينسب مدينتها (ن) إلى الفضاء الأوروبي (الشمال ـ الغربة التي طردت القاهرة إليه راوي الرواية وبطلها)، فبالتعويل على ما هو معلوم من سيرة الكاتب، وعلى بعض أحداث الرواية، بالمقارنة مع رواية غادة السمان (ليلة المليار ـ 1985)؛ بذلك يُمكن للمرء أن يشخص للرواية الفضاء السويسري، فأية مدينة سويسرية هي إذاً مدينة (ن)؟
في هذه المدينة تعقد لجنة الأطباء الدولية لحقوق الإنسان مؤتمراً صحفياً حول انتهاكات حقوق الإنسان في شيلي، يشارك فيه الدكتور مولر الذي تهمه مدينة (ن) لأنها (ملتقى دولي). كما يشارك في المؤتمر: الراوي، وإبراهيم المحلاوي القادم من بيروت، والصحفي المناصر للقضية العربية: برنار، والذي سيكتب في جريدته (التقدم) عن مجازر صبرا وشاتيلا، كما يكتب عن بلده: "أصاب بلدنا الحر مرض غريب هذه الأيام. أصابه الخرس فلم ينطق شيئاً عن الجرائم ضد حقوق الإنسان ما دامت تأتي من الدولة العبرية".
على إيقاع حرب 1982 في لبنان تعري الرواية الذات في وطن الآخر، وفي حضوره، سواء في علاقة بريجيت النسماوية بإبراهيم والراوي، أم في علاقة الشاب المصري يوسف والراوي بالأمير حامد. ويبدو أن المرجعية تصل بين الرواية، فيما يخص العلاقة الأخيرة، وبين رواية غادة السمان (ليلة المليار). فمقابل مشروع رغيد الزهران إصدار مجلة لتدجين المثقفين في هذه الرواية، يحاول الأمير حامد في رواية (الحب في المنفى) استقطاب الراوي ـ ليصدر جريدة لصفوة الأقلام القومية التقدمية ـ عن طريق يوسف مرة، وعن طريق بريجيت مرة، كما تكتب الروايتان عن المظاهرة التي تندد بجرائم الحرب الإسرائيلية في لبنان، وبمجازر صبرا وشاتيلا.
بخلاف رواية بهاء طاهر، تعيّن راوية غادة السمان فضاءها السويسري، وسنرى الراوي في رواية طاهر لا يفرق بين يمين ويسار في مدينة (ن). كما سنراه يحكم بأن الناس فيها لا يحبون الأجانب ولا يختلطون بهم. لكن صديقه المحلاوي الحالم الماركسي المبعد من مصر إلى بيروت، يرى أن مكتب الحزب الشيوعي في مدينة (ن) هو أوروبا الحقيقية، وأوروبا الحقيقة هي، رغم كل شيء، الأمل. ولا يعني المحلاوي العلم أو الحضارة، بل الإنسانية، ومع هذه الإشارات إلى الفضاء الروائي وإلى المدينة الروائية في رواية (الحب في المنفى)، تأتي طوبوغرافيتها باقتصاد، ليظل السؤال قائماً عن علّة اللاتعيين فيها، إلا أن تكون التقية التي استدعتها السيرية. لكن علة التقية خارج ـ نصيّة، ما يدفع بالسؤال عن جدوى اشتغال استراتيجية اللاتعيين في هذه الرواية.
2 ـ مؤنس الرزاز: سلطان النوم وزرقاء اليمامة
تتسمّى المدينة الروائية في رواية مؤنس الرزاز (سلطان النوم وزرقاء اليمامة) ( ) بـ (شبه مدينة الضاد) ويرد الاسم أحياناً: مدينة الضاد. ومعظم سكان هذه المدينة ـ أو عالم الضاد، بحسب بعضهم، كما تذكر الرواية ـ هم أشخاص غير عاديين. وحول هذا العالم أو هذه المدينة تقوم الصحارى وبحر الظلمات، وإليه (إليها) لجأ السياسي السوري صلاح البيطار ـ اغتيل منذ سنوات ـ والشاعر العراقي سعدي يوسف والروائي الأردني غالب هلسا.. أي إن شخصيات واقعية ـ حقيقية قضت جزءاً من حياتها في مدينة الضاد. وبرسم ما يحيط عالم الضاد جغرافياً كما تقدم، وبما سيلي ما تكتب الرواية من أحداثه والعلاقات، سينجلي عالم الضاد عن العالم العربي، ويتلخص في تلك المدينة الروائية التي ينادي اسمها واسم ذلك العالم اللغة العربية: لغة الضاد.
منذ البداية تنص الرواية على أن عالم الضاد ليس الخريطة، لكنه عالم منطقي وعقلاني وواقعي ولا يشبه عالم كافكا. وبمثل هذا اللعب ترمح المخيلة وهي تدفع إلى المدينة الروائية، بلا طوبوغرافيا تذكر، بعلاء الدين ومارده وبروميو وجولييت والروائي ميم ـ الحرف الأول من اسم مؤنس الرزاز ـ وبزرقاء اليمامة والمخرج الهوليودي وتلك الشخصية المرموقة في المدينة: بئر الأسرار..
والمخيلة الرامحة تطمح إلى أن تكتب ألف رواية ورواية في حكاية، كما تنصّ (سلطان النوم..) منذ البداية، وهي تسلم الحديث إلى سلطان النوم الذي يتواتر حضوره في روايات أخرى لمؤنس الرزاز.
ففي رواية (حين تستيقظ الأحلام ـ 1997)، وبحضور قوي للملمح الكافكاوي في تسمية الشخصيات بالحروف، تقوم (سلطنة المنام) وعلى رأسها (سلطان المنام). وقبل ذلك، وفي رواية (فاصلة في آخر السطر ـ 1995) ينهض (سلطان النوم) كأقوى ضروب السلطة سطوة، والراوي يمارس سلطة ضحية سلطان النوم. وفي هاتين الروايتين، كما في رواية (سلطان النوم وزرقاء اليمامة)، وفي سائر روايات مؤنس الرزاز، لا ينقطع النفخ في الصُّوْر نذيراً بالكارثة المحتومة، التي تتسمّى في رواية (سلطان النوم..) بعاصفة العجاج، وإعصار العجاج. لكن أحداً من نزلاء عالم الضاد الخارقين لا يصغي إلى النذير. وبالقرائن الروائية ـ وأقلها مراسلو السي. إن. إن ـ تتعيّن عاصفة ـ إعصار ـ العجاج بعاصفة الصحراء /حرب الخليج الثانية، فيتعين الزمن الروائي، الذي تعوض محمولاته افتقاد المدينة الروائية للطوبوغرافيا.
من الإنذار بالكارثة المحتومة إلى وقوع الكارثة، تمضي رواية (سلطان النوم...) إلى المستقبل، في نبوءة بئر الأسرار إذ يخاطب زرقاء اليمامة: "انظري: هذا ما سوف يكون في مدينة الضاد.
كان المشهد مرعباً. شبه مدينة الضاد تحت هيمنة التصحر الكامل. لا ورقة خضراء، ولا عين ماء، وأشباح تسكن المقابر".
من سلطان النوم تتزوج زرقاء اليمامة. وعندما يضرب الناس عن النوم تقترح تبديل (السياسة المنامية) ومصادرة الحلم من النوم، دفعاً للناس إلى مواجهة العالم الواقعي. لكن الناس ينقلون مناماتهم إلى العلن، فتشهد المدينة أعظم أيامها نكراً، وتطلب زرقاء اليمامة نفيها من سلطنة النوم إلى شبه مدينة الضاد، والسلطنة إذاً هي غير شبه المدينة أو المدينة. لكن ذلك التفريق لا يختلف عن التوحيد في اللعبة الروائية.
إبان النفي من سلطنة النوم، ترسل زرقاء اليمامة نبوءتها: "كل نصف قرن يعصف العجاج بمدينة الضاد فيعيث فساداً ويقترف المجازر. لكن، ما إن ينحسر إعصار العجاج، حتى يخرج من تبقى حياً، ويهرع الناس إلى إعادة ترميم شبه المدينة وتشييدها من جديد". إلا أن النبوءة فيما يبدو لن تصدق هذه المرة، فبعد وقوع الكارثة، تبدو المدينة ـ شبه المدينة" قد تحولت في معظمها إلى أطلال وأنقاض.
وهال زرقاء اليمامة أن ترى المخرج الأمريكي نفسه يصور هو وفريقه السينمائي مشهد المدينة بعد انحسار هجمة العجاج. وحدثتها نفسها بأنه "يغطي أخبارُ العاصفة لصالح شبكة تلفزيون دولية متخصصة في متابعة أخبار الحروب والانقلابات والكوارث".
تلك هي المدينة الروائية التي تشيدها رواية (سلطان النوم..) وتنقضها في آن. وهذه التشظية التي لا توفر مكاناً ولا زماناً ولا شخصية ولا جماعة، ترمي بشظايا دلالاتها يومنا وغدنا: الكارثة.
3 ـ غازي القصيبي: العصفورية
يتطوح بشار الغول ـ راوية وبطل رواية غازي القصيبي (العصفورية)( ) في الفضاء الخارجي، وفي الفضاء المترامي بين أمريكا وبريطانيا وسويسرا واليابان والبرازيل.. لكن تطوحه الأكبر هو في الفضاء العربي الذي لا يعيّن منه إلا لبنان. وإذا كان المضيّ سهلاً من خليج عربستان في الفضاء الروائي إلى الخليج العربي، فكلٌ من البلاد ـ المدن الروائية الأخرى يخاطب أكثر من عاصمة عربية، ولاسيما: العواصم المشرقية. واللافت هنا أولاً هو أن تحمل المدينة الروائية الاسم الروائي للبلد أو الدولة: عربستان 48، عربستان 49، عربستان 50، عربستان 60. واللافت ـ ثانياً ـ هو تمايز المدن الروائية بالزمن الذي توقّع له نكبة فلسطين عام 1948 والانقلابات العسكرية (الانقلاب السوري الأول عام 1949) وحربا الخليج الأولى والثانية. وبالتالي، فالزمن الروائي هو النصف الثاني من القرن العشرين، وبتسمية الراوي بشار الغول للمدن ـ البلاد الروائية، يبدو أنه أغنى عن الطوبوغرافيا، فاكتفت الرواية بالقليل منها، لتغدو المدينة الروائية حاملاً لمحمولات الزمن، ملوّحة بذلك لمدينة شبه الضاد في رواية مؤنس الرزاز. ففي عربستان 48، حيث موّل بشار الغول الانقلاب الأول الذي قاده الرائد صلاح الدين المنصور، سرعان ما سيحمل شارع المطار وكل الفنادق اسم الديكتاتور الثوري. وسرعان ما ستغدو للمنصور استراحة صحراوية هي قصور في هيئة خيام، وفيها قاعة الشعب العظمى. وعربستان 48 باتت تضيق بقصور الديكتاتور، وبالمعتقلات، وبمؤسسة المنصور الإنسانية، وعلى حدودها حشود لجارتيها: عربستان 49 وعربستان 50.
في الأولى (عربستان 49) يموّل بشار الغول ثورة حزب الانطلاقة بقيادة برهان سرور، حيث سرعان ما سيتصدر تمثاله كل قاعة من قاعات المطار وأبهاء الفنادق، كما ستملأ الجداريات بصوره شوارع المدينة، وإن ظل في بيته القديم الصغير، بينما يحتل حراسه المنازل المجاورة.
إلى هذين الأنموذجين من الديكتاتورية، يأتي في رواية (العصفورية) أنموذج الديكتاتورية الإسلامية في عربستان 50 بقيادة ضياء الدين المهتدي وحزب النور. ثم يأتي الأنموذج الديمقراطي في عربستان 60، والذي سرعان ما ينهار، فيما موشيه بن نمرود بن عادياء ـ رئيس الموساد السابق ـ يقهقه، لأنه لا يخشى الديكتاتورية، بل الديمقراطية، ولئن كانت المدينة الروائية عربستان 50، مثل تاليتها، بالكاد يقوم لها ملمح روائي، فلعل تشغيل استراتيجية اللاتعيين فيهما قد أغناهما عما افتقدناه، شأنه في المدينتين الأخريين: عربستان 48 وعربستان 49، عبر نشاط محموم للمخيلة، ومعجون بالسخرية.

dabe3
05-18-2010, 02:02 PM
4 ـ هاني الراهب: رسمت خطاً في الرمال
تمضي رواية هاني الراهب (رسمت خطاً في الرمال) ( ). إلى أبعد مدى في التشظية التي وسمت المدينة الروائية في رواية مؤنس الرزاز. كما تمضي رواية الراهب إلى أبعد مدى من استعاضة مدينتها ـ مدنها الروائية بمحمولات الزمن عن الطوبوغرافيا، مما وسم روايتي الرزاز والقصيبي.

فمدن رواية الراهب هي مدينة (ماذا) و(متى) و(كيف) وهي مدن ـ دول النفيطيات: نفيطية ألف ـ نفيطية باء ـ نفيطية دال... وكل ذلك هو الفضاء الروائي ـ الفضاء العربي الذي شكلّه الجنرال فيكس منذ قرن، حين رسم خطاً في الرمال، والذي يلوّح لرواية مؤنس الرزاز (متاهة الأعراب في ناطحات السراب)، حين رسم الضابط العثماني دائرة في الهواء، وخاطب الراوي: "لا تخرج من محيطها.. ألف عام وعام، مداها البسيطة كلها من القطب إلى القطب. من قابيل إلى جعفر النميري، من ديترويت إلى عدن" ( ). ولهذه الرواية، كما لرواية الرزاز (سلطان النوم وزرقاء اليمامة) ولرواية القصيبي (العصفورية)، تلوّح رواية الراهب، وهي تطوي أزمنة صلاح الدين الأيوبي والحجاج وعاصفة الصحراء، متوسلة التقمص والعجائبي، عبر نشاط محموم للمخيلة، ومعجون بالسخرية، مثل تلك الروايات.
على أنه من الأهمية بمكان أن يلاحظ المرء أن ما تلوح به المدن ـ البلاد الروائية في رواية القصيبي، لأصنائها في رواية الراهب، يظل يمايز بينها في الرواية الأولى، فلا تغني واحدة منها عن الأخرى، على العكس من رواية الراهب.
والأمر كذلك، حسبنا أن نرى من هذه الرواية مدينة (ماذا) التي نُقل إليها من شردتهم إسرائيل من خيامهم، حيث شاهد محمد عربي محمدين الحجاج لأول مرة، ووصف المدينة قائلاً: "مدينة أعين متربصة متفحصة، تبحث عن شيء خفي غامض كي تظفر به وتقتنصه. عيون قلقة خائفة، أجفانها أمشاط رصاص، تلتقط صوراً وترسلها إلى ذاكرة إلكترونية، وهناك في ذلك المعمل الضخم ذي الفروع التسعة داخل المدينة، كان تحميض الصور يقرر حجم ولائي للسلطة".
يتكلبن عربي ـ هكذا يغلب ورود اسمه في الرواية ـ إذ يرى الحجاج. وسكان مدينة ماذا ـ على ذمة عربي ـ يعشقون لبط الكلاب، وينتشون بتعفيرها، وبخاصة في مناسبة مرور المواكب. ولأنه موكب الحجاج، تصدح في مآذن هذه المدينة مجهرات الصوت بتلاوات مستمرة من آيات الذكر الحكيم، وكاميرات التلفزيون ترافق الموكب المهيب، وأصوات المذيعين الشجية تتناوب في إبداع وصف بليغ للمناسبة الإيمائية العظيمة. وفي الصلاة ينحني عربي الذي عاد من الكلبنة بشراً، لكنه الآن يتخنزر، والمصلون ينحنون، فلا يبقى منتصب لله غير الحجاج. لكن الحجاج يتحيون هو الآخر من على المنبر، فلعبة التحوين الديكتاتورية الروائية تصيب الديكتاتور أيضاً.
لمدينة روائية أخرى مما رسمت رواية هاني الراهب تحضر شهرزاد من ألف ليلة وليلة، سجينةً في قصر شهريار. وفيما يخاطب حرب الخليج الثانية وعاصفة الصحراء، يجتاح الحجاج هذه المدينة ـ الدولة ـ الأمارة التي قد تكون نفيطية باء أو دال أو ألف أو أية نفيطية في الفضاء العربي السعيد. لكن الجنرال فيكس وملوك القرن العشرين طراً يهبون لنجدة ملك الزمان ـ ديكتاتور المدينة المجتاحة: دهريار آل نفيطيان.
بعيون أخرى سوى عيون محمد عربي محمدين وشهرزاد، ترسم رواية هاني الراهب أيضاً المدينة ـ المدن ـ البلاد الروائية، إذ يطلع عيسى بن هشام من مقامات بديع الزمان، أستاذاً في جامعة نفيطية ما، كما تهوي بلقيس من عرش مأرب على قاع الـ بدون، أي قاع من لا جنسية لهم في نفيطية ما.
وكذلك يأتي أبو الفتح الاسكندري باسم فتحائيل إلى حضرة دهريار آل نفيطيان الذي يطبق الكتاب (القرآن) ويفتح كتاب النفط، مديراً ظهره للقرن السابع، ومسرعاً إلى القرن العشرين: "يثب عن ظهر الهجين ويجلس وراء مقعد الليموزين، عيناه تقرّان بصفوف المطوعين وأسراب العذارى، وهو وحده لديه التكنولوجيا والحرسلوجيا".
لفتحائيل كما لعربي تحولاته. وليسترد منها بشريته، يشترط دهريار عليه أن يقول لـه كيف يجعل تنابله ـ رعيته ـ شعباً من العاملين، لأنهم ـ بتشخيصه ـ لا رابطة لهم إلا رابطة البترودولار، وإن لم يأت بالأجانب لخدمتهم، انهارت الدولة على رؤوسهم. ولو تحررت عقولهم من حرفية النص، وخرجت خارج متاهة اللغة العربية، فسيطالبون في اليوم التالي بالديمقراطية، لذلك يبلو المدينة ـ الدولة ـ الإمارة الروائية بالبلبلة زمناً ومكاناً وبشراً، ويستوي أن تكون مدينة ماذا أو متى أو نفيطية سين، كما يستوي أن يكون المبلبل الجنرال فيكس أو دهريار أو الحجاج أو أي ديكتاتور تومئ إليه الرواية إبان عاصفة الصحراء، لا فرق بين عربي وأعجمي.
5 ـ عبد الجبار العش: وقائع المدينة الغريبة
لا اسم للمدينة الروائية في رواية عبد الجبار العش (وقائع المدينة الغريبة)( )، فقد أغنتها الصفة (الغريبة) عن الاسم، وهي التي تقتل منذ البداية ـ صراحة أو مواربة ـ مثقفيها، فيما عرض التلفزيون مشهد انتحار أربعة موسيقيين وخمسة شعراء وثلاثة رسامين وخمسة فلاسفة ومخرجين وثلاثة قصاصين، والمجموع هو اثنان وعشرون، بثت الإذاعة أنهم انتحروا جراء تعاطيهم الهيروئين، وزعم نذير الحالمي ـ الراوي ـ أنهم انتحروا جراء تأثرهم بنظرية الموت قبل فوات الأوان.
هكذا تبدأ وقائع هذه المدينة. وبعد يومين من (كارثة) المثقفين، يلتصق الكرسي المثبت على أرض المقهى بقفا صالح العوادجي (الموسيقي)، وتعجز الدولة عن العجيبة الجديدة، وينبثق الدم من الحفرة التي حفرت حول الكرسي، مطابقاً لفصيلة دم صالح، حتى إذا فُصل جلد قدمي الرجل عن الأرض، راحت تنزف، وراح صالح يشخب حتى الموت، لتتوالى من بعد وقائع المدينة الروائية الغريبة، إذ يفشو زمن العولمة، ويُقتلع تمثال الشاعر من ساحة الشعراء، ويحل محله تمثال عملاق لرجل حديدي، رمزاً للتكنولوجيا: "ومنذ ذلك اليوم توالى تدشين المعالم الغريبة والتماثيل العجيبة، فمن الساعة الحائطية المرسومة على قطعة نقدية ضخمة، في إشارة خفيفة إلى أن الوقت يسلب المال، إلى الدولار الذهبي العملاق والذي يعكس أشعة الشمس".
بدخول المدينة الروائية زمن العولمة، يتسمى مواليدها الجدد بـ: مليار، مليون، طيارة.. وتتزين الفتيات بالأعلام الأمريكية، ويشيع التبرك بالآلة والخيال البنكي والعدسات الملونة، وتتظاهر المومسات مطالبات وزارة التقدم والمجمع العلمي بحذف كلمات (بغي، مومس، داعرة)، وترفض مظاهرة أخرى أمام وزارة الثقافة وكرة القدم إجبار الثيران على إهراق لقاحها في أنابيب، و.. ويظهر شْتلْ.
وشتل صعلوك عاشق للصعلوكة نوويرة، وساخر من التماثيل. وفيما يلحق العاشقان بملجأ المجانين، تتفشى في المدينة ظاهرة صالح العوادجي: التصاق الكراسي بمؤخرات الناس، وما يتأتى جراء ذلك من أمر المراحيض والإشكالات القضائية الطارئة كالخدمات الطارئة.. ويتتوج ذلك باستثمارات المؤسسة التي تقدم القروض للناس مقابل رهن أعمارهم.
رداً على زمن العولمة، تقوم الجبهة الدينية بالانقلاب العسكري، ويقيم المتطرفون في المدينة الروائية مهرجاناً لتكسير قوارير الخمر وإزالة الأنصاب، وتكون عجيبة أخرى من عجائب المدينة:
أقفال الحوانيت ـ كأقفال الدوائر الحكومية ـ ترفض الانفتاح.
يحرق المتطرفون الكتب ـ فرج فوده وحسين مروة وزوربا ومحمد شكري ومحمود المسعدي والإعلان العالمي لحقوق الإنسان و.. ـ ويقيمون كرنفالهم: أسبوع الكرامات والإيمان في مواجهة أعوان الشيطان، حيث يوم الجمعة لصلاة الجمعة والاستحمام، ويوم الخميس للكي بالنار، ويوم الأربعاء لزيارة الأضرحة، ويوم الثلاثاء للقرابين..
هذه الغلواء تدفع بالناس إلى اختراق الشوارع ومواجهة المتطرفين، في نزوع انتحاري، فيما تحلم نوويرة التي حملت من شتل وهربت معه صبيحة الانقلاب الديني، بأن تلد ولداً أو بنتاً بقامة منتصبة، لكنها تموت عمن ولدت، مخلفة المدينة لخرائب ـ غرائب زمن العولمة والتطرف الديني.
تلك هي المدينة الروائية ـ الفانتازيا حد الرعب، حتى في سخريتها الجارحة، كما كتبها عبد الجبار العش، نذيراً بكارثة يومنا وغدنا، فحق لما كتب أن يكون (ملحمة السرد الخرافي) كما عبر خالد الغريبي في تقديمه لديوان عبد الجبار العش (جلنار).
6 ـ أبو بكر العيادي: آخر الرعية
يصدّر أبو بكر العيادي روايته (آخر الرعية) ( ) بما يؤكد أن عربانيا بلد منفلت من الجغرافيا "فمن زعم أن عربانيا بلد بنصّه وفصّه، وأن الكبير حاكم بعينه، هو مدع وكاذب".

وعربانيا هي الدولة ذات الولايات العشرين التي تحمل أسماء أصنام العرب: جهار وسُواع واللات والعزى وهُبل ونائلة وأساف ويغوث والمحرق.. لكن عربانيا أيضاً هي تلك المدينة الروائية ـ العاصمة التي تجري فيها أغلب أحداث الرواية. وكما في الروايات السابقة، وفي رواية واسيني الأعرج التالية، ليس للطبوغرافيا شأن يذكر، والسخرية علامة فارقة للرواية، والزمن الروائي تعيّنه السي. إن يان ومونيكا وحرب عربانيا مع جيرانها التي ستأتي عليها، مما ينادي حرب الخليج الثانية.
من كل ما يتعلق بديكتاتورها (الكبير) شيدت رواية العيادي مدينتها ـ دولتها. ومن ذلك يوم تقليد (الكبير) للباشكاتب الوسام الذهبي، حين صوّب للمراسلين الأجانب والسفراء نظرات كأنها اللهب قائلاً:
"ليس لدينا دروس نتلقاها من أحد "فغشيت البلاد غاشية، وأغلقت الدور والمحلات والمؤسسات والمدارس والمعاهد والجامعات، وانتشر الناس في الشوارع كالجراد يرفعون رايات التأييد لسياسات الكبير، ويصرخون بلاءات الرفض: لا للتدخل الأجنبي، لا للهيمنة الإمبريالية..
وهو ذا أيضاً الاحتفال في إحدى قاعات قصر الكبير بإزاحة الستار عن اللوحة التي رسمها له فنان البورتريه الفرنسي، وما تلا من إنشاء صندوق لدعم تعميم صور الكبير التي يفرخها الفنان على المدن والقرى، فبات وصل التبرع دليلاً على الوطنية الصادقة، وفاضت الأموال عن الحاجة، فحول الفائض إلى خزينة الأشغال لتشييد منتجع يليق بمقام الكبير.
وهو ذا أيضاً الاحتفال بعيدي ميلاد الكبير، بحسب التقويم الهجري وبحسب التقويم الميلادي. ولقد أطلق الكبير في إحدى عكاظيات مولده النشيد الوطني من شعره، فتداوله الإعلاميون ورؤساء الأقسام الثقافية والمحللون السياسيون، ورجال المسرح والمعلقون الرياضيون وعلماء النفس والمدرسون. لكن كلمات كتبت على حائط بيت بحيّ بائس في حزام المدينة، نغّص الفرحة شيوعها على الألسن قبل أن تتداركها دوريات الميليشيا والفرق التي شكلت لطلي الجدران.
توالي أطراف المدينة تنغيصها، من المرأة التي تبيع الكتب التراثية على قارعة الطريق، إلى شاعر من مدينة هميلات في ولاية هبل، سلق الكبير في واحدة من عكاظيات مولده سلقاً، فأقال الكبير الحكومة، وأبيدت مدينة الشاعر، ورشت بالملح حتى لا تقوم لها قائمة من بعد، كما أمر الكبير بإقامة مراحيض عامة في كل المدن تحمل اسم الشاعر، تحقيراً له.
هذه المدينة التي تُجَنُّ في يوم البيعة الكبير، وتترنح تحت صراعات أركانها، ستترنح تحت ضربات المعارضين المتجمعين في بلد مجاور، والمدعومين من الغرب المنادي بحقوق الإنسان والديمقراطية، على الرغم من أن من هذا الغرب من يدعم الديكتاتور. وإذ تضرب عربانيا الجار الذي يتسلل من حدوده المعارضون، يستجير الجار بالغرب، فتقع على عربانيا الضربة القاضية، وتتشقق ولاياتها، وتغدو ـ بوصف الكبير ـ رمماً ليس فيها سائر يسير ولا طائر يطير، قد غادرتها الرعية، ولم يبق فيها إلا (الكبير) وألسنة النار خلف مناعف المباني المقوضة.
وفي نهاية القسم الذي يتولاه (الكبير) من الرواية، كما في بداية القسم الذي يتولاه المهدي بن جابر، بعد الحرب، يأتي المجلى الكبير لطوبوغرافيا المدينة الروائية. لكأن الرواية شيدت مدينتها على عهد الكبير من الأفعال، فلما بددتها الحرب، غدت "كأنها بيوت من ورق مقوى داستها أرجل عابثة، وزادت الحفر الهائلة والجسور المهدمة والسيارات المحروقة في تعميق المشهد الأعم، وقد نمت على الأرصفة نتف من حشيش مصفر، وعمَّ الفضاء سكون كسكون المقابر المنسية، لا يقطعه بين الحين والحين غير نعيق غربان ونباح كلاب وأصوات بعيدة كابية".
بوصف المهدي، يبدو وسط المدينة وشوارعها الشهيرة ومراكزها التجارية التي كانت تنبض بالحياة، وحزامها الذي كانت أحياؤه موارة، يبدو كل ذلك قد آل إلى أنابيب غاز مثقوبة وألواح خرسانية ضخمة متداعية وعصابات مجرمين وأوبئة: إنها المدينة المشؤومة كما تنعتها شامة إذْ تلتقي بالمهدي، فيفران من الخراب إلى البرية التي سيصادفان فيها الكبير هائماً، وقد زاده دثور عربانيا عطشاً إلى السلطة.
لقد أتت الديكتاتورية، بالحرب والقمع والفساد، على المدينة الروائية. وليت الأمر كان كذلك وحسب، وليته يظل كذلك وحسب، فلا تتعيّن المدينة الروائية، لا من قريب ولا من بعيد، بل تبقى مدينة من كلمات، ولكن.
7 ـ واسيني الأعرج: المخطوطة الشرقية
ينصّ واسيني الأعرج في مستهلّ رواية (المخطوطة الشرقية) ( ) على أنها استمرار لليلة روايته السابقة (رمل الماية: فاجعه الليلة السابعة". وهكذا أحضر المدينة الروائية (نوميدا ـ أمدوكال) من الرواية السابقة إلى رواية (المخطوطة الشرقية)، وقد أتت الحرب عليها، في الألف الثالثة من الزمن الميت، ليبدأ زمن بلا عيون ولا ذاكرة، يرمح بنا إلى المستقبل خمسين سنة، كما يرمح بنا خلفاً إلى أزمنة الأندلس وعاصفة الصحراء.
لقد حكمت رواية مؤنس الرزاز بالكارثة، وحكمت رواية أبو بكر العيادي بالدثور، وبتقاسيم الكارثة والدثور حكمت روايات هاني الراهب وغازي القصيبي وعبد الجبار العش. لكن رواية واسيني الأعرج ستمضي خمسين سنة إلى ما بعد الكارثة والدثور، وهي التي بدأت بفعل زمن ألف ليلة وليلة فيها ـ كفعله في روايات الراهب والرزاز ـ فجاءت بشهريار بن المقتدر ليشيد في المدينة ـ الدولة الروائية نظامه الجملكي من الجمهورية والملكية.
بعد عهد شهريار يأتي عهد نوح الشاعر الذي يعيد النظام الجمهوري بعضد من الملياني. لكن الملياني سينقلب على نوح الشاعر ليعيد الجملكية مرفوعة إلى الأسّ العاشر أو المائة، فيكون لـه يوم البيعة كالكبير في رواية (آخر الرعية)، وتكون لـه مستشفى الملياني الأعظم التي تتاجر بالأعضاء البشرية، وتكون له كتائب الظلام ومحرقة الكتب، وهو يشيد المآذن الأندلسية في مرحلة تأسلمه وتبوئه الإمامة. وستملأ صور وتماثيل الملياني المدينة كما في رواية (العصفورية)، ويعتدي على جيرانه في مدينة الزيت ـ هل هي المعادل الروائي للكويت؟ ـ فيما الحلفاء يحرضونها عليه ويحرضونه عليها، إلى أن تهب عاصفة الصحراء، وتتدمر المدينة، وتتشقق الدولة، وينجو الأمريكان بنوح الصغير ولد الملياني، ويهيئونه هم واليهود من أجل المستقبل القادم بعد خمسين سنة.
لاندثار نوميدا ـ أمدوكال أوقفت الرواية قسمها الأول. وفيه، كما سترجّع الأقسام التالية من الرواية، تبدو المدينة الروائية واحدة من مدن النحاس التي غرقت، وواحدة من مدن الملح التي ذابت ـ والرواية ستذكر عبد الرحمن منيف وروايته ( مدن الملح ) مراراً ـ فلا نفط ولا غاز من بعد، والبشرية باتت تمشي على أربع، وعصر التوحش يزحف، والبلاد تدخل "حافية عارية إلى عصر الانقراض الأول".
وإلى نوميدا ـ أمدوكال ترسم رواية (المخطوطة الشرقية) مدينة الزيت ـ أين هي نفيطيات رواية هاني الراهب؟ ـ محوطة بالأسلاك الشائكة المكهربة وبطائرات الأواكس التي يوفرها الحلفاء، إلى أن تأتي الحرب بالدثور، بفضل الحلفاء.
لقد تقهقرت المدينة الروائية على عهد الملياني بدار التبريج ودار الأمارة ودار الرقاد المزركشة ودار الهدى ودار الجحيم ـ في رواية العيادي يتسمى السجن بدار الفناء ـ وعاشت المدينة ـ الدولة الرخاء الوهمي النفطي الذي لم يطل، كما لم تتأخر عاصفة الصحراء، فدك حلفاء الأمس المدينة ـ الدولة دكاً، إلا قصر الملياني. وهاهو العراب الأمريكي أوسكار، والعرابة اليهودية سارة، بعد خمسين سنة من الدثور، يطلعان بابن الملياني ليشيد مدينة ـ دولة جديدة تتسمى بمشيخة أمادور الإسلامية، فترث مدينة ـ دولة روائية ما كان، وليت الأمر يكون كذلك وحسب، فلا تتعين المدينة ـ الدولة الروائية، بل تبقى كلمات كالكلمات.

في روايتها (الوطن في العينين ـ 1979) سمت حميدة نعنع مدينة روائية باسم حران ـ قبل حران مدن الملح ـ وسمت مدينة أخرى باسم عينتاب. وفي روايته (ن) سمّى هشام القروي مدينته الروائية بالحرف (ن) قبل أن يسمي بهاء طاهر مدينته الروائية بالحرف نفسه. وخصّ القروي مدينته بصفة (الغريبة) قبل عبد الجبار العش. وسواء أعنى السبق أمراً أم لا، فالمهم هنا هو اشتغال استراتيجية اللاتعيين في أمير الدوال، في اسم العلم الروائي إذ يتعلق بالمدينة. وقد بدا كيف أن هذا التشغيل ألحّ على الإشارة إلى البرازخ العربية المدينية الدولتية المعاصرة، من مدينة الضاد إلى عربانيا إلى عربستان 48 إلى ..


باشتغال استراتيجية اللاتعيين في أمير الدوال ابتدأت كنائية المدينة الروائية في المدونة التي حاولنا درسها، وحيث بدت درجات متفاوتة من الانعكاس
أو الانزياح، كما بدت بدرجات متفاوتة بينهما، وبخاصة في روايات القصيبي والراهب والعيادي والأعرج. وبذلك التفاوت توالى اشتغال استراتيجية اللاتعيين، ليقوم المعنى الجمالي، مستثمراً السخرية والتشظية والتناص، وممعناً في الحفر فيما نحن والعالم عليه اليوم وغداً، بقدر الإمعان في التجريب وإطلاق المخيلة من قمقمها، وبذا ألحت كنائية المدينة الروائية العربية على هتك الديكتاتورية والحرب، وعلى تعرية الذات والآخر، وعلى النذير بالكارثة كما على التأبين. وإذا كان ذلك ليس وفقاً على المدونة التي حاولنا درسها، فلعله كان كافياً لاختيارها، فالإحاطة لم تكن هدفاً، بل كان تلك الجراح الفاغرة التي تفتق فيها الجمالية الروائية المدماة.

dabe3
05-18-2010, 02:03 PM
الفصل الثالث



تقـاسيم على التجريب


الفصل الثالث

تقاسيم على التجريب

1 ـ عزت القمحاوي: غرفة ترى النيل ( )
بصوت التاريخ المجلل بالقداسة، يصدعنا الأمر الفرعوني: (انهض إنك لست بميت) في صدر رواية عزت القمحاوي (غرفة ترى النيل) وسرعان ما تضعنا الرواية أمام الموت في المونولوج الذي يفتتحها به الصحفي عيسى، مبسملاً بالحقيقة المبهظة: "ليس في الإدراك أي نبل". ولأن عيسى يكابد السرطان، ولا يستطيع إنهاء حياته، ويدرك أنه ميت لا محالة، يجلجل بعبارته التي ستوقّع للرواية كل حين: "هذه مسخرة". وفي المسخرة ـ المأساة يتجرع الجسد لذة الألم، معلناً تلك الـ (لا) الشجاعة التي عجز العقل عن قولها. فهذا الجسد ـ الخرقة الذي وقف العقل منه موقف النخاس، يعلن الـ (لا) الآن بكل طلاقة، كأنه طائر يكتشف ألفة الغرفة المحتقرة التي تؤويه في المستشفى.
من مواجهة الموت في أسر الغرفة تنطلق الذاكرة إلى البئر الأولى، إلى طفولة عيسى القروية، وتحضر الشخصية المحورية الثانية: رفعت، فيكتمل الفصل الأول من الرواية مؤشراً إلى معالم بنائها الأساسية. ففيما عدا فصل سيقوم على المذكرات، يأتي كل فصل في طبقتين سرديتين، الأولى مونولوج: بالحرف الطباعي المائل، ويتولاها راوٍ بضمير المتكلم أو المخاطب، والثانية: سرد بالحرف الطباعي العادي، ويتولاها السارد غالباً بالضمير العتيد: ضمير الغائب. وقد تتخلل هذه الطبقة، وبالحرف الطباعي الغامق، عبارات يراد لها أن تكون معالم بارزة في هذا البناء المركب في سلاسة.
وبهذا التركيب كان للراوي، فضلاً عن قناعه، أقنعة أخرى، وبالتالي، تعددت زوايا الرؤية والموت واحد، وتلاعبت بالسرد الضمائر الثلاثة والموت واحد، يعيشه المريض وصديقه الصحفي والروائي رفعت الذي ينادي السيرية إلى الرواية. فحين تكون شخصية محورية أو أكثر في رواية ما، كاتباً، يترجّع ذلك النداء. وفي رواية عزت القمحاوي (غرفة ترى النيل) هو ذا عيسى يعزم على أن يكتب تجربته مع السرطان في رواية، إن عوفي وأثبتت الحياة أنها "مجرد مسخرة". ومن عيسى نفسه، ومن صنوه رفعت، ومن السارد، تتواتر الأمثولات الروائية وأسئلة الإبداع: مرة في قراءة رواية (صحراء التتار) لدينو بوتزاتي أو رواية (الشيخ والبحر) لهمنغواي أو (كتاب اللاطمأنينة) لفرناندو بيسوا.. ومرة في لوبان السؤال على كتابة الإيماءات والنظرات دون أن يصيبها صخب اللغة بالفساد، فالأحاسيس الهشة تتلفها اللغة، ومن يكتب بعد العباقرة إنما يكتب بما يمتلك من صفاقة. أما الأمثولة الكبرى فهي رواية ماركيز (مائة عام من العزلة) والتي تفجّر دخيلة رفعت الإبداعية: الخيال هو الطموح الوحيد، والمرام هو أن يعرف رفعت كيف يفكر بالأحاسيس ويحسّ بالأفكار، وأن يرى بوضوح كيما يكتب بطريقة (صحيحة). ولقد أصابت رواية ماركيز عيسى أيضاً بالهذيان، فجلجل على طريقته: "كاتب مسخرة كتب كل شيء، لم يدع شيئاً لكاتب بعده"، وكذلك "لن تكتبوا بعده يا أولاد الهرمة، إن كان عندكم شيء
من الحياء".
يؤيد رفعت صديقه في هذه الجلجلة، لكنه رغم ذلك نشر رواية جديدة مؤكداً أن الوصول إلى النموذج المرْضي لا يتم إلا عبر المحاولات غير المرضية. وهكذا تندغم الميتارواية في السيرية مترجعة بين رفعت وبين عزت القمحاوي الذي جاء بروايته الجديدة (غرفة ترى النيل) بعد روايته الأولى (مدينة اللذة ـ 1997)، فمضى من فضاء وبشر المدينة المحمومة باللذة والخيال، إلى فضاء وبشر القاهرة المحمومة بالسرطان والفساد واللذة أيضاً، أي المحمومة بالموت وبالخيال، وكأن الخيال هو الحياة إزاء الموت، وليس للرواية إذاً ما تتصدر به سوى تلك الآية الفرعونية: "انهض إنك لست بميت".
لقد ابتدأ عيسى الرواية، ثم أسلمها إلى رفعت الذي يفكر في لحظة الموت، وتسيل به الذكرى أيضاً قبل أن يسلم الرواية إلى رئيس تحرير الصحيفة التي يعمل وعيسى فيها: أبو جهل، كما لقبه عيسى.
ومن بعد، من قناع إلى قناع، من شخصية إلى شخصية، تسترجع الرواية أشتات الماضي وتهتك عتمات الحاضر، بينما الموت يرابط دون المستقبل، وعزت القمحاوي يبني الشخصيات ببرودة ومكر، والكتابة تسري رهيفة وموجعة، تهتك فساد المؤسسة الزوجية (عيسى وروز). والمؤسسة الإعلامية (أبو جهل) والمؤسسة الصحية (لصوص المستشفى العام والخاص) والمؤسسة الحاكمة متمثلة بالسيطرة على أملاك الفلاحين في جزيرة الذهب لإقامة مشروعات سياحية.. وإذا كان الخراب ـ الموت عنوان ذلك كله موشوماً على الجسد والروح الاجتماعي، فالسرطان ـ الموت هو العنوان على الجسد والروح الفردي.
والرواية تصدع ذلك كله بالصداقة (عيسى ورفعت) وبالحب (سوسن وعيسى أو سميرة المجرية وعيسى). أما الوسيلة الروائية لذلك فهي السخرية. وهذا الذي يكابد السرطان ـ يعيش موته هو الساخر بامتياز، ابتداء بتلقيبه لرئيسه بـ (أبو الجهل) وبالمقابل تلقيب رئيسه له بـ (أبو العُريّف).
فحين يسأل رفعت صديقه عن حاله يجيب: عظمة، والعشاء في المستشفى: آخر عظمة. وحين يتذكر عيسى دفن أبيه يقهقه "والله العظيم حكاية مسخرة"، وعن إبرة الثيرون يقول: هذه مسخرة، وعن حقنة المخدر يقول: "آخر مسخرة والله". وحين يتحسس بَلَلَهُ بالدم يتساءل: "إيه المسخرة دي؟". وحين يستذكر من تبقى من أصدقاء العمر تتوالى عباراته اللاغزة: "الدفعة صارت مطلوبة" و"كلها سنة ونتخرج كلنا". أما عبارة عيسى الأثيرة فهي: "آه كده آخر عظمة".
في لغة عيسى هذه تتجسد بحق الكلمة الروائية التي تقصّ وتصوّر وتخبر (مسخرة، عظمة، كمثال).
وتلك سمة بارزة في الكلمة بعامة في رواية (غرفة ترى النيل). ومنها ابتدأ تكوين لغاتها. فلرفعت لغته، ولمذكرات سوسن لغتها، ولرئيس التحرير (أبو جهل لغته) ولروز لغتها، وللسارد لغته. وقد أسس هذا التنويع اللغوي للحوار بين مختلف أشكال الوعي في الرواية. فالروائي الصحفي يفكر ـ مثلاً ـ في أن الموت لا يؤذي الموتى، بل الأحياء، وليس الموت ما يختفي "بل يبقى مدوماً وحارقاً كسائل يغلي في الذاكرة التي لم يبلغها النداء بعد". ورفعت لا يوفر في أهجيته أحداً حين يتساءل عن تسميم مواكب المسؤولين للشوارع: "ماذا يخرجهم لمزاحمتنا ما داموا يخافون كل هذا الخوف، ثم من يخافون؟ من خلق ميتة؟". أما عيسى الذي يستعيد علاقته بمن رافقهم في السجن، وتنكروا بعده لماضيهم اليساري وإن ظلوا يزاودون به، فها هو يرسل نظرته إلى الحياة: "الحياة تحب فقط أن تحاورنا مثل طفل نزق يطرح عليك ألغازاً، فإذا لم تتوصل إلى حلها تولى هو المهمة، لكي يتسنى لـه طرح لغز جديد. الطفل أكثر منك حرصاً على استمرار المسامرة، وكذلك الحياة". وبالطبع، لن تأتي أشكال الوعي في الرواية دوماً بهذه الجهارة، وإنما هي أساساً نسغ يسري في جسد الرواية، وبخاصة حين تظهر الطبيبة سوسن وتبدأ مماهاتها بين عيسى وشكري، أو تبدأ مماهاته هو بين سوسن وسميرة، فالاسم مجرد حيلة، وقد يكون الاسم المدون على بطاقة الطبيبة (سوسن) من اختراع عيسى، كما أن وجهها هو وجه سميرة المجرية التي لقيها أثناء إعدادها لأطروحة الدكتوراه عن حدود حرية التعبير في الصحافة المصرية، فتحابّا.
ومن هذا القبيل أيضاً ما تنبض به ذكريات عيسى من كلية الفنون الجميلة وتلك الفتاة التي كانت موديلاً لأصدقائه وتعاوروها، إلا عيسى الذي تزوجها. والنبض هنا هو أسئلة الصداقة والجنس والفن والجسد.
ربما بدا عيسى موضع العناية الروائية المركزة، من مواجهته للسرطان وللموت إلى عمله في جريدة (اليمين الجاهل) التي لا تسميها الرواية على سبيل التقية ـ ربما ـ إلى ماضيه في السجن أو القرية.. وربما بدا رفعت هو موضع العناية الروائية على قدم المساواة مع عيسى. ولكن هذا وذاك وكل الذين شهدتهم غرفة المريض، هم الغرفة نفسها، والتي طلب رفعت من ذات الشعر المبتهج خلف الكاونتر أن تكون غرفة ترى النيل، أي غرفة تتصدر بابها الآية الفرعونية: (انهض إنك لست بميت)، ومنها وإليها تكون الدلالات، فهي التي تأتي بالماضي وتحفر فيه ـ والاسترجاع عتلة كبرى لهذه الرواية ـ وهي الملأى الآن بالأحداث والعلاقات، هي التي جعلتها الرواية كياناً للموت المعلن، بما هو مجازات حياة واستعارة كبرى للاعتلال الفردي والجماعي، كما قدرت بحق كلمة الناقد صبحي حديدي على غلاف الرواية.
2 ـ زهير الجزائري: الخائف والمخيف ( ):
قد تفتح يومك أو تودعه بنبأ سيارة مفخخة أو صورة الأشلاء والدمار، فينفجر بك الرعب وتداهمك كوابيس هذا الوحش الذي يفتك بالبشر وهو في هيئة البشر.
وقد يكون أن تلجأ مما تسمع في التلفاز أو ترى في الراديو أو تسمع وترى في الجريدة، إلى هذه الرواية، فإذا بالصرخة تشق صدرك في الكلمة الأولى، وتظل تدوّم في أعماقك والكاتب يرصد رجعها في بيت السيد الحائري أو في مكتب يعقوب أو في غرفة وليد أو أقبية السجن أو في القصر الجمهوري أو في مباءة العمة صبيحة.. وأنت إذاً في بغداد الرواية، كأنك في بغداد هذا الصباح أو في بغداد هذا المساء، والواقع كما يقال بحق أغرب من الخيال، والخيال كما يُقال بحق أغرب من الواقع، والسفاح هو السفّاح، والصرخة هي الصرخة، والانفجار أو الانتحار أو الاغتيال هو هو، فإلى من وإلى ما ستلجأ الآن؟
إنها رواية (الخائف والمخيف)، والسفاح الذي ابتدعه زهير الجزائري فيها ينادي السفّاح الذي ابتدعه منذ عقود نجيب محفوظ، وابتدعه من بعد غالب هلسا. لكن السفاح في رواية زهير الجزائري من طينة أخرى هي عينها طينة هذا الذي ـ وربما هذه التي ـ تكوبس نهارك وليلك، سواءً أكنت عراقياً أم كائناً فضائياً، وسواء أكنت في بغداد أم في جابلقا، وربما في جابرصا.
لا يؤذي سفّاح رواية (الخائف والمخيف) أحداً من رجالات الحكم. يضرب عشوائياً إلا حيث مصدر الأذى الأكبر، فلا يجدي تحوّط العمة صبيحة على بناتها اللواتي تصطادهن من طالبات الجامعة أو الريفيات الطافرات أو الموظفات الصغيرات. ويحسب السيد الحائري ومريدوه أن السّفاح مرسل لقطع دابر الفساد، كما حسبوا أن الحنطة المسمومة عقاب رباني.
بعد حين يتلمس الناس بحسهم المرهف ـ كما تروي الرواية ـ أن إيقاع الرواية قد تغيّر، وأن رجلاً شديد الحزم بدأ يملأ الفراغ، بينما يبدأ الكاتب وليد الرواية التي استعصت عليه بتلك الصرخة التي بدأ بها زهير الجزائري روايته. وسيحدد المسؤول الأمني الكبير يعقوب لصديقه وليد الفارق بينهما بأن الأخير "يكتب عن الحدث بعد وقوعه، أما أنا فأكتبه قبل. أصنع الواقعة ثم أدخل الشخصية فيها". وحين يعقب وليد أن صنيع يعقوب يكون بالإكراه، يخاطب يعقوب: "دعك من الوسيلة. تتبع كيف أجعل رجلاً يتلبس واقعةً خطوة خطوة، حتى يصدق ما قاله".
في روايته يتتبع وليد ذلك السّفاح الذي يذيّل رسالته كل مرة بعلامة استفهام، نقطتها دم. لكن زهير الجزائري سيوازي ذلك في روايته (الخائف والمخيف) بما شغل الرواية العراقية بخاصة، والرواية العربية بعامة، في العقد الأخير، من تتبّع صعود الديكتاتور الذي يحمل في رواية (الخائف والمخيف) اسم عبد الوهاب المولى، والشهير بوهّاب. وفي السياق الروائي لهذا الصعود يتحلق حول السيد الحائري مريدوه من صغار الطلبة والفقراء الذين يسعون خلفه إلى صفاء التعاليم النبوية والراشدية.
ومن هنا ينبثق الغفاري القادم من أفغانستان، والذي يحيط نفسه بغموض مفتوح للمبالغات، ويدرّب الانتحاريين التواقين للشهادة، مستهدفاً بتفجيراتهم وانتحارهم واغتيالاتهم السلطة والفساد، من العمة صبيحة إلى وهّاب نفسه. وفي هذا السياق الروائي الذي أبدعه زهير الجزائري، يحار وليد وهو يكتب روايته ويعاين الواقع، فيما إذا كان يكتب عن أشياء وقعت فعلاً، أم إن ما يكتبه يتحقق لاحقاً، بينما يسكنه الرقيب فيشغله عن كتابته، ولا تجدي المناورة معه وهو يتتبع النية التي لم تنكتب، فيفكر وليد بالتخفي خلف زمان آخر ومكان آخر، ويفكر في أن السفاح موجود في المواطن العادي. وهكذا تهتك رواية (الخائف والمخيف) الكاتب والمثقف كما تهتك المتدرع بالدين أو العاهرة أو المسؤول الأمني أو الجموع أو الديكتاتور. فالكاميرا التي يحملها زهير الجزائري لا تفتأ تنتقل من شخصية إلى شخصية ومن حدث إلى حدث ومن موقع إلى موقع، والصورة ـ غالباً ـ هي التي تنطق، وأنت تقرأ الرواية، أي ترى وتسمع، ولا مفرّ لك من أن تصدق، والويل لك إن صدّقت وإن كذّبت.
ولأن الواقع الأغرب من الخيال كالخيال الأغرب من الواقع، قد انعجنا في رواية زهير الجزائري، حسبك في مقام كهذا المقام أن تضيف إلى ما عايشت من التشكيل الروائي العربي لشخصية الديكتاتور، هذا الديكتاتور الذي جُبل على الخوف، وخطا بحذر نحو السلطة، وتوارى زمناً ببذلته العسكرية السوداء يدقق في الملفات الأمنية التي وضعها سادته بين يديه، وضاق بجبال العصاة والسدود التي تتآكل والديون التي تتراكم على الدولة، حتى إذا حان الحين انقلب انقلابه وضرب ضربته وصار وهّاب المهجوس بالخيانة أولاً وأخراً، والذي تعلّم معالجة خوفه بالمباغتة، فبدأ عهد بما لا عهد للناس به، وألغى المناصب الوزارية، وشكّل مجلساً استشارياً ينتقل معه حيث ينتقل، وديدنه: "كلما كانت القرارات غامضة ومباغتة زادت هيبتها في عيون الناس".

بإطباق قبضة الديكتاتور على رقاب البلاد والعباد، يكون التفسّخ قد آتى أكلُه؛ فصارت المثقفة ياسمين مثل العمة صبيحة، وعزمت العمة على التوبة والحجّ قبل أن يعاجلها القتل. وسيكون الجرّاح الألماني قد صنع من مجيد شبيهاً لوهّاب، وستكون نار حرب الأنفال قد أضرمت بقيادة اللواء محمد عباسي، وسيكون السجناء قد تقدموا في حفر النفق. أما الديكتاتور الذي ظهر في الصورة حاملاً رأس السفاح وقابضاً على السيف، بينما الناس في نوع من العصاب يهتفون، أما الديكتاتور فسيتوالى عهده بالموت والخراب، كما يتوالى فعل المتدرّعين بالدين وفعل المثقفين الانتهازييّن، وأنت تصدّق وتكذّب ما نسجته مخيلّة زهير الجزائري أو ما نسجه الواقع في رواية (الخائف والمخيف). فمن هو هذا الذي حملت الرواية صفتيه المتناقضتين في عراق الأمس؟ ومن هو وهّاب غير العراقي أمس واليوم وغداً؟

dabe3
05-18-2010, 02:04 PM
3 ـ محمد سناجلة: ظلال الواحد:
على ذمة غلاف رواية (ظلال الواحد) ( ) فإنها المرة الأولى التي تستخدم فيها تقنيات بناء الإنترنت في الشكل الروائي، وأظن أن القصد هنا: في العربية.
لهذه التجربة صدّر الكاتب روايته بتوضيح يبيّن أنه كان يعتزم إصدارها على شكل كتاب إلكتروني E. BOOK وقد احتذى في بنائها تقنيات الوصلات LINKS والـTags المستخدمين في الكتابة الإلكترونية، وفي بناء شبكة الأنترنت. إلا أن النشر الإلكتروني أعجز الكاتب مادياً، ولم يجد ناشراً (إلكترونياً) فاكتفى بالشبكة، وخاب أمله، وإن كان النشر الرقمي "يحقق شرط البنية الروائية والتقنية المستخدمة في تقاطعها مع المتلقي لكن أمية الأنترنت بالمرصاد.
هكذا اضطر محمد سناجلة إلى الكتاب الورقي، ونوّه في توضيحه أن القارئ سيجد صعوبة كبيرة في قراءة ومتابعة خطوط العمل السردي، على الرغم من أنه حذف من الرواية ما حذف، وأعاد كتابة بعضها، لتتماشى مع المقدرة المتواضعة التي يقدمها الكتاب الورقي. وينصح سناجلة القارئ ـ حين يبدأ خط الروي بالتشظي والتفرع إلى وصلات، مع تشظي الشخصية الرئيسية ـ بطريقتين للقراءة:
أولاهما: متابعة كل وصلة بدورها إلى النهاية، والثانية: قراءة الوصلات معاً صفحة فصفحة، وهي الأصعب، لكنها الأمتع، بحسبانه، فيما الأولى هي الأسهل، وإن كانت ستضيع على القارئ متعة الاكتشاف الفوري لوحدة النص مع تعدد خطوط السرد. وتلافياً لذلك وضع الكاتب (مفاتيح) تساعد على اكتشاف وحدة النص ولململة خيوطه. والكاتب ينصح أيضاً بالطريقة الأولى للقراءة الأولى، وبالطريقة الثانية للقراءة الثانية، وفي جميع الأحوال، على القارئ: "أن يتذكر بنية الشجرة التي لها جذر تتشابه اشتباكاته، ثم ساق وأغصان وفروع عديدة، ولكن تبقى الشجرة في النهاية واحدة".
لا بد أن الكاتب الكبير الثقة بروايته ورأو بالقارئ كي يختم توضيحه بذلك الوجوب الذي يستدعي ما كتب مؤنس الرزاز على غلاف الرواية: "قرأت ظلال الواحد مرتين، فكانت جرعة المعاناة في القراءة الأولى أكبر من جرعة المتعة. لكن القراءة الثانية نقلت لي إحساساً نادراً بالمتعة". ولكن كم من قارئ سيحذو حذو مؤنس الرزاز؟
لعل للمرء أن يتساءل عن حق الكاتب بتوجيه القراءة، وعن جدوى ما يقترح أو يوجب، ما دام الأصل في القراءة أنها علاقة حرة ـ بصوابها وخطأها ـ مع المقروء. وربما كان ذلك ما جعلني أتعمد مخالفة الاقتراح أو الوجوب، وأصبر على الرهق، وأعلل به ندرة المتعة التي ذكرها مؤنس الرزاز، ليس بعد أن تشظت الرواية والشخصية الرئيسية إلى وصلات وشخصيات، بل منذ البداية التي تستغرق ما بين ص 13 ـ 41 في الهيئة السردية الأليفة، وتقدم قتل الراوي لحبيبته، وما أخذ به من بياض الورق والجسد والخواء والوحدة والهم الوحيد: أن يكتب ـ يحكي عن الجحيم الذي عاشه سنتين غيرةً وشكوكاً و..
فهذه البداية ـ الكتلة السردية الأولى ـ تنوء بالإنشائية ابتداءً بمجانية علامات الترقيم، وسيل النقاط المتراصفة أفقياً بلا موجب، وهي تتقافز بين الحبيبة القتيلة "ياه كم قتلنا بعضنا يا سيدتي.. فليكن هذا القتل هو الأخير.. ولنتحررْ منّا"، وبين الأم: "آه يا أمي لقد ضعت.. ضعت ولم يبق لي شيء سوى ظلال الذكريات الباهتة" وبين ذكريات الطفولة وحضور ديك الجن وعباس بن فرناس الذي يروي من حيواته ما يحيل على طارق بن زياد والأندلس كما يحيل على بلاد السند، وحيث تأتي لعبة التناص التي ستتفاقم في الرواية كلها بأخبار مقتلة خالد بن الوليد للفرس في معركة أليس سنة 12هـ. كما تأتي اللعبة بأشعار أدونيس أو ديك الجن من قبل.
في نهاية هذه الكتلة السردية يظهر الغول الأزرق الذي حدثت الراوي عنه جدته الشمطاء، وتبدأ الكتلة السردية الثانية كسابقتها، ولكن في ثلاث صفحات توالي حديث الحبيبة والقتل والعرق والنبيذ، ثم يأتي استنجاد الراوي بأبيه، فيهوي الأب على رأس ابنه، فيطير عقل هذا، وبذا يتشظى وتتشظى الرواية في وصلتين سنرقمهما: 1 ـ 2، والأدق أن نقول: تنقسم الرواية إلى قسمين عموديين، وفي كل قسم يكون التشظي، ويستمران كذلك حتى توحدهما خاتمة تقود إلى الكتلة السردية الأخيرة ـ خاتمة الرواية المعنونة بمقام الظلال.
تنشغل الوصلة (1) بالغول جرياً على سنن الخرافة الشعبية. وتنشطر هذه الوصلة بعد قليل إلى وصلتين متجاورتين سنرقمهما (1 ـ 3)، وتنشغل الوصلة الجديدة (3) بالصوفية، حتى ينتهي القول فيها وفي الوصلة (1) إلى (عالم الذر اللامحدود)، فتتوحدان، ولا يبقى إلى النهاية سوى الوصلة(1) والوصلة(2).
في الوصلة (1) توالي الصوفية اشتغالها في عوالم ـ مقاطع الذر والرفارف والسدرة والشجرة، وتنتهي بكشف (من عرف الله تحرر). وباللغة والمصطلحات الصوفية تحاول هذه الوصلة التعبير عن وحدة الوجود وعن الخلق والتكوين، منذ تذررت أنوات الراوي ذرات متناهية في سديم لا متناه في الذات العلية، إلى هتفة صوت بالراوي: أنت الهيولى/ الجسد، إلى الهتفة الأخرى: كن روحاً في السدرة، إلى النمر الوثاب الذي يفترس بنت الراوي (يوها) في برزخ/ عالم الشجرة ـ لنتذكرْ تنبيه الكاتب للقارئ إلى البنية الشجرية للرواية ـ إلى قتل النمر ثم اللويثان ذي الرؤوس السبعة الذي اغتال الراوي.
بجواز ذلك تستأثر الوصلة (2) بجلّ الرواية، ابتداءً من دم الراوي الذي يقطر في كف أبيه، وقد ضربه على رأسه فطار عقله: لنتذكرْ. وسيكون للصوفية هنا أيضاً أمرها. فالراوي يرى ابن عربي وطفليه الحسن والحسين اللذين يحسبهما الأخوين جون ومارك واشكوسكي (وسيتسميان عندما تتوحد الوصلتان بجون وروبرت) وهما شيخا الراوي ومعلماه، وقد تصدّرت الرواية بقولة لهما في فيلمهما السينمائي (The Matrix ـ 1999) ـ تؤكد ـ كالتصدير الثاني للحلاج ـ التطلع الصوفي للرواية في الوجد والفرادة.

غير أن الشاغل الأكبر للوصلة (2) تاريخي يخاطب شأننا في الصراع العربي الإسرائيلي وفي الاقتتال. وقبل استئثار ذلك بالرواية يوالي عباس بن فرناس تحولاته وتناسخاته وقد اعتقل الغول عقل الراوي، فأمره ابن فرناس بأن يركّب من الخيال قلباً ثم يمزج منه عقلاً، ودوّم الصدى: "خيالك خيّالك إن شلته شالك" في إشارة إلى أولوية الخيال للعبة الروائية التي ستجعل للراوي عقلاً فعقلاً فعقلاً، وسماء تشيله وسماء تحطّ به إلى أن يبلغ بلاداً كُتب على سمائها: "دولة الخيال الرقمي" فقال: "دولة من خيال تشبهني لأدخلْها علّي ألقى اليقين".
في دولة الأرقام هذه ذات الأقانيم التسعة، وفي الأقنوم التاسع الذي ينشد الراوي من دخوله النجاة من نيران الحيرة، يخاطبه الحمار الرقمي: "عقلك الأول خرافة والثاني وهم خلاق والثالث علم لا يعطيك يقيناً. خذ عقلاً رابعاً فربما ستربح". وابتغاء ذلك يتحول الراوي إلى ربوة صغيرة، ويصفو، وإذا الدنيا كأنها "متوالية رقمية في متسلسلات هندسية لا حد لها. فإذا بالماضي في الحاضر في المستقبل. وإذا الأزمنة كلها تتكامل في زمن واحد وإذا الزمن الواحد يتفاضل". وهنا تفضي الوصلة (2) بفضل الرياضيات إلى مقام التفاضل والتكامل ـ مدار الدم، وتبدأ لعبة التناص مع السرديات التراثية الشعبية والتاريخية التي أثبت الكاتب مصادرها ومراجعها في قائمة خاصة في نهاية الرواية، ومنها تاريخ الطبري وتاريخ ابن كثير وسيرة ابن هشام، والرسالة القشيرية والفتوحات المكية (وهذان للوصلة 2 ـ 3 بخاصة) وتاريخ الحملة الصليبية إلى القدس وتاريخ الأنباط وميتولوجيا الأردن القديم وسيرة كليب الشريدة والكتب السماوية الثلاثة.
وعلى الرغم من حرص الكاتب على الإحالة في الهامش، تيمناً بالأكاديمية، فقد دغمت الوصلة (2) المتناصات منذ حصار إخاب بن عمري ملك يهوذا والأدوميين لكركا عاصمة المؤابيين سنة 751ق. م. ـ وحيث يحارب والد الراوي العبرانيين وحلفهم ـ إلى معارك الإسلام الأولى (مؤتة واليمامة والجسر والقادسية) وما قال كعب بن أسد في بني قريظة، إلى فتح يزيد بن المهلب لجرحان سنة 98هـ. إلى حصار الحارث الثاني ملك بترا لأورشليم سنة 63 ق.م. فأمر الملك ميشع بن حانون والروماني سقاروس بفك الحصار عن أورشليم. ولأن الزمن يتفاضل ويتكامل روائياً، فيصير الحاضر في الماضي في المستقبل، يلبي محاصرو القدس استنجاد فوزان ملك رماثا ضد العربان، وتنهمر المتناصات من أشعار شعراء ثورة الكورة 1921 ومن سريرة كليب الشريدة في حرابة الرمثا والفلاحين مع البدو سنة 1919، بالاشتباك
من خطبة البابا أوريان الثاني حضاً على الحرب الصليبية عام 1095، ومع أخبار فتح نهوند وثغر عصبون جابر (العقبة) وبرية فاران (صحراء النقب) ومذبحة بيت المقدس على يد الصليبيين وتدمير المغول لبغداد، إلى أن تنتهي الوصلة (2) بالعبارة التي انتهت إليها الوصلة (1) وهي: "فما راعني" فتتوحدان فيما يهيَّأ للراوي من رؤية مولاه ابن غيتس وقد توحد فيه ابن عربي والأخوان واشكوسكي وابن فرناس، والراوي قد جلله التاريخ بالدم، فأمره مولاه بالصعود إلى مقامه الأخير: مقام الظلال، الذي يأتي سبيكة تختم الرواية، تنثال فيها اللغة بلا علامات الترقيم، وتشتبك كبرى العناصر الفاعلة فيما تقدم من الرواية، إلى أن تسيل الأرقام في عتمة الليل، ومعها يسيل رأس الراوي، أما الكاتب، فيبقى مع حلمه المختلف حول الكتابة الروائية ـ كما ذكر في التوضيح في مستهل الرواية ـ وأما القارئ فيبقى مشبوحاً بين عصاب ورهاب التجريب والحداثة الروائية وما بعدها، ومن ذلك الكتابة الأنترنيتية كما تجسّدت في (ظلال الواحد)، وسيكون ذلك مكابدة الكتابة الكبرى، بقدر ما تصدق دعواها في اعتبار المتلقي والتلقي.

dabe3
05-18-2010, 02:05 PM
4 ـ خليل صويلح: بريد عاجل( )
يتساءل الراوي في رواية خليل صويلح (بريد عاجل) عما إن كان حفيد ابن حزم أو عبد الحميد الكاتب أو ابن العميد، أم تراه "كائن عائم في خريطة ممزقة"؟ وهذا المسكون بالمراسلة يتساءل عما إن كان لديه من يكاتبه، أم إن رسائله لا تصل إلى أحد؟ وهل هو حقاً من كتب احتجاجاته على سوء الحال على رقعة من جلد الغزال قبل خمسة قرون، أم تراه "الشخص الذي يتخبط الآن في شبكة الأنترنت بحثاً عن صديق وهمي، في عالم افتراضي بلا حدود؟". وكما أسس الراوي أسئلته في ابن حزم وعبد الحميد الكاتب، يؤسسها في ابن الأثير الذي قال: "وأما المكاتبات فإنها بحر لا ساحل له، لأن المعاني تتجدد بتجدد حوادث الأيام"، فقولة ابن الأثير وصف بليغ للعالم الافتراضي، بحسب هذا الراوي الأربعيني الذي تطلع به الرواية علينا وهو في طابور لدفع فاتورة الموبايل، حيث يلتقط رقم من يسميها شاكيرا، ثم يعود إلى عمله في صالة الأرشيف مع زميلته المطلقة ريم. ومنذ هذه البداية ينتظم بناء الرواية بين زمن كتابتها بعد سقوط تمثال صدام حسين في بغداد، وبين يفاعة الراوي في القرية ثم في الحسكة، وعهده بالجامعة في دمشق.
يمتلئ الزمن الأول، بمشروع الراوي في كتابة تاريخ البريد، وهو الذي كانت الرسائل والطوابع هوسه في يفاعته. أما الآن، في الحاضر، فالراوي يبحث في المجلد الثاني من تاريخ الطبري عما يتعلق بتاريخ البريد، منذ الساعي الأقدم: حمام الزاجل (حمامات لويس التاسع في مصر والمعتصم والمعتضد) وفي عهد الخيول المضمرة وهشام بن عبد الملك والمنصور.. وإلى هذا الذي أرشفه الراوي في الكومبيوتر، وقد وقع على كتاب عن تاريخ مهنة الرسائل في صفات من امتهنها في العصور القديمة. وإذا كان الراوي يؤرشف في الكومبيوتر ذلك أيضاً، فهو يؤرشف يوميات الملف العراقي بعد 9/4/2003 ويؤثث ذكريات الصبا والجامعة بأرشيف الجريدة التي يعمل فيها، حيث مجلدات النصف الأول من ثمانينيات القرن الماضي. وجماع الأرشفة يتطلع إلى أمثلة متاهة بورخيس الذي حاول دائماً اكتشاف لغز الكتب. وليس هذا غير شطر من علامة الرواية التي ينشدها الراوي/الكاتب. أما الشطر الآخر فهو كتابة سيرة ذاتية مثل السيرة المشوشة التي قدمها فيلم يوسف شاهين (إسكندرية ليه). إنها سيرة الجرأة والمكاشفة التي ندر أن اقترب منها المبدعون العرب، لأنهم أنبياء مؤجلون، بحسب الراوي.
من تصريف الماضي في الحاضر ينهض من مثقفي دمشق أصداء هذا الذي يبدو أنه يعيش (أزمة منتصف العمر) بامتياز، وأولهم الشاعر المرحوم رياض الصالح الحسين، وذلك الشاعر الذي لم تسمه الرواية، واكتفت بلقبه (الكوزموبوليتي ماياكوفسكي)، ومثله الممثل العراقي المغمور شكسبير والممثلة جولييت اللذين تكتفي الرواية بلقبيهما طلباً للتقية، على الرغم من الادعاء الصريح المبطن بالجرأة. والتقية إياها تنتأ بصدد نادر حسن الذي حاول الانتحار لأن ذوي صديقته سناء ملحم رفضوا زواجها منه بدواع طائفية. فالتقية فرضت غياب اسم تلك الطائفة المنغلقة في الجبال، بطقوسها السرية وبذلك "التواطؤ المكشوف بين السلطات الرسمية والسلطة الروحية لهذه الطائفة الصارمة"، فمن تراها تكون أيها القارئ النبيه؟
مع سناء ملحم تنهض سارة صالح أيضاً من ذلك الماضي الذي لا يبدو الحاضر غير تكأة لنهوضه. فها هي رسالتها تصل الراوي بعدما هجرته فجأة منذ تسع عشرة سنة. وهاهو ـ مبللاً بالذكريات المشتتة ـ يسير في متاهة شوارع يجهلها، تائهاً بين الأمس واليوم. ولأول مرة ينتبه إلى أنه يعيش في مصحة، وصدئ تماماً، ومعطل المخيلة. وفي هذا الذي آل إليه، يحاول أن يرد على رسالة سارة، فيكتب: "أغرق أمام مرآة ذاتي المغبشة وأتضاءل إلى مجرد سؤال حائر: كيف تبددت تلك الأيام كالصلصال من بين أصابعنا، لتتحول إلى مجرد رسائل متبادلة أو بطاقات بريدية مهملة في ركن ما؟".
بهذا الهتك الملتاع يعاين الراوي نفسه ويومه ويسترجع أمسه في مونولوجاته وفلاشاته المتوالية، رشيقة حيناً ومبهظة بالشرح حيناً. أما المفصل الحاسم في ذلك كله فهو قرار سارة بالهجرة، وهو ما سيكتشف الراوي سره بعد حين، إذ ورد اسم سارة في إحدى قوائم المطلوبين في ذلك المناخ المحموم بالريبة والتوجس. لكن الراوي سيلعق جرحه وينتقل إلى حنين سلوم صديقة سارة. وحين يعود إلى الحاضر، يستعيد من بداية الرواية شاكيرا فتتكشف عن عاهرة. وتقترب الرواية من نهايتها ببلوغها من مشروعها (البريد ـ الرسالة) زمن العولمة، فيشرح الشاعر المفلس للراوي: "فالعولمة يا صديقي أن تتصرف ككائن عولمي بصرف النظر عن الهويات القاتلة أو ما يسمى الغزو الثقافي". لكن الراوي كائن غير عولمي، وتروّعه تبدلات المثقفين: اليساري الراديكالي صار منظّراً أمنياً، والمغني السياسي استبدل العود بسبّحة طويلة من العاج المرصع بالفضة، ومن برع بكتابة النص المفتوح يعمل في مركز غامض للأبحاث الوطنية. وهكذا لا يبقى للكائن غير العولمي إلا أن يلجأ إلى شبكة الأنترنت، بحثاً عن أصدقاء افتراضيين ورسائل إلكترونية، فالعالم بات بالنسبة له شاشة صغيرة. وإذ يمضي إلى (موقع النفزاوي) تكون الرقابة قد حجبته مع مواقع أخرى على يد "رقباء أشاوس تدربوا جيداً على منع الكتب والمجلات الورقية، وهاهم يتخبطون في شبكة العنكبوت الضخمة لإعادة العجلة إلى زمن المكتوبجي، وكأن الحياة لم تتغير منذ قرن إلى الآن، فالرقيب العثماني لا يزال يقبع في عقل هؤلاء، ويتنزه بين السطور، للقبض على جملة هاربة
بالجرم المشهود".
بالمهارة والسلاسة اللتين وسمتا رواية خليل صويلح (ورّاق الحب)، جاءت روايته (بريد عاجل) تجسيداً لما هو بحق شكل مرن، متوسلة ما يُدعى بالمنهج الكشفي. وبهذا وذاك طبعت الرواية بالنسبية ما هو راسخ من القيم والأخلاق والعقائد. وعلى الرغم من غواية الهيمنة للأنا الراوية، فقد ذلّلت الروايةُ الأنانةَ في أغلب الذوات القائمة في الماضي، من سارة صالح إلى سناء ملحم إلى حنين سلوم إلى رياض الصالح الحسين. أما الحاضر، فلا تضارع منه تلك الذوات إلا ريم التي تكتب رسائلها بالموبايل. وعلى أية حال، فرواية (بريد عاجل) تبدو مفارقة لما يسوقه الكاتب خارجها من السيرة الروائية أو الرواية السيرية. فالكاتب يذهب مثلاً إلى أن بطل الكتابة الجديدة قد استقال من المهمات العامة ليتفرغ إلى ما يخصه وحده، بخلاف بطل الكتابة الكلاسيكية الذي يتحرك في عالم مليء بالمعنى والغاية. لكن الراوي في (بريد عاجل) غاطس إلى أذنيه في العالم، من فرار سارة لدواع أمنية إلى الطائفية إلى الرقابة إلى العولمة إلى حرب العراق. لكأن الرواية أخذت بما يردده الكاتب خارجها من وصية كالفينو: "فكروا بما يمكن أن يكون عليه الأمر في حالة امتلاك روائي متصور من خارج الذات، عمل سيسمح لنا الإفلات من منظور الذات الفردية المحدودة، ليس لتدخل في ذوات تشبه ذواتنا فحسب، بل ولمنح كلمات لما لا يملك لغة". وفي هذه الوصية، وكما جاءت رواية (بريد عاجل)، تتخفف الذات من نرجسيتها، وتتشظى في الذوات الروائية ليكون لكل منها حضوره المميز مهما تكن فسحته الروائية ضيقة. ولعل من المفيد لتبيّن الموقع التجريبي المتميز لرواية (بريد عاجل) أن يشار إلى ما لعبته روايات أخرى، سواء في لعبة الأرشيف ـ كرواية فواز حداد: الولد الجاهل ـ أو في لعبة الكتابة السيرية بضمير المتكلم، والتي بلغت مبلغ حمل الراوي للاسم الأول للكاتب، كما فعل منذ ربع قرن غالب هلسا في أكثر من رواية أو عبد الحكيم قاسم في رواية (محاولة للخروج) أو كاتب هذه السطور في رواية (المسلّة)، فضلاً عمن لم يسموا الراوي في رواياتهم كما فعل جمال الغيطاني مؤخراً في الروايات التي تجمعها (دفاتر التدوين). وقد يكون من المهم أن يشار هنا إلى أن تشغيل ضمير المتكلم في الرواية السيرية، وكما نوّه رولان بارت منذ عقود، لا يتعلق بالكاتب، كما يحسب بعض من يؤثر هذا الضمير أو بعض من يستهجنه، بل يتعلق بالشخصية الروائية ما دمنا نتحدث عن الرواية وليس عن السيرة الذاتية، وسواء أكانت تلك الشخصية الروائية هي الراوي أم هي أيضاً من يروي عنها الراوي، فتتعدد بها أصوات الرواية ولغاتها، وهذا ما نراه مبكراً ـ ومثلاً ـ في رواية هاني الراهب (المهزومون) كما نراه الآن في رواية خليل صويلح (بريد عاجل). وهنا، ربما كان الامتحان الأكبر لمثل هذه الروايات منذ عهد المعلم دوستويفسكي هو أن تكون الرواية عالم الذوات المتكافئة، وليس عالم الذات الروائية أو الكاتبة المهيمنة.
أما رواية (بريد عاجل)، وعلى الرغم مما اعتور شخصيات بثنية ونادر والشاعر الكوزموبوليتي، فقد جاءت رواية الذوات المتكافئة في بناء رهيف ودقيق، اغتنى بالمتناصات من رياض الصالح الحسين أو الشيرازي وطرفة بن العبد والمتلمس وابن حزم وابن الأثير. ويبدو أنها اللعبة الأثيرة للكاتب من (وراق الحب) إلى (بريد عاجل)، ولكن بمهارة أكبر هذه المرة، وحيث تعضد الرواية نسبها الحداثي بامتصاصها للغريب، وبلعبة الرسائل التي كثيراً ما بنت الروايات، وكثيراً ما كانت الحلقة المركزية في لعبها، وهاهي ترمح بنا في هذه الرواية من عهد حمام الزاجل إلى عهد الأنترنت.

dabe3
05-18-2010, 02:06 PM
5 ـ الميلودي شغموم: أريانة:
لكل فصل من فصول رواية (أريانة)( ) حكاية وامرأة، ابتداءً بفصل (أمارة) الذي يتعاور على سرده ويشتبك فيه كلٌّ من (المسلك) و(العربي الشيهب)، مثلما سيفعلان في بقية الرواية، ومنذ البداية، حيث يحذر (الشيهب) صاحبه من هذا الوقت، يعقب (المسلك) أن الآخر يحكي عن نفسه "وكأنه يحكي عني، يتماهى بي". وسيتوالى مثل هذا التعقيب لتنجلي مبكراً لعبة تشظّي (المسلك) في توأمه، كما ينبئه صوت يدعي أن اسمه (الراضي)، أي الاسم الذي كان والد (المسلك) سيطلقه عليه، قبل أن يكتشف أن امرأته حامل بتوأمين، فسماهما: مالك ومملوك، فمن هو (المسلك)؟ هل هو مملوك عزيزي أم العربي الشيهب أم سليم الناظمي، أم إنها لعبة القرين في هذه الرواية؟
بانتظار للجواب لن يطول، يحدّث الشيهب قرينه عن المرأة التي يصطحبها كل مرة من المكان نفسه إلى المكان نفسه ومع السائق نفسه، ويتساءل: هل هي صورة حلم وذكرى؟ أم هي البغي المقدسة والصبية والجنّية والمرأة الحية؟ أم هي الخلاص والوهم الفاتن الملغز المعذب الممتع المخدر المنبه؟
يتساءل الشيهب أمام (المسلك) أيضاً عن لغز المرأة الذي يكابده، وهو الصحافي الكبير حلاّل الألغاز: "هل يعقل أن أعيش حالة كهذه، بين النار والماء، بين اليقظة والنوم، بين الحياة والموت، بين العقل والجنون، كائناً وغير كائن؟". لكن هاتفاً سيهتف بـ (المسلك): "لماذا تصرّ على تفكيك هذه اللذة التي تسميها اللغز؟ اترك جسدك يكتشف. قد يكون الجسد الحل، الخلاص". وهكذا يصير السؤال عمّن يكابد لغز المرأة و لغز اللذة في هذا الالتباس بين هاتين الشخصيتين الروائيتين، وهو الالتباس الذي سيلي مع سواهما.
في صفحة (افتح قلبك) ينشر (المسلك) لغزه مع المرأة التي سيسميها (أمارة)، وتبدو وكأنها في كفن، غاطسة في السواد مثل من سيلين ـ أو ستتقمصهن؟ أو ستتشظى فيهن؟ ـ في الرواية. لكن الصحف ستتناقل أن (المسلك) سرق من (الشيهب) قصة، والشيهب تقدم بدعوى ضده. ويلي ذلك الفصل الثاني ـ متعنوناً باسم (حليمة) ـ كحوارية بين التوأمين تتشبه بالسردية التراثية الرصينة، لتنكشف لعبة التوأمة والقرين كلعبة لتعدد الأصوات الجوانية. فأسماء (المسلك) تتخاصم، وألوانه تتعارك، وهو يرى توأمه في نفسه وفي الناس وفي العديد من أصواته وأصدائه. وإمعاناً في اللعب يقول إذ ينظر إلى المرأة: "ولكن الأصوات التي تنبعث في المرأة لم تكن سوى همسات أشباح أعرفها ولا أعرفها، غريبة وأليفة في نفس الوقت إلا شبح الناظمي (أو العربي الشيهب؟)".
يقدم هذا الفصل قصة حليمة زوجة الناظمي التي يبدو أن الأمن قد دبّر لها مكيدة الجلسة الخليعة مع شامية وتونسية وفلسطيني وعراقي ولبناني، بينما يؤكد الناظمي أن أولاء من الأممية الدولية القومية. وتفر حليمة إلى تونس، ثم تعود بصحبة تونسي، ويؤسسان شركة للمعلوماتية، سيرحل التونسي حين تفلس. أما حليمة فتستقر مع الناظمي الذي يكذّب مرضها وموتها، ثم ينتحر. ويختم (المسلك) هذا الفصل متسائلاً: "كيف أفهم كل هذا، خاصة عودة أصواتي، وأنا في عنق الزجاجة؟". وبمثل ذلك سيختتم الفصل التالي: "كانت كل أسمائي وصفاتي، وأصواتي، كأنها في معركة، وأنا عائد في نفس الطاكسي، لكن لسان العربي الشيهب كان أقواها".
يحمل هذا الفصل الثالث اسم تلك التي تعنونت الرواية باسمها (أريانة). وهنا تحضر لأول مرة، ولكن على لسان (رابية) الملتبسة كسائر شخصيات الرواية. ففي هذا الفصل الذي جاء بصيغة مونولوج الراوي، تبدو رابية الجاهلة أو المحتالة أو الولية أو الساحرة أو العاهرة أو أم أريانة، وكذلك هي العائدة من ميلانو مع زوجها، حيث كان يعمل مغنياً في الأوبرا منذ ربع قرن. وسيكمل السائق حكاية رابية في الفصل التالي الذي يحمل اسمها، فيزيد إبهام الرواية إبهاماً، ويتقدم بها إلى ما يلونها من الفلسفة ـ بما يسوقه في الخوف ـ سواء في التأمل أو الحكمة أو التحليل، وبالرشاقة المعهودة للميلودي شغموم في تشغيل الفلسفة في رواياته.
في الفصل الخامس (شمس البحر) تذهب الرواية أبعد من (التفلسف) عبر أصداء محاضرة السيدة الفرنسية حول ثقافة الجسد في الجنوب، وابتداءً بتعليق الصحفي البوطي: "كأنهم استنفدوا الكلام عن الجسد في الشمال" وبتعليق الصحفية مريم:" أو لم يعد لهم جسد"، بعد ما ذاب الجسد في الكلام لفرط ما تحدثوا عنه. والفرنسية التي عرّفت الجسد ببيت اللحم الذي نسكنه، ختمت محاضرتها بالدعوة إلى العودة إلى الطبيعة، لكن امرأة غاطسة في السواد تعقّب، فتعد المحاضرة استمراراً متردياً للنزعة الاستشراقية، ومليئة بالكليشيهات. وتأخذ على الفرنسية أنها لم تميز بين الجسد والجسم والبدن، فتنصرف الفرنسية احتجاجاً على ما عدته معاملة إرهابية، بينما توالي المعقبة (تفلسفها) في الحوار الذي يجريه (المسلك) معها، فتذهب إلى أن الجسد يتجلى في العين، واللغة الأولى للجسد هي العين، أما لغته الثانية الظاهرة فهي الهيئة العامة، والأسنان أيضاً لغة، وهناك لغات أخرى، والجسد يوجد مصغراً في أسفل القدم. وبعودة (المسلك) إلى البيت تكرر له ما سلف مع سواها، وروى للشيهب، فتخيل الشيهب أنه بطل القصة، وكتبها وعنونها بالعبارة التي يفتتح بها الرواية: "هذا الوقت ليس الزمان". واعتقد أن (المسلك) سرق القصة منه!
بين قدر أقل من (التفلسف) وقدر أكبر من الأحداث والأخبار، تمضي الرواية حثيثاً في فصولها التالية، وشخصياتها تتكاثر، وفضاؤها يترامى من المغرب إلى الأندلس. فسائق (الطاكسي) الذي يُعلن اسمه أخيراً (بهلول) يحلم بـ (منية) التي سيصادفها (المسلك) في رحلته إلى الأندلس في مهمة صحفية، جرياً خلف (أريانة) ولغزها. وستكون تلك المصادفة نهزة لتقديم حكاية منية المسافرة لتتزوج ألمانياً جمعها به الأنترنت، وهي تحلم بضمان مستقبلها ومستقبل العائلة، وبذلك (الآخر) الذي تضيع البلد كلما اتسع، وبه يحلم الجميع. وقبل ذلك سنرى رابية تقرر أننا "لا نلتقي الحب إلا عندما نكون قد أصبحنا مستعدين لذلك، قادرين". كما سنرى الشيهب يقرر أن الحب مكر الغرائز، ويقرر: "أناس خلقوا وهماً سموه الحب ليبرروا في هذا الوقت الذي ليس الآن ميولهم الحيوانية".
تشظي رابية الحكي في فصلين ـ حكايتين قديمتين، أولاهما للكلب داني والكلبة دانية، والحكاية الثانية هي للمُقْعَد سمعان وعبدته مسعودة التي ينشد الأعمى زيدان الزواج منها. وهاتان الحكايتان ـ مثل حكاية حليمة ـ تعززان حضور الأسلوب التراثي السردي في الرواية التي تمضي بعدهما إلى الأندلس، حيث يحل (المسلك) في بيت فلورا ألفيرانو مديرة معهد الفنون الأندلسية في إشبيلية. ومن ألفيرا إلى الراقصة غلوريا إلى رامون كالا الكاتب التافه الذي يسحر القراء، تنضفر حكاية أريانة التي صارت الراقصة الأولى للفلامنكو
في فرقة ألفيرا، رغم أنها راقصة باليه، لكنها اعتزلت الرقص والحب بعدما خانها ثديها.
على رامون كالا كانت تتنافس المرأتان اللتان بحسبه لا أحد في العالم يُحسن الفلامنكو سواهما: غلوريا وأريانة. وها هنا تصل الرواية باشتباك أصواتها إلى منتهاه، حيث يبدو (للمسلك) وهو عائد من رحلته أن رامون ليس سوى العربي الشيهب، وأن أريانة بالنسبة لرامون ليست سوى حليمة حين تبكي، أو غلوريا حين تضحك. وهكذا تظل أريانة تترجح بين الوهم والحقيقة: فراشة وحرباء وثعبان كما ترسمها غلوريا، وفاتنة للجمهور حين تحرك بطنها في الرقص، ومفتونة بأدوار النساء ذوات العاهات في رقصها، ووفية لعطرها. وبعبارة واحدة: أريانة حكاية ملغزة، والرواية التي تحمل اسمها تلعب لعبة القرين كما لعبها منذ عقود سليمان فياض في روايته (أصوات)، وكما لعبها سليم مطر في روايتيه (امرأة القارورة) و(التوأم المفقود). أما الميلودي شغموم، فيتوسّل هذا اللعب لتصريف الفلسفة في الحب أو الجسد أو الصور أو الرقص أو الآخر، بينما تظل امرأة اسمها أريانة سؤالاً بلا جواب.
وعبر تصريف الفلسفة وتشغيل سؤال أريانة في الرواية، بدت الحكاية هي الحامل الروائي بامتياز، ملوحةً بنسبها في التراث السردي في حكايا حليمة ومسعودة والكلبين داني ودانية. على أن النزوع الحداثي للرواية قد يكون أرهق الحكاية بضبابية الشخصيات وتلغيزها ـ ما عدا رامون كالا ـ وبالتركيز على رصد دخيلة من يحكي أو تحكي، وهو ما بلغ مداه في فصل (أريانة)، وتواتر معقباً على محاورات الشخصيات في الفصول ـ الحكايا الأولى، قبل أن يهدأ ويفسح للرحلة إلى الأندلس، حيث طلعت شخصية رامون كالا، لتتميز على شخصيات الرواية جميعاً، فتنافس (أريانة) على بطولة الرواية، رغم كل ما حشده الكاتب لهذه البطولة.
6 ـ علم الدين عبد اللطيف: قمر بحر( )
ما الذي يعتري الكاتب حين يرى شخصية ما تخرج من رواية له لتحيا في رواية كتبها سواه؟
سأدع الجواب لمحمد كامل الخطيب وحيدر حيدر وأميمة الخش إزاء خروج شخصية من رواية لكل منهم إلى رواية (قمر بحر) لعلم الدين عبد اللطيف. أما بالنسبة لي، فلم يكفني الفضول أو الارتباك أو البهجة، وأنا أرى في هذه الرواية سيرورة أخرى لثلاث من شخصيات روايتي (مجاز العشق ـ 1998).
لقد ابتدأ علم الدين عبد اللطيف (اللعبة) من النظر في روايته هو (قمر بحر) على لسان راويتها، كسياقات قصصية تتحدث فيها الراوية عن نفسها وعنه، وكقصٍّ يستحضر الشعر، وكمجال، وكمغامرة "تقتحم كراريس أخرى فتلتقي مع شخوصها المرويّين". وإثر هذا (الإعلان) تتحدث هذه الراوية التي تؤكد أنها لا تحتاج إلى اسم عن لقائها الأول بالحبيب الذي لا يحتاج إلى اسم أيضاً، وتعلن قولها بـ "شرعنة اختلاف"، ثم تقفز إلى النهاية بعد عشر سنوات، وقد غدت في الخامسة والثلاثين. وهاهنا تبدأ رواية (قمر بحر) اللعب مع روايات الآخرين، فإذا براويتها تخاطب (رويدا) بطلة رواية محمد كامل الخطيب (أجمل السنوات) حول تبريرها لخيانة حبيبها بعد موته، وإذا بهذه المجهولة التي سأدعوها (س) تنظّر لرويدا في (المعنى) طويلاً، وتنبئها أن أباها أراد لها أن تدرس الهندسة أو الطب، لكنها درست الحقوق. وقد كان أول هذا اللعب قولها: "هناك خيط رفيع يفصل الكرامة عن الكبرياء.. أليس هذا ما تقوله رويدا الرفاعي يا أستاذ محمد كامل عن علاقتها بيوسف عبد النور؟ لكن حتى هذا الخط المزعوم أو المفترض لم نستطع أنا وهي (كلٌّ في قصتها) أن نجتازه وقتها". ثم يأتي دور (ثرى) بطلة رواية (التوق) لأميمة الخش، فتقول (س): "ثرى في زعم أميمة الخش لم تتقبل فكرة المسؤولية عن موت الطفل". وفهم ثرى للمسؤولية هو الذي مكّنها من "بناء قصة توقها". وكما تورد (س) عنوان رواية محمد كامل الخطيب في السياق، بلا تحديد، تفعل مع رواية أميمة الخش. وكما نظّرت (س) لرويدا في المعنى، تنظّر لثرى في الحلم والماركسية والعولمة والانهيارات، ثم تسلق الحبيب بالهجاء بعدما تكشّف عن الفصام بين ثقافته وحزبيته وطفولة عقله وجذب بداوته. فالحبيب شيوعي مسيحي، و(س) مسلمة تشاطر حبيبها يساريته، لكنها يسارية نقدية، لذلك ستقرعه من لقاء إلى لقاء وهو يتغنى بديكتاتورية البروليتاريا. وحين يرميها بموضة المزايدة على الماركسية، تنفجر (س): "كفى بالعالم ديكتاتوريات" وتسلق الذين حولوا الأيديولوجيا إلى دين، متدرعين بالحتمية التاريخية.
وفي نهاية الفصل الثالث من رواية (قمر بحر) تحدّث الراوية (س) حبيبها عن صديقتها راوية نبهان. ثم توقف الرواية فصلها الرابع بعنوان (استعارة ثانية) على تلك الصديقة القادمة من رواية حيدر حيدر (شموس العجر)، والتي تعاني من الرّدة الإسلامية الطائفية (الشيعية العلوية) لوالدها المناضل الماركسي اليساري. ولأن راوية نبهان تعلل انتكاسة أبيها بوراثة الدم، تتساءل (س) عما في ذلك من تبرير ومن مصادرة على التاريخ والعلم والطبيعة. وتتشكك (س) في المشهد الذي ترسمه رواية حيدر حيدر لقبول الشيوخ توبة والد راوية وعودته إلى الحظيرة الباطنية، لكن (س) تتابع: "رغم أن الأستاذ حيدر صادق، ما كنت لأصدق لولا أن واقع الحال يؤكد أقواله".
من قبل، وفي رواية محمد كامل الخطيب (أجمل السنوات) أتت الطائفية على الحب، فرويدا مسيحية ويوسف عبد النور مسلم. وفي رواية حيدر حيدر (شموس الغجر) هي ذي الردة الطائفية لوالد رويدا الرفيق السابق لحبيب (س) رغم فارق العمر.
أما في رواية (قمر بحر) فالعلتان معاً تأتيان على الحب. وهكذا تروي (س) زيارتها مع حبيبها لذويه في اللاذقية، واعتراض والديه كاعتراض والديها. ولئن كان الحبيب يريد حلاً قانونياً بإعلان إسلامه، فالأمر مختلف بالنسبة لـ (س) التي تريد الزواج أولاً، أما ما يقتضيه ذلك من إجراء آخر فهو أمر آخر. على أن فصام الحبيب بين المجتمعي الديني وبين الثوري الشيوعي، سينتصر بعد زيارة اللاذقية، وينهي علاقة العاشقين. لكن (س) تظل مقيمة على عشقها عشر سنين، لتستعين بعدها بفؤاد صالح (صديق حبيبها) الذي عاد معها إلى اللاذقية، في محاولة منها لوصل ما انقطع، وهاهنا لا بد من العودة إلى رواية (مجاز العشق).
ففؤاد صالح قادم من روايتي هذه، ومثله صبا العارف، وصديقتهما فاتن طروف والعميد يوسف. ومثل ذلك هو الجذر الذي قامت عليه (مجاز العشق)، أي الحب والماء. ولقد بدأت رواية (قمر بحر) هذه اللعبة مع رواية (مجاز العشق) منذ الفصل الثالث بعنوان (استعارة أولى)، حيث تعرج رواية (قمر بحر) على مكتب القدس للخدمات الثقافية ـ وهو ركن أساس من فضاء (مجاز العشق) ـ فتلتقي فؤاد صالح الذي عرّفها عليه كما تقول (الأستاذ نبيل) وعرّفها هو على صبا وفاتن. وفي حوار (س) مع حبيبها تذكر عودة فؤاد صالح من ندوة حول المياه في عمّان، وما يتعلّق من ذلك بالسلام والتطبيع، وهو حدث أساس في (مجاز العشق). وتعود (س) إلى (مجاز العشق) في الفصل الخامس (أبناء محرومون)، فتذكر اثنتين من الأطروحات ـ الاقتراحات الكبرى للرواية: قانون الشعث، والنقطتان المتعامدتان اللتان حذوت باستخدامهما وحدهما من بين علامات الترقيم حذو غويتسولو، فإذا بالراوية في (قمر بحر) تشبكهما بقانون الشعث وبالماء كجذر للخلق وكحرب آتية لا ريب فيها، وإذا بهذه الراوية تجعل فؤاد صالح يعترض عليّ في فصل تال عنوانه "استعارة لن ترد". فدمشق بالنسبة لـه "مجاز دائم للعشق" وبالنسبة إليها "نقطتان متعامدتان"، ولذلك يعقّب فؤاد صالح عليها: "الأستاذ نبيل.. نعم.. النقطتان المتعامدتان قفل لما بعد وما قبل.. وكم تسبب بحصري وراءهما". وقد كان فؤاد صالح في روايتي يكتب رواية لا تكتمل وبلا خواتيم، وينشد أن يعيشها وأن يكتبها مع صبا العارف، فإذا به في (قمر بحر) يخاطب (س): "أنت نهاية روايتي، وربما كنت فاتحتها دون أن أعرف.. أنت روايتي بامتياز".
هكذا تجدد تكوين فؤاد صالح في رواية أخرى، كما تجددت أو تبدلت أو تطورت اقتراحات وأطروحات من (مجاز العشق) في رواية أخرى، ليواجهني فيها (الأستاذ نبيل)، فيعتريني ما ذكرت من فضول أو ارتباك أو بهجة، بل وغموض، وأنا أرى ماء دمشق قد صار دمعاً، وصار ماء القتل المتبادل بين (س) وبين حبيبها في (قمر بحر)، وصارت لروايتي خاتمة، إذْ تخاطب (س) فؤاد صالح: "تلفن للأستاذ نبيل.. بشّره. اعتذر له عني. الماء الدموع. نحن هو هي. نقطتان على السطر". وفي السبيل إلى هذه الخاتمة، كانت (س) قد برئت من حبها القديم بعد عشر سنين، وكان الحب قد أينع روايةً بينها وبين فؤاد صالح. أما رواية (قمر بحر) فيظل للقول فيها مزيد ضروري. ذلك أن تنظيرات (س) في المعنى والعولمة والماركسية و... ستتوالى أمام فؤاد صالح أطول وأثقل مما كان مع حبيبها الأول أو مع رويدا. وهذه (الفكرنة) قد أبهظت (قمر بحر) غير مرّة، كما أبهظتها دعوى (الشعرية) نسبة إلى الشعر، حيث ترجّع إنشائية اللغة الروائية التي اشتهر بها حيدر حيدر وإدوار الخراط، كاستفاضة على الحالة أو الشخصية أو الحدث، وحيث ترجّع أيضاً تقليب أهداف سويف لحروف الأم أو الحب في روايتها (خارطة الحب)، فجاء فصل (اللغة ترقص/ هي اللحظة تولد) في رواية (قمر بحر) وجاء تقليب حروف البحر والقمر و... وربما لم يكن أقل إبهاظاً ما احتشدت به (قمر بحر) من المتناصات، وبخاصة في فصل (تراث).
غير أن علم الدين عبد اللطيف ظل رغم ذلك لاعباً مغامراً وصاحب اقتراحات جريئة وجديدة، أكثر بكثير مما سبق ووعدت به روايته الأولى (أحلام الزمن المتوسط).

dabe3
05-18-2010, 02:06 PM
الفصل الرابــع


السـيـرية روائياً





الفصل الرابع

السيرية روائياً

1 ـ نورا أمين: الوفاة الثانية لرجل الساعات:
تعلن نورا أمين السيرية في روايتها (الوفاة الثانية لرجل الساعات)( ) منذ البداية، فيما تروي من تعزية رجل لها بأبيها، فتمشي (للمرة الأولى في حياتها) على سجيتها، وتبكي بتلقائية، وتشرع بكتابة هذه الرواية التي تهديها إلى ذلك الرجل الذي جعلها تشعر للمرة الأولى أن من مات هو أبوها.
وإذا كانت الساردة تسرد الرواية بضمير الغائب حيناً، وبضمير المتكلم غالباً، فسوف تعود الكاتبة نفسها إلى الظهور باسمها الأول قرب نهاية الرواية، كما كان في بدايتها، حين تقرأ الأسرة نعي الوالد عبد المتعال أمين الذي يناديه أقرباؤه وأصدقاؤه بالاسم الذي سيحمله في الرواية: عبود. وفي هذا الموقع المتأخر من الرواية ستعلن الساردة ـ الكاتبة اللقب المناسب للمرحوم "رجل الساعات" سواء تملك هو الساعات أو تملكته هي أو فشل الاثنان في إحراز الملكية الحقيقية. ومن هنا جاء عنوان الرواية الذي لا يكتمل إلا بوفاة الثانية للأب: أي تحرر الابنة منه. فكما جاء في مفتتح الرواية، ها هي الساردة في النهاية تقول: "والآن منحني هو من موته حريتي".
تبني الساعات الرواية في إحساس مرهف وعميم بالزمن. فالفصل الأول عنوانه (ساعات) والثاني عنوانه (ودقائق) والثالث عنوانه (وثواني) والرابع والأخير عنوانه (خارج الزمن). وفي هذا البناء ينقسم الفصل الأول وحده إلى فقرات تَتَعَنْوَنُ بالساعات، وأولاها (في العاشرة دوماً) تعرفنا على الأب في اللقاء المقدس كل خميس في بيت العائلة القديم، كما عوّد العاهل الأكبر ذريته منذ نصف قرن. والفقرة الثانية (في السادسة يحدث أن...) تنبش من ذاكرة الساردة عشقها للساعة السادسة، وتسرد من حياة الأب استقالته من الوظيفة التي تقدسها العائلة، وسط ضجة نصر أكتوبر (حرب 1973) والتفاؤل بوعود الانفتاح، ثم اندفاع (عبود) في اللعبة حسب قوانين السبعينيات (من القرن العشرين) ليصل إلى قمة الهرم، وليسقط فجأة، فيخرج من المولد الانفتاحي بلا حمّص، ويفترش في السادسة من مساء كل يوم حسرته وذكرياته، يشيد الجسور الورقية للماضي، ويحاول سبيلاً إلى الثمانينيات. أما فقرة (الثانية عشرة الرسمية) فتوالي سرد شطر من حياة الرجل الذي انتهى به عشق الساعة الرسمية إلى إرباك ساعة جسده. إنها الساعة التي يترقب فيها عبود ظهوراً رسمياً أخيراً يليق ببداياته، ويختتم العقد الأخير من القرن العشرين، وهو الذي يحسب أنه باللوحة التي تحمل اسمه الثلاثي قد صنع بيبلوغرافيا كاملة لمسار الاقتصاد المصري منذ الستينيات. وأخيراً، وفي فقرة (العاشرة صباحاً المرغمة) تصيب القرحة الرجل، فتتكلل ساعة الحائط في غرفته بالحمرة، وتدفن أسفل عقاربها موعداً سرياً تفيض فيه الدماء ليلاً من الرجل المريض. لقد أرغمت الساعة "هذه المرة على التوقف حيث لا يحلو لها، وخفت تماماً الضحك الذي كانت تطلقه عندما تتجمع عقاربها في رقم واحد".
في الفصل الثاني (ودقائق) تسرد الساردة ما بعد موت أبيها بيومين. وكما في الرواية كلها، تنثال ذكريات الساردة، ومنها هنا فكفكتها للساعة الإنجليزية المستديرة التي جاء بها عبود من إحدى سفرياته. وها هي الساعة الآن لم تزل في لياقتها، غير أن عقرب الدقائق صار يندفع أماماً، ثم يطلق الصدى إلى الخلف لكأنه يتقدم، إلا أن شيئاً ما يجذبه خلفاً. والساردة الآن لا ترغب بفكفكة الساعة، بل تشفق عليها، وتتمنى لو أنها ترتاح من الوقوف طيلة السنوات المنصرمة. والآن أيضاً تقتحم الساردة غرفة أبيها، فتخال نفسها على حافة الموت: "أبتلع جسدي كله وكأنه عقرب متخف".
في الفصل الثالث (وثواني) تنهمر ذكريات الطفلة والمراهقة عن أبيها. ففي الحادية عشرة نراها فخورة بأبيها الذي يشبه عبد الحليم حافظ في كل شيء، ومفتاح الإغراء عنده هو صوت المطرب. وتتوقف الراوية مطولاً عند حدثين مفصليين، الأول هو وقوفها في تلك السنّ على السقالة في العمارة، تفتش عن لغة أخرى تتيح لها هذا النوع من الطيران: "لغة تشبهني أكثر مما تشبهه هو". فالفتاة المعجبة بأبيها بدأ نموها النفسي والجسدي يومئ إلى الاستقلالية. أما الحدث الثاني فهو نهر الأب لابنته المدللة، مما سيورثها (رضّة) نفسية، فيبدو لها "أن ثانية من الزمن قد سقطت سهواً، لأنني أفقت فجأة وأنا في هذا الوضع على صوت عنيف ينهرني". لقد زلزل كيانها الصوت الذي تعودت ألا يصدر إلا نغمات العندليب، ففقدت صلتها به وقد غدا جرعة غريبة من العداء. ولذلك تفكر الفتاة في أن تكتب رسالة لأبيها تعلن بغضها له، وتتوعد بمحو اسمه من شهادة ميلادها كانتقام أبهى: "ذات يوم لن يكون جسدي مغيباً، وسوف تتبدى قسوة خيالي بما لا يستطيع هو أن يتخيله، عندئذِ سوف يتمكن لساني من لغة طافية تمارس كل قهرها عليه".
في الخامسة عشرة لم تعد الفتاة تخرج مع أبيها في سيارته الفارهة. لقد بدأ حاجز مراهقتها يفصل بينهما. وحين يختفي ستاً وثلاثين ساعة جراء تعطّل سيارته، تحاول أن تتقمصه، وينتابها الشعور بفقدانه الذاكرة في حادث، فتفرح، لأنه سيكون الأب الوحيد الذي تتاح له فرصة التشكل من جديد، وسوف يتاح لها أن تبدأ معه علاقة جديدة: "سوف تكون حقاً فرصة لميلاد جديد، وسوف أشارك في تشكيل ذاكرة أبي بالانتقاء والحذف بما يسهل من تواصلنا ويطرد كل اللحظات السيئة التي مرت بنا، والتي خلناها غير قابلة للمحو".
من بئر الطفولة والمراهقة تمضي الساردة في الفصل الأخير إلى الثامنة والعشرين من عمرها، حيث استقلت وابنتها. وهذا الفصل يبدأ بكتابةٍ تضارع قصيدة النثر (أربع صفحات ونصف) على النحو الذي جاءت به رواية فوزية شويش السالم (حجر على حجر) بتمامها. وفي تلك الصفحات تحلم الساردة بمن لا تستطيع أن تسميه، فيما يبدو أن لها به ارتباطاً قديماً، وأنها تتألم من أجله. وسيتجسد الحلم بموت أبيها. وها هي إذ ترقد في سرير الميت، تنشد أن تفيض عنها رائحته، وتستعيد الحلم وهي تضع دبلة زواج الميت في إصبعها: "لن أترك شيئاً خلّفه هو خصيصاً لي، ووضعه حيث سوف أصوّب نظراتي". وحيث تبحث البنت في أدراج أبيها تقع على كل ثروته: الساعة المعبرة عن مرحلة العبور إلى عالم رجال الأعمال، وساعة الأورينت التي تذكرها بمراقصة أبيها لها، وساعة المعمورة من الماركات الأصلية التي يروج لها قادة البلد والشخصيات العامة، والساعة النحاسية الأقدم التي تطوق بها معصمها الآن. وبعد اثنين وثلاثين يوماً من الوفاة يهدأ إحساس العضو الذي نزع من جسد البنت التي انقطعت عن بيت العائلة القديم، ولم تعد تشعر نحو الماضي إلا بالحياد. وفي هذه النهاية للرواية ستسرد الساردة زواجها: "وكانت دبلة أبي
هي القطعة الوحيدة الذهبية في صندوقي"، متوّجةً بذلك الحالة النفسية الأنموذجية لاستبطان الأنثى أباها حباً وكرهاً، فالرواية تنادي الفرويدية كما تنادي السيرية وهي تضيف نصاً جارحاً جديداً إلى نصوص الجيل الصاعد من الروائيات العربيات: بنات شهرزاد.
2 ـ عبده جبير: مواعيد الذهاب إلى آخر الزمان( )
من التراث السردي يأتي عبده جبير بلعبة (الباب) في نظام التأليف، ليشيد روايته (مواعيد الذهاب إلى آخر الزمان)، وهي اللعبة التي أغوت آخرين من آخرهم أمين الزاوي في روايته (رائحة الأنثى) وأنيسة عبود في روايتها (باب الحيرة). فقد جاءت رواية جبير في خمسة أبواب، أولها وأطولها هو (باب في ثياب الساعات) وآخرها وأقصرها هو (باب في ثياب الأيام) الذي يناظر الباب الأول راصداً الأسبوع الأخير للراوي في الكويت قبل عودته إلى مصر، وذلك في هيئة يوميات، بينما رصد الباب الأول في هيئة الرسائل العيش الكويتي للراوي عبر ساعات الليل والنهار.
وقد مضى عبده جبير من لعبة (الباب) إلى الكثير سواها كما سنرى، لتكون (مواعيد الذهاب إلى آخر الزمان) رواية تجريبية بامتياز، تعزز تجريبية الكاتب في روايتيه السابقتين (تحريك القلب ـ 1981) و(عطلة رضوان ـ 1995)، وهي التجريبية التي أعلنت عنها المجموعة القصصية الأولى للكاتب (فارس على حصان من الخشب ـ 1978) وتواصلت في مجموعتيه التاليتين (سبيل الشخص ـ 1982) و(الوداع تاج من العشب ـ 1997).
تبدأ الرواية الأخيرة بمشروعات الرسائل التي يكتبها الراوي إلى من عرفهن في مصر، وتختلط أسماؤهن في الرسالة الواحدة وهي تستعيد ماضياً وتعرض حاضراً، وحيث لا يفتأ الراوي يقطع السرد بما يضفره بين قوسين ويدع كثيراً منه مبتوراً، وتلك هي اللعبة الثانية التي ستتواصل في الرواية. أما اللعبة الثالثة فهي لعبة الأقنعة (تسلية الراوي) التي تقنّع كل شخصية بقناع، فعامل البوفيه الباكستاني هو سلمان رشدي، وضحى هي سعاد حسني، والراوي رفعت الجمال هو رفعت محمد... والراوي يلعب هذه اللعبة لأنه غير قادر على أن يذكر الشخصيات الحقيقية. لكن هذه التعلة لا تخفي السيري في الرواية، وبالتالي ما بين شخصية الراوي والكاتب، بل لكأن التعلة تحرض على تبيّن السيري، سواء بما عرف عن تجربة الكاتب الكويتية، أو بما سيعاوده الراوي من ذكر صاحبه الروائي عادل السيوي، أو بما سيسوقه في الرواية بعامة، وتلك لعبة رابعة في (مواعيد الذهاب..).
فرفعت الجمال إذ تعبر به عبارة (غريب الأطوار) يتململ: "لا أعرف من أية رواية معتوهة التقطت هذا التعبير"، لكأنه يهجو اللغة الروائية حتى تتقعّر، نقيض اللغة التي يكتب بها الرسائل والتي سيروي بها بقية فصول ـ أبواب (مواعيد الذهاب..). ورفعت الجمال في الباب الثاني يلتقي من دفعه إلى الهجرة: البطل ـ اللابطل (رضوان) القادم من رواية عبده جبير (عطلة رضوان)، الوحيدة التي استطاع رفعت إتمام قراءتها طول حياته، هي و(قصة الحضارة). وسيخاطب رفعت نفسه: وتخيّلْ نفسك بين يدي مؤلف روايات أحمق، فيسلق من امتهنوا كتابة الروايات من كل هب ودبّ، ويتطلع إلى "كاتب روايات حقيقي هو نبي عصره بمعنى الكلمة، وهو بالقطع موجود، وسيظهر ليملأ الدنيا روايات تخدش حياء القصة الكبرى وإن كان يطالعك بتصوير حياة شخص يراه أصحاب العقائد غارقاً في التفاهة".
يرسم الباب الثاني من (مواعيد الذهاب..) أفواج المهاجرين المصريين وألواناً من العيش الكويتي كما في قصة المرأة المعيلة التي تتعيش من الادعاء بأن ابنها أسير لدى صدام حسين. ولأن الراوي يتقمّص في هذا الباب الرسام الشعبي، فالسرد يندفق غالباً في كتلة واحدة، لا تعنيها علامات الترقيم ولا علامات الزمان أو المكان أو الشخصيات. وإلى هذه اللعبة البنائية واللغوية، ستلي في البابين التاليين لعبتان أخريان لتعدد وتعمق لغات الرواية ومستوياتها وزوايا نظرها. ففي الباب الثالث (في يقظة الناجين) يقدم الراوي ملاحظته أولاً، وفحواها أن ما سيلي هو ملفات مصريين ممن نجوا من تحطيم الطائرة المصرية الشهيرة في السماء الأمريكية بعطل أو بصاروخ أو بانتحار إرهابي ـ من ينسى؟ ـ وكذلك ملفات من نجوا من تحطم الأوتوبيس المقلّ لمهاجرين مصريين على الحدود السعودية الكويتية. وقد تلت ملاحظة الراوي سرود كل من الناجين والناجيات، لتؤكد ـ مع ما سبق وما سيتلو ـ صيرورة الرواية ذلك الكتاب الافتراضي، كتاب الحشد المتلاطم الخارج من مصر إلى المحيط، ما أودى إلى الصحراء، وليس إلى جنة عدن ولا سفينة نوح ولا بلاد السندباد.
في الباب الرابع يحمل رفعت الجمال الكاميرا ليصوّر العيش الكويتي. ولأن هذه الكاميرا روائية، تأتي فقرات بعناصر ما ستصوّر من أشياء وبشر وأحداث، وبالتالي تتوالى القصص الفرعية في الرواية كما في سائر أبوابها. ومن الباب الرابع إلى الأبواب الأخرى، تنهض الصورة الكويتية التي تنادي رواية هاني الراهب (رسمت خطاً في الرمال) سواء في المكاتب التي تتاجر بأبحاث طلبة الجامعة أو بزيارة بوش الأب للكويت أو بمعضلة (البدون) الذين لا يحملون جنسية أو بسباق الهجن.. والصورة نفسها تنادي رواية طالب الرفاعي (ظل الشمس) في تفاصيل حياة العمالة المصرية بخاصة في حي خيطان وسواه. فالغرباء فقدوا سيطرتهم على كل شيء، لأن كل شيء هناك (في الكويت) أصبح لا شيء، وفي المقهى تراهم متوحدين ومتشابهي الملامح، واللغة (خلطبيطة) من لغات شرق آسية ومن الإنكليزية والعربية، والتعصب ضارب بين العرب، وغطاء البنكنوت وحده يجعل الغرباء يحسون بالألفة، والحداثة على أشدها، ومجتمع الرفاهية القادم من الغرب يطلع بالجنس الثالث، وأغلب الوجوه في هذا الفضاء الكويتي عابسة، وجذور صاحب الوكالة التي يعمل فيها الراوي مكينة في البداوة..
من هذا الفضاء يقرر الراوي أخيراً أن يؤوب إلى مصر، ليمتهن مهنة الكتابة كما هو صديقه الذي يكتب روايات صعبة: عادل السيوي. وها هو عبده جبير قد عاد من الكويت إلى الفيّوم ليتفرغ للكتابة، يحدوه صوت رفعت الجمال: "أحسّ بأن مخزوني يكفي لعدة مجلدات". والجمال سيكتب على الأقل ليتخلص من عذابات نفسه، أما عبده جبير فلعله لا يكتب لذلك وحده، بل لأننا بحاجة إلى رواياته.
3 ـ محمد الباردي: الكرنفال( )
يدوِّم خبر انتحار الشاعر والكاتب وأستاذ الفلسفة سليم النجار في مقهى ريجينه، حيث يتمركز السارد لرواية (الكرنفال) والذي يحمل اسم محمد الباردي، ليصير الكاتب واحداً من شخصيات روايته التي يجمعها هذا المقهى في تونس: "موطن النفوس الجريحة والأحلام المتكسرة"، لكأننا في إهابٍ روائي محفوظي (نجيب محفوظ). لكن محمد الباردي يهتك هذا الإهاب بما يكتب من سيرة المنتحِر وسيرته هو، وبما يروي وتروي الشخصيات جميعاً من الحكايا والأخبار العجيبة والغريبة، سواء ما تعلّق منها بالماضي أو بالحاضر الذي تحدو له البوارج الأمريكية الماخرة نحو الخليج.
وإذا كانت رواية (الكرنفال) تبدأ بانتحار سليم النجار، فسوف تظل هذه اللفحة البوليسية تناوش الرواية حتى منتهاها، حيث يتكشف أن سليم النجار
هو المناضل الأممي الشهير جوزيف سترادا، كما سيكشف اللبناني يوسف بشارة في مذكراته التي كتبها بعد ربع قرن على احتجاز وزراء الأوبك في فيينا، وكما سيكشف مناضل فلسطيني في برنامج قناة الجزيرة (بلا حدود). وليس استرادا ـ رفيق كارلوس في تلك العملية الفدائية الشهيرة ـ غير رفيق طفولة الباردي في مدينته (قابس). وليس أيضاً غير ذلك الشاب الذي استمالته الفلسفة عما أراد له أبوه من دراسة الطب، فتتلمذ على يدي الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو الذي كان يدرس في الجامعة التونسية حتى نهاية 1968. على أن سليم النجار الذي سيبدد ما يبدد من الميراث بعد وفاة أبيه، وسيسجن عاماً لمشاركته في إضراب طلابي، سيختفي ربع قرن من بعد، ثم يؤوب إلى تونس خائباً ليقضي منتحراً ويمنح رواية (الكرنفال) لغزها ومعناها، وهو من خاطب الباردي: "لقد قتلوا المعنى، وماذا يبقى للإنسان عندما يموت المعنى؟"، وهو من خاطب أيضاً حبيبته ياسمين: "لم يعد للكتابة معنى، كل شيء في هذه المدينة تلاشى معناه". ولا تفوت الباردي الإشارة إلى انتحار خليل حاوي في غمرة يأس سليم النجار الذي يحكم بانقضاء عصر الفلسفة والأفكار المجنونة، ويسأل يائساً: "أية فلسفة تستطيع أن تفسّر ضياع هذه المدينة؟".
إلى ذلك تبدو شخصيات الرواية جميعاً مهجوسة بالمعنى. ولذلك هي مهجوسة بأن تحكي حكايتها ـ سيرتها ـ وحكاية غيرها، والعكس صحيح. فالمعنى حكاية والعكس صحيح، ولن يني محمد الباردي في الرواية مداولة ذلك وتوكيده، متوسلاً ضمير المخاطب دوماً كمفتاح وكمخفّزٍ للسرد، ومستبطناً مرة ومعلناً مرة لمفهوم بعينه للرواية، كأن نقرأ: "لم يبق لك غير الحكي، وما الحياة في النهاية إن لم تكن حكاية طويلة تتعدد فيها الفصول وتتنوع ولكنها تحافظ على ما يربط بينها حتى يكون لها معنى"، وكأنْ يخاطب أيضاً والدة صديقه المنتحِر: "احكي تستريحي. ما بقي لنا إلا الحكي ولا بدّ لهذه الحكاية أن تنتهي لتبدأ حكاية أخرى. حياتنا حكايا تتناسل الواحدة من الأخرى، تلتقي أحياناً، تتقاطع وتتضارب أيضاً، ولكنها حكايا نارها تأكل من تجاربنا الشخصية، وقد نختلق أشياء لم نعشها. قد نكذب ونحن نبحث عن منطق يجمع بين عناصر حكاياتنا. وما الفرق بين أن نعيش الأشياء أو نختلقها ونبتدعها؟ إن الأشياء نعيشها في الحقيقة والخيال، وهل هناك حقيقة بدون خيال؟". ومن هذا القبيل ما ينظّر للسيرة في الرواية أو العكس، كأن يخاطب الباردي نفسه: "وها أنت الآن تكتب سيرة سليم النجار ولكنك في حقيقة الأمر تتحدث عن نفسك. لا يكتب الإنسان سيرة غيره إلا عندما يجد فيها شيئاً من ذاته أو شيئاً من ذات مثيرة يريد أن يكون له بعضاً من إشعاعها".
على أن سيرة النجار أو سيرة الباردي تتشظى في الرواية، ومنذ البداية، لتقدم في كل فصل من فصولها حكاية شخصية ما، أو تتابع ما تقدم من حكاية سواها. وخلال ذلك يحرص الباردي على أن يجعل من شخصية بائع الجرائد (ماجد) مصدر الحكايا التي سيكتبها في رواية. فماجد بالنسبة للكاتب هو سلطان الحكاية وصندوق العجائب والغرائب، وحكايته هي حكاية الدنيا. وماجد يعلم أن الباردي سيكتب أخبار المدينة التي يأتيه بها، كما فعل في روايته السابقة (حوش خريّف). وسنرى أن الباردي يُنطق ماجد لاسيما بما يوضح أو يعزز مفهومه هو الحكاية. فماجد الذي يدرك أن الباردي لا يستطيع أن يكتب دون أن يحكي هو، ويرى المدينة حكايا عجيبة، يذهب إلى أن الحكاية لا تكون كذلك إلا إن كانت عجيبة، ليتحول صاحبها إلى بطل. لكن الباردي يصحح نافياً أن يكون صاحب الحكاية بطلها، بل من يرويها ومن يكتبها، لذلك يحرم ماجد من البطولة مثلما ينفي البطولة عن المدينة التي قتلت كل أبطالها وتحوّل الناس فيها إلى رواة.
هكذا تأتي حكاية حبيب البقّال الذي يعلق على رواية الباردي السابقة (حوش خريف) وحكاية فوزية مدير المركز التجاري السعودي، وحكاية الراقصة جنات التي ترقص في جربة وتمضي بها مدام سلمى إلى بالارمو في إيطاليا حيث يصير اسمها ريجينه، مذكرة بصاحبة المقهى السنيورة ريجينه، ولهذه أيضاً حكايتها التي وشمت طفولة الباردي. وتتوالى الحكايا من فصل إلى فصول، فتقدم عصبة المتقاعدين في المقهى، وذلك الجندي المتقاعد عبد الكريم، وعصبة الباردي نفسه، ومنهم لاسيما عبد الستار وزوجته المارشالة التي سيصيبه بالجنون رحيلُها مع صاحب المصنع الألماني.
من انفجار الجندي عبد الكريم وجنون عبد الستار سيقوم الكرنفال في الفصل الرابع عشر، فينتأ السؤال عما خسرت الرواية حين قصرت الكرنفال على هاتين الشخصيتين، وهذا ما التفت إليه الروائي والناقد محمود طرشونة في تقديمه للرواية. فعلى الرغم من أن الكرنفالية قد حضرت في الجموع التي احتشدت لترى تمرد الجندي وجنون عبد الستار، ولترى قتل البوليس للثاني واعتقال الأول، فربما كان للكرنفالية أن تكون أكبر حضوراً وتعبيراً عن مرام الرواية، لو أن شخصيات أخرى من شخصياتها قد شاركت في الكرنفال.
وقبل ذلك وبعده يستوفي ماجد والباردي حكايا صالحة وفتيحة ومدير البنك وضريح سيدي خذر وحارس الكنيسة وجابر السمّاك وموسى الحداد وسالم الجزّار وعبد الغني.. وبهذا الاستيفاء يشتبك تاريخ المدينة (قابس أو تونس) في زمن بورقيبة وأحمد بن يوسف بحاضرها، ويشتبك الحب بالقتل (عبد الغني يقتل مدام سلمى) والاشتراكية بالخصخصة وافتتاحيات جريدة القدس العربي التي يكتبها عبد الباري عطوان بإيقاع الحرب الأمريكية الوشيكة، وحقوق الإنسان بالخطى العسكمدنية كما ينحت الباردي من كلمتي العسكرية والمدنية. وستحدو لكل ذلك المتناصّات العربية والفرنسية من أشعار بودلير وموسّيه وشوقي بزيع وجمعة الحلفي والغناء الشعبي وغناء فيروز.. لنبلغ في النهاية تلك الجنازة التي يراها محمد الباردي ويسأل عابراً عنها، فيهمس له أنها "جنازة محمد بن الصادق بن الطاهر الباردي"، فالحكاية تأتي على صاحبها، وكاتبها ينتهي بنهايتها، إذ لا حياة له بدونها.
لقد رأى محمود طرشونة في تقديمه للرواية أن سرها هو في (التحويل)، أي في صهر الأحداث المعزولة والنتف المقصوصة والأخبار العجيبة والحكايات الغربية إلى عمل روائي متكامل لـه معنى. وقد دلّل الكاتب على المكْنة في ذلك كله ـ فكيف أخطأ إذاً بين اسمي عبد الغني وعبد الستار ص 119 وص 120؟ ـ مشيعاً الروح الكرنفالي في الرواية كما يليق بها، إذْ لا يكون مخططاً، بل شكلاً مرناً يسبغ ـ كما يقال بحق ـ النسبية على رواسخ العقائد والأخلاق والقيم، ويفتح المشهد على رحابة المجتمع ورحابة النقيض. وإذا كان تحقيق الرواية لذلك لا يلغي السؤال عن الفصل الذي حملت الرواية عنوانه، كما تقدم، فقد مزجت الرواية بالروح الكرنفالي، وكما يليق بالكرنفال، بين النافل والسامي، بين المقدس والمدنّس. كما أطلقت الرواية السخرية ـ الضحك في وجه الخواء والخراب الذي لا يوفّر النفس ولا المجتمع ولا الوطن ولا العالم، فهل يكون كل هذا هو المعنى الذي يَلوب عليه محمد الباردي الكاتب مثل محمد الباردي الشخصية الروائية؟ هل كل هذا هو المعنى الذي جعل فقدانه من مناضل مثل سليم النجار ـ استرادا ـ ينتحر، كما ألبس التباسه على سلطان الحكاية وساردها (ماجد) فجعله يلحق بالراقصة جنّات إلى إيطاليا ليقع في التيه كما وقعت هي، وكما سيقع سواهما في الحب أو القتل أو الجنون؟

dabe3
05-18-2010, 02:07 PM
الفصل الخامس


الأنوثة وشماً روائياً


الفصل الخامس

الأنوثة وشماً روائياً

1 ـ آمال بشيري: فتنة الماء( )
تجدد رواية (فتنة الماء) لآمال بشيري السؤال عن حدود القصة الطويلة والرواية القصيرة، وإن تكن قد أعلنت جنسها على الغلاف: رواية. وفيما تصدرت به يتجدد السؤال عن المرأة وعن الخلق. فالتصدير يبدأ بمريم عبيد "التي نسجت الأسطورة بأصابع الغياب" وينتهي بخبر من غرقت قلوبهم في فتنة الماء، فجفت الأرض وتحولوا إلى غيم. وما إن تبدأ الرواية حتى تجدد سؤال قابيل وهابيل بعودة (الصلف) من المنفى وقتله لشقيقه شاهين ليستولي على بيته وبعض حبات من الرطب.
غير أن كل ما يتعلق بالفانتازيا والعجائبية والغرائبية والخوارق، سرعان ما يطوي تلك الأسئلة طيّ الحكايا ـ القصص التي تتناسل في فضاء ما ـ قرية ما ـ ربما كانت الجزائر أو أية بقعة بالغة التعيين بقدر ما هي من بنات خيال محموم. وتبدو الرواية حكاية بعد قصة بعد أسطورة نسيجاً شفوياً وشعبياً متداولاً وطازجاً في آن. وأول ذلك ـ بعد قتل الأخ لأخيه ـ هو وصول الحملة الاستكشافية التي قطع قائدها ألسنة رجال القريةَ وذوّب خلايا النحل وصبّ ذوبها في آذانهم، فأفقدهم النطق والسمع، وأهدى جنوده ذوي اللحى الشقراء والعيون الزرق فتيات القرية، ونصّب على القرية مجنون المعجزات (الصلف) الذي انشغل بتعبيد طريقه نحو المساء: هل هي إذاً قصة الاستعمار الغربي ومن نصّب من الطغاة؟
في هذه القرية التي يقضي رجالها نصف أعمارهم في البحر، والتي يجمع العريش نساءها حيث تتوه عقارب أدق بوصلة وهنّ ينسجن قصصاً من الخيال؛ في هذا الفضاء تثير (شعلو) زوبعة حيث تحل، بعدما رفض أبوها تزويجها من حبيبها سهيل. وليبرر الأب فعلته ادّعى أنَّ أم سهيل الفقيرة حملت به من شياطين البحر. ولأن "الحب في تلك القرية إما حكمة وإما جنون، وما بينهما رياء" فقد جنت شعلو، وأخذها البئر إليه بعدما قضى حبيبها، فأنبتت البئر شجرة ثمارها حمر ولزجة على شكل دموع، تمنح الذرية لمن يأكل منها، ما جعل الصلف يضم البئر إلى أملاكه. وفي هذا الفضاء أيضاً تقوم (حصاة المن) في عرض البحر حامية المظلومين وهي تنوح. وقد صارت الحصاة ـ بعد قضاء شعلو ـ مبقعة بالبياض ولامعة في الظلام، ومبشرة ببركة شجرة شعلو، فهلل الناس للبشرى بتحول هذه المجنونة إلى قديسة.
لكن للقرية أيضاً مجنونتها مريم التي ترحل مع عاشقها (المنحاز)، والتي ستقول لقاضية الهوى "منحته جنوني فوعدني بالحكمة". لكن (المنحاز) سيجبن عن عشقه، فتعود مريم إلى عقاب أبيها الذي يدفعها إلى قتل نفسها، فتزرع قاضية الهوى قصتها على الشاطئ، وقصص القرية تتوالى من شخصية إلى شخصية من شخصيات الرواية المسكونة بالقتل والخرافة والطمع والشهوة والحب والتحدي والحلم والجنون والعقل. فقاضية الهوى التي ولدت من وشاية الشيطان لجسد أمها، تخدم بالوراثة عند سيدها (الجافي بأمر الله) ومنه تلد ابنها شمس الذي يصنع سلماً عملاقاً ليبلغ به السماء، ويحلم بامتلاك الكون أو أن يتحول هو إلى كون باهر. وقد أعتق الجافي قاضية الهوى فعزمت على منح موهبتها في الحب إلى العشاق، بينما راح شمس يحفر الجبل حتى يقبض على المعجزة فينادي أمه: "إذا كان معدنك من الحب فمعدني من ذهب".
لقد اكتشف (مجنون الله) إذاً كنز الجبل وقال: "للجبل نفس قلبي فهو من ذهب"، فسلب (الصلف) الكنز، وأتى بالخبير الإنجليزي ليتولى ورجاله المنجم. ولأن الإنجليزي يريد لرجاله أسماء جديدة، أعاد قاضي القضاة (النرد) رسم شجرة الأنساب، فحصل الإنجليز على خريطة لوطن جديد، وصاروا الجيش الفتّاك لـ (الصلف) الذي أخذ يتاجر بثمار شجرة شعلو ويبني السجون ويسنّ قوانين الصمت، متنعماً بما يترك له الإنجليزي من كنز الجبل وبما تعود عليه ثمار شجرة شعلو بعدما يحولها الإنجليز إلى كبسولات طبية.
إزاء طغيان الطاغية يدعو شمس أهل القرية إلى الموت الجماعي، فيوافقه عقلاؤهم. وبحركة سحرية يطيرون فتتهاوى أجسادهم في البحر، وتزغرد (حصاة المن) ويتنفس السمك خارج الماء، ويتحول الرجال إلى غيم، كما جاء منذ البداية في تصدير الرواية، لعل هذا التحول "يحدث الطوفان ليغرق القرية ويقضي على الرجل الذي بقر بطن أخيه ليستولي على بيته وبعض حبات من الرطب".
في السبيل إلى هذه النهاية كانت قصة اللص الذي تحوّل إلى قاضي القضاة، و(الحبري) الذي قتل صديقه ـ كأنه يكرر قتل الصلف لأخيه ـ وأخذ ينظم السباقات الأسبوعية للحمير البيضاء، وكذلك هي حكايا عرافة القرية وابنها وسواهما مما تفور به رواية (فتنة الماء) على صغر حجمها، بمخيلّة مشبوبة ولغة مقتصدة. ومن المؤسف أن هذه اللغة تتعثر بما لا يحصى من العثرات ـ مرة أخرى: على صغر حجم الرواية ـ في الإملاء والنحو، وهو ما لا تنفع فيه تعللات الكاتبة ولا الناشر، وهو ما دأبت منذ سنوات على التحذير منه بقدر ما أراه يستفحل، ولاسيما في النصوص الجديدة، فيؤذي أيما أذى هذه النصوص، مهما كبر وعدها.
2 ـ لطيفة الدليمي: حديقة الحياة( )
كل شيء يسقط من الزمن: تلك هي حقيقة الوجود التي تجوهره كما تجوهر الإنسان، والسؤال يظل لائباً: أين يسقط الزمن؟
قلب المرأة وحده يلاحق نبض الزمان الخفي: حقيقة أخرى تشكل السؤال اللائب كما تشكل حقيقة الوجود. وكل ذلك هو الأسّ الروحي الذي تقوم عليه رواية لطيفة الدليمي (حديقة الحياة).
في هذا الأسّ هي ذي جنات وروابٍ معشبة، أشجار مثقلة بالثمار والزرازير المنقطة وعصافير الحب، دجلة يفيض على الأجراف وتبلغ مياهه الرائقة التي لها ألق البلور عتبات البيوت: إنها الطبيعة التي ليست إطاراً أو تزويقاً في رواية (حديقة الحياة)، بل جوهراً للكتابة تخلخله وتنقضه كتابةُ الحرب: "هجت أسراب الحمام والعصافير والزرازير وغابت الشحارير والبلابل منذ سقط أول صاروخ على بغداد".
وفي الأسّ الروحي لرواية (حديقة الحياة) هي ذي الموسيقا أيضاً، لا تشكل فقط واحدة من الشخصيات المحورية (ميساء)، بل تأتي كالطبيعة نسغاً لمفردات وعبارات الرواية، نسغاً للغتها ولنبضها الإنساني الحار.
الزمن، الطبيعة، الموسيقا، الحرب، الأنوثة: هو ذا ما يقوم به عالم هذه الرواية، وكل واحد من هذه المكوّنات يفعل في الآخر فعله العميق، فإذا بالأب (غالب) يفعم عشّ الحب الذي يضمّه مع الأم (حياة) ومع البنت (ميساء) بمقطوعات الكمان لغانم حداد وبألحان التركي مراد أورهان والإيطالي باغانيني، لتسحق الموسيقا الروح وتنهج شهوة الحياة في آن. لكن الحرب تغيّب الأب، وميساء التي ولدت عندما بدأ القصف ـ وهي إذن حرب الخليج الأولى ـ سيصيبها فقد أبيها بالذهول سنتين، وستبيع الأم حتى جهاز التلفزيون لتفي بنفقات علاج البنت، وستعمل في مشغل الخياطة أم نور إضافة إلى عملها مدرسة للأدب العربي، لكن ميساء تظل ذاهلة حتى (تقرر) فجأة أن تشفى، وتواصل التدريب على الكمان، ودراسة الآثار كما تمنى أبوها، بينما كانت الأم تريدها عالمة فيزياء، لعلها تخترع شيئاً يوقف تدهور الزمن في أجساد الناس.
تطل ميساء في الرواية وقد بلغت الرابعة والعشرين، ولديها ست سيدات وفتيات تعلمهن الموسيقا، فيما تجرب تأليف قطعة موسيقية تسكن خلجاتها وعقلها منذ أعوام بعيدة. وإذا كانت قد تخرجت من قسم الآثار منذ سنتين، فهي لم تشارك في التنقيب غير مرة واحدة في (أور) حيث تقول: "وجدتني أعبث بالزمن" وحيث "أستخرج دهراً". ومع ميساء تطل أمها في الرواية: امرأتان غريبتان على هذا العالم الذي فتكت به الحرب الأولى فالحرب الثانية فَنُذُرُ الحرب الثالثة، حتى بات رجال المدينة لا يرون الزهور ولا يتمايلون مع الريح أو على إيقاع موسيقا، ولا يستطيعون ترديد كلمة عذبة لتتوغل موسيقاها في بزاتهم الجافة. لكأن الموسيقا تأنثت كالطبيعة في حديقة الأم حياة، كما تومئ هذه السطور وهي تؤشر إلى الذكورة أيضاً: "كما ينث المطرُ الناعمُ الوجهَ شهياً، يبعث الريّ في الجسد كله، تتعالى نغمة صادحة من كمان ميساء، فتجعل الليل الخامد بهياً، والعالم مكاناً آمناً يتيح للنساء أن يَحْلمنَ بحياة حقيقة، يعثرن فيها على حب حقيقي منزه عن الأغراض، ويلتقين برجال حقيقيين لم يعبروا طوق النار الذي ترك سحجات حريق على أرواحهم وثقوباً سوداء في أفئدتهم".
بين مفصل وآخر من الحاضر الروائي، يستعاد الماضي. وإذا كان فقد الأب هو العلامة الفارقة في ذلك الزمن، فلعل ما يرسم جوهره كما يرسم واحدة من الدلالات الكبرى للرواية، ذلك الرسم السومري المقدس الذي أهداه غالب لحياة (الأب للأم): رجل وامرأة وبينهما النخلة/ شجرة معرفة الخير والشر، ووراءهما الأفعى، وهما يمدان أيديهما إلى عذوق النخلة. أما الدلالة فتعلنها الرواية، تعلنها الأم حياة وتعلنها ميساء: الرجل والمرأة شريكان في المعرفة، وليس في الخطيئة. على أن ميساء تحيا أزمتها مع من عشقت وعشقها: الشاب زياد الذي قضت الحرب على أسرته، فتعهدت حياة تربيته في منزلها إلى أن أنجز دراسته الجامعية في المسرح، وصار وميساء خطيبين. لكن زياد فتى من نار وصمت ورمل ودخان، ومساماته تفوح منها رائحة الحرب، ويلهبه ما كانت أمه تنفخ فيه: الرحيل، لذلك يرحل إلى أوروبا حيث يطّرد نجاحه، وتتواصل رسائله إلى ميساء، تدعوها إلى الخروج من العراق، وهي تكتب لـه منادية بعودته إلى العراق.
تتوسّل الرواية لسرد علاقة ميساء وزياد المذكرات تحت عنوان (من أوراق ميساء) والرسائل التي ترد في تلك الأوراق. وبالطبع ينضاف إلى ذلك ما تتعهد به الساردة. وحين يتعلق السرد بخاصة بعلاقة شخصيتين أخريين (سوزان وغسان) فالوسيلة الفضلى تغدو الحوار ذا الطابع المسرحي. وليس يخفى هنا إفادة لطيفة الدليمي من خبرتها في الكتابة الدرامية، كما لا يخفى فيما يتعلق بالموسيقا والآثار من خبرتها التي يدلّل عليها ثبت أعمالها. فالموسيقا عنونت واحدة من مجموعاتها القصصية (موسيقا صوفية)، كما كتبت سيناريو وثائقياً عن الموسيقا في الحضارة العراقية بعنوان (صدى حضارة). ولعل ما يؤكد كل ذلك هو النصّ الذي كتبته ميساء (الآثارية العاطلة عن العمل) بعنوان (جلجامش وشجرة الصفصاف). وعلى الرغم من كل ما تقدمَ في بهاء رواية (حديقة الحياة) يبدو لي أن شخصية سوزان لم تكن مقنعة، عندما عبرت هذه المدرّسة للإنكليزية، الثرية، عن رغبتها في أن تتحول إلى رجل. فلا مقدمات الرغبة (أزمتها مع خطيبها عبد المقصود ومع عاشقها ومعشوقها الفنان غسان) جاءت كافية، ولا انتهاء هذه الرغبة جاء مسوّغاً، ومثله رغبتها في الزواج من طبيبها قبل أن تعود إلى غسان الذي يرفض الرحيل ـ مثل ميساء ـ بينما تلحّ هي على الرحيل، مثل زياد. ولعل هذا الخلل هو ما دفع بالحل القدري المباغت: موت عبد المقصود. ومن أسف أن هذا الحل القدري يتكرر في تتويج الرواية لدلالاتها، في نهايتها، حين يصور غسان مشرداً، وترى حياة الصورة في المعرض الذي أقامه غسان في حديقتها، وعزفت له ميساء، فإذا بحياة تعلن أن هذا المشرد هو الأب المفقود، فيجري الجميع إلى البحث عنه في مجاهل بغداد، ومهما يكن من خطأ أو صواب ما أقدّره هنا أو هناك من خلل، فقد كانت (حديقة الحياة) بحق تلك الإضافة الروائية المتميزة بالوشم الأنثوي.
3 ـ زهرة كرام: قلادْة قرنفل( )
"أهديك أجمل ما تصنعه نساء كردستان".
بهذه العبارة يقدم شاعر منسي قلادة قرنفل للشابة الصحفية التي تروي رواية عَنْوَنَتْها الهدية، وكتبتها الكاتبة المغربيّة زهور كرام. وإذا كان الشاعر قد "اعتكف على الشعر بعد أن فارقته الحياة في الوطن، وغاب في شوارع لندن" فالقلادة ستغدو تميمة الشابة وهي تكابد العيش في زمن المكادونالد مثلما يكابده الشاعر في المنفى، والعشق يتضوّع كالقرنفل، والرواية لا تفتأ تضارع الشعر، فنقرأ:
ليلنا مضاء بالنجوم
أنا والقلادة
خطونا مفعم بالقرنفل
أنا والقلادة
غير أن الرواية ستتأذى بهذه المضارعة، شأن أية سردية تبالغ في لغتها باقتفاء لغة الشعر، متوهمة الشعرية، وهو ما تعززَ بفيض الإيقاعات التي لم تفلح في أن توقّع للرواية بقدر ما بدت استطالة وإثقالاً ـ "ولقد اختفينا معاً" "ولقد انطلقنا معاً..." ـ ومثل ذلك جاء فيض تأملات الرواية وفيض نجواها للحبيب وللأب وللوطن، ولاسيما لنفسها حيث فاضت النرجسية بمثل هذه العبارة: أعانقني.
ربما كان ذلك ما جعل الرواية تبدو حلبة لصراع الشعرية والسردية. وقد بدا انتصار الأخيرة حاسماً في بناء الشخصيات الأخرى، سوى الراوية والحبيب. فشخصية لَلاَّّ فضيلة /الحاجة فضيلة/ العمة قدّتها الرواية من جلمود، وعرّت جذرها في القرية /القبيلة كما عرّت أظفارها التي تنشبها في القرية/ القبيلة من مقامها في المدينة إذ ْتُغرق بالدين فلاحاً بعد فلاح، تقضم الأرض قطعة قطعة ـ بالأحرى، وكما في الرواية: "تنتشر أرضاً" ـ ومقدم القرية يتبعها ظلاً ظليلاً وخادماً أميناً، فإذا بواحدٍ تهرب ابنته إلى إيطاليا مع أجنبي، فيطأطئ متجللاً بالعار، وإذا بفتاة ينكشف شعرها فَتُساق إلى عرين الحاجة زوجة لأصغر أولادها، وأرض والد تلك الفتاة أو هذه تُساق إلى أملاك للاّ فضيلة التي ستعود من إحدى غيباتها مدرّعة بجهاز الكمبيوتر، كي تلقمه وثائقها.
لكنّ الجلمودية ليست غير واحدة من شخصيات الرواية ـ نسائها اللواتي تقدمهّن راوية الرواية بضمير المتكلم، كما تقدم نفسها: الصحُفية التي ما زالت تعتقد أن أول مقالة كتبتها هي "التي استطاعت أن تكتب جرأتي.. وعريي.. بعدها خدشوا عريي.. فعدت أدراجاً أخبئني بألوان من الثياب.. وقالوا: هكذا نريدك".
ليست عمّة الراوية وحدها من تريدها كذلك، بل ابنها الأصغر صالح أيضاً، ابن العمة الذي زوّجته أمه أول مرة من زهرة بنت الشرفي الذي التهمت الحاجّة أرضه، ثم زوّجت الولد المطيع من فاطمة لأن الأولى عاقر. وتحت ظل العمة يعيش مع أولاء جميعاً زوجها نسياً منسياً، ويعيش ابنها الأكبر مع زوجته عائشة التي تصبّ عنفها على أولادها، فتصرخ بها الراوية: "ما هذا الذي تفعلينه بأولادك؟" فتصرخ عائشة: "ما هذا الذي تفعلونه بي؟" ثم تصرخ: كلكم مجرمون. ووحدها عائشة مع زوجها سيعترضان أخيراًً سبيل الحاجّة ويغادران عرينها، بينما يمتّص العقم أنوثة زهرة حتى الموت، وتترجّح فاطمة بين الإنجاب والصمت والانفجار، ويشلّ الخوف صالح كما يشلّ الراوية حتى تقترب الرواية من نهايتها، وهي التي ابتدأت بالخوف، ولكن ليس من العمة وحدها.
ففي البداية تلتقي بالراوية برئيس تحرير جريدة محسوبة على المعارضة عائداً من إجازته الصيفية. وفي حوارهما كما في نجوى الراوية نفسها في خلوتها، ينهض الخوف العميم. فالصحافي اكتشف البلد خلال إجازته، وهو الذي كان يكتب عن البلد من مكتبه فإذا: "وضعنا مهزلة" و"نحن ضعنا" و"على الأقل قبل الآن كنا نحلم" و"البلد في خطر" و"لا مؤسسات.. لا أشخاص".. أما الراوية فتعيّن الزمن: "إنه زمن ماكدونالد" حيث لا أحد يناقش ولا يقارن، وتصدع بالسؤال: "هل يكفي أن تكون خارج جغرافية الوطن لتدرج ضمن لائحة المغتربين؟ ما معنى أن تبقى داخل جغرافية الوطن وذاتك بعيدة عنك؟". وتتتوج هذه الصورة القاتمة بما تقوله صديقة للراوية: "نحن نحتاج إلى أن ندخل آلة ليعاد إنتاجنا من جديد.. تزيل الآلة كل الأوساخ، وتحتفظ بالنقاء".
تبدو الراوية منذ البداية مسكونة بأبيها أغنية للوطن، ومسكونة بالحبيب. وبما يسكن الراوية التي فقدت أباها وأمها، ترفض الزواج من صالح كما أرادت العمة، وتنازع العمة في صمت سيليه الجهر في حصتها من ملكية البيت. وعبر ذلك مما سيمتد طوال الرواية، تتخفف الراوية من تاريخ خوفها، بينما تتعزز إشارات القرنفل إلى تلك الخفة ـ التحرر. وإذا كانت أولى تلك الإشارات إلى كردستان ستظل مبهمة، فما سيلي، سوف يغدو علامة على التحدي في صراع الراوية مع العمة، كما سيغدو علامة على ما ستبدل الرواية من شخصية صالح ليخرج من جبة الخوف ويغادر زمن الطفولة، حيث حبسته أمه، فلم تزوجه بمشيئتها فقط، بل صنعت له مؤسسة ثقافية أيضاً.

لقد حُسِمَ الصراع أخيراً، وانتصرت الراوية على العمة إذ فضحت أسرارها في الكمبيوتر. وبينما عاد لصالح تردده، أنجزت الراوية النصر وأصيبت العمة بالشلل. وبمثل ذلك انتهى الصراع بين السردية والشعرية. فحيث طغت الأخيرة شُلّت الرواية، لكن عافيتها اتقدت حيث بنت السردية الشخصيات النسائية بخاصة، وحيث قدمت الأحداث والحكايات الصغرى والكبرى، لتصّح أخيراً الجلجلة من (زمن السّيبا) ومقاومة النفس الأمّارة بالهدنة إلى زمن الماكدونالد: "إن دخلت نفسك كان موتك".

dabe3
05-18-2010, 02:08 PM
4 ـ هيفاء بيطار: امرأة من هذا العصر( )
تعزز هيفاء بيطار، رواية بعد رواية، رهانها على الشخصية الروائية، جسداً وروحاً، في تأنيث الرواية. وهو الرهان الذي لا يوفّر المؤسسة الدينية، أو الزوجية أو الثقافية أو أية مؤسسة تعوّق حرية الإنسان، ولاسيما: الأنثى. فمن (أبواب مواربة) إلى (أفراح صغيرة.. أفراح أخيرة) ومن (نسر بجناح واحد) إلى (يوميات مطلقة) إلى (امرأة من طابقين)... تواصل هيفاء بيطار السبيل الذي اختارت منذ البداية ـ وفي القصة غالباً كما في الرواية ـ دون أن تعشى بالبريق الحداثي ولا بالاستفزاز أو الاحتفاء النقدي الذكوري، محاذرةً الرائج: الثأرية النسوية من الذكورة. ولعل كل ذلك يبلغ ذروة جديدة في روايتها (امرأة من هذا العصر) التي ترمينا منذ سطورها الأولى في مواجهة بطلتها المهندسة مريم لعلتها: سرطان في الثدي.
في هذه البداية تسوق مريم ـ وهي راوية الرواية بضمير المتكلم ـ وقع النبأ العظيم عليها، إذ يتداعى كيانها فجأة، ويتجمع فجأة فرح العالم في قلبها فتهتف: "العالم فردوس، العالم فردوس"، وإذ يعاتبها ثديها: "كيف يطاوعك قلبك على أن تقطعيني وترميني خارجك!!" ويعطيها حكمته: "ذاكرة المرأة نهدها". وفي الليلة الأولى للنبأ العظيم ترى مريم نفسها على حافة جرف مسكون بالأشباح التي تتكشف عن الرجال الذين عبروا حياتها "كبرق، كحُرق، كنسمة ربيعية" فتستنجد بابنها الشاب لؤي الذي ظل مستغرقاً في شاشة الكومبيوتر. وسرعان ما سيبدو أن هذا الهجس إرهاص بالفكرة التي تومض لمريم بعد استئصال الثدي: "استحضار حياتي أثناء جلسات العلاج الكيميائي، ربما لألهي نفسي عن التفكير في تلك السموم التي أحسّها تسري في دمي، أو لرغبتي في تقويم ما عشته".
قبل العملية التي رافقها فيها طليقها ووالد ابنها، فكرت مريم في أن نهاية ثديها ستكون نهاية الرجل في حياتها. وسوف يكون علينا أن ننتظر إلى نهاية الرواية لنرى كيف يتحقق ذلك في علاقتها مع الدكتور مسعود الذي قام بالعملية. أما فكرة استحضار الرجال فستنظم بناء الرواية منذ الجلسة الأولى حتى الجلسة التاسعة، وحيث سيكون أيضاً للمجتمع الجديد الذي انتمت مريم إليه (مجتمع المتسرطنين) حضوره.
تحمل الجلسة الأولى عنوان (البخيل) حيث عيّنتْ مريم الرجلَ بصفته، وهي الأنثى العصرية: "ابنة زماني زمن الثورة الجنسية" والتي كانت تخطو نحو الأربعين، فقررت أن يكون لها عشيق، مؤمنة بحقوق النفس والجسد و: "أرفض أمراض الكبت تحت ستار الأخلاق".
لقد كان ذلك العشيق هو البخيل الذي يؤجج نجاحُ مريم المهني شهوته، بينما يزداد نفوره منها كلما انتهت حفلة الجسدين. وفي هذه الجلسة تقص مريم أيضاً قصتها مع رجل آخر صادفته على الباخرة في رحلتها إلى اليونان. فهذه التي أرادت من الرحلة تنقية روحها من البخيل، علقت (وجيه) وعلقها، لكنه يبتر العلاقة لأنه لا يستطيع أن يتحمل تجاربها مع الرجال قبله. وهنا تسوق مريم حكمتها في الحب: "لا يشفي حباً قديماً إلا حب جديد". ولسوف تصوغ تجربتها مع السرطان الحكمة في صياغة أخرى تخاطب بها ابنها: "الحب هو الذي يجعل السرطان يموت"، بينما يقدم رجل الجلسة الثانية مفهوماً آخر للحب: "الحب يعني الاستحواذ. أن تكوني لي وحدي". ولسوف تكرس مريم بعد الشفاء، وإزاء عشق الدكتور مسعود لها، الحكمة التي خاطبت بها ابنها كعنوان لحياتها الجديدة، فتسعى إلى كل اللواتي مرضن مرضها، لتقدم علاجها الجديد: "لنقل إنه العلاج بالحب".
قبل قصة وجيه تقول مريم "سأترك الفيلم الثاني إلى الجلسة الثانية للعلاج" في إشارة جديدة إلى ما للجلسات في بناء الرواية. وستعزز مريم ذلك في الجلسة الخامسة إذ تقول: "لا أظن أن الذاكرة أمينة، بل كثيراً ما تحوّر الأحداث وتركبها بطريقة مغايرة لما حصلت عليه في الواقع". فما قبل الجلسات وما بعدها ليسا إلا تمهيداً قصيراً ومتابعة قصيرة، وبالتالي فالذاكرة هي عتلة الرواية، كما بدا مع البخيل ومع وجيه، وكما سيبدو في الجلسة الثانية مع أحمد الذي تزوجها وأنجبت منه ابنها. لكن رضوخ الزوج لأمه المعارضة للزواج، أخذ ينخر في الحب، رغم أنه لم ينخر في علاقة الجسدين. وبعدما فرض أحمد الحجاب على مريم، تكاثرت شكوكه، فانتهيا إلى الطلاق، ومضت مريم إلى دبي هرباً من التجربة المريرة. وهنا تأتي الجلسة الثالثة التي أسلمت مريم فيها جسدها لعابرين، كما أسلمته في الجلسة الرابعة إلى رئيس جمعية (مناضلات) التي تدافع عن المرأة. غير أن هذا الرجل المأخوذ بآخر الصرعات الفكرية، سيعلم مريم كيف تغذي الذكورة السلطة (المنصب الرفيع)، وسيتكشف عن مستبد ينفي أفكار الآخرين. وعلى النقيض منه يأتي سامح في الجلسة الخامسة حاملاً الصفة النادرة في الرجال (الوداعة) كما ترى مريم. فهذا المهندس العالمي الأرمل الذي أحبته، ظل علامة الاستفهام الوحيدة في حياتها، لأن جسدها ظل يرفضه، وهي التي ترى أن "ليس مثل الجنس بقادر على تعرية حقيقة الإنسان". وعلى النقيض من سامح، يتكرر نموذج رئيس جمعية (مناضلات) في رجل الجلسة السادسة الذي عاش في ألمانيا منذ يفاعته، وكانت له زوجة ألمانية دفعها بساديته إلى الجنون. غير أن مريم نجت منه بجلدها بعد إخفاق زواجهما. ولن يكون بأفضل رجل الجلسة السابعة، ولا آخر السلسلة: ذلك الرجل الذي يعيش حياة زوجية معطوبة، لكن جبنه يدفعه عن حب مريم.
في هذه السلسلة ثمة إذاً الزواج والحب والجنس. ولئن بدا الأخير هاجساً مركزياً، فإن مريم تتساءل: "ألست ضحية التركيز الإعلامي على الجنس؟". وإذا كان العطب الجسدي أو الروحي يعنون تجارب مريم، فهو أيضاً ما يعنون من عرفت من المريضات المسنات وربات البيوت من جلسة إلى جلسة،عبر قصص خيانات أزواجهن، مما جعل مريم تفهم "أنهن يحتجن تحديداً إلى خيانات أزواجهن كي يشعرن بوفائهن البطولي". وسيبلغ ذلك ذروته بعد الشفاء، وفي قصة المريضة (آمال) التي بُتر ثدياها وتخلى عنها زوجها، فحاولت الانتحار، ومضت إليها مريم في تشكلها الجديد، تهوّن عليها استشراء المرض ومواجهة الموت وصدمة الزوج.
لقد انتهى المطاف بمريم إلى أن باتت تحسب نفسها كياناً غير مادي، والرجل لم يعد يحتل صميم حياتها. وذلك الهوى الغامض الكوني الذي بات يملؤها أكبر من هوى الرجل. وبفعل تجربة الجسد مع السرطان في ذروة تجاربه مع الحياة، تبدلت مريم أيما تبديل، فالرجل الوحيد في حياتها بات ابنها، وهمها بات فقط أن تعيش مع ذاتها بسلام، وأن تحاول علاج مثيلاتها بالحب.
إنها امرأة أخرى ـ تحد آخر من نساء ـ تحديات روايات هيفاء بيطار، تصدع الأنوثة والذكورة بأسئلة الجسد والجنس والحب والأمومة والمؤسسة. وعلى الرغم من الخيار الأخير الملتبس بالنكوص أو التصوف، فإشارة الرواية تظل أقوى إلى أفق إنساني أرحب وأزهى.
5 ـ عفاف البطانية: خارج الجسد( )
في الدفقة الروائية للأصوات النسائية العربية الجديدة منذ أكثر من عقد، وفي كثير من النقد المتعلق بتلك الدفقة، تعالى الهجس بالخصوصية في اللغة والجنوسة ومقارعة الذكر والولادة والرضاعة والأمومة وعلاقة المرأة بالمرأة... وسوى ذلك مما تعنونه البطركية (الأبوية) منذ أخذت تفشو في الدراسات النسوية. ولم يفت تلك الدفقة الروائية ونقدها ما عرفت البطركية خلال العقود الثلاثة المنصرمة من تطور، كتأثرها بالانتماء القومي بحسب دراسات ما بعد الكولونيالية، أو النظر إليها في النسيج الاجتماعي، أو في نسيج النصوص والاستراتيجيات التي تنتج الهويات والذوات النسائية...
وهاهي الدفقة الروائية العتيدة تتعزز برواية عفاف البطاينة (خارج الجسد) التي قدمت ثلاث نساء أو ثلاث حيوات في شخصيتها المحورية منى، لا تكاد واحدة تتلاشى حتى تنبعث الأخرى من رمادها. وإذا كانت هذه الرواية تنهض بفعل التذكّر، والسيرية تلوّح لها، فقد مضت باللعب إلى أفق أرحب وأعقد، اعتماداً على تناوب السرد بضميري المتكلم والغائب بين الشخصيات دون أي مانع، ودون الوقوع في التعمية أو الارتباك، وبالسلاسة التي تسم وصف المكان والجسد والحالة كما تسم الحوار، ولا سيما كلما جاء بالعامية الأردنية.
على أن الرواية ابتدأت بوجيز يحاول إيجازها، وربما كان الأَوْلى أن تُترك للقراءة مباشرة من دونه. فالرواية تبدأ عقب الوجيز بعودة منى من بريطانيا إلى قريتها لتشهد احتضار أبيها، وحيث تشرع الذاكرة بالانثيال الغفل نادراً، والمنظم غالباً. وستظل تفعل ذلك حتى تستوفي ما انقضى من حياة منى، لتوالي ما تلا موت الأب وصيرورة منى إلى مسز مكفيرسون ثم إلى سارا ألكزاندر، وعلى نحو يجعل الرواية جزأين يمكن لكل منهما أن يكون رواية: واحدة في الفضاء الأردني والأخرى في الفضاء البريطاني.
لقد كانت منى كما تروي حرةً في طفولتها التي محت الذاكرة أغلبها، حين كان الأب يعمل في الخليج. ولما تفتحت مراهقتها خسرت جسدها وإرادتها، فالأب العائد مدججاً بالمال خسر ماله وثنّى زوجته وتكاثر أبناؤه وبناته في القرية القبلية الأبوية. ومنى التي ضُبطت مع زميلها صادق، سينزل بها عقاب الأب بلا نهاية ولا رحمة، حتى تقايض السماح لها بالدراسة الجامعية بزواجها من محروس، وتشرع مقاومتها بالسفور: "تعاهدت مع نفسي ألاّ أنفذ أمراً إن لم يخدمها". وقد قدمت الرواية إزاء وحشية الأب وبذاءته، شخصية شقيقه سالم السجين السياسي السابق الذي يلجئ منى حيناً، وتغذيها مكتبته، وكذلك شخصية الطبيب الذي يحكم بعذرية منى، بينما تكمل الجدة صورة الأب، وفي الجامعة يكملها الأستاذ حسين الذي يقايض منى على النجاح بجسدها، وصنوه الأستاذ الذي يحاول الاعتداء على زميلتها إخلاص، وباقي ذكور العائلة والقرية. بل يبلغ الأمر أن تغدو الأم شبيهة بالأب. وعبر سرد هذه الذكريات تتوالى تحولات منى. فحين حكم الأب عليها بالعزل إثر (فضيحة) صادق، لجأت إلى الصلاة. وحين حُكِم عليها بالزواج من محروس، جعلته يقضي سنة في تبذير الذكورة والأنوثة حتى رضي الطلاق وخرج نصف فاقد لرجولته وكارهاً للزواج وللناس. لكن محروس سيصير صديقاً، بينما تتحدى منى ضرب أبيها، ويجعلها التحدي واللجوء ثانية إلى بيت العم سالم تكتشف أباها ـ كما يكتشفها ـ من جديد، وقد باتت تدرك أنها لا تريد أن تكون امرأة مثل الجدة أو الأم أو أي من حريم القرية، ولا ذكراً مثل أبيها أو محروس أو عامر أو أي من ذكور القرية. فما تريد منى هو أن تكون مختلفة، وأن تتعلم كيف تحول الأحلام إلى تفاصيل حياة يومية، فيما البطركية تتعقبها. فالأب يمنع شقيقتها منال من الزواج ست سنوات، كيلا يذهب راتبها إلى رجل آخر. والجميع يرون أولاد العائلة غزلاناً، بينما يرون (زقوم) بنات العائلة كزقوم البومة. وفي الجامعة تواجه منى معادلة المطلقة أمام الأستاذ المحترم حسين، وأمام العميد ورئيسي القسم اللذين ينصحان بلفلفة شكواها على الأستاذ. والخلاصة: "أنوثة يعيبها حتى صوتها مقابل ذكورة لا يعيبها الإشهار بشهواتها" أي: "صوت مهمش مقابل صوت السلطة".
بعد عشر سنوات من الغياب تعود منى وقد بلغت الثلاثين ليملأها الخوف والكره نحو أسرتها. لكنها ترى أباها في مرضه وهي تتساءل: "أي رباط كان بيننا وأنا التي اشتهيت وأد لفظ الأبوة والذكورة؟". وقد رسمت الرواية برهافة تناقضات و تحولات مشاعر منى، ولا سيما نحو الأب الذي تمنت خنقه في مراهقتها، وتجذّذ الآن عيونُ الجميع جسده. وبمثل هذه الرهافة رسمت الرواية علاقة منى بالتاجر الثري سليمان الذي ترضى به زوجاً لأنه سيمضي بها إلى لندن، وهو الذي يبلغ عمره ضعف عمرها، لكأنه أب ثانٍ كما هو الزوج الثاني الذي رفضه الأب الأول. وبالوصول إلى هذه المحطة من ذكريات منى ينتهي ما يشبه جزءاً من الرواية، ويبدأ ما يشبه رواية جديدة.

في لندن التي ترفض أن تكشف أقنعتها كي تبصرها منى، تصير هذه التي أحست أنها لا شيء وهي تخرج من بلدها كالغريبة، تصير زوجة شرقية بامتياز. لكن الوقت الذي يقضيه سليمان المتزوج من أخرى يتقلّص، والروتينية تعطب الجنس، فتلجأ منى إلى (دار الأرقم) لتتحدث مع النساء، وتتعلم قيادة السيارة، وتنفتح لها الدور العربية التي حملت معها كل شيء إلى اسكتلندة. وكل ذلك ينغّص على الزوج فيهجرها، ويجن جنونه حين تعمل في مدرسة عربية، وحين تحمل وتمتنع عن الإجهاض، فيضربها، وتشكوه للشرطة، ويصير يخدم نفسه في البيت، ويتدخل لدى المدرسة حتى تسرح من عملها.
بعد الولادة عادت منى زوجة شرقية، بينما صار سليمان واحداً من أسرتها البعيدة، والمدينة صارت امتداداً لقريتها. وعبر ذلك تألقت الخصوصية الأنثوية للرواية في تصوير تجربة الحمل والأمومة، بينما يلوب السؤال: "لماذا يكون يوم ميلاد طفلي يوم عذابي؟" وهو السؤال الذي يلوب في رواية ليلى الجهني (الفردوس اليباب ـ 1998) حين تخاطب صبا جنينها: "قل لي كيف تكون مصدر عذابي وأنت ثمرة لذتي المجنونة؟". وقد أعانت الأخصائية النفسية منى على التجربة، حين بلورت لها مشكلتها في ذاتها، لا في سليمان ولا في الطفل آدم. وهكذا تبلور لمنى الهدف: أن تكون حرة، وصاغت برنامجها: معرفة /تنفيذ/ نجاح/ استقلال/ حياة. ومن أجل ذلك تدربت في مركز التجارة المحلي في دورة لمن يفكر في مشروع خاص، وقدحت شرارة العلاقة مع المشرف الشاب الاسكتلندي ستيورت مكفيروسون الذي تابع بعد الدورة التدريبية خطوة منى الأولى: إنتاج الأطعمة الشرق أوسطية للمطاعم. ومقابل غيرة سليمان وتعويقه، دفع حب منى للمرأة التي صارتها، ورعاية مكفيرسون، إلى خطوة أكبر من النجاح، حتى استقلت بالسكنى بعد أربع سنوات، بينما صديقتها أم منار الفلسطينية تحضّها كصديقتها الإنكليزية إيلين على الصبر على سليمان والتمسك ببيت الزوجية. وإذا كانت غطرسة سليمان قد تفككت أمام القانون، فالنساء العربيات لا ينين يحذرن منى من عدم الاعتماد على الرجل، كما كانت أمها وشقيقتها تحدران. وبالمقابل كانت جارتها كارول تحرضها على العلاقة مع ستيوارت. وقد انتهى كل ذلك إلى الطلاق وكره آدم لأبيه. وإذا كان سليمان قد عاد ليدخل حياة ابنه بصورة طبيعية، فستيوارت سيتجنبها حيناً تحت وطأة قتل شاب باكستاني مسلم لأخته التي تزوجت من إنكليزي مسيحي. وستلي ذلك مجزرة مدرسة آدم على يد مدمن، والتي يقتل فيها ابن كارول. وبينما تدوّي أنباء الجرائم ضد الأنوثة في تركيا، يتساءل ستيوارت عما تفعله النساء العربيات والمسلمات ضد تلك الجرائم، ويصدع منى: "أنت تشاركين بصمتك في الجريمة، بينما تحمله هي أيضاً شطراً من المسؤولية. وهنا تنوء الرواية بما حشد الانترنيت فيها من تاريخ الجريمة في العالم كله، كما ناءت من قبل بما حشد ستيوارت من تاريخ اسكتلندة. ويبلغ ذلك بمنى أن تجد نفسها "بين تأويلات شرقية وأخرى غربية، تأويلات دينية وأخرى عقلانية، تأويلات سماوية وأخرى إنسانية. أضيع بين التأويلات. أضيع بين حقب التاريخ، أضيع وأصبح أكثر تشتتاً وحيرة. يسكنني فراغ. إيماني الذي عصفت به زلازل الممارسات البشرية يتركني مفرغة من الأمل".
ينقطع سرد هذا الشطر من حياة منى بالالتفات إلى بداية الرواية، والعودة إلى الوطن، حيث الحرمان من حقوق الإنسان والحرية والطفولة، وحيث الجفاف مقابل الخضرة في بريطانيا. وتحاول منى التأقلم، وتصلح بيت العائلة الخرب باحثةً عن الأمل، لكنها كلما احتكت بالناس ازداد الأمل استحالة. وبمتابعة الرواية للشطر السابق من حياة منى، تصير مسز مكفيرسون، ويلحق بها العم سالم بحثاً عن عمل، ويقرعها على زواجها ونسيانها أنها غربية ومسلمة: "ماشية على حلّ شعرك" و"أنت مش حرة". وسيأتي خبر زواجها بعامر ليتعقبها وهي تلوب: "لو كنت ذكراً لما تبعني العفن، ولما وقف بيني وبين شرفات المستقبل. حتى جنسي الذي لم أختره، أكره ما يلقيه عليّ من قيود". وهكذا تترك ابنها عند سليمان، وتبيع البيت ومشروعها التجاري، وتتخفّى هرباً من عامر والقتل. وحين تظهر تكون قد ولدت ابنتها من ستيوارت، وأنجزت تبديل اسمها وهيئتها، فصارت كما اختارت امرأة ثالثة هي سارا ألكزاندر، تتابع دراستها، وتعود إلى الوطن للمشاركة في مؤتمر حول حقوق الإنسان، وتتحدث عن الجرائم ضد الأنوثة، وتلتقي عمها سالم وشقيقتها سناء اللذين ينشطان للدفاع عن حقوق الإنسان، ولكن دون أن يعرفها أحد، فبعضهم يقول إن أصلها عربي، وبعضهم يقول إن أصلها يهودي، وهي التي لم تعد "ابنة الصدفة والقدر" بقي لها مما كانت في لبوس منى وفي لبوس مسز مكفيرسون، صوتها القديم مدافعاً عن حقها في الحياة.
بذا أنجزت رواية (خارج الجسد) حفرها في البطركية، كما كانت لها إضافتها المتميزة إلى ما أدعوه بوعي الذات والعالم في الرواية العربية. وبذا حُقَّ لعفاف البطاينة أن تباهي بما قدمت من الشخصيات الأنثوية والذكورية، فضلاً عما ذكرت من السلاسة والرفاهة وملاعبة الضمائر. أما الدفقة الروائية للأصوات النسائية الجديدة، والتي تتعزز برواية (خارج الجسد) فلها كما لم يكتب الذكر من الرواية قول رورتي بصدد وحش الذكورة: "إن ذلك الوحش متمرس جداً على التكيف، وأعتقد أنه سيبقى على وضعه في بيئة فلسفية ذات تمركز منطقي، مثلما يبقى في بيئة فلسفية تناهض التمركز المنطقي".

dabe3
05-18-2010, 02:08 PM
6 ـ ليلى الجهني: الفردوس اليباب( )
في الدورة الأولى (1997) لجائزة الإصدار الأول التي تنظمها الدائرة الثقافية في الشارقة، أنيط بي التحكيم في حقل الرواية، ولست أدري حتى اليوم إن كان معي شريك في التحكيم أم لا. وقد منحت رواية (الفردوس اليباب) العلامة الأولى، وكان أن فازت هذه الرواية بالجائزة الأولى.
بالإعلان عن أسماء الفائزين علمت أن صاحبة (الفردوس اليباب) هي الكاتبة السعودية ليلى الجهني. وبعد ست سنوات قرأت للناقد السوري عزت عمر، الصديق المقيم في الشارقة، مراجعة لرواية ليلى الجهني قال فيها إنه يعتقد أن لجنة التحكيم لم تنتبه إلى خلل فني واضح في تلك الرواية، أو أنها جاملتها لأسباب عديدة لا يهمه ذكرها، إلا أن ذلك لم يمنعه من القول: "إن غبناً كبيراً طال الروايتين اللتين احتلتا المركزين الثاني والثالث".
للأسف لم أعد أذكر هاتين الروايتين. ومن المعلوم أن منظمي الجائزة يحذفون أسماء كتاب وكاتبات المخطوطات المتسابقة، ويعطونها أرقاماً. وبالتالي، لا مكان للمجاملة لأي سبب كما ذهبت غمزة الناقد. غير أن الأهم هو ذلك الخلل الفني الواضح في الرواية، الذي حدده الناقد في أن حضور الراوية الأولى (صبا) على صعيد اللغة والتفكير قد ظل مستمراً فيما روت الراوية الثانية خالدة من الرواية "ولم تتغير الخصائص الأسلوبية لفعل السرد، فكان ذلك مطباً فنياً أوقعت الكاتبة فيه نفسها".
قبل ذلك كان الناقد قد اعتبر الرواية أقرب إلى القصة القصيرة، وقال: "ولا أعتقد أن إضافة قسم ثانٍ لراوٍ جديد بهدف تطويل الحدث ومطّه كان ذا فائدة. حيث أنه انتهى مع انتهاء دور البطلة بخروجها عن الحياة. ومجموع الترقيشات المضافة على لسان الراوية الجديدة، إنما كان غايته الرئيسة
هو إيصال خبر انتحار البطلة، وكان من الممكن اجتراح وسيلة أخرى غير الراوية الجديدة".
لست أدري كيف يستقيم ذلك مع ما سبقه من امتداح الناقد لـ "قدرة الكاتبة على السيطرة على الحدث وتفعيله بما أمكنها من أساليب القص المبتكرة والتي تراوحت بين السرد الشاعري المعتمد على رمزية شفافة (...) أو المنولوج الإنساني العذب المتداخل مع سائر تفاصيل الحدث، الذي بدأ صاعقاً ومثيراً، ثم مال إلى تراجيديا قاسية". وفي موقع آخر عبّر الناقد عن اعتقاده بأن "الوعي بأهمية المكان من قبل الروائية، منح روايتها بعداً إنسانياً كبيراً، وذلك من خلال إسقاط الحالة الفكرية والنفسية للبطلة على فضاء المدينة، الأمر الذي جعل مدينة جدة تنتقل من حيزها الواقعي إلى حيز دلالي يتكيف مع عالم السرد متحرراً في الوقت نفسه من النزوع الديكوري، إن صح التعبير".
ألا يكفي الرواية أن تكون قد أنجزت هذا الإنجاز، حتى لو صحّ ما ذهب إليه الناقد فيما روته الراوية الثانية خالدة؟
من الحق أن ميزة الروائية ـ وكما عبّر عزت عمر نفسه ـ كانت في إدراكها لالتباس لحظة الانتقال الدرامية ـ بين الحياة والموت ـ بحبكة فيلم هندي يستدر الشفقة والدموع، لولا أن الكاتبة فضّت الالتباس بما وفّرت من أساليب السرد المختلفة. فالحب الرومانسي والغدر والانتحار علامات شائعة في الفيلم الهندي كما في أفلام الميلودراما العربية وسواها. غير أن الفيصل هو في التجسيد الروائي لذلك، وهو الفيصل الذي تحقق في (الفردوس اليباب) على نحوٍ يؤهلها إلى الإعلان عن كاتبة متميزة وواعدة كروايتها الأولى، وهو ما أكدته ليلى الجهني من بعد.
ففي اللحظة السردية الأولى التي تولّتها صبا، تروي مغامرتها مع الشاب عمر، وصولاً إلى حملها منه وميله عنها إلى صديقتها خالدة، وهو ما شبحها بين التخلص من الجنين وبين الفضيحة التي يترصدها المجتمع الذكوري بالموت، وبين الانتحار، فاختارت الأخير. وصبا فتاة مثقفة مترفة وكاتبة، تنوء تحت وطأة المجتمع الذكوري وهي تستعيد الخطيئة الأولى في حياتها وموتها، وتلوب بالسؤال:
"خالدة: أليس عذاباً أن تكوني امرأة؟ أحياناً يداهمني هذا الشعور عندما أحرم من أشياء تافهة فقط لأني امرأة.
ـ مثل ماذا؟
ـ مثل أن أعلق صورة لصلاح السعدني على جدار غرفتي.. حين علقت صورته أتدرين ماذا فعل أبي؟ أنزلها ومزقها أمام عينيّ، ثم خرج دون أن ينبس كلمة..".

إزاء غدر عامر صبت صبا نقمتها على كتبها (ثقافتها) التي لوحت لها بالحرية، فكان ما كان: "كنت أرميها كتاباً كتاباً ورائحة الورق المحروق تملأ رئتي. والأسماء والأمكنة والسطور كلها تتلظى في الجحيم، وربما كانت تلعنني، أجل، مثلما سيلعنني الناس، غدا ًعندما أراهم يتهامسون..". وسوف تتألق الرواية وهي تصور مكابدة صبا للحمل والأمومة التي ستسفحها، فيلوب السؤال أيضاً مخاطباً الجنين: "قل لي: كيف تكون مصدر عذابي وأنت ثمرة لذتي المجنونة؟ وكيف أكون سبب موتك وحبل الحياة يمتد مني إليك؟".
هنا تأتي اللحظة السردية الثانية التي تولّتها خالدة، فتضيء لحظة صبا ولحظتها هي وقد صعقها غدر عامر بها وبصبا كما صعقها انتحار صديقتها. وعبر اللحظتين يأتي فضاء المدينة (جدة) كشخصية محورية ثالثة في الرواية، بدّل فيها انعطاف الزمن النفطي/ الحداثي ما بدّل، لكنها ظلت راسخة: "في كل مرة كانت تزيح طرفاً من قميصها ـ البحر ـ ويتبدى جسدها الطري المالح المخبوء تحت البحر مثل حورية، فقط كي تبقى، يهمها جداً أن تبقى حتى لو نبذت قميصها بعيداً واستلقت عارية أمام بصر الكون وسمعه". وكما شكّل فصل (تفاصيل اللوعة) وفصل (سقوط الوردة) ذروتين في الرواية وهما يرسمان مكابدة صبا للحمل والأمومة المسفوحة، يشكّل تبدل جدة أيضاً ذروة ثالثة: "جدّة الآن ليست أكثر من قبر رحيب ومع ذلك يكاد ينطبق على ضلوعي. جدّة قارة ثامنة تغور في ملح الدمع قليلاً قليلاً (...) أغور معها، قارة أخرى مجهولة لم يكتشفها غير ديك نقر قلبها فتسرّب الماء، وغارت الرمال وأشجار الجوز وتكعيبات اللبلاب المخضرة أبداً، والنوارس والكتب والأوراق والناس الذين بنوا بيوتهم على تخومها وغنوا كما يغني البحارة والصيادون على أنغام السمسمية".
لقد كانت (الفردوس اليباب) فاتحة الإضافة الروائية التي تتواتر سنة بعد سنة في مسابقة الإصدار الأول التي اختطتها الدائرة الثقافية في الشارقة، وتبعتها فيها جهات عامة وخاصة شتّى في بلدان عربية عديدة، وهذا هو الأهم: أن يُتاح للأصوات الجديدة المتميزة أن تظهر، سواء اختلف الحكام والنقاد أم اتفقوا، بل سواء أخطؤوا أم أصابوا.
7 ـ رجاء عالم: موقد الطير( )
هذا حصن في أعلى الجبل لم يبلغه بشر من قبل. لكن الرخمة سكنته منذ كانت المدينة، فكان جبل الرخمة: كان البيت الحجري مثل رخٍ رابضٍ على كتف الجرف، كانت المغارة التي جَسَدُها ثلجة بيضاء، كان مرو الصخر وكانت الخيمة... وكان يا ما كان.
كانت الحكاية وكانت حورية وتوأمها عائشة. كان آدم أباً وكان سهل ابناً وكان شراحيل الذي يقود التوأمين منذ البداية إلى موقد الطير. كانت عطرة الحبشية وابنها مسعود وكان الحاج جبريل الحبشي وكانت المربية أم شيخة: أولاء هم بشر رواية (موقد الطير) للكاتبة السعودية رجاء عالم.
وكما كتبت الكاتبة قبل هذه الرواية وبعدها، ترمح المخيلة على هواها، فإذا بنا في (موقد الطير) مع حورية التي تُحتضر طوال الرواية، ولنا أن نصدّق أو نكذّب أنها جواد وأنها سقطت عن الجواد، وأن ذبذبات أحلامهما تتحد، وأن الموت والزمن والرائحة والحلم والخيال والعين والبومة: شخصيات روائية. وكل ذلك ينكتب بالثراء اللغوي المعهود في روايات رجاء عالم، سوى أن الهنات تتوافر هذه المرة، من تشكيل الكلمات إلى مثل هذه المفردة (سراً  سرى) ومثل هذه الجملة (ظلت عيناها معلقتان  معلقتين).
لكن المغامرة المشبوبة طوال الرواية تُنسي القراءة هذه الهنات، وتتطوح بها فيما يوحّد ويمايز التوأمين حورية وعائشة أو الأب والابن ـ آدم وسهل ـ أو الجسد والروح أو الفناء والخلود.. فإذا الرواية سردية صوفية بامتياز، تعزز الفعل الصوفي في الرواية العربية، مما تقوم عليه تجربة جمال الغيطاني وإدوار الخراط وسواهما، مع التوكيد على ما تنفرد به رجاء عالم من تأنيث التجربة الإبداعية، سواء في رواية (موقد الطير) أم في رواية (حبّى)، وبدرجة أدنى في سواهما.
فلندع ذلك الآن ولنمض مع معجزة البويضة/ الدم الذي يجري بعفوية في حياتنا اليومية، ولا يستوقفنا إعجازها، كما نقرأ في (موقد الطير). ولنمض إلى بوابة أيوب التي تفتح في الرواية على مملكة أربعاء الرماد ـ الأربعاء الأخير من صفر ـ لنلاقي مثل أيوب سؤال حورية له: "أيمكن أن يكون خيالي نبيّ  نبياً؟" بينما يخاطبها الخيال: "لا تستسلمي لكلمات فتصيغ فتصوغ لك ما لا يصاغ بكلام، هناك مقام للمسكوت عنه لا تدنسيه بالتجاوز بالتفاسير".
لنمض إلى زواج عائشة من آدم وإنجابها لمن تسميه (سهل) بعين لا ترى إلا الأم: هي مشكاة وهو طالع منها، هي تكشف له الظاهر وهو يكشف لها الباطن، والأمومة تشق عائشة إلى قلبين، وتصلهما لجسدين، بينما الأب يتوق ـ لفرط عشقه عائشة وغيرته من ابنه ـ إلى أن يحشر جسده بين الوجه والوجه متسائلاً: "ما هذا الذي وُلِدَ مني لينفيني؟".
في غمرة ذلك يبدو الجسد سؤال الرواية الأكبر. فالتخصيب ـ الإنجاب مثلاً ليس فعل لذة بقدر ما هو استنساخ روح من روحك ليكون (آخر)، وبقدر ما هو استنبات لجسد من جسدك، أي بتر لجزء منك. وجسد حورية التي يداويها الحاج جبريل الحبشي ـ وهو الداء ـ يخاطبها: "أنا محاولة للتعبير
أو لكشف الحجب علن اللامرئي، تلك القوى التي لا يمكن فهمها والتي تسعى للفت انتباهكم والتواصل معكم بطريقتها الغامضة لتقول لكم مفهوم الخلود، ذلك الزمن اللانهائي". وإذا كانت حورية بالمقابل لا تؤمن بجسدها الذي يموت، ولا تُعرَف إلا به، فجسدها نفسه يؤكد على أن تدرك أنّ مهمة الخيالات غير المرئية التي تتوالد من الجسد البشري، ليست فقط أن ترسم حاضره من ماضيه، بل أن تفتح له أزمنة جديدة لا نهائية للوجود. وحين تنجز عائشة لوحتها فتفتح بالرسم سبلاً جديدة للعشق، يتحد جسدها وجسد توأمها حورية وجسد اللوحة في إحرام المطر، فكل الأجساد تذوب في ماء واحد.
إنه الجسد الصوفي إذاً، ولذلك يصير للدمية قلب، ويصير للوحة قلب وعين، ويتجسد حرف الألف في اللوحة. وبهذا الجسد تتحد الذكورة والأنوثة كما تقرأ عائشة حالة ابنها وعينه "أستطيع أن أقول إنه يرجعنا لما قبل الانشطار الأول بتمام تذكيره وتأنيثه". وبهذا الجسد تتحد عناصر الكون، فينخطف الحجر في الحجر والشجرة في الشجرة والوالد في الولد. وإزاء هذا الجسد، كما هو الأمر إزاء جسد الرواية، تتعدد القراءات والدلالات، وهو ما تراه الكاتبة نفسها في الرواية نفسها نوعاً من القرصنة، يضفي حيوية لا تُضاهى على الحبكة، حيث تبتكر فئة من القراء حبكات فوق حبكات المؤلف المطلق، فَتُضفي على المقروئين وجوهاً لا تُصدق لفرط غرائبيتها. وسيلي في الرواية أن قلةً من الرواة تعرف كل شيء عما تروي. لكن عائشة التي يصوغ الصراع على الحبكة علاقتها بتوأمها حورية، ليست من هذه القلة، بل هي ـ أم رجاء عالم؟ ـ تظل على مبعدة من الشخصيات الروائية، كي تشطح القراءة (القرصنة) الجسورة، فتجعل الشخصيات تباغت مؤلفها، وتتأكد مصداقية حبكة (موقد الطير) في تكوير الأرض وهبوط حواء بآدم والجنة والنار والولادة والموت: "كل ذلك لا يكتسب معنى إلا بانسياقنا في لعبة التعدد". ورواية (موقد الطير)
إذاً لعبة، أي حكاية، أي مخيلة رامحة ومغامرة مشبوبة، فحذار من الاغترار بها ومن أشراكها.
8 ـ أمنيات سالم: حلم كزرقة البحر( )
"ما الذي يتبقى حين تنأى الذكريات وتصير حلماً؟".
بالسؤال تبدأ الكاتبة الإماراتية أمنيات سالم روايتها (حلم كزرقة البحر). وسرعان ما تندفق الذكريات لتتماهى الرواية بالسيرة، والرواية تصوغ نخلة من روحها قائلة: "وكأنني ألد نفسي".
إلى الجزيرة الحمراء تفرّ الراوية من المدينة الحديثة. والجزيرة الحمراء بقعة من إمارة رأس الخيمة، حيث نشأت الراوية قبالة البحر الذي لم يجد غير رأسها بقعة يستوطنها: "ربما لهذا السبب لا أرى بوضوح داخل رأسي غير زبد وموج عات وممرات عميقة مليئة بالمرجان ولؤلؤ منثور بلا صياد ماهر".
وهذه المسكونة بالبحر تعصف بها النوستالجيا إلى الطفولة والأسرة والمدرسة وذلك العالم الذي تقوّض منذ هلّ الزمن النفطي بالحداثة وما بعدها، في الطبيعة والمجتمع، في الجسد والروح. ولعل ذلك ما جعل نصيب التداعي في البناء الروائي راجحاً. بيد أن الكاتبة أسلمت السرد أيضاً لغير الراوية، فتعددت زوايا النظر، واختلف القول، وتداخل الزمن النفطي الحداثي بما قبله. وعبر ذلك سمقت شخصيات الأب والجدة والخال، سواء بعلاقتها بالراوية أو بما يندفق من ذكريات كل منها، لتعيد تشكيل الجزيرة الحمراء التي باتت قفراً منفراً، وقد كانت "بيوتها صغيرة ومتراصة ومتآلفة، جزيرة ساحرة لا أعرف لِمَ سموها الحمراء... ربما لأن ترابها كان أحمر بشكل مدهش... كنت أرى النوارس على شاطئها كأنها قطع غمام عذبة متناثرة على سطح أزرق لامع كالساتان".
لقد كان البحر حليباً ـ عنوان الفصل الأول: "البحر حليب وأنا البسكوت" ـ لكنه كان أيضاً الأب الذي يعمّد طفلته بالسباحة في هذا المجهول الساحر وقد جاء بالقراصنة كما جاء باللؤلؤ. وقد تولّى الأب ـ كما تولت الجدة ـ في الرواية رسم ذلك الشطر من الزمن قبل النفطي الحداثي، قبل ولادة الرواية، حين كان كل شيء شاقاً، وكان الأب فتى و"كان العيب أن يفتتح عربي دكان تجارة بيع وشراء. كانوا يحسبونه مقتصراً على القراشية رغم أن والدي كان تاجر لؤلؤ، يعرف كيف يحترم ماله ولا يبذّر... ترك لي حرية التجارة". ولما ابتدأ النفط يخلخل ذلك الماضي (خمسينيات القرن العشرين) سافر الأب إلى الكويت يدرس ويعمل، ثم عاد عاملاً لدى تجار دبي، فأبو ظبي، حيث باتت للراوية ذاكرتها وذكرياتها، لذلك تستعيد السرد. واللعبة عينها تتثنّى من الجدة، سواء قبل أن تكون للراوية ذاكراتها وذكرياتها أم من بعد. فتلك هي الحفيدة تشارك جدتها طحن الكحل وتعبئته في زجاجات، وبيعه في أنحاء الفريج. وتلك هي البراقع التي كانت الجدة تخيطها، العلبة السحرية لعدة الخياطة، العلكة ذات الورق الأصفر كأنها عسل مصفى.. فبمثل ذلك تؤثث الرواية الماضي، بينما الجدة تنعطف حين تسرد ذكرياتها من ضمير المتكلم إلى ضمير الغائب، وتقوم مقام الأب في غيابه، مثلما يقوم مقامه الخال الذي يصطحب الراوية إلى الهند.
إزاء الحضور الدافئ الغامر لذلك الثلاثي (الأب ـ الجدة ـ الخال) ينتأ غياب الأم إلا أن تقرّع وتخيف الطفلة بكلب القيلولة الأسود الذي يلتهم الصغار إن خرجوا من بيوتهم. لكن الراوية ستخرج. ومن الفريج إلى المدرسة سيكون لها الفضاء الموّار بالصديقات والمدرسات والجيران، وإذا بالحياة "فستان فضفاض، ملون ومزخرف بالعجائب"، وإذا بعبد الحليم حافظ وإحسان عبد القدوس وغادة السمان يملؤون المراهقة بقصص وأغنيات الحب حتَّى... حتَّى تموت الجدة، فيتزعزع كيان الراوية. بل حتَّى يموت الأب، بل حتَّى يحل النفط وتتبدد حكايا الجن وكلب القيلولة وترين الكآبة وتنشب المدينة الغارقة بالزحام والأنفاس والألوان.
إنها "منافي الغربة" كما هو عنوان واحد من فصول الرواية. إنها "خطوط الجنون" كما هو عنوان فصل آخر. ومن حال إلى حال، ومن زمن إلى زمن، هي ذي الذكورة تسوط الأنوثة: "ذات ظهيرة والرمال الناعمة تتشرب من الجو سخونته، أخرج لزيارة الصديقات المجتمعات الآن عند آمنة... يناديني هندي: تعالي. أجري خائفة.. يلحق بي.. يضع يده على عنقي باحثاً عن سلسلة ذهب.. لا يجد شيئاً.. يضربني وأفلت من يده مسرعة نحوهن. أبكي وأنا أجري أسابق الريح الساكنة ذاك الوقت... أصل لأخبرهنّ بما حدث.. تذهب إحداهن لتخبر الأولاد المجتمعين عند أول الطريق... نركض جميعاً بحثاً عن ذاك الرجل المجهول... كل السكك خالية... اختفى.. ننتظر عند دكان البقالة نتربص به.. أعود للبيت مرتعشة وخوفٌ ما شلّ قدرتي عن إخبار أمي التي ستمنعني من الخروج بعد أن علمت بالأمر".
ليس الأقربون إذاً أرحم من الأبعدين، فالأم كالهندي، والأسرة كالعمالة الوافدة في قهر الراوية التي تتساءل عمَّا إن كانت المراهقة شعراً طويلاً مسترسلاً، يخشى شقيقها ـ إن تركته للريح ـ أن يلحق بها صغار الحيّ. أم إن المراهقة كما يمضي السؤال، "خيط الدم كلّما لاح صارت فضيحة الأنثى مروعة، وعليها الاحتشام لأنَّ المحيطين بها وحوش آدمية؟".
بالمقابل هي ذي شقيقة الراوية "ابنة التكنولوجيا واللغات الأجنبية والنظافة الزائدة كأنها مغسولة على الدوام". ولأن الراوية مسكونة بالنوستالجيا، تحكم بخسران شقيقتها عبق الماضي وسحره وذكرياته، على الرغم من أن حظها قد يكون طيباً لأنها جاءت في الزمن الجديد. أمَّا الراوية، فهذا الزمن يملؤها بالخوف:
"الخوف من كلام الناس
الخوف من المرض
الخوف من الظلام
الخوف من كل شيء، أي شيء، بإمكانه أن يسجن حريتنا وأنفاسنا الطليقة".
تلك هي الرواية الأولى لأمنيات سالم التي سبق أن كتبت القصة والشعر. وهذه الرواية التي جاءت في نهاية القرن العشرين، هي الأولى لكاتبة في الإمارات العربية المتحدة. وقد ترجحت في الرهان على السيرية وعلى اللغة الشاعرية، وكبر الرهان في بناء شخصيتي الأب والجدة كما في شخصية الراوية. غير أن فخ الذاكرة قد أوقع بالرواية غير مرة، فَحُقًَّ لناقد مثل عزت عمر أن يصفها بالمحاولة الخجولة التي تختلط فيها السيرة الذاتية بحياة أبطالها، كالعهد بكتّاب الرواية الأولى.
9 ـ جوخة الحارثي: منامات( )
الرواية هي (منامات) والكاتبة هي جوخة الحارثي، فمن تكون إذاً صاحبة المنامات التي ترى نفسها بعد سلسلة طويلة من الانكسارات والتعذيب المستمر، تخلع قميصاً بيتياً وتقدمه إلى خطيبة معشوقها، معتذرة من الخطيبة عن طول استعارتها القميص، ثمَّ تروي: وانخلعت عن جحيمي بمعجزة، تعلقت بأستار الكعبة أدعو بالخلاص، كتبت عشرات السطور من قاع روحي السقيم، مزقتني المنامات الطويلة المتكررة....؟
ربَّما تلّخص هذه السطور رواية (منامات)، أي تلخص حياة العاشقة المفجوعة بأبيها وبمن عشقت، فكتبت مناماتها، أي: كتبت الرواية. لكن التلخيص يقتل أي رواية. وحسبنا إذاً في تلك السطور التي تأتي في مطالع رواية (منامات) أنها تبلور المحاور، وتقترح على القراءة تكثيفاً قد يكون عوناً على استيعاب المقروء. وعلى أية حال، فرواية (منامات) ستكرر مثل هذا التكثيف أو تلك البلورة، فإذا بالساردة تروي: "امتدت هذه الأصابع الآثمة إلى القلم، وكتبت عن سجن القلب في زنازين لا فناء لها".
كما تروي الساردة أن (الحكاية وما فيها) هي: "التقينا وتعذبنا بإتقان، ثمَّ افترقنا، هذا كل شيء". وكأنما تستبق الساردة القراءة النقدية وغير النقدية، فتخاطب نفسها: فلأسردْ هذه الأحداث المجنونة سرداً منطقياً. لكنها بكتابة (حكايتها) تكتشف أن لا أحداث تسردها، وإنما هي مشاعر تختزل الحياة كلها. والآن، إذ تسرد الساردة ذلك، تختنق "كأيّ حمقاء بالدخان الذي نسميه ببساطة، بمحاولة إقصاء، بتواطؤ غبي: الماضي".
إنه الماضي إذاً، والروية شظايا الذاكرة. والساردة تعلن غايتها من مواصلة الاحتراق بالذكريات: "أريد نظاماً وسط هذه الفوضى، أريد مشجباً لتعليق الذكرى".
ولعله يمكن القول إذاً إن رواية (منامات) مشجب لتعليق الذكرى. وما المنامات التي عَنْوَنَتْ الرواية وتناثرت فيها إلا واحدة من وسائل (النظام) الذي تبتغيه، أي (النظام) الذي به تقوم الرواية كفن. أمَّا الوسائل الأخرى فمنها ما تناثر في الرواية، وبغزارة، كالمتناصات الصوفية والشعرية، ومنها أيضاً الجري على نهج إدوار الخراط في لعبة (هزج) أصوات الحروف، حيث تندفق في الكثير من رواياته جمل وفقرات تنوّع على حرف بعينه أو أكثر، لعل السيالة اللغوية تعبر عن السيالة الشعورية.
وهكذا تفعل الساردة في رواية جوخة الحارثي مراراً. فحين يخاطب العاشق المعشوق في زمن العشق الدائل تلك العاشقة، بعدما رأى الخريطة التي أنجزت، أنه فخور بها، يندفق القول: كان لفخ الفاء في فخره صدأ أراني تآكل سجف الغد، ولخور الخاء خوار يكشف خشية التقدم، وفي وحل الواو غار وجيبي، وعلى حد الراء المرائية الجهرية تكشف سري". ومثل ذلك يتكرر دون أن يضيف شيئاً، كمنامات الساردة التي تدرك أنها منامات متكررة لا تقول مزيداً كل مرة، بل هي تمزقها بإتقان وحسب بعد خراب العلاقة.

بتجريد الرواية من التكرار، ومما يبهظها من مضارعة لغة إدوار الخراط، ومن مضارعة الشعر، ومن المتناصات الصوفية، تصبح (الحكاية وما فيها) أن فتاة تعيش مع شقيقتها (مي) في كنف زوج أمها (شمسة)، وللفتاة صلة وثيقة بعمتها المتصوفة المولعة بالجنيد وبالفضيل بن عياض. وهذه الفتاة التي تعلّم أمها الكتابة، ستعشق زميلها الذي كان يحول الصور الجوية إلى خرائط دقيقة مستخدماً حاسوباً ضخماً ومعقداً. والزميل يبادل العشق زمناً، ثمَّ ينأى مؤثراً خطيبته التي خُطبت له منذ المهد، ومخلفاً العاشقة في خراب الروح زمناً.
ليس مهماً من بعد أن يلتقي العاشقان كغريبين. وبدرجة أدنى من الأهمية تبدو (مي) وهي تتفوق في الجامعة، وتمضي في طريق السياسة والمظاهرات. وبدرجة أدنى أو أعلى من الأهمية تبدو علاقة الساردة بأمها، فالأهم هو ما لاتني الساردة تبدي فيه وتعيد من علاقتها بالأب الذي كان يخاطب ابنته: أنت نبتة خضراء، ولا تغادرها صورته قبل مرضه وبعده. لقد مات الأب بلا شيخوخة، أمَّا حبها فقد شاخ وتهرّأ وملأته الدمامل والبثور، لكنه لم يمت. وفي سعيها للخلاص من الماضي ـ العشق والفجيعة ـ تمضي الساردة إلى الكعبة "ولم تطفئ دموعي ناري، واستعذت، وكنتَ شيطاناً مارداً لا أقوى عليه، فسلّمت".
على نحو ما، غامض، ترى العاشقة المفجوعة أن حبها لحبيبها كان خيانة لأبيها. كما ترى أن الحبيب ربَّما لم يخنها إلا كما خانت أباها. وبعد سنوات الفجيعة هي ذي تحاذر من الانزلاق في (هوة التفكير) بأبيها، لكنها تسقط وتخون من جديد، إذ لا تخبر أباها بما فعلت هي وبما فعلت أمها التي تزوجت من غيره. والأمر في ذلك كله يبدو حالة أنموذجية للتحليل النفسي كما بدت في رواية نورا أمين (الوفاة الثانية لرجل الساعات) وفي غيرها. وما يعزز أنموذجية الحالة (المرضية) في رواية جوخة الحارثي (منامات) أن النرجسية قد بلغت من الساردة مبلغ المرض أيضاً، وهو ما وسم لغة الرواية، وفوّت النماء على الشخصيات الأخرى، وبلبل لعبة المنامات، أي بلبل بناء الرواية، فما عاد للالتماعات التي انطوت عليها الرواية شأن يذكر، وما بقي للقراءة إلا الحسرة.

dabe3
05-18-2010, 02:09 PM
الفصل السادس


التاريخ روائياً


الفصل السادس

التاريخ روائياً

1 ـ خيري الذهبي: فخ الأسماء( ):
في تجربته الروائية المميزة، يقوم الرهان الأول لخيري الذهبي على الحفر في التاريخ، منذ روايته الأولى (ملكوت البسطاء ـ 1976)، ولاسيما في ثلاثيته (التحولات). ويقوم الرهان الثاني للكاتب على الحفر في التراث السردي. أمَّا رهانه الثالث فيقوم على ما دعوته منذ عام 1982 بـ (تقليدية الرواية الحديثة)، ولعله لم يزل صحيحاً، على ضوء ما وسم روايات الذهبي من المواءمة بين التقليدي والحداثي.
وهاهي الرهانات الثلاثة تبلغ أقصاها في رواية الذهبي (فخ الأسماء). فليس من العسير على المرء أن يكشف عن الأس التاريخي للرواية. ولاسيما لمن قرأ بعض المقالات التي ضمّها كتاب الكاتب (التدريب على الرعب( )) .
فالسلطان العجوز هو برقوق، والجغتائي هو تيمور كما تجلو مقالة (التدريب على الصمود)، وفيها لاسيما تلك الشخصية الروائية التي سنرى: ابن عرب شاه، أي ابن ملك العرب، صاحب كتاب (عجائب المقدور في أخبار تيمور). وفي مقالة (القط في القفص) يمتح الكاتب من كتاب (الحيوان) للجاحظ الشخصية الروائية (نوري) وخبرته بتربية الحمام، وما جاء أيضاً عن تربية القطط. أمَّا مقالة (الكذب الأجمل من الصدق) عن لوقا السميساطي السوري (لوقيانوس الإغريقي)، فتجلو ما رشح إلى رواية الذهبي ممَّا كتب لوقا في (قصة بسيطة) عن رحلته البحرية، ومصادفته الجنية ـ الحورية التي تمسخ العشاق..


لكن لعبة التناص في رواية الذهبي، وبالتفاعل مع اللعب السردي التراثي، يخرجان بالقراءة من عنق مثل هذه المطابقة إلى الأفق الروائي الزاخر والساحر، وحيث يشتبك سحر الحكاية ببلاغة التاريخ. ففي ذلك الزمن المملوكي وفي الشام (دمشق) والصحراء والشرق الذي جاء منه الجغتائي ـ تيمور لنك ـ تطوحنا الرواية في فخاخ الأسماء بين الماضي والحاضر والمستقبل، كأنما هي ليالٍ جديدة من (ألف ليلة وليلة) ـ وللكاتب روايته (ليال عربية ـ 1980) ـ ستنهض روايةً بالبناء الحكائي، حيث تتوالى ثلاث حكايا كبرى، وفي كل منها حكايا أصغر فأصغر، وكل حكاية قد تبدأ الرواية بطرف منها، لتقطعه حكاية أخرى أو طرف منها، ثمَّ تكون عودة إلى طرف جديد أو إلى التتمة، كما قد تأتي الحكاية كلها دفعة واحدة. ولا يخفي تقليدية السرد في ذلك أن يتناوب عليه السارد بضمير الغائب مع الشخصية الروائية بضمير المتكلم، أو أن تنفرد الشخصية الروائية بالسرد، كما هو أغلب حصة الحكاية الثانية الكبرى من الرواية. لكن الأهم يبقى أنه ـ عبر ذلك ـ ينعجن التخيلي بالتاريخي، فتصير الحكاية بسحر الفن تاريخاً، ويصير التاريخ حكاية.
حكاية الرؤوس ـ الثمار:
بكيس الثمار ـ الرؤوس التي يحملها رسل الجغتائي للسلطان الشامي، تبدأ الحكاية الكبرى الأولى للرواية، مع (نوري) الذي يحكي حكايته مع الحمام،
أي حكاية جنونه الإبداعي الخاص الذي تسبب بهجران امرأته له. فلقد قضى نوري عشر سنوات يرعى زواج الذكر الهندي بالأنثى المروحية، جيلاً فجيلاً، إلى أن كان له (الزوج المعجزة) والحمامة الكاملة، وتلك هي خديعته للسلطان، فمملكة الحمام مملكة السلطان، ونوري أراد فعل شيء مخالف لإرادة السلطان الذي لا يحب التغيير والتجديد، ويعدّ تطعيم الشجرة بنوعين كفراً. ونوري مؤمن، وإن كان يعبث بالمخلوقات. لكنه حين بلغ مراده أحس بالخواء، وهو يتساءل عن جدوى إبداعه ما دام لا يستطيع أن يظهره للناس، فشرط الوجود بحسبانه معرفة الناس بالموجود. ولكن هل سيغفر الإبداع له عند السلطان؟
حين يصل الخبر إلى السلطان، يسمي إبداع نوري بالحمام الزاني، ويأمر المبدع أن يعدَّ ما أبدع وجبة لسلطانه، ويعينه صاحب حمام السلطان. وهنا تتوقف حكاية نوري وتتوالى حكاية رسالة الجغتائي (كيس الثمار ـ الرؤوس)، وتبدأ تأويلات البطانة لها. فابن السلاخ يراها رؤوس بشر تحمل آثار الحرق والتحبير، لكن الراهب العجوز قرياقوس القادم من دير الشيروبيم له تأويله الذي يأتي حكاية جديدة تقطع الحكاية الكبرى. فالراهب يتحدث عن مكتبة الدير، وعما فيها للوقا السميساطي من حكاية رحلته البحرية إلى الجزيرة العجيبة، حيث النساء جذع كرمة فيما دون الركبتين، وحيث تحول من لحق من بحارة لوقا بالنساء إلى شجيرات كرمة. وهي إذأ حكاية تؤول حكاية، فالرسالة ـ الرؤوس هي ثمار. وهذا التأويل يقلق القلم دار الذي لم يبلغ علمه حكاية لوقا، وقد يغضب ذلك السلطان، فيمضي إلى جامع النوري حيث جماعة العور والهتم والجدع، أي القلندرية، وهي الجماعة الوحيدة التي سمح السلطان بها، لأنها لا تنافسه على المدينة، ومنصرفة إلى إيذاء الجسد والتعبد.
يؤول مولى الجماعة للقلم دار حكاية الرسالة ـ الرؤوس بحكاية ملك الهند وطائر العنقاء. وتؤول كبيرة الجواري وصديقة السلطان الرسالة بالأرق الذي سكنه منذ وصل رسل الجغتائي. وعبر هذا التأويل تأتي حكاية هذه المرأة التي لقيت هذا الذي سيصير سلطاناً، في سوق النخاسة، وصدقت يقينه من مستقبله، وباتت عشيقته حتَّى كبرا، فباتت الصديقة الرؤوم. ومن تأويلها، إلى المبارزة في نَحْرِ واحد من العوام رقبته فواحد، افتداءً للسلطان، مقابل افتداء رسل الجغتائي له واحداً فواحداً، تنتهي الحكاية الكبرى الأولى فيما يشبه نهاية القسم الأول من الرواية، إذًْ يحضر المماليك الفتيان الثلاثة الذين يحملون من رجل السلطان في بلاد الروم رسالة التحذير من قدوم الجغتائي، ويتحدثون عن تيههم في الصحراء، وعثورهم على المدينة ـ الحلم التي ستكون الحكاية الكبرى الثانية في الرواية، أي القسم الثاني.
حكاية المدينة الهاربة:
في طريق عودة المماليك الثلاثة، هبت "عاصفة من عواصف الصحراء التي لا يمكن التنبؤ بها" فخبطوا حتَّى طلعت لهم المدينة التي يحسب كل منهم أنها مدينته التي ابتيع منها، فهي "المدينة الطفولة، المدينة ما قبل الأحلام والرحيل وراء السلطان"، وهي مدينة هذا الإيقاع الذي سيظل يترجّع في الرواية: "لا جائع فيها ولا عطشان ولا من يبيت خارج سرير حب". وقد عثرت على المماليك التائهين قافلة حملتهم إلى حلب، فأرسل حاكمها معهم كتيبة من الجند والمهندسين بحثاً عن المدينة الهاربة، لكن البحث خاب. ومع شيوع حكايتها في الشام، طلع الصباح على السلطان بمفاجأة خلو المدينة إلا من قلّة، إذ خرج الأهلون إلى الصحراء بحثاً عن المدينة الأسطورة التي طالما تحدثت عنها الكتب، وروت عنها الجدات. أمَّا السلطان فيرسل رجالـه ينادون في البوادي والمدن إعلاناً من مدينة بلا سكان تدعوهم لسكانها، شريطة أن يخلعوا أحلامهم قبل دخولهم: إنها مدينة الطبالين المزوقة تزويق العاهرة، بلا ذكر لسالخي الجلود ورسل الجغتائي.
بحمّى الغرائبي والعجائبي، بحمّى الفانتازيا، تتشظى حكاية المدينة ـ الحلم إلى حكايا الباحثين عنها وقد تبددوا في الطريق فرادى. فضارب الطنبور (لطفو) الذي سمع حديثاً عن "مدينة تتجلى، تغيم، وتحضر، وتختفي، تغازل وتتمنع هناك في عمق الصحراء، سمع حديثاً عن مدينة لم يجرؤ حتَّى على الحلم بوجودها" يعصف به الحنين إلى الشام فيلوب السؤال: "كيف عميت عيناي فلم أعرف أن المدينة الهاربة ليست إلا المدينة التي تركتها وراءك"؟ وستتوازى حكاية لطفو مع المدينة، وحكاية المرأة التي ستأخذ بلبه (فرنتى)، حتَّى إذا بلغ المدينة بدت المرأة فيها كالرجل: النصف الأسفل لواحدهما من حجر، فهتف باسم فرنتي، فانزلقت المدينة إلى الغياب، كما ستنزلق مع الآخرين، وكلُّ لسبب. فالشيخ المؤذن أحمد بن محمد بن عبد الله، الذي يحلم بكتاب يكتبه، ويغني في حفلات سرية ليتعيش، يلاقي مدينته ـ حلمه، حيث المعري والحلاج وحلم الخلود في كتاب. ولأن من فيها يشخصون فيه الكسل والضعف والجبن عن الحلم، تزلق المدينة منه إلى الغياب، وهو منذور لما قدروا أنه مطهرة: حريق مدينة.
وهذا أيضاً هو الشاعر أبو القاسم الفستفي الذي نذر نفسه للشعر الصافي، فلم يلق تقديراً حتَّى انخرط في السائد، وبات علم الهجاء، التقى (فرنتى) وكتب لها قصيدة الحب التي طلبت، والتي ستغنيها للسلطان، فيؤخذ بها. ولأن فرنتى ـ كما سيلي في الحكاية الأخيرة من الرواية ـ أرضعت السم، وباتت سماً لمن يقربها، فسيموت السلطان متسمماً بها. أمَّا الشاعر، ففي بلوغه المدينة الحلم، سيتحول إلى أنثى، وتبدو له فرنتى وقد تحولت ذكراً، شأن كل من في المدينة، لكن المدينة تنزلق منه إلى الغياب.
وهكذا تتوالى الحكايا، فتبدو المدينة الأسطورة مدينة الخوف للشيخ شاكر الذي يطن في أذنه السؤال كالذبابة (ما السلطان؟)، وتبدو للقلم دار المدينة التي لا متعة فيها ممَّا تعوّد، والمدينة التي تتجسد (تتقمص) فيها فرنتى بشخص الحلم دار الذي كان القلم دار قد نصح السلطان بسلخه. والمدينة هي لبرهان الدين مدينة الصلاة، ومدينة الأمل المتنكرة في غابة، ومدينة الفرج المنتظر. وهي تلك النبوءة التي أرسلتها بلابل منذ بدية الرواية، وستظل تتواتر بصيغ شتى "ستطير وتطير، في قفص تطير... وعلى الجمال تطير، وفي أرض اليباب تطير". لكن برهان الدين الذي كان قد أسس في الشام الأخيات ـ أي المنتديات والنقابات بلغتنا ـ سيزلق السؤال بالمدينة منه إلى الغياب، شأن سواه.
حكاية الهزيمة:
فيما يشبه القسم الثالث من الرواية ـ وفصولها جميعاً بلا ترقيم ولا عنونة ـ تأتي حكاية فرنتى جاسوسة الجغتائي التي أنجزت مهمتها بتسميم السلطان، وغادرت إلى بغداد يأكلها الفراغ الذي يعرفه كل مبدع بعد إنجاز مشروعه الكبير وهو يتساءل عمَّا إن كان أضاع الزمن عبثاً، وعما سيفعل من بعد، وعما إن كان يستطيع مفارقة مشروعه. ولعل لأسئلة الإبداع هذه، مع ما سبقها من أسئلة نوري، أن ترسم أسئلة الكاتب نفسه أمام روايته أو أمام ما أنجز من تجربته الروائية، مثلما هي أسئلة التاريخ التي تترجع في الرواية بين الجغتائي والسلطان والقلم دار، فلعلها أسئلة الكاتب وما كتب. فالجغتائي يدعو "اللهم اجعل التاريخ صديقي، ولا تجعله عدوي". والسلطان جمع حوله المؤرخين الأحياء ورواة وتلامذة من مات منهم، ليحرم خصمه منهم.
بالعودة الخائبة لمن خرجوا يبحثون عن المدينة الهاربة، تبدأ الحكاية الكبرى الثالثة والأخيرة في الرواية، وتتشظى في حكايا موت السلطان وتنصيب ابنه الفتى، ووصول الجغتائي إلى الشام، وهرب السلطان وجيشه إلى مصر، وتحريض الشيخ المؤذن أحمد للناس على المقاومة، ودحر أولاء للغزاة حتَّى تشعل حيل الجغتائي وتواطؤات الكبراء نار الفتنة، وتكون الهزيمة التي سيحمل الجغتائي بعدها من (مثقفي) المدينة المنكوبة من يحمل إلى مدينته، وتتحقق نبوءة بلابل.
إلى ذلك كله، وفي سائر الرواية، بقيت أيضاً حكايا السلطان والجغتائي. وهي تعزز ما تقدم ـ وبالمخيلة المحمومة دوماً ـ الإشارات إلى يومنا وإلى غدنا، سواء تعلقت بالعوام أو بالمثقفين أو بالحكام أو بعواصف الصحراء. ولئن كانت تلك الإشارات هي بلاغة التاريخ، فهي أيضاً سحر الحكاية، وبها توقعنا رواية خيري الذهبي في (فخ الأسماء).
2 ـ سلام عبود: يمامة: في الألفة والآلاف والندامة:
تندرج روايات اللحظة الأندلسية في السيرورة الروائية التي ابتدأت مع جرجي زيدان ومعروف الأرناؤوط، ولم تنته بأمين معلوف وفوزية رشيد وسالم حميش وربيع جابر ورضوى عاشور... وصولاً إلى سلام عبود في روايته (يمامة: في الألفية والآلاف والندامة( ))
وحديث الرواية والتاريخ يستدعي قضايا شائكة وعديدة، من الالتباس بالهرب من الراهن وبالنوستالجيا، إلى البحث في المصادر والمراجع، إلى التناص معها أو المضارعة اللغوية أو الولع والانبهار بكبائر ما مضى وبصغائره.. ويتجدد ذلك الحديث من نص إلى نص، مافارت به الرواية العربية في العقدين الماضيين بخاصة، ليس على مستوى الناقد وحسب، بل على مستوى الكاتب أيضاً. وهذا سلام عبود ينوه في صدارة روايته (يمامة..) باعتماد الجانب التاريخي في روايته على مجموعة من المصادر العربية والغربية ـ أليس هذا بتحصيل حاصل؟ ـ يعدد منها (طوق الحمامة) لابن حزم، و (مصارع العشاق) للسراج القارئ، و(حي بن يقظان) لابن طفيل، (وأخبار النساء) لابن قيّم الجوزية.
أمَّا الأهم فهو ما يلي من تنويه الكاتب بصنيعه الأدبي في المادة التاريخية، حيث يقول: "أمَّا النص الأدبي فقد احتوى طائفة من الأحداث أخذت بتحوير طفيف من كتب التراث العربي. ولم يتوقف الأمر على ذلك، فقد جرى نقل عدد غير قليل من النصوص: عبارات وجملاً وأحياناً فقرات طوالاً، ولم يجر تعليمها، وتمييزها عن النص القصصي، لكيلا تبدو جسماً غريباً يقطع سياق التلقي عند القارئ، وتجنباً للنبوّ جرى تذويب تلك النصوص في سياق النص القصصي بالتحوير والتعديل، أو من طريق دسها دساً خفيفاً.
إن الحفر الأدبي في التاريخ هو في هذه الرواية إذاً، وبحسب كاتبها، نقل وتحوير وتذويب وتعديل ودس (خفيف)، وكل ذلك كرمى للقارئ: أين هي إذاً مقتضيات ذات النص، مهما يكن للقارئ منها؟
أمام مثل هذا السؤال، ليس المعول عليه ما يرسل الكاتب في تصدير للنص أو في سواه، بل المعول عليه هو النص وحده. ونص سلام عبود توسل التناص، من صريحه بما أورد من آيات قرآنية وأشعار مثلاً، إلى درجات لعبه الأخرى العديدة، والتي تقوم جميعاً على تمثّل المادة التاريخية أو الوثائقية، وإعادة إنتاجها كما يتطلب الفن، لكي لا ينزلق الروائي إلى حلبة المؤرخ، فلا يكون روائياً ولا يكون مؤرخاً.
لقد اختار سلام عبود في روايته لحظة أندلسية أخرى غير لحظة سقوط غرناطة التي استهوت المبدعين الآخرين، إذ عاد إلى ما قبل ذلك، بحثاً عن جذور السقوط، كأنما يضاعف ويعمق الحفر في جذور الراهن، فكانت قرطبة فضاء رواية (يمامة..) وكان عبد الله بن يعيش بطل الرواية المثقف وضحية الاستبداد والفساد الناخرين في الجسد القرطبي ـ الأندلسي، فإذا بـ "قرطبة زينة الدنيا، تبدو مثل جثة هامدة"، منذ مستهل الرواية، حيث يؤوب إليها ابن يعيش من منفاه القريب في أليشانة.
ومنذ مستهل الرواية يتكشف بناؤها عن مواطن طويلة ومدججة بالسرد التاريخي، تقدم بناء مؤسس الخلافة الأموية في الأندلس (الناصر) للزهراء، كرمى لجاريته، ونكبة الزهراء على يد البربر، وبناء المدينة التجارية والسياسية (الزاهرة) وهدم الخليفة الرابع المهدي لها، كذلك يأتي بناء ووصف مسجد قرطبة، وهرب المستكفي وشغور الخلافة، وتقديم المجاهد ابن منصور.. وإذا كانت مواطن السرد التاريخي هذه تحتشد في البداية، فهي ستتراخى من بعد، ليغلب نهوض بناء الرواية بسرد الأحداث في الحاضر الروائي وبوصف نثار جغرافيا المدينة، والأحوال النفسية لشخصياتها الرئيسية، ولاسيما البطل. وسينتزع الحوار الغلبة من الوصف ومن النجوى وسواهما من التقنيات، فيبدو متأرجحاً بين الإيجاز والرشاقة، وبين الإطالة والإبهاظ. ويتوزع ذلك كله على الماضي وعلى الحاضر الذي يمضي بالرواية قدماً إلى تعليق ابن يعيش في الساحة لحرقه هو وكتبه، ثمَّ بقاؤه معلقاً فيما الفتنة تندلع والناس يعزلون الخليفة، فقرطبة لم تعد بحاجة إلى خليفة، أموياً كان أو غيره.
كان ابن يعيش قد فرّ إلى أليشانة بعد مصرع صديقه الخليفة عبد الرحمن. وفي بداية عودته يلتقي مصادفة الجارية (حور)، التي تأخذ بلبه، وتدعي أن اسمها يمامة. ومن خولة زوجته وابنة قاضي سبتة، إلى إيزابيلا الجارية النصرانية التي استهوته في منفاه، إلى يمامة ـ حور ـ تلح الرواية على العشق الذي يؤنث الفضاء الروائي في سبتة وأليشانة، ولا سيما: قرطبة. ويظهر هنا بقوة فعل (طوق الحمامة) و(مصارع العشاق) في جسد الرواية وروحها، سواء عبر ابن يعيش أو عبر خولة ذات الأب العربي والأم البربرية، والتي تجيد اللسانين العربي والبربري، وباعها النخاسون اليهود في سوق فردان بعد سبيها، فاشتراها صديق لابن يعيش، ثمَّ قدمها لـه. وإذا كانت خولة تبدو كشهرزاد، تشفي زوجها بالحكي من فعل نكبته، وتحتضن عشقه ليمامة، فالأمر يبلغ ذروته عندما يقبض على الرجل، وتتحول الرواية إلى واحدة من روايات السجن السياسي المعاصر الفذة، ثمَّ تظهر يمامة باسمها الحقيقي (حور) جارية لسجّان ابن يعيش، وهو المجاهد ابن منصور.
بعد مشاهد التعذيب في قلعة رباح، ما يورث ابن يعيش العمى بعصارة الصبار، والعجز الجنسي، وبعد نقله إلى قصر ابن منصور، تظهر يمامة التي فرض عليها سيدها الرتق لأنها رفضته. ولأنها المؤتمنة والمقربة إلى سيدة القصر ـ إلى حد الاشتباه بالسحاقية ـ يوكل أمر السجين لها، وهي التي علقته أيضاً منذ تلك المصادفة الوحيدة. كذلك ترعى العاشقة معشوقها، وتتزوجه في سرهما، وتشتبك الأسئلة على ابن يعيش: "أهي حور أم يمامة، أم كلتاهما؟ أهي إجبار أم اختيار أم اجتيار؟" و"أهي إيزابيلا أم يمامة أم كلتاهما" و"أهو عبث محض! وجنون أم حكمة! أين المعاني"، كما تشتبك الأسئلة على ابن يعيش منذ أن يبدأ تلميذه السابق ابن مسروق بالتحقيق معه فيما كتب وفيما يعتقد، فكأنما تترجع أصداء محاكم التفتيش الراهنة التي تلاحق الكتّاب والكتابات في الفضاء العربي اليوم. وينتهي الأمر إلى أن يقدم ابن يعيش لابن مسروق إقراراً بتهمه طالباً الغفران، فيصدم حور التي تكشف آنئذ لـه عن سرها ـ في مفاجأة ميلودرامية ـ ، والتي تعدّ لفرارهما، لكن ابن يعيش اليائس يستسلم، فيقاد إلى المحرقة.
تتوزع الرواية على عشرين فصلاً، تؤكد منذ البداية على تأنيث الفضاء: "قرطبة مولاتي ـ خولة: سبتة أم قرطبة ـ ..." وتذكر بعنونة أحمد يوسف داود لفصول روايته (فردوس الجنون) كلّما أمعنت في المضارعة اللغوية التراثية، ومن ذلك أن يكون العنوان حديثاً نوبياً.. ويبدو في المتن الروائي ضغط تلك المضارعة، ممَّا حدّ من التنوع اللغوي الذي تضطرم احتمالاته في الرواية. فإذا كان الصوت التراثي الجهير يستوي فيما يتصل بحوارات ابن مسروق وابن يعيش، عبر تهميشات الأخير على كتاب المرزباني (أشعار النساء) أو الخوض في أمر المعتزلة والإيمان بالله.. فذلك الصوت نفسه يأتي ضاغطاً عندما تنادي يمامة مثلاً "يا طول حزناه ممَّا أرتنيه عيني"، أو عندما يخص إيزابيلا التي يعلمها ابن يعيش العربية بالإنجيل (في ترجمة اسحاق بن بلشك القرطبي من اللاتينية)، أو عندما يخص اليهود... وبالطبع، يناط ذلك كله بسطوة السارد التي تتبدى في السرد التاريخي، وفي الشرح ـ إتلاف عصارة الصبار للعينين مثلاً ـ وفي الترميز بالمرأة الذي أعقب حديث اللذة، لنقرأ: "خولة وإزابيلا وترا اللذة، هما النشوة والسكينة، خولة هي السكينة الممتعة، وإيزابيلا هي نشوة الإيناس والصبر. أمَّا حور ويمامة فهما مزيج شيطاني من المتعة والألم". على أن الرواية ظلت ـ على الرغم من ذلك ـ صوتاً خاصاً في السلسلة الروائية التي تحفز في التاريخ، وتروي مكابدة مثقف الأمس ومثقف اليوم في العشق والمعرفة وعصف الفساد والاستبداد.

dabe3
05-18-2010, 02:10 PM
3 ـ ثائر تركي الزعزوع: السلطان يوسف:
في فاتحة روايته (السلطان يوسف( )) يقص علينا ثائر تركي الزعزوع أنه مضى إلى أنقرة في مهمة صحفية (شباط ـ فبراير 1995) وحلّ ضيفاً على كليم أوغلو رئيس تحرير القسم الثقافي لجريدة (خبر). وقد صادفت ذلك زيارة الرسام الإيطالي المعروف جوزف جابيري، السوري الأصل، والستيني. وفي لقاء الثلاثة يكشف جابيري أنه حفيد السلطان يوسف (واسمه الأصلي يوسف جابر يوسف) الشهير في منطقة البوكمال على الحدود السورية العراقية، موطن الزعزوع نفسه، والذي انطلق إثر عودته إلى سورية، ما يحفظ من السيرة الشعبية للسلطان يوسف، إلى البحث في المراجع والمصادر التالية:
1 ـ من التاريخ الشعبي الفراتي ـ بيروت 1964، الدكتور عادل سالم، وهو مكتوب بالفرنسية، وقد ترجمه سامر الأزهري.
2 ـ الفرات السوري وما حوله ـ دمشق 1972، للدكتور ألبير رشيدة.
3 ـ الحركات السرية الدينية والسياسية في المجتمع العربي الإسلامي في القرنين التاسع عشر والعشرين للدكتورة الألمانية كاتلين، ف، ويندور.
4 ـ كنت عسكرياً في المشرق ـ دمشق 1964، للميجور الفرنسي سيباستيان ديدييه، وبترجمة فراس الشكر.
5 ـ رسائل السلطان ـ بغداد 1969 لجامعه ومحققه ومقدمه جاسم الراضي.
أمَّا المصادر الشعبية الشفوية التي تتبعها الزعزوع، فيذكر أنها شحيحة وقليلة، ومنها التسعيني الحاج إسماعيل أصغر أخوة السلطان، كما يذكر أنه زار بيت عبد الله العاني الذي ولد فيه السلطان، وما يزال قائماً بعد 142 سنة
من تشييده.
وفي فاتحة روايته ينفي الزعزوع، كقاص، اهتمامه من قبل بالتاريخ، ويحدد دافعه إلى كتابة الرواية بالانقطاع فترة عن كتابة القصة، كما يحدد نهجه فيها بجمع أكبر قدر من المعلومات، والتوفيق بينها، متجنباً قدر المستطاع خيال كبار السن وكذبهم، وكل ذلك التماساً منه إلى نوع جديد من الكتابة، لم يكن قد جربه.
قد يكون من الضروري هنا أن نبيّن أن الكاتب ينتمي إلى الجيل الشاب الذي ظهر في العقد الماضي في سورية، وابتدأ شاعراً، إذ صدر لـه عام 1994
(لأنَّه الوقت... لأنك امرأة)، وإلى المخطوطة القصصية التي يذكرها في ثبت أعماله (الليلة الثانية من شباط) كانت قد صدرت له رواية (رحلة زاعم)
عام 1997. وعلى الرغم من أن هذه الرواية قد عبرت هوناً، شأن الكثير من إبداعات الجيل الشاب في الرواية وغيرها، إلا أنها رواية بالغة التميز، بما انطوت عليه من تجريبية في البناء، ومن استثمار للأسطوري والخارق في السرديات الشعبية الشفوية، ولاسيما الديني منها. كما تلفت في رواية (رحلة زاعم) النكهة المحلية الحارقة وتهجين اللغة، والاندياح بين التاريخي والمتخيل، ولا سيما في شخصية زاعم، ما ينادي بناء الكاتب لشخصية السلطان يوسف في روايته التالية (السلطان يوسف).
وعلى أية حال، تمضي الروايتان بقارئهما، من دعوى التاريخ والبحث الماهد وإعلانات الكاتب إلى لعب التخييل وجمالية الكتابة. وبالتالي، لا يهم أن يكون صحيحاً أو لا كل ما سبق من الكاتب، وفيه ما يشي بأن المرء مقبل على صنو لواحدة من روايات جرجي زيدان، أو أنه مقبل على كتاب في التاريخ، مادام الكاتب نفسه، في تلك الفاتحة، يسمي عمله بـ (الكتاب)، بعدما ما سماه على الغلاف (رواية).
أليس من الطريف والملبس ـ من بعد ـ أن يختم الكاتب روايته بهذه الإشارة: "فكما بدأت الحكاية فإني أنهيها، ولابدَّ أن أعترف بأن كل الأحداث والشخصيات هي خيال، وأي تشابه بين الواقع وبينها هو مصادفة".
لقد جاءت الرواية في ثلاثة فصول، تصدّر كل منها مقتطف من واحدة من رسائل السلطان الثلاث، وتتبع أولها ولادته ونشأته، مستهلاً بمشهد موت راجحة، وقصة تلك الهندية التي جاء بها عبد الله العاني (جد السلطان) طفلة، وبانزواء زوجها جابر (والد السلطان) في الجامع إلى أن تخرجه منه جورية، فيتزوجان.
من قصة فرعية تفضي إلى قصة فرعية وتشتبك بها، تتوالى الرواية بالاسترجاع غالباً وبالاستباق نادراً. والأهم في ذلك ما اكتنف ولادة ونشأة يوسف ما يؤهبه ليكون السلطان، فجده يهدهده بالآيات ويروي لـه الحكايا التي سيرويها الطفل الذي يحفظ القرآن في العاشرة، ويدير الدكان في غياب أبيه، ويميل في مراهقته إلى الوحدة، حتَّى قال فيه تاجر "ابن جابر العاني ولي من أولياء الله، في فمه لسان ينطق بالعجائب". وسيقول مثل ذلك مجاهد، حين يكون السلطان يوسف قد التحق بثوار غوطة دمشق ضد الاستعمار الفرنسي: "قد وضع الله فيك سراً نعجز عن فهمه، أنت تشبهنا ولا تشبهنا، ولهذا فأنت ترى ما لا نراه. اسمك مفتاح عمليتنا، لأنك فتحت عيوننا على أمور لم نكن نعرفها".
تتكرر قصة (راجحة) مع (عجية) التي تنشأ مع يوسف، حتَّى إذا رآها في مراهقته عارية تغني، صعق ولازم الجامع كما فعل أبوه من قبل، لكن (عجية) تخفق فيما أفلحت فيه (راجحة)، ويلبث يوسف في الجامع يقرأ في التراث الصوفي (ابن عربي والغزالي وابن الفارض والحلاج) حتَّى يقع الزلزال الذي سيورث شقاً في ظاهر البلدة.
بليلة الزلزلة ـ أو الزنزالة كما لا زال يقال في ذلك الشرق السوري ـ يبدأ الفصل الثاني من الرواية، إذ يخرج يوسف إلى الشق ويختفي فيه، وعجية تناديه كل نهار إلى أن يأمرها صوت أن تتهيأ كعروس، عندئذ يظهر لها يوسف ويتزوجان وينجبان والد الرسام الإيطالي، فيما يكون الأتراك قد اقتادوا والد السلطان إلى الحرب، وشقيقه خليل قد أخذ يقود المقاومة، ليلجأ مع المقاومين إلى الشق، ويلتقي بشقيقه الذي ينظم حياتهم: نوم النهار وإحياء الليل، وتقسيم المكان إلى كهف الأرواح حيث تقيم عجية وابنها، وكهف النظرات حيث يقيم يوسف، وكهف الأحلام حيث يقيم الآخرون، وسيسمي السلطان يوسف رسائله الثلاث بأسماء الكهوف هذه.
إبان ذلك يكون الأتراك قد رحلوا، والفرنسيون قد حلوا، فيواصل من في الشق المقاومة، ويقسمهم يوسف إلى جماعة التموين وجماعة الحافظين وجماعة السائرين، معلناً سلطنته على المكان، ومنصباً منهم (عبد الناصر) أميراً، حتَّى إذا أمضّ الأمر اثنين منهم، وآبا إلى ذويهما، قبض الفرنسيون على أحدهما، فأفشى سِرّ السلطنة، وظفر بها الفرنسيون.
هنا يبدأ الفصل الثالث، بعودة والد السلطان بعد ستة عشر عاماً من اقتياد الأتراك لـه. وتحمل أم جاسم الراضي على المعتقل، وتفر بمن فيه إلا السلطان الذي يقتاد إلى سجن القلعة في دمشق، ومنه سيفر ويلتحق بالثوار إلى أن يقضي وهو في الثامنة والثلاثين. ويختم الكاتب الرواية بملحق يجلو ما حل بابن السلطان الذي يهرب إلى بغداد ثمَّ يرحل إلى المغرب فإيطاليا، ليتزوج وينجب الرسام الإيطالي. وهذا الملحق يذكر بما ختم به الكاتب روايته السابقة (رحلة زاعم) فيا سماه (قصص قصيرة جداً) تضفر وتطلق ما تقدم في المتن من الحالات والمصائر العالقة.
لقد تدخل السارد علانية مرة واحدة في رواية (السلطان يوسف) حين سرد بين قوسين سقوط الدولة العثمانية ودخول الإنكليز إلى البوكمال، قبل الفرنسيين. وفيما عدا ذلك توسلت الكتابة أسطرة الشخصية، من السلطان إلى والد مصطفى إلى السيدية... كما توسلت الشعبي في الغناء والتطبيب الجسدي والنفسي وأنسنة الطبيعة وفي الخارق، وتلونت اللغة جراء ذلك، ولكن بحدود دنيا، كما في لغة السيدية، بخلاف ما تجسد في الرواية السابقة (رحلة زاعم). ولئن كان أثر قدوم الكاتب من الشعر إلى الرواية أقوى في هذه الرواية من تاليتها، فقد جاءت الأخيرة إضافة متميزة إلى ما يتواتر في سورية من حفر الرواية في التاريخ، وليس من الرواية التاريخية، والمهم أن الرواية قد اكتسبت بثائر زكي الزعزوع كاتباً يؤكد وعدها من الأجيال الجديدة.
4 ـ شعيب حليفي: رائحة الجنة:
بعد رواية (زمن الشاوية ـ 1994)، تأتي رواية شعيب حليفي هذه (رائحة الجنة( )) أشبه بجزء ثانٍ تتصدر بسبع ملاحظات للقارئ، أبرزها ما ينفي المرجعية، وما يطالب القارئ بالامتناع عن التأويل، كما ألفنا من كتاب كثيرين، نشداناً للتقية، ربَّما سيحرض على تقري المرجعية في الرواية، وعلى التأويل.
وفي مستهل كل فصل من (رائحة الجنة) يثبت الكاتب مقتطفاً ما، وتوجيهاً منه للقراءة (اللسان ما فيه عظم ـ اللهم نعوذ بك من فتنة الكلام...) وإلى هذا التبويب، يلجأ الكاتب إلى الحيلة الأليفة للتمييز بين زمني الرواية: الماضي والحاضر، فيجعل للأول المستوى الطباعي الأسود (الغامق) وللثاني المستوى العادي، لكن ذلك لا يُراعى دوماً، لعلة في الطباعة، أو لسواها.
هكذا تعجل البداية بما كان من استيطان الشاوية ومكارطو، لتبدأ سيرة هذا الشطر من الريف المغربي، ولتحضر الرواية الأولى من انطلاقة الرواية الثانية. ومن نهاية القرن التاسع عشر إلى نهاية الحرب الثانية تمضي (رائحة الجنة) من الريف إلى سوار المدينة (حي التناكر قرب باب المرسى) إلى فضاء الآخر الأوروبي (فرنساـ ألمانيا). وتشتبك المفاصل والتحولات التاريخية بحيوات الشخصيات الروائية، فيقايض (عبو الريح) الناس أرضهم ببضاعة مخزنه، بينما كان (علي الشاوي) جد الشاوية، قد قال عندما صار قائداً وساومه الملاكون: "والله لو وضعتم الوطن، ترابه كله من ذهب، وشجره أعواد ند مشتعلة، على يميني، ووضعتم على شمالي الشمس والقمر، لن أتخلى عن الشاوية، والتي هي من تراب وزمنها من نار".

لكن (عبو الريح)، وشريكه الألماني (مانيسمان) وأولاد (ولد المخزن) الذين صاهرهم الألماني يستولون على الشاوية، ويصير (عبو الريح) محمياً دولياً لفرنسا وألمانيا وبريطانيا، حتَّى ضد المخزن.
وببدعة المحمي، وبدعة المخالط للنصارى بالتجارة والمال، يشل الحق ويسود الباطل، فيما يقبل الاستعمار، وينزح (عبد السلام الشيدي) إلى حي التناكر عند (سيد الساهل) والد شامة التلميذة المتخايلة. ويتعمد الحب بين شامة و (طوير الجنة) ـ كما يلقب والدها عبد السلام ـ بمهاجمة (بابور) الغزاة والسيطرة عليه. ويعجز جنود الريح (الاستعمار) عن ردع القادمين من الشاوية، فيتقدمون بباخرة جديدة، وينجزون سيطرتهم، وتتوالى صور المقاومة، فالجنرال الفرنسي داماد ينتقم من مكارطو، والمناوشات الليلية المفرقة تتواصل، وتقوم ثورة الأعشاش وحرب تطوان ومعركة إيمسلي، ويقود عيّاد ومنصور المقاومين.
من هذه العناصر تندفق الرواية بشخصياتها من جيل إلى جيل، وتستقل من الجزء الثالث (الفصل بالأحرى) كل شخصية بسرديتها، من محمد الشيدي (ابن عبد السلام) إلى سعيد الريح (ابن عبو الريح) الذي يبيع أملاك أبيه بعد موته، وينتقل إلى مركز حضري آخر هو (بسطات). وستبرز مع الحرب العالمية الثانية مسألة (الآخر) بالتحاق محمد الشيدي بالجيش الفرنسي، على الرغم من أنه لم يصدق من خطب: (انتصار فرنسا انتصاركم أنتم). وبهذا تغدو الباخرة، فمرسيليا، فمعسكر (دونكيشوت الأعمى) في باريس ـ حيث مقاومة الألمان ـ فضاء للرواية بعد الوطن (الريف ومراكز الحضر).
وسنرى مع محمد الشيدي زميله الحطاب العبدي، راوياً في الفصل ـ الجزء ـ الخامس لمغامرة والده (احديدان) في مطلع القرن: حبه لعبدية وهو سجانها في قصر أبيها، فرار الحبيبين السجينين، إعادة عبدية إلى القايد ورميها في بئر مهجور، نجاة (احديدان) وزواجه. وقد جاءت هذه القصة الفرعية عبر المونتاج الذي يوازي بين الماضي ـ زمن القصة، والحاضر ـ الحرب، حيث يلتقط محمد الشيدي الجنود الألمان ليلاً، ويصطنع حادثاً للسيارة التي يقودها، فيقضي على حمولته من الجنود الفرنسيين أيضاً، ويلجأ إلى بيت الإغريقية، فيوهمها أنه من سلالة الأنبياء، وأن ولادته في الشاوية كانت عجيبة، وإنما جاء إلى فرنسا ليجلب لها الانتصار. لكنها تسأله: لماذا لم تطرد بنبوءتك الاستعمار من بلادكم؟

فيقول لها: نحن دعوناهم ليجلبوا لنا علومهم، ثمَّ سنطردهم. وهذه النقلة الروائية هي المجلى الأكبر للعلاقة مع الآخر، فإذا كان السابقون يقولون: "دائماً كان الآخر يستعبد البلاد والعباد، ويتاجر في الكرامة والأعراض، ويجد القلوب الضعيفة والعقول الخفيفة التي تساعده على تنفيذ جرائمه "فإن (محمد الشيدي) يسمي الإغريقية (ريمة)، والآن، في زمن الآخر وفضائه، وبزواج محمد الشيدي من أرتميس. وحين يغادر مع قائده الفرنسي ـ دونكيشوت الأعمى إلى الداخل الألماني، يترك بذرته في رحم الإغريقية بيسيوس، ويحمل الشاوية في أعماقه، ويوصيها، إن وضعت ذكراً، أن تسميه باسم جده هو (علي الشاوي) وإن وضعت بنتاً أن تسميها باسم جدتها (شامة)، وكان ـ مثل الحطاب العبدي ـ قد روى حب شامة وعبد السلام وزواجهما. فبدت شامة هنا، وحيث حضرت في الرواية، شخصية تشم القارئ بوشمها، مثل عبدية.
ينتأ تقويل الشخصية الروائية فوق احتمالها في هذا الشطر من حياة الشيدي، ليؤدي مقولة الرواية في العلاقة مع الآخر. وسوى ذلك تبدو الرواية متناغمة بنكهتها الحارقة التي قد تكون ساعدت عليها المتناصات من الغناء المغربي. والتوشية بالعامية من دون إثقال، لكن الأهم هو الزمن الحاضر لفضاء الوطن، وبالطبع، الشاوية بخاصة، حيث تفعمنا رائحة الجنة: رائحة الأرض ورائحة دخان الحرائق، وحيث تلك الشخصية الروائية الفاعلة بامتياز: الريح، التي نسبت إليها (عبو الريح) والفرنسيين (جنود الريح). وكما ابتدأت الرواية بالريح الصفراء القادمة من جهة المزامزة وراحت تهب بالأدجنة، ولم تعد ريحاً واحدة، ستختم الرواية، في انتظار الريح الأخرى التي ستقتلع الرداء والأحلام من جذريهما.
لقد أومضت (رائحة الجنة) في سبيل الآخر، غير ما عهدنا طويلاً من شأن الرواية العربية مع الفضاء الريفي، وليصحّ ما قالت شامة من اندغام الأزمنة الثلاثة، من الفضاء الريفي إلى فضاء الوطن: "التاريخ: كيف نتذكر الماضي دائماً، وحينما يتعلق الأمر بالجنة والشاوية، نندفع إلى المستقبل؟".
5 ـ محمد الأشعري: جنوب الروح :
بموت (الفرسيوي)، وهو أول من استوطن دوّار (بومندرة) تبدأ رواية (جنوب الروح( )) لمحمد الأشعري، في الصباح الرمضاني الأول. وتتوالى رسوم ذلك الريف المغربي عبر الموت والثأر والأعياد الدينية والأفراح والأتراح والأولياء. وعلى الرغم من استئثار الكبار، فللصغار حصّتهم من ذلك، كما في صلاة الاستسقاء، أو التبرك بالطفل المشوه (إدريس). لكن الرسوم جميعاً تأتي في حراك الهجرة الريفية. فبالهجرة من النقاط المبعثرة إلى الدواوير، نشأت القرى. والثأر كان مسبب هجرة (الفرسيوي) الكبير بأسرته، بعد قتل كبير أسرة القلعي. كما كانت مقاومة الاحتلال الفرنسي مسبباً جديداً للهجرة، فإثر ثورة عبد الكريم الخطابي هاجر إلى السنغال من هاجر. وبعد الاستقلال صار للهجرة وجهة جديدة، إلى أوروبا، فازدهر الريف بما أرسل المهاجرون إلى ذويهم، لكن المدينة (المغربية) اجتذبت القرى المزدهرة، فصارت للهجرة وجهة جديدة، وتقوض الازدهار.
وكما ابتدأت الهجرة الريفية بنزوح غامض، نحو نهاية أكثر غموضاً، ورسمت رواية (جنوب الروح) مصائر المهاجرين في الوطن وخارجه، وصولاً إلى عودة (محمد الفرسيوي) إلى (بومندرة) وبقاء ابنه (مزيان) في الرباط وكذلك: عودة (عمار بن سالم الفرسيوي) من ألمانيا، فهل هي إذاً سيرة انقراض المكان التي سيتفقدها (مزيان)؟
لقد توسلت (جنوب الروح) الحلين الروائيين الأليفين: أجيال أسرة الفرسيوي، والمفاصل التاريخية. لكن الرواية تخلصت من مألوف الحلين بكسر استقامة الزمن حيناً، وحيناً بتجسيد الأحداث والتحولات التاريخية في حيوات الأفراد والجماعة: الحب والجوع والجفاف والانتخابات القروية ومعركة وادي الدشر والمجاذيب، ولاسيما: الموت، فروزنامة الرواية هي روزنامة الموت، وأداتها هي الحكاية المتجذرة في التراث السردي، كما يقولها ـ يعيشها محمد الفرسيوي، الشخصية المركزية، على الرغم من كثرة الشخصيات، المعارف منها والنكرات.
فهذا الذي اختفى خمس سنين بعيد زواجه، وأشيع موته، عاد إلى (بومندرة) بعد موت أبيه، ليحدث الناس عن أحوال الريف، ثمَّ يجابههم بالحقيقة، فهو لم يكن في الريف، وإنما يخترع ويخرف، مطوّراً ما يعرفونه. ويتحول (محمد الفرسيوي) من راوٍ للأخبار إلى راوٍ للحكاية، فيحكي لزوجته الثانية (فضيلة) سيراً لأولياء ومجانين ومغامرين وعشاق وضحايا وجلادين، ويصوغ شذرات من حيوات مبتدعة، ونتفاً من أحلام واستيهامات، وأحاجي الليل والنهار. ومحمد الفرسيوي اشتغل في هجرته حمالاً وفراناً وبائعاً متجولاً وسمساراً صغيراً... بعدما التقى (سوالف) في عيد المولد، وهام خلف هذه المرأة ـ الطيف مخبولاً، وأدمن حلقات الحكواتية للسيرة الهلالية ولألف ليلة وليلة، ثمَّ تحول إلى حكواتي، فتعثر لأنَّه ابتدأ كالآخرين بحكاية قمر الزمان وولديه الأمجد والأسعد، لكنه انطلق عندما أخذ يروي سيرته كجزء من ألف ليلة وليلة، منذ نشأته حتَّى لقاء (سوالف). وعندما ترك (الحكي) آب إلى (بومندرة)، وأقام مع نورية حتَّى ماتت أمها، فعرضت عليه الزواج، لكنه اختفى تاركاً لابنه (مزيان) دفتراً بضيق بشبكة الأسماء المتقاطعة التي سيلعب بها مزيان، وهو يتقفى سيرة انقراض المكان.
لقد افتتحت (جنوب الروح) بمشهد اكتشاف العجوز هموشة لموت (الفرسيوي) الكبير. وسرعان ما يتواتر السرد على إيقاع الموت: (سلام) الذي بلغ مائة وعشرين سنة يسرد من خلال القبور، ثمَّ يموت، وتعقبه زوجته (كنزة). ومثل الموت سيلي الاختفاء، ومنه ـ سوى ما تقدم من اختفاء محمد الفرسيوي في النهاية ـ اختفاء خطيب (يامنة) الفاسي، وهو الحدث الذي سيطلق (يامنة) كشخصية روائية بامتياز، تعزف عن الزواج بعد اختفاء الفاسي، وتصبح حرة، تجلد بلسانها من تشاء، تكلم الرجال بما تشاء، تخلد المقاومة بأشعارها، تفضح البخلاء، لتغدو في المحصلة ضرورة للدوّار، ويتقدم الحب فيه بفضلها، فهي من تبوح إليها النساء بأسرارهن وأوجاعهن، وهي التي تزوّج قبيحة ببيت شعر، لكنها في النهاية تنصرف للتسبيح، وتقضي بميتة عجائبية.
وبمثل هذه العجائبية تتغلل شخصية (سوالف) أيضاً، فهي تستولي على (محمد الفرسيوي) طيفاً وحقيقةً. وبفعل ومضتها يندفق بالحكي بعدما أُرتجَ عليه. وبفعل اختفائها يسعى إلى مراكش، فتومض له، ثمَّ تختفي، فيهيم مخبولاً وزاهداً، ويزور قبر ملك الجن، لتكشف المرأة البدينة سره، ويعزف عن النساء، ويطوف ناثراً الحكايا ومتهجداً باسمها، ليلعب أخيراً لعبتها، ويختفي عندما تعرض عليه (نورية) الزواج. هكذا يرسم محمد الأشعري الشاعر الذي استمالته الرواية ـ كما استمالت حسن نجمي وإبراهيم نصر الله وخليل صويلح وسعدي يوسف وفاضل العزاوي وشوقي بغدادي واللبناني عباس بيضون وسواهم ـ عقوداً من تاريخ الريف المغربي، معتمداً لاسيما على ضمير الغائب، سوى الفصلين الخاصين بمزيان، إذ يرويهما بضمير المتكلم. كما يعتمد الكاتب على الحوار الذي تغلب عليه العامية المغربية، فتؤكد نكهتها، ولكن بقدر ما تقف دون قارئ عربي غير مغربي. ولعل المرء لا يغالي إن رأى في مكنة محمد الأشعري ذلك الاشتغال الانثروبولوجي الذي رآه محمد سليم فيما كتب عن رواية (جنوب الروح( )).

dabe3
05-18-2010, 02:11 PM
الفصل السابع




الزمن المستعاد روائياً


الفصل السابع

الزمن المستعاد روائياً

1 ـ يوسف المحيميد: (فخاخ الرائحة( )):
في محطة الحافلات تدفع المصادفة بالملف الأخضر الذي نسيه صاحبه، إلى يد (طراد) الهارب من المدينة. ومن استعادة طراد لما عاشه، إلى قراءته لما في الملف، تنبني رواية يوسف المحيميد (فخاخ الرائحة) من حكايا الماضي التي يشارك في سردها أيضاً السوداني توفيق العبد. وللرواية إذاً ثلاثة رواة، سيكون نصيب الملف أدناها، بينما تتوزع فصول الرواية على طراد وتوفيق، فينفرد كل منهما ببعضها، ويشتركان في بعضها. وفي أغلب الفصول يتناوب السارد بالضمير الغائب (هو) مع توفيق أو طراد بالضمير المتكلم (أنا) على السرد.
ومنذ بداية الرواية ـ غير المعنونة، على العكس من الفصول جميعاً ـ يصب طراد لعنته على المدينة التي لجأ إليها صبياً طائشاً وأعزل، كما يحدثنا السارد. لكن طراد سيبدو شاباً وهو يروي تحت عنوان (سجناء الرمال) ما جعله يفر من الصحراء إلى الرياض، فيتقلب فيها من منافسة العمال الهنود والبنغال في تنظيف السيارات إلى فراش وحارس لبنك وحارس لبوابة قصر ومراسل في الوزارة، حيث يُفتضح سرّ أذنه المقطوعة، ويبلغ ازدراء المدينة لـه قصيّاً، فيلعن البلد الجحيم والمدينة الجحيم، ويقصد المحطة جاهلاً بوجهته الجديدة. وهاهنا تأتي المصادفة التي تقوم عليها الرواية بقدر أقل من الإقناع،
إذ يعثر طراد على الملف الأخضر الذي سيقرأ فيه دفتراً من أربعين صفحة، هي مذكرات صاحبه ناصر. كما سيقرأ طراد وثائق ناصر، ويرى صوره. وممّا يقرأ، وممّا تستثير القراءة من الذكريات، سيتكشف ناصر عن ابن طراد الذي أنكره، بعدما رفض ذووه زواجه من تلك المطلقة التي عشقته وعشقها، وحملت منه، لكنه اختفى من عالمها، وتركت هي وليدها في (كرتون موز) لتنهش عينه قطة، قبل أن يُلتقط، ثمَّ تتبناه سيدة من علية المجتمع، ثمَّ تتخلى عنه، ثمَّ... إلى أن يستوفي الملف حياة ناصر الذي سيحضر أخيراً، ويخطف ملفه من يد أبيه، في مصادفة جديدة ومجانية، فالرواية لا تستثمر لقاء الأب وابنه لأول مرة. وبالتالي، لو حذف اللقاء، لما خسرت الرواية شيئاً.
على أن الأهم هو ما حققته الرواية من الفرادة في رسم شخصياتها، ولاسيما طراد وتوفيق ونهار، وكذلك في رسم فضائها المترامي بين السودان والرياض والصحراء. وسيكون اتقاد الوصف الوسيلة الفضلى في ذلك، ومنه ما أنسن الطبيعة، من الذئاب إلى النوق إلى شجر العوشز والشفلح والطلح والغضا.. وكذلك يأتي خرف والدة طراد، وجسد معشوقته التي تخلى عنها، وتفريغ حمولة الباخرة (قمر إفريقيا) من البهائم والرقيق...
ولئن كانت (الرائحة) تبدو مناط الوصف في الرواية، فهي أيضاً إيقاعها الكبير الذي يتصادى مع ما شرع يتواتر في الرواية العربية (رائحة الأنثى للزاوي أمين ـ في انتظار الحياة لكمال الزغباني ـ الأسلاف لفاضل العزاوي ـ باء مثل بيت مثل بيروت لإيمان حميدان يونس ـ الآرق لرشيد بو جدرة ـ وراق الحب لخليل صويلح..) وهو ما ينادي بقوة رواية باتريك زوسكند (العطر).
لقد شكلت الرائحة حياة توفيق وطراد أيما تشكيل. فالأول فيما يروي للثاني تحت عنوان (رحلة العذاب الأبدي)، وحيث يحفّز الثاني السرد بالسؤال، هرب طفلاً من قريته أم هباب وسط السودان، بعدما هربت أمه من سيدها وأحرق (الجلاّبة) القرية. لكن الطفل وقع مع الفارين في فخ الرائحة، فاصطادهم تجار الرقيق، ونقلوهم متنكرين ثياب الإحرام إلى من يشتري في الرياض قبل إعتاق العبيد وتحريم تجارة الرقيق. ولدى (أم الخير) مالكة توفيق، سيُخدَّر ويُخصى، وهاهو يخاطب طراد بعد عشرات السنين: "في المرة الأولى بعت إنسانيتي برائحة شحمة وصرت عبداً، وفي الثانية بعت رجولتي برائحة قطنة وصرت خصياً!! قاتل الله الرائحة كلها، لو لم أملك أنفاً يا طراد، لو أنني فقدت أنفي مثلما أنت فقدت أذنك اليسرى".
أمَّا طراد الذي تطيشه رائحة القهوة ورائحة سفود الشاورما ورائحة عوادم السيارات التي ليست "غير رائحة طيور النهار"، فقد نشأ في الصحراء يشم من أميال رائحة الإبل والرجال والذئاب، إلى أن وقع في فخ الرائحة. فهذا الذي كان يحصل لقمته ولقمة أسرته من قطع الطريق، وكانت الذئاب ترعاه من بعد وتحذره في آن ـ كما يروي في فصل (عراك طويل) ـ سيروي في فصل (سجناء الرمال) مصادفته لنهار، وعراكهما، حتَّى الرهق، ثمَّ تآخيهما واشتراكهما في قطع الطريق إلى أن يصادفا قافلة الحجاج التي ستوقع بهما، فيدفنان حتَّى الرأس في الرمل. ولأن طراد خان الشجر والشعبان والخباري والغياض والذئاب منذ آخى نهار، جاء الذئب إلى المدفونين تسبقه رائحته، كأنما شم رائحة آدمية، ونهش رأس نهار وأذن طراد الذي يتساءل: "هل الرائحة الزكية النبيلة الفاتنة، ذات الخيوط الطويلة المتشابكة الدائرة، الشبيهة بخيوط العناكب، هي التي أوقعت هؤلاء كما الذئاب؟ هل الرائحة ذاتها التي تشبه طفلاً يقود هؤلاء كالعميان في ظلام الدروب، هي التي قادت الذئاب العمياء في صمت الصحراء، وهي تقطع درب الشفلّح، تهرول صوب رائحة العرق والخوف؟".
كما غررت رائحة الشحم ورائحة المخدر بتوفيق، غررت رائحة الإبل بطراد. والذئب الذي كان "يكنس بخطمه الرائحة الآدمية المنسابة بفتنة فوق الرمل" سيدفع بطراد إلى المدينة، فراراً من الصحراء، بعدما نهش أذنه. وفي الرياض، مثلما كان شذى العطر النسائي النفاذ يفعل في سائق القصر، ستفعل في طراد رائحة معشوقته التي تشبه رائحة الحدائق والزهور الصباحية.
هذه (السحرية) التي للرائحة ستتعزز بما لسحر الحكاية بعامة في الرواية. فالرواية التي تنهض كاستعادة لما عاشه طراد وتوفيق، تتقدم حكاية فحكاية، سواء تجزأت الحكاية أم لا. ولا يكاد يخرج من ذلك إلا فصل (وثائق رسمية) الذي يقدم وثائق العثور على اللقيط وتسميته بـ (ناصر) بلغة بيروقراطية تنضاف إلى ما لوّن اللغة الروائية من النزر العامي البدوي أو السوداني.
هكذا يحكي توفيق حكاية اعتداء الارتيري عليه، وحكاية (أبو يحي الحلواني)، من شرائه لتوفيق إلى دعوى عثوره على كنوز سليمان أو جالوت أو بني هلال ـ يتساءل توفيق مشيراً إلى تجارة الرقيق: "هل نحن الكنز؟" ـ إلى إعارته توفيق لجاره العطار. وهنا تأتي حكاية خيرية بنت العطار في فصل (شهوة القمر) لتنفح المخيلةُ الشعبية والخرافةُ الحكاية بسحر أكبر، فعلى الرغم من التحذير المتوارث من نشر الملابس ليلة اكتمال القمر، تنشر خيرية ملابسها، ويشمّ ضوء القمر الفضي الرائحة، وتحمل خيرية وتلد البنت التي سينسبها الناس إلى أبيها القمر، لكن توفيق الخصي الذي يخدم خيرية، سيعرف سرها وينطوي عليه، وهو السرّ الذي يماثل سر طراد مع معشوقته وابنهما الذي أنكراه، مثلما يتماثل التشويه بين أذن طراد وعين ابنه ناصر وخصاء توفيق، أو مثلما يتماثل فعل المخيلة الشعبية والخرافة في حكاية خيرية، معه في حكاية اختفاء (سياف) شقيق طراد الأكبر الذي اختطفه جنية وتزوجته وبات أعظم ملوك الأرض...
تبدو الحكاية حاجة روحية مسيسة لتوفيق وطراد. وربما لذلك يخاطب الأول والثاني: "ولنضيء ليل الرياض النائمة كعجوز بدينة بالحكايا والحزن الطويل".. ولأن الرواية قائمة بالاستعادة ـ الحكاية، اتكأ لعبها بالزمن، تقديماً وتأخيراُ، على مثل هذه البداية من حكاية إلى حكاية: "ذات ليل ـ ذات صيف ـ ذات عصر ـ بعد سنوات.." وعندما تستوفى الحكايا أخيراً، ويخطف ناصر الملف الأخضر من يد أبيه، يمور في القراءة ـ على الرغم من فجاجة المصادفة ـ وجع شفيف ملء دهشة اكتشاف ذلك الفضاء الصحراوي والسوداني والمديني، الذي عجن توفيق من الرق إلى العتق، كما عجن طراد من البداوة إلى المدنية، وحيث بدا أن العبد ظل عبداً، وهو يحمل ورقة حريته، ضالاً في الشوارع، لا يملك قوتاً ولا يعرف صنعة، وليس لـه ما ينافس به في سوق العمل ذلك الوجه اللبناني النظيف أو البنغالي الذي يعمل بأجر أرخص فأرخص، كما بدا البدوي ابن البراري والقبائل الحرة قد غدا مسخرة من حوله حتَّى لم يعد يطيق صبراً، فقصد محطة الحافلات، ولكن إلى أين، بعدما صادف الملف الأخضر في بداية الرواية، وصاحب الملف ابنه في نهايتها؟
2 ـ محمد أبو معتوق: جبل الهتافات الحزين( ):
من النادر أن يصادف المرء رواية عربية ساخرة. وقد يكون ذلك وحده كافياً لدراسة مثل هذه الرواية، (جبل الهتافات الحزين) لمحمد أبو معتوق ولكن بعد أن نبين أن المعنيّ ليس الرواية التي يكون للسخرية فيها نصيب. ولعل ضرب المثل برواية إميل حبيبي (الوقائع الغربية) أن يبين المقصود.
فمن هذه الرواية ومن جملة الكتابة الروائية لإميل حبيبي، يمكن للمرء أن يبلور علامات كبرى للرواية الساخرة. وإذا كان ذلك في حضورٍ لما قيل في السخرية والأديب الساخر بعامة، وأقربه وربما أهمه كتاب بو علي ياسين (بيان الحد بن الهزل والجد ـ دراسة في أدب النكتة)، فيمكن للمرء أن يعدد من تلك العلامات: كتابة الواقع الساخر، وليس وقع الساخر، تماماً كما اقترح يوسف المحمود للقصة القصيرة الساخرة، كذلك: الاشتغال على المبالغة والتورية والغرائبية من بين مقومات الساتير، والاشتغال على تبادل الأدوار بين النقائض، والقياس على الخطأ، واستغراب المألوف، وتداخل العوالم، والمفارقة اللغوية، والمقلب، والمواربة، ما رسم بو علي ياسين من بنية وتفانين النكتة. وقد يشدد بعضهم على أن يكون ذلك كله في فضاء الهامش والمدنس.

وبناء على ذلك تقبل القراءة على رواية محمد أبو معتوق (جبل الهتافات الحزين) كرواية ساخرة بامتياز، فكيف تحقق لها ذلك؟
تتمحور هذه الرواية حول حامد الطروقي الذي غلب عليه لقبه (عجروم). وتتابعه الرواية من طفولته إلى شبابه في مدينة حلب، بين منتصف الأربعينيات ونهاية الخمسينيات من القرن العشرين. وتقوم السخرية في هذه الرواية أساساً بتكوين المحورية، وبالزبالة. فلعجروم علاقة معرفة واكتشاف حميمة بالزبالة. والزبالة لـه عالم متكامل غني ومعقد وآيل للسقوط وحافل بالإشارات الغامضة إلى ماض قريب، وهي خلاصة من خلاصات الوصول إلى المجد والسلطان، أمَّا عود عجروم الذي ينكش به جبل الزبالة فهو بمنزلة عصا الجنرال أو عصا المايسترو. وسيغدو جبل الزبالة مقام عجروم بعد طرد والده له، ومفجر وشاهد تحولاته، وفضاء أحداث كبرى، شخصية وعامة. كما تعلن الرواية أن هذا الجبل هو السرّة التي تربط حياة حي التضامن بالمدينة. موقّعةً ومنوعةً على لازمتها الكبرى "في الليل العميق والظلمة العميقة".
وتربط عجروم أيضاً بالماعز علاقة ود ومصارحة، فالماعز يحب الزبالة، وصريح حد التهتك. فمن بين الحيوانات العجماء والناطقة، هو وحده الذي لا يخفي عورة. ولقد شهد جبل الزبالة علاقة الفتى عجروم بالراعية علياء، والغزل أو الاتصال بالعض الذي سيغدو لغة عجروم العاطفية مع بنات خالته الثلاث، بعدما ينتقل مقامه من الجبل إلى بيت الخالة. كما سيغدو العض والخلط بين المعضوضات وباءً اجتماعياً، ما سيقسم المدينة ويذر قرن الخلافات والانقلابات. هكذا يصبح (العض الغامض) ناظماً لعلاقات الناس، ويطلق شعارات الحزب الشعبي فيها: (القوة ـ المواجهة ـ التضامن) فيخلط سورية بالعراق والأردن عبر الدعوات الشهيرة التي دوّت في نهاية الأربعينيات ومطلع الخمسينيات من القرن العشرين.
هكذا توحد السخرية بين الشخصي والعام، بين الحب والسياسة، فعجروم الذي يقع في هوى (هدى) بنت السياسي والملاك (الوزان)، يخاطب جبل الزبالة: "أيها التخمر البطيء الذي يكوّن الصداقة، كيف يتكون الحب المفاجئ؟ أيتها العلاقة التي توحد بين النفايات الرخيصة والنفايات العظيمة، من يوحدني بها (بهدى)؟".
على مستوى آخر، وإثر الانقلاب العسكري الذي جاء باتفاقية التابلاين إلى سورية، تقلّب السخرية الروائية المواجع بين تمديد المجارير في الحي الشعبي وبين أنابيب النفط والكهرباء والرجولة، وما ابتدعت الرواية من وزارة للفحم والأنابيب. فالمجارير نشرت الذباب، ما دفع بالمواطنين، بعد أن أعياهم اللطش والكش والذب، إلى أن يطلب الواحد من رفيقه أن يصفعه كلّما رآه، عوضاً عن التسليم عليه ومصافحته، فكانت الصفعة تسقط مائة ذبابة وأكثر من على وجه الصديق.
وكما اشتغلت روايات جمّة خلال فترة الانقلابات العسكرية التي عصفت في سورية أواخر الأربعينيات ومطلع الخمسينيات من القرن الماضي، تشتغل رواية (جبل الهتافات الحزين). ولئن كانت هذه الرواية قد سمّت قادة الانقلابات (حسني الزعيم ـ سامي الحناوي ـ الشيشكلي)، فقد تلاعبت بأسماء الأحزاب فالحزب الوطني (الشامي أساساً) سُمّي: حزب الوطن، وحزب الشعب (الحلبي أساساً) سُمّي: الحزب الشعبي، وحزب البعث سُمّي: حزب القلعة، والحزب الشيوعي سُمّي: الحزب الأممي، والإخوان المسلمون سمتهم الرواية الحزب الديني. وتنادي هذه المواربة والتورية التعيين الروائي الذي يبتدع من تاريخ وجغرافية سورية تاريخه وجغرافيته، فتلجأ الرواية إلى التناص، وتثبت نص البلاغ رقم واحد للانقلاب الأول، فيبدو تبديل أسماء الأحزاب من السذاجة بمكان، لا تنفع فيها تقية ولا تفي بحق السخرية. وينتأ هنا بخاصة الحرص على الموازاة بين كل انقلاب وبين حدث ما في الحياة الشخصية لعجروم، وهو عمدة (الوزان) في الانتخابات، مع أنه طالب من الإعدادي إلى الثانوي!
هاهنا بدا عجروم مسخراً لأداء المسرودية التاريخية بالأسلوبية الساخرة. لكن عجروم ظل ـ في المحصلة ـ شخصية روائية ثرية ومعقدة وديناميكية، بفضل ما وفرت له الرواية في نشأته وتطوره وعلاقاته. ولعل ذلك قد كان كافياً لتقدم الرواية قراءتها التاريخية من دون نتوءات التناص أو اللاتعيين أو تحميل عجروم ما لا يحتمل. وربما كان ذلك بالتالي أوفى للدلالة الروائية على نزع التمجيد عن تلك الفترة من تاريخ سورية، والهزء برموزها السياسية والاقتصادية والسخرية منهم.
تنطوي الكاريكاتيرية التي تظهر بها شخصية عجروم مثل أغلب شخصيات الرواية (القبضاي أبو الحسنين ـ خليل الأعرج..) على نبض إنساني حار. وتحشد الرواية من العام والخاص ما يؤهب لتطور الشخصية الروائية. على أن الرواية لا تخلو ممّا يثقل على ذلك أو على فنيتها بعامة، كالحرص على شرح دلالات جبل الزبالة، أو كتوسل الأقواس التي تعترض السرد بإضافة ما، حيث تبدو الاعتراضات مجانية غالباً، ويبدو حذف الأقواس أوفى لانتظام السرد.
وما أثقل على الرواية ذلك الحرص على إحالة قلعة حلب إلى رمز، وهو ما سبق إليه وليد إخلاصي ـ الحلبي مثل أبو معتوق ـ منذ عقود في رواية (أحضان السيدة الجميلة). فطالب الثانوي عجروم يمضي إلى القلعة ويحكي لها طويلاً عن محبته، ويطلب منها أن تكون ملهمته، لكن القلعة لا تستجيب. وعجروم يربط بين القلعة وبين الحبيبة هدى الوزان، فيصدم عاشقها وصديقه خليل الأعرج، ويلوي خليل عن عجروم لأنَّ الأخير يحب ابنة الوزان كما يحب القلعة. وأستاذ الجغرافيا يصيح بعجروم: القلعة هي المعرفة، والقلعة هي الناس. وهذا الأستاذ يسمي مؤجرته العجوز بأم القلعة، ويهجوها بمفردات القلعة: حبس الدم والسور التالف وخندق الأحزان...
على أن السخرية لا توفر هذا الترميز المتعالي، فعجروم يهتف: عاشت القلعة ولتسقط الأنابيب ـ أنابيب النفط ـ ويهتف: الحياة للقلعة وفلسطين وإسكندرون.
بالمقابل جاءت أنسنة الماعز تعبيراً ساخراً حاراً، ومثله جاءت أنسنة بغلة القبضاي (المصون) أبي الحسنين، وانكسار القبضاي نفسه بعد زواجه من عدوية، وقبل ذلك علاقته بالعاهرة فطوم. والحق أنه على الرغم من التعرجات الفنية السابقة، ومثلها ما تناثر من أخطاء لغوية (ص 5 ـ 158 ـ 466...)، فإن (جبل الهتافات الحزين) تتقدم كرواية للزمن المستعاد ومأساوية حد السخرية، ورواية ساخرة حد الهجاء والبكاء. ولا تخفى إفادة كاتبها في حواراتها من عهده بالكتابة المسرحية، كما تنمّ عن خبرة عميقة في الحياة الشعبية، وتحفل بالدلالات التي تخاطب يومنا وغدنا، إذ لا نعدم ولن نعدم من يرتطم مثل عجروم بجثة الاستعمار، فيظهر لديه ميل للتأمل، أو من تغير لـه الشرطة خارطة وجهه فيما خارطة الوطن تتغير من إسكندرون إلى فلسطين إلى... إلى سائر ما يدغم الرواية والسخرية في نسيج حياتنا وتاريخنا.
3 ـ محمد هاشم: ملاعب مفتوحة( ):
باللمسة المبدعة التي تكشف المجهول في المعروف جداً وجيداً، تتقرى رواية محمد هاشم (ملاعب مفتوحة) خراب الحاضر على إيقاع خراب العقود الخمسة الماضية، أي عبر حياة الراوي الذي يقدم الرواية. بالتناوب بين ضميري المتكلم والمخاطب، حيث تقوى الغواية بالسيرية، وحيث تبدو المادة الروائية رقيقة ومعقدة ورجراجة معاً، لكنها تسري في القراءة سرياناً محموماً بما توفر لكتابتها من الحساسية ومن الذكاء.
أمَّا الحاضر فعنوانه اليأس والانكفاء الذي يتوّج حياة الراوي مصطفى، المولود إبّان اعتقال الشيوعيين المصريين في عهد عبد الناصر، لتبدأ معارك الطفولة وتتواصل حتَّى يبلغ مصطفى معارك الحاضر. وللمعارك جميعاً ذلك السبب: البقاء "رغم وجود مبرر كاف قديماً، تزايد ليصل حديثاً إلى الإيمان العميق جداً بعدم وجود مبررات أصلاً للوجود قديماً وحديثاً".
يسترجع مصطفى ما عاش عشية الاحتلال الأمريكي للعراق. بينما تأتي مزاوجة الحاضر بالماضي مع اقتراب الرواية من النهاية ـ بالإضافة إلى ومضات سابقة ـ فالاسترجاع النابض بالحنين والأسى هو ما تبدأ به الرواية وتمضي، ولكن غير راثية ولا مصنّمة، بل متوسلة السخرية وهي تحاول إحياء الرميم من فضاء موطن الطفولة (طنطا) بذاكرة دقيقة ستجعل الرواية تعجّ بالأحداث والحكايا والشخصيات والمسميات.
فالجمهورية المصرية الأولى التي ولد فيها مصطفى هي جمهورية عبد الحليم حافظ الذي كان يغني لأواخر الخمسينيات الناصرية من القرن الماضي (على راس بستان الاشتراكية / بنغني غنوة فرايحية). هاهنا جاء الاسكندراني الحاج شوقي إلى طنطا ليقيم مصنعه "استجابة لنداءات ساذجة مثل التمصير والصناعة الوطنية". ثمَّ جاءت الجمهورية الثانية بموت أولاد الحاج الثلاثة، بينما يعلن أحمد عدوية سلطة السحّ الدحّ أمبو، ونجوى فؤاد ترقص لنيكسون وكيسنجر. وإذ يتنازع باقي أولاد الحاج على (المسكن) المتوقف وعلى ملكية الأرض الخراب (فشل الإصلاح الزراعي والتصنيع) ويتيهون في الأسواق (فشل الانفتاح) بعد إعلان السادات نعيم البزنس والتخلص من صداع الحرب ونكد فلسطين؛ بذلك تأتي الجمهورية الثالثة التي تبلغ ذلك "العجين السياسي الخاص بابن الرئيس القاعد على الكرسي من سنة 1981".
في هذا (التاريخ) الروائي يسيح الاتحاد الاشتراكي "كقطعة ثلج تحولت لماء، سرعان ما تتبخر، وتحولت الاشتراكية إياها وأي اشتراكية أخرى حتَّى قومية الطراز أو المستوردة ـ قبل زمن الفراخ الفاسدة وزمن يوسف عبد الرحمن ورؤسائه والمبيدات القاتلة وأثنائهما معاً، إلى كلمة تجلب لقائلها غضب الحكومة وسخرية الجمهور إياه الذي انتظر وغيره أن تلعب البيله وتسلك المسالك...". ومن ذلك العهد الذي فرض على لويس عوض في سجنه أن يحمل جردل الغائط، من عهد الكبار الذين يقسمون بالمنجزات القومية على ذبحٍ أي معترض على استكمال المسيرة الثورية، طلع ماكي ومسعود من رفاق صبا مصطفى، وتعاوناً زمنا على مساعدة الحجاج في التخفيف من ثقل النقود المربوطة حول الخصور تحت ملابس الإحرام. أمَّا الآن فقد بات ذلك النشال ماكي صاحب وكالة "المدينة المنورة لتجارة السيارات". وهاهو المعلم الدسوقي الذي تبدأ الرواية بموته وموت زوجتيه يؤثر في الاقتصاد الوطني من خلال جهوده الخلاقة في تهريب دقيق المخابز وبيعه خارج التسعيرة "إضافة لثقافته القانونية الواسعة التي ساهمت في إنقاذه من قضايا التموين". وليست السخرية وقفاً على هذا (التاريخ) الروائي، بل هي ترسم الشخصيات والعلاقات. ففي ملعب الطفولة حيث يتسيد مصطفى وسيد ابن المعلم الدسوقي، يقوم السباب البريء، ويتسلحان بالزلط لممارسة البراءة "وطرد الهكسوس من الملعب، إذا فشلت مفاوضات إدماجنا في الفريقين أو في الحوار البريء المتواصل". ومثل ذلك كثير سيجعل من النكرات الروائية ـ الشخصيات الروائية المتكاثرة والعابرة، معارف بامتياز، مثل زهرة وعنايات زوجتي الدسوقي، أو عم عبد الرزاق القهوجي أو الدكتور حمدي أو ربعة الجزمجي أو الشيخ كوته...
خرج مصطفى من طنطا عام 1968 إثر قتل أبيه لزغلول، وهو الحدث المفصلي الذي يومض مراراً قبل أن ينجلي في نهاية الرواية. وقد كان مصطفى يعود إلى مرتع الذكريات من حين إلى حين، أمَّا العودة الحاسمة التي تقوم بها الرواية فتأتي عام 2003 وهو يتخيل زغلول ويفتش في طنطا عن ظلال ما في ملعب المعركة الحاسمة الأولى. ولأن البيوت تغيرت "وتسرب الجميع تدريجياً بين الموت والرحيل فأنت تحاول الآن استعادة كيفية خروجك من هناك وسط الصليل والقعقعة". ولئن كان الاسترجاع يفور بالشخصيات والأحداث والأمكنة في بداية الرواية، فستلي هذا هدأة لما هو أكبر أثراً، وفي رأس ذلك تأتي نرجس التي انتحرت، فكان لها في روح مصطفى ملعبها المفتوح. وببلوغ الرواية أخيراً حاضر مصطفى تصير روحه ملاعب مفتوحة، فيخاطب نفسه على إيقاع سقوط بغداد: "عد همجياً كما كنت صغيراً، حيث الناس أطيب وإن قتلوا. سلّمْ الكتب للهواء أو النار أو بائع الروبابيكا، هاأنت الآن بين خيارين أحلاهما مر. قاتل أو قتيل في ملاعب مفتوحة، ليس للعب
فيها قواعد".
لقد صار مصطفى كاتباً يعيش من تدبيج عروض الكتب والندوات في مجلات الخليج التي تغلق تدريجياً ـ كما نقرأ ـ وينوء تحت وطأة الزواج واللقمة، فيقوده شيك وقعه بلا رصيد إلى السجن، ويهتف بشعار الحاضر:
"أخي المواطن ضع يدك في جيب المواطن" وجيب المؤمن لأخيه المؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً لمحلات الكباب (الشو sho) البلدي في الحسين". ويبلغ اليأس بمصطفى أن يتحاشى النظر لوجوه الخلق جميعاً، وأن يؤثر النظر للشارع في المطلق.
إنها سيرة مصطفى وجيله التي ترسم عالماً من الخرائب والفوضى. وهذا العالم الروائي هو بامتياز عالم الخرائب والفوضى، ولكن بعد أن يكون لـه بالكتابة نظامه، أي تقوم الرواية بفنها، ويكون لها ـ كما عنون محمد هاشم روايته ـ ملاعبها المفتوحة، وهي الملاعب ـ الرواية التي لم يشغل نفسه محمد هاشم بتزويقها الحداثي، بل ترك الشخصية المحورية (الراوي مصطفى) مثل الشخصيات ـ المعارف ـ النكرات تتشكل بالحب والعنف والمكر والتمرد واللامبالاة والحسد، لكأن الشيطان هو سيد هذا الفضاء في الجسد والسياسة والاجتماع. وفي الآن نفسه، لكأن القيم النبيلة الضائعة تؤكد وجودها وسط ذلك كله وبرغم ذلك كله.

dabe3
05-18-2010, 02:11 PM
4 ـ الحبيب السالمي: عشاق بيّهّ
لحظة الوقوف على حافة القبر، تقدم رواية (عشاق بيّه( )) أربعة عجائز يقتربون من الثمانين في ركن منسيّ من الريف التونسي، وفي زمن لا يحدده إلا إدبار عهد الفرنسيين والاستعمار، وإن يكن بوسع المرء أن يخمّن زمن الاستقلال كزمن روائي في خمسينيات القرن الماضي، وما دامت الرواية تخلو من أية إشارة إلى ما تلا ذلك في العقود الأربعة الماضية. ولئن وشى ذلك بأولوية الشخصية في (عشاق بيّه)، فسرعان ما ستؤكد الرواية بصمت رهيف أولوية الزمن وأولوية المكان اللذين عجنتهما الشخصية وانعجنا بها، مثلما ستؤكد الرواية ذلك كله بسردها المتفرد في عريه وصمته ـ هل يفسح النقد لمثل هذا التعبير؟
تبدأ الرواية بالحركة شبه الوحيدة، والتي تنظم عيش العجائز الأربعة، كما تنظم السرد. فتحت (زيتونة الكلب) يجتمع البرني والمكي ومحمود الصبايحي والطيب. وكما في نهاية الرواية، هي ذي في فاتحتها الرواية ساعة البرني الذهبية الألمانية، تطلق القول على وجهيه: الظاهر الذي يحرك الذكريات ويمتلئ بمشاحنات أصدقاء العمر، والباطن الذي يؤكد أن الزمن هو البداية والنهاية لأولاء المتطوحين على حافة القبر، مثله مثل زيتونة الكلب.
بتكليف من الحكومة، كان والد الرني من يردع زرّاع حشيشة التكروري، وهو من جاء بأول ساعة إلى دوّار العلا وكل الدواوير، وأورثها لابنه الخبير بتجارة الغنم، وصاحب اللسان الذي يغزل على الحرير كما يقول محبوه، والمنبهر كغيره بقوة الألمان. ولقد حفظ البرني القرآن، وسافر وخالط العلماء ـ رجال الدين، ويسّر لمحمود الصبايحي الزواج من خدوج ـ شقيقته المتوفاة. وإذا كان الصبايحي مهووساً بالدقة والنظافة، ويكابد السل وسعاله، فالطيب الذي يصفه البرني الأعمى، هو من يقلل من شأن الساعة، فتثور ثائرة البرني، فيما رابعهم وأصغرهم المكي الذي ينادونه بالفرخ، يزدرد في انطوائيته متعة المشاحنة ـ الحوار، حتَّى يهتف بهم محمود مباغتاً بالدعوة إلى الوضوء والصلاة.
لن تذكر الساعة بعد هذه البداية حتَّى تختم الرواية بموت محمود وحزن صحبه عليه، وقدومهم بعد دفنه إلى الزيتونة، حيث يتشاحنون بشأنه، ثمَّ يخرج البرني ساعته، ويتأملها طويلاً، ولا يعاكسه الطيب. والبرني الآن هو من سينادي إلى الوضوء والصلاة، لنودعهم أخيراً وهم "يركعون ويسجدون. وبين حين وآخر ترتفع أصواتهم للتكبير في تنافر لذيذ. والخلاء من حولهم يصغي".
بين هذه النهاية وتلك البداية تتوالى لقاءاتهم التي اعتادوها منذ أعوام عقب الغداء والقيلولة، إذ يحملون أباريقهم ويمضون إلى زيتونة الكلب حتَّى المغيب، ولا ينقض ديدنهم مطر ولا حر ولا جنازة ولا عيد ولا مناسبة. وقد يلعبون لعبة الخربقة, و يفيدون من صندوق الصبايحي (المقصات وماكينة الحلاقة...) ويتقلبون مع ناظمهم الآخر للوقت وهو ظل الزيتونة "يحكون صدورهم وظهورهم باستمتاع واضح. ينظفون أسنانهم وآذانهم بما يعثرون عليه من أعواد. يقلمون أظافرهم ويعالجون ثآليلهم وبثورهم ودمّلهم. يذرون الرمل الساخن على وجوههم المفتوحة بعد أن ينظفوها من كل ما تجمّع فيها من قيح ودم فاسد".
بمثل هذه اللغة التي تناجز الماضي ـ الشيخوخة بفعل المضارع، يقيم السرد فصلاً من الرواية ففصلاً، كما يقيم الحوار فصلاً، مشبعاً بخصوصية كل شخصية، كأن يرمي المكي (المثقف) فيهم: البرني، بأسئلة الموت والقيامة والجحيم، فتربك الأسئلة دخيلة البرني. وستقلق مثل هذه الأسئلة سريرة محمود الصبايحي فيما برد الشتاء يلفحه بالموت، مثل قطرات الدم التي يقذفها سعاله. وإذ ينتصر محمود على الشتاء سنراه يصرّ على الانفراد تحت الزيتونة، والظلام يلفعه، ونقرأ: "كان يشعر بأن ثمَّة ما يشده إلى زيتونة الكلب كما لم يشده أبداً من قبل، منذ أن صار يتردد إلى المكان. إحساس غريب لا يدري كيف يصفه، إذ إنه خليط من الكآبة والانتشاء والخفة والتخلص من عبء ما".
من قبل، ومع مخاتلة الموت للقاء الأصدقاء كل حين، ومع مخاتلة الذكريات، تنهض الرواية على ما يتعلّق بالأرملة (بيّه) التي صارت تُنادى (الهجّالة). وأول ذلك هو حضور شقيقها العيدي إلى الزيتونة شاكياً دعوى مراودة محمود لها، ما شاع في الدوار. وسيكون تحقيق الآخرين الذي يقوده البرني حتَّى يقاطعهم نداء الصلاة. ثمَّ ستكون رواية الصبايحي لنجدته (بيّه)، مكذّباً ما روت عن اعتدائه عليها. وسيكون أيضاً تحقيق البرني مع محمود، بمعزل عن الآخرين. فالبرني لم يكف يوماً عن اشتهاء (بيّه) في سره، منذ رآها في الخلاء عارية. وهو، وإن كان يعرف أن نفسه (ماتت) منذ زمن بعيد، لكن قلبه يلهف بذلك الشيء "الذي هو هبة ونعمة من عند ربي"، ولذلك يثير غيرته من أن يصدق ادعاء الهجالة، ويكون محمود قد تمكن منها، كما يعزيه أن محمود ـ في هذه السن ـ لن يقدر على ذلك. وهاهنا يحضر علي ابن المكي من مهجره الألماني فيخضّ العصابة كما يخضّ الدوار.
فعلّي الذي ملّ الروميات "مملتُ اللحم الأبيض البارد.. أريد لحماً حاراً" يتزوج (بيّه). ومن مناوشات العجائز بالعمل المعيب الذي كان لعلي قبل الهجرة (ممرض مخدِّر) إلى شائعات طلاقه وزواجه وما جاء به لأبيه ووعده لـه بالحج، إلى ما يفجره حضوره من ذكريات محمود عن الألمان، وما يفجره عرسه من ذكريات محمود عن عرسه هو، ستشغل (بيّه) الجميع. وسيشعر البرني بقليل من الحقد على ذلك الذي ظهر فجأة ليفسد الأمور، ويحدث خللاً في نظام الدوار، كما سينفجر هذيان الطيب أمام صحبه عن الهجّالة، فهو الآخر عاشق لها في سره. وإذا كان سيبدو نادماً على ما هذى به، في خلوته مع البرني، فالأخير سيحلم بالهجالة تحت الزيتونة، ولكن زوجته لن تلبث أن تملأ الحلم، حتَّى إذا مضت (بيّه) مع علي إلى ألمانيا، رانت الذكريات على الفصول التالية، من المكي وأصطحابه لابنه علي، إلى سرقة الزيتون والأرانب والدجاج، فسرقته الحمير من دون ابنه، وبصحبة الطيب.
ولأنه لابدَّ من حكاية ما، فالبرني يلح على الطيب أن يحكي حكاية حانوت القمار، والطيب الذي لا يجيد حكي الحكاية، يحاول أن تكون هذه المرة أجمل من أية مرة سابقة.
لا يغفر البرني لبيّه زواجها من آخر "كأنه كان لابدَّ أن تظل أرملة إلى الأبد. منذ أن شاءت الصدفة أن يراها عارية. كأنه كان ينبغي أن تبقى له وحده رغم بعدها". وكما في حضورها، ستشغل بيّه عاشقها في غيابها، فالعيدي يأتي العجائز برسالة منها تشكو فيها الزوج الذي تكشّف عن لصّ. وإذا كان البرني يخشى الدفاع عن بيّه كيلا يثير شكوك المكي القديمة، فهو يتشفّى من ابن المكي، ويحار الآخرون الذين يخشون جرأته وصراحته، في صمته.
يتفق العجائز على كتابة رسالة إلى عليّ ليبدل سلوكه مع بيّه. وعندما يخبرهم العيدي بشكواه لدى الحاكم على عليّ، تبدأ بيّه تتحول إلى امرأة عارية بالنسبة للبرني، وذلك يذكره بالموت وانطفاء الرغبة، ويغمره الإحساس العميق باللامبالاة، وبهدأة الروح والجسد وقد استعاد توازنهما المفقود، بينما نرى الطيب يبالغ فيما يحسب أنه ينتظر ابن المكي عند الألمان من سوء، لكأنما ينتقم بذلك لعشقه ولمعشوقته وينجدها، ويعاقب زوجها. وربما تراءى بعد كل ذلك أن بطولة الرواية تنعقد لهذه المرأة التي لا يحضر في الرواية من الجيل الأصغر فالأصغر سواها وزوجها وشقيقها. بيد أن عشق الطيب والبرني لبيّه، وانعقاد فصول جمّة عليها، يظل محكوماً بلحظة العجائز الأربعة على حافة القبر، وبالتالي: بالزمن، والذكريات، والموت، وبزيتونة الكلب التي ترمّز كل ذلك. فهي المكان السري المقدس والغامض كما يراها العيدي، والتجويف الهائل في جذعها هو القبر المائل دوماً لمحمود، وللجميع هي ذلك الكائن اللازمني الذي تستمر الحياة فيه بإيقاعها السري.
5 ـ ميرال الطحاوي: نقرات الظباء :
تنقش ميرال الطحاوي في رواية (نقرات الظباء( )) شاهدة القبر على ذلك العالم البدوي، وعلى النسوي منه بخاصة. ولعل ذلك يفسر تصدير الكاتبة لروايتها بهذه الشذرة الكاوية "على صدري حطّيت شهايد / بلا موت يا عَلَمْ. ولعل ذلك يضيء أيضاً وأولاً لعبة الرواية في انبثاق عالمها من هذه الصورة أو تلك، ما بقي من العالم الدائل معلقاً على الجدران، ومنداحاً في الشفوي (الحكاية والغناء) وفي الأثر، لتبدو الرواية في جملتها حفراً في الروح والجسد والطبيعة والثقافة، حيث تغدو الكلمة مسباراً أو فرشاة أو كاشطاً ما يتوسل الأركيولوجي، وحيث تقوم لعبة الرواية على الحساسية البالغة، والحذر، والبحث، وبنبضها الإنساني الحار، سواء كان خافتاً، أو صاخباً، وسواء قامت في الرواية الوشاية بالسيرة أو لا.
هكذا تبدأ (نقرات الظباء) ممّا في الإطار من صورة هند أو انشراح أو سقاوة أو سهلة، وما هو خارج الإطار. وإذا كانت الصورة الأولى تطلق قصص من فيها وتشبكها حدّ التيه، فإن ذلك سيهدأ رويداً، وباطّراد مع انفراد أحدهم أو إحداهن. بصورة تالية، وبالتالي بقصة واحدة في فصل واحد، تضيء ما تقدم ـ وما سيلي ـ وتضيف إليه.
ومنذ البداية تلوح الرواية بما لعله مفتاحها الأكبر، ما يتصل بالعنوان (نقرات الظباء). فهند التي أدخلوها بيتاً طينياً وسدوا منافذه حتَّى ماتت، تحكي حكاية السهى ـ الظبية التي ركضت في السماء. ولأنها تركت وليداً صغيراً على الرمال، لا يعرف كيف يهرب من صياده، تركت له نقراتها المضيئة نجوماً تتنبأ بمواضع الخطر. كذلك هي الجدة النجدية التي تأتي إلى الرواية من خارج إطار الصورة، والتي تتخيل يوميات ـ أسرار هند في الكشكول، ما لم يعرفه أحد، فهذه النجدية تراقب من فتحة السقف نقرات الظباء وهي ترحل: نجمات قليلة متناثرة تركض في السماء.
من هذا المفتاح ـ العنوان تأتي كبرى إشارات الرواية إلى الطبيعة والأسطورة والمصائر التراجيدية الفردية والجماعية. وهذا ما سيتوالى في رسم الفضاء البدوي والمدني، بينما تتقلب به عقود القرن العشرين، من العهد التركي والإنجليزي والملكي إلى عهد جمال عبد الناصر والإصلاح الزراعي، وحيث يتصادم التاريخ بالسيري والتخيلي، وتتلاطم القبلية وأنساب البشر والخيول، وتنمّ الرواية عن مكنة مذهلة من مفرداتها في الجوارح والخيل والصيد والغناء والحياة اليومية. وسيأتي الكثير من الرواية فيما تنقل الراوية بضمير المتكلم عنها وعن أبيها وأمها وجداتها وأجدادها، لكن الكثير أيضاً سيحمله الضمير الثالث ـ الغائب. ومن جملة ذلك سينهض الفضاء بين إقطاع البدو، وخليج منازع وعبيدهم والخيام والجبل الأخضر ومصيف مطروح والقاهرة ومهاوي القنص التي تترامى حتَّى كندا وأستراليا، ومواطن العلم حتَّى فرنسا وأمريكا و..
وسيمور هذا الفضاء بحيوات الجد الكبير محجوب والجد منازع والعبد سهم ولملوم الباشا الباسل وابنته سهلة التي سيتزوجها والد الراوية.. ومن النساء: العمة مزنة وسقاوة التي أتى عليها الصداع والتشنجات، وانشراح التي فقدت ذاكرتها منذ نجت بالذهب من العسكر الذين جاؤوا لتطبيق قرارات الإصلاح الزراعي وتشتيت الملكيات الكبرى المترجرجة بين البداوة والفلاحة والترحال والاستقرار.
لكل من هاته الأسماء والأحداث، ولسواها، قصته التي تقدمها رواية (نقرات الظباء) مفردة أو مجزأة، لتبدو متناسلة من سواها، أو أصلاً لسواها، ومتقاطعة مع سواها. وإذا كانت الصور منطلق القصّ، فللرواية أيضاً صندوقها، كما يليق بالقص الشعبي والشفوي الذي يغالب البهوت المألوف عندما يغدو مكتوباً في رواية، وحيث امتحان الأكزوتيكية الذي تتحول معه الرواية، فيما هو غالب، إلى معرض للعجائبي والغرائبي، وإلى تلمذة غير نجيبة للواقعية السحرية، وإلى غواية ـ استخذاء أمام بريق الترجمة والعالمية.
لكن ميرال الطحاوي تدير ظهراً لذلك. ولعلها من أجل ذلك عددت اللعب الروائي. فهند نفسها ما فتئت تعود إلى العالم الذي خنقها، صبية صغيرة بضفائر، ولكن في هيئة قطة، لتتواصل قصتها، ويشتبك عرسها باستقالتها من الحياة، بجنونها، بلوحات بيير كام الذي يسمّي نفسه سليمان، ويعدد اللعب الروائي منذ أن أخذه العالم البدوي إليه، وراح يرسم عبيد هرر أو هنداً عارية أو مهرات مستكينة، لإحداها عينا هند. ومثل لوحاته يمتلئ صندوقه بمذكراته وحفرياته، ليكون ذلك التصادي مع رواية (خارجة الحب) لأهداف سويف في لعبة الصندوق، ومع ثلاثية إدوار الخراط في الحفريات.
لكن أي لعب في رواية (نقرات الظباء) يبدأ من، وينتهي إلى لعبة الصور. ففي ختام قصة ـ فصل انشراح، يأتي طرف الخيط في يدها صوراً غائمة "تحاول استكمال تفاصيلها، وكأن ثمَّة طريقاً عليها أن تتعقبه، ومصيراً مماثلاً مجبرة على تكراره. كانت هند تأتيها كثيراً، تحدثها أن تغلق ذلك الصندوق، لكنها كانت مصرة". وإذا كان إطار الصورة ـ إطارات الصور ـ المذهّب قد أصبح بلون الرمال باهتاً، فلأن الزمن فعل فعله في الأصل، وصارت الصور "مجرد أشياء تعسة تحتاج إلى الكثير من الترميم، مثل الحمامات التي تخرج منها صراصير وأسراب نمل، أثاث عليه بقايا سنوات كثيرة أتعبته".
وهذا هو المآل إذاً: موت ذلك العالم، ما أشّرتْ إليه مغادرة والدة الراوية إلى البيت الموروث في منيل الروضة بالقاهرة، تاركة الأب والعمة...، أو ما أشّرتْ إليه خيبة النداءات لوصل النسب مع الأرومة العتيدة في الجزيرة العربية.
لم ينفع في درء هذا المآل أن يكون والد الراوية قد تعلم في فيكتوريا كوليج، أو أن يكون قد وفّر لابنته تعليماً أكبر، أو أنه عاد من سعيه خلف نزاع بني سليم وهلال بديوان من الشعر النبطي. فالحلم بإصدار جريدة باسم القبيلة يكون شعارها (البداوة أصل الحضارة) قد تبدد، وما بقي إلا سؤال أبو شريك العيادي كلّما لاقى حفيداً "ابن من يا ولد". لكن الأحفاد الذين سئموا ترداد أنسابهم العتيدة وحكايا العيّادي ـ الظل الأخير للماضي، باتوا يحاولون التخلص منه. والسيرة التراجيدية تنقفل على هسيس خافت ولائب، ترسله هند بخاصة، فيذهب بدداً.
6 ـ محمد إبراهيم الحاج صالح: أحداق الجنادب :
من نصف سورية الشرقي، وبعد انتظار طويل، جاءت الرواية على يد عبد السلام العجيلي، وإن تكن القصة قد ظلت هواه الأكبر. وفي انتظار تالٍ أقصر بدت القامة السردية السامقة للعجيلي شبه وحيدة، بينما تتوالى روايات سليم بركات وخليل النعيمي، ومن بعد، روايات إبراهيم الخليل ومية الرحبي وخليل صويلح، وأخيراً: محمد إبراهيم الحاج صالح الذي قدم من القصة القصيرة إلى الرواية، شأن شيخ الجميع العجيلي، وشأن إبراهيم الخليل ومية الرحبي، بينما جاء سليم بركات وخليل صويلح ـ وبندر عبد الحميد أيضاً ـ من الشعر. ومن جملة ذلك توفرت للرواية نكهة ذلك الفضاء الفسيفسائي الشاسع شرقي سورية، ببدويته وفلاحيته، ولاسيما: بكرديته (سليم بركات)، وبدت السيرية حاملاً روائياً بامتياز، من سليم بركات وخليل النعيمي إلى خليل صويلح ومحمد إبراهيم الحاج صالح الذي تلت روايته (أحداق الجنادب( )) تلك العلامة الفارقة التي رسمتها مجموعاته القصصية (قمر على بابل 1993 ـ دفقة أخيرة ـ 1995 ـ عصا اللافتة ـ 2000).
بخلاف ما فعل سواه، وما هو مألوف في السيرية الروائية، اختار محمد إبراهيم الحاج صالح لحظة فاصلة أو مقطعاً حاسماً من السيري. ولعل ذلك هو ما جعله يذيل الرواية بعبارة (لم تتم). أمَّا اللحظة / المقطع فهي ـ هو التخم ما بين الطفولة والمراهقة في واحدة من سنوات الوحدة السورية المصرية
(1958 ـ 1961)، كما تعلن الإشارات المبثوثة إلى جمال عبد الناصر وصوت العرب والخلافات بين البعثيين والمنتسبين إلى الاتحاد القومي في مضافة جد الراوي.
بعيني الطفل الذي كانه الراوي، يرسم عالم الرواية ويقرأه. ويندر أن ينتأ في ذلك حضور الشاب أو الكهل الذي آل إليه زمن الكتابة. وإلى عيني ذلك الطفل، سترسم عالم الرواية أيضاً وتتقراه عيون أقرانه (الدكدوك ـ حمو ـ عليا ـ عبده ـ عيسى)، ليحق للرواية أن يكون عنوانها (أحداق الجنادب) على الرغم من أن ذكر الجنادب سيعبر مرتين فقط في الرواية، أثناء وصف الصيف، فنقرأ في بداية الفصل السابع: "ما إن ترتفع الشمس فوق الضحى حتَّى ينهض الصهد. صهد يملأ الأرض ويفيض إلى السماء ليجعلها خيمة من بلور رهيف. على الأرض لون النبت المصفر ولون التراب المطحون بالعطش وفي السماء لون الرماد. ولا صوت إلا صوت انقصاف القصل من الحر اللاهب وإلا خشخشة القش تحت أظلاف الدواب. حتَّى الجنادب تؤثر الصمت في ظل النبت المصوح الأصفر أو في ظل الشوك". كما نقرأ أنه لو لم تكن الظهيرة قبساً من جهنم لـ "كنا سنحسّ بانتقال الجنادب بين الشوك من ظل ناشته الشمس إلى ظل أبعد". ولعل قراءة المقتطفين السابقين تفي بالإشارة إلى ما تميزت به الرواية: من الروي بضمير جماعة الجنادب ـ الأطفال (عصافير الزبل في تشبيه آخر) إلى الرواي بضمير المفرد، ومن الوقفات الوصفية المدققة المتطاولة إلى الحسّ العميق بالطبيعة، ولاسيما منها بالحيوان، وهذه سمة لعالم روايات سليم بركات. وإلى هذا الذي تميزت به الرواية تنضاف المهارة بلعبتي الارتجاع والاستباق. ففي الأولى يندغم الماضي والحاضر في الزمن الروائي، وتشتبك في السنة المعنية من حياة الطفل وقائع وذكريات شتى، كمجيء البلدوزر إلى القرية بعد الفيضان ورسمه سداً بينها وبين الوادي الكبير، وهو ما سيؤرخ لولادة شقيق الراوي ياسين أو كهرب بنت التونسي بصحبة سائق الحصادة السيرياني، أو كبروز حكمة فارس في انتخابات 1954.. أمَّا لعبة الاستباق فستوفر على الرواية المنازعة بين الراوي ـ الجندب وبين ما صار إليه زمن الكتابة، كما ستلوّن سرود السنة المعنية من حياة الطفل. فحياة التونسي (أبو عبد الله)، سيجمّع الجنادب نتفها لترتسم في عقولهم كأسطورة لرجل خفي لم يكن بينهم، وحنجرة الجد ستعلو لاستقبال وسائل المص... وتتكاثر في الرواية العبارات التي تدغم زمن الراوي بزمن الكتابة، مثل "سنفهم نحن الصبيان فيما بعد" و"سنعرف لاحقاً" و "سنعرف تماماً عندما نكبر".. وفي هذا ما يتصل بانتظام الرواية زمنياً، حيث تلون التتالي الغالب فاتحةٌ ما للسرد، مثل: "كنا في أول الصبا" أو "مضت أيام طويلة".
هكذا تقدم الرواية أحداثها، وتقدم شخصياتها بمقتضى كل حدث، وما يتصل به من مكان فمكان، أو ما يستدعيه من الماضي. وبداية ذلك تكون في مضافة الجد، حيث الوسائد والسجاد ـ سجادة الغرباء والسلطة ـ والقرم والركوة والفناجين وصباب القهوة والشيوخ والممنوعات على الشباب، وحيث الحكايا والصمت. ويتوسل الكاتب غالباً في الوصف المدقق للمكان أو الشخصية أو الحدث الجملة الطويلة التي كان يمكن لها أن تكون أيسر وأسلس، لو أن الكاتب راعى علامات الترقيم. ولعل هذا المثال من الجملة الأولى في الرواية أن يكون كافياً "لن تزول أبداً صورته (،) وهو يمضغ التتن أو الشاي في إسبالة غير مكتملة الجفنين (،) كأن لذة مص السائل من تحت اللسان لا تكتمل إلا مترافقة مع الإغماضة الناقصة".
من المضافة، تمضي الرواية إلى بيت التونسي وزوجته التركية التي يناديها الجنادب بالبطة، ومن هنا ستتوالى معابثات الجنادب ومشاكساتهم ونقاراتهم ما تحفل به يومياتهم من فصل إلى فصل طوال السنة، وبالاشتباك مع ما تحفل به يوميات القرية المتاخمة لتل أبيض على الحدود السورية التركية.
فعندما يموت فيصل المجنون ابن التونسي نقرأ "كان في عقولنا مرتبطاً بالسعالي والجن والأماكن المسكونة وبصفير الريح وظلمة الليل". ومن جنازة فيصل إلى دفنه، سيبدأ الموت يفعل فعله في تكوين وعي الجنادب، ما سيضاعفه عثورهم على الغريقة بنت السلطان ورؤيتهم الميتة عارية. كما ستبدأ الشرطة (الدولة) تفعل فعلها المماثل منذ قدومها ببلاغ تقديم العلف لخيولها، إلى سقي هذه الخيول، إلى نبش قبر الميتة وتشريح جثتها لتحديد سبب الوفاة، إلى مصادرة سلاح محمود عم الراوي في غمرة هياج القرية فرحاً بعذرية الميتة. وإذا كان النشيد الوطني (حماة الديار) أو نشيد (الله أكبر فوق كيد المعتدي)
أو الهتاف (ناصر ناصر) أو سجن محمود، سيفعل فعله في تكوين الوعي الوطني أو القومي للجنادب، فأناشيد المريدين والشيوخ في عيد المولد النبوي، ومن أجل شفاء الراوي من التأتأة، ستفعل فعلها في تكوين الوعي الديني. على أن كل ذلك يظل رهن الطفولة، مثله مثل السرّ الذي يقوم بين الراوي الطفل وبين الطفلة عليا. فهذه الجندب التي تعارك أخبث الجنادب (دكدوك)، ستتلعثم عندما تلفظ أنها والراوي واحد، وسيقول الراوي: "وأحسست بشيء يميع في صدري وبرغبة في وضع يدي بيدها". وسنراه مصغياً لأنشودة دينية ممَّا يغني الشيخ، ويشعر "بسيالة تهويم (،) وغصباً عني أبدلت ليلى بعليا".
لقد أصيب الراوي بالتأتأة لأنَّه تسبب بخسارة فريق مدرسته لمباراة كرة القدم مع فريق آخر. وستلازمه العلة حتَّى نهاية الرواية، لكنها لن تحول دون انخراطه في حياة الجنادب، وحيث عليا هي الأنثى ـ الطفلة الوحيدة بينهم ـ فيشارك في صيد العقارب ودسّها في بيت العجوز زهرة، ويشارك في سرقة دكان الرهاوي، وهو ما سيجعل جده يأتي به إلى بيته، حماية لـه من عقاب الأب الدائم النقار مع الأم. وفي كل ما تقدم تبدو شخصية حسون الملقب بالدكدوك تنافس الراوي على بطولة الرواية، كما ينافس جد الراوي أباه وأمه. وإلى أولاء ومن سبق ذكره من شخصيات الرواية، يصخب عالمها بشخصيات المعلم الحموي والشيخ وقاسم الحوراني وسائق البوسطة الأرمني ورئيس المخفر وأبو الهنيين... وبتنوع هذه الشخصيات أجيالاً وطبائع ومصالح ولغات وأقواماً، تقوم فسيفساء الرواية كما تتشهى المخيلة الطفلية، وتتخصّب بالمتناصّات الوفيرة من الأناشيد الدينية والأمثال، وبالهجنة اللغوية في أهجيات الأطفال وتشاتم فريقي المباراة ولسان التونسي وزوجته التركية ولسان الكردي والد حمو... ومن الملاحظ هنا ـ على مستوى لغوي آخر ـ ما تشغلّه الرواية من مفردات غير متداولة (يدردم ـ تنود ـ تُراددِ ـ سرطت سرطاً ـ مهارفة..)، فكما تحتفي بعامية بدوية أو بلكنة تركية وكردية وأرمنية، تحتفي بالفصحى. وبعد ذلك كله، يجبه السؤال هذه الرواية التي لم تقع في غواية السيرية، عمَّا سيليها ليؤكد خطوة صاحبها التي تبدو بالغة الوثوق وكبيرة الوعد، وهي المكتوبة ـ كما هو مثبت في نهايتها ـ عام 1988. وهذا السؤال يتعلق أيضاً بالبواكير الروائية السيرية التي تتوالى في سورية (خليل صويلح وسمر يزبك ورجاء طايع) في غمرة الفورة الروائية العربية.

dabe3
05-18-2010, 02:12 PM
7 ـ أحمد إبراهيم الفقيه: فئران بلا جحور
في مستهل روايته (فئران بلا جحور( )) يذكر أحمد إبراهيم الفقيه أنه نشر الفصول الأولى من الرواية في مجلة (الرواد الأدبية) قبيل هزيمة 1967. لكنه تحت وطأة الهزيمة لم يكمل كتابة الرواية ونشرها، ومضى ـ هرب ـ إلى بعثة لدراسة المسرح في لندن. ومن بعد، وكلما حاول العودة إلى الرواية، كانت المسودات تحبطه، ولم يفلح إلا بعد أكثر من ثلاثة عقود في استعادة تجربة الرواية التي كان شاهداً من شهودها وهو في العاشرة. والرواية إذاً تشتغل على منتصف القرن العشرين في ليبيا، وفيها ما فيها من السيرة الذاتية، فيما هي تسجل فصلاً من فصول كفاح البداة "ضد قسوة البيئة وظلم الطبيعة وتقلبات المناخ الصحراوي وصعوبة الظرف التاريخي".
فبعد ثلاث سنوات من الجدب، شدت الرحال من مزدة إلى جندوبة قافلة من أربعين كائناً، يقودها شيخها حامد أبو ليلة. وليلة الوصول، بعد نفاد الزاد ينحر الشيخ جمله الوحيد للقافلة التي أمضّها الجوع، وهو من عرف جندوبة من قبل في هجراته ـ تغريباته. وسوف تستعيد الرواية، وهي تروي يوميات القافلة في جندوبة، ماضي أفرادها في مزدة التي لم يغادرها الموظفون ومن التحق ولدٌ له عاملاً بمعسكر ما للجيش الإنكليزي. ومن ذلك الماضي تقوم بخاصة صورة الأسلاف الذين كان يدفعهم الجدب إلى تطيين باب الحجرة لتصير قبراً ينقذ من العيش. كما يحمل الرحّل من ذلك الماضي علاقاتهم التي ستصطرع في جندوبه، فبائع الأحطاب عبد العالي الذي كان يسمّي الفقيه (الفقي) برهان، بالنبي الدجال، يشك في سعي الرجل خلف زوجته هو (فاطمة)، ويستذكر زواجه منها وشائعة سحر الفقي لها، ويرفض في جندوبة الصلاة خلفه. أمَّا خديجة، زوجة الشيخ، فتستذكر في فصل خاص بها زواجها وحجتها، والشيخ نفسه يستذكر ـ أصالةً، أو بنيابة السارد عنه ـ جهاده في (جيش) سليمان الباروني، ومعجزة نطق الحمامة للشهادة بين يديه، وتحولها إلى امرأة مليحة، وهي التي كانت قد مسختها عجوز شريرة.
وفي الرواية سوى ذلك الكثير مما يلهب الخيال بالسحر والأسطورة والخرافة، سواء تعلق بالإنسان أم بالطبيعة، فتلك هي الشمس، منذ بداية الرواية، تعجب ببلوغها منتصف السماء، فتلبث في قيلولتها التي تحيل الأرض إلى شريحة من شواء، إبّان بلوغ القافلة لجندوبة، حيث سيطلق القبطان صيحته المروعة معلناً خواء السنابل، وحيث ستزلزل أقدام القافلة مدينة النمال، فتفر منها شراذم، وتلحق دوريات بمن فر، وتخاطب الملكة شعبها بخطة الرحيل ومنها: "ما أعظم جهل الفئران بقدرة الإنسان على القتل والفتك والإيذاء".
إلى مدينة النمال المنكوبة، تصور الراوية مستعمرة الجرابيع التي تتصارع أجيالها، وتربّي نشئها على الرفاهية، وتجاورها أقليات أجنبية، أكثرها خطراً هي الأفاعي والثعابين التي تدفعها الشمس الملتهبة إلى الهياج، وتعيش على اغتصاب جهود الآخرين. ومن ذلك تصور الراوية اصطيادها للفئران، وبناء هذه لجحورها، وزفاف إناثها، ومخازنها الممتلئة بالسنابل التي سبقت القافلة إليها. وفي متابعة أخرى للجرابيع، سيلي في الرواية تأسيسها لوطنها حيث ألقت قافلة مزدة بالرحال، ووقعَ رحيل النمال عليها، بأوجع من رحيل الخنافس والجنادب والعناكب والسحالي والجعارين. وإذا كان قدوم الإنسان قد روّع الجرابيع، وأشاع الروح الانهزامية في جيلها الصاعد، فها هو شيخها يخطب غاضباً: "هذه الأرض ملكنا وليست ملكاً لأحد غيرنا" ويضيف: "إن هؤلاء الناس عارضون، جاؤوا اليوم ويذهبون غداً، أمَّا نحن فباقون، ثابتون على مدى الدهر". ولتلافي الكارثة تقوم في الجرابيع لجنة إغاثة المنكوبين ولجنة الإعداد والبناء وصندوق الهبات والتبرعات، فأي خطاب ترسله الرواية على لسان الحيوان، ملوحة بما لم يفتأ التراث السردي يرسله ـ تكفي الإشارة هنا إلى كليلة ودمنة ـ كما لم تفتأ الحكاية الشعبية ترسله؟
بالعثور على السنابل، تنقلب حياة القافلة، من الحفر العشوائي للجحور، إلى تنظيمه والتكتم عليه والاحتفال به ودرسه ليلاً... وها هنا تنقلب حياة القافلة من جديد بوصول أولاد جبريل إلى البقعة عينها في مثل فرار قافلة مزدة من الجدب. فنساء أولاء لا يتحجبن، والحلي تزينهنّ، وما يحمل أولاد جبريل من أخبار الواحات الشرقية مذهل، حيث صار الناس يطبخون السحالي ويذبحون الجراء ويشربون مرق النمل جرّاء الجدب. وسرعان ما يفتضح سر السنابل والجحور، ويعشق الفقي برهان سيدة أولاد جبريل (رابحة) التي تقرأ الطالع، فيما يقضي هو صباحه كسواه في جمع السنابل، وبقية نهاره تحت الجوسق، يعلم الصبيان ويكتب الرقى والأحجبة.
ليلاً، يساهر بنات نعش الجمعُ الذي تقود رابحة اندماج فريقيه، ويعزف مسعود الملقب بالروماني على المقرونة. ومن يوم إلى يوم تتواصل حياة الجمع صدمة فصدمة، من لدغة الأفعى لفاطمة وإنقاذ الفقي لها، إلى عرس الروماني من إحدى بنات جبريل على الرغم من اعتراض الشيوخ، إلى مفاجأة الذئاب لزينب وعامر بن شيحة وفضح أبو حمامة لعشق الفقي لرابحة، إلى عرس رابحة والفقي..
وعبر ذلك تتعمق الرواية في حياة الكائنات الأخرى، فالكلاب التي استطاعت بعبقريتها عقد صداقة تاريخية مع المصدر الدائم للكوارث: الإنسان، تلتقي بحرارة، ما كان منها من مزدة وما جاء منها مع أولاد جبريل، عكس البشر المتنافسين، والكلاب المتآزرة تحتفل بنصرها على الذئاب، وتكرم شيخها مرزوق بالزواج من "الكلبة الجميلة ذات الصوت الرخيم والعينين السوداوين الساحرتين والشفة القرمزية التي تغري بالتقبيل، والتي أرسلتها كلاب جندوبة منذ أسابيع للترحيب بكلاب الجنوب، فوقع مرزوق صريع هواها منذ ذلك اليوم". وفي حفل الزفاف يخطب مرزوق أن وراء كل كلب عظيم "كلبة جميلة مثيرة نبيلة كهذه الكاعب".
أمَّا الجرابيع فلا تفتأ تسعى لإيقاف المجزرة التي يرتكبها البشر. ومن أجل ذلك تجمع السحالي والخنافس والجنادب والعناكب والفراشات والديدان ومجموعة من النمال المحاربة، وتستبعد من التحالف رمزي الشر والخيانة: العقرب والأفعى. ويقرر هذا التحالف استخدام الحرب الشعبية ضد الغزاة من البشر، وتشكيل المفارز الانتحارية، وتفتح لذلك سجلات التطوع، ويبدأ الهجوم بعدما يحضر البشر المبيدات من مركز جندوبة. وسنرى هنا كيف تطلب الحشرات الرأي من سيد حكماء البراري: الضب، فينهى عن الانتقام من البشر ويشير بالهروب من المواجهة لتفادي الإبادة، وبالاستعانة بفئران المدينة، وبالإخصاب والتوالد (السلاح الجنسي). وتأتي الحرباء أخيراً ببشرى الخلاص بحسب الرؤيا التي رأت، فإذا بعصاب جماعي يصيب القوم من غير البشر، وإذا بالسماء تصب السيل صباً، فيخرج السيل من الوادي كما توقع الشيخ حامد، ويجرف ما يصادفه، مطارداً البشر والكائنات جميعاً.
بهذا ينتهي ما تروي (فئران بلا جحور) من صراع الإنسان مع الإنسان، ومع الطبيعة ومع الكائنات الأخرى، ومن صراع هذه معه، وحيث لا تخفي الأمثولة نفسها، ويفعم السخرية ذلك الإحساسُ العميق بوحدة الوجود، فيما يفعل التراث السردي المكتوب والشفوي فعله في الرواية، سواء في البناء الحكائي أو في اللغة أو في المتناصات الغنائية والشعرية.. ما يجعل من هذه الرواية، وهي تستعيد ذلك العالم الغاطس في سديم الزمان الغابر ـ كما كتب أحمد إبراهيم الفقيه في مقدمته ـ إضافة متميزة لذلك الركن الروائي العربي المتعلق بالصحراء والبادية، ولاسيما بأنسنة الطبيعة.

dabe3
05-18-2010, 02:12 PM
الفصل الثامن




اشتباك الأزمنة روائياً


الفصل الثامن

اشتباك الأزمنة روائياً

1 ـ فوزية شويش السالم: حجر على حجر( ):
حجر على حجر
مغامرة على مغامرة
سفر على سفر
عشق على عشق
احتلال على احتلال
ملفات على ملفات
حفريات على حفريات
حجر على حجر
إنَّها رواية فوزية شويش السالم (حجر على حجر)، مكتوبة على هذا النحو الذي يضارع شكل القصيدة الحديثة ولغتها، سواء في صدارة كل حجر ـ فصل، أم في المتن، كأن الرواية تضارع في الآن نفسه منحوتات الحجر، مثلما تضارع السيرة الذاتية، والتاريخ. وأول ذلك يأتي فيما ترويه اليهودية الغرناطية (راشيل) عن رحيلها بعد سقوط غرناطة، محملة بالبقجة التي أودعتها سجادة ـ وطناً، وبرسالة أبيها إلى ذويه في اليمن. وستتوالى في الرواية فصول مغامرات راشيل بين غرناطة ومالقة، ثم على المركب إلى الهند، وفي الفرار من القراصنة البرتغاليين إلى الغابة، ثم إلى اليمن حيث يجمعها المركب بالبحار اليمني (يهرحب بن همام) الذي يعشقها وتعشقه؛ وفي اليمن تتواصل الرحلة/ المغامرة خلف أثر ذوي راشيل، بينما ينبتر الحب بسبب الدين.
في الحجر ـ الفصل الأول (غرناطة) والثاني (حجر النسيان) والرابع (لكل حجر قصيدته) تتوزع حكاية راشيل. وفي الحجر الأول أيضاً تبدأ البنت بتقديم مذكرات أمها (موضي) عن شهر العسل الذي قضته مع يوسف عام 1980 في غرناطة. ومنذ هذه البداية تنبئنا الفتاة بأن أمها كاتبة أنقذت ذاتها بالطلاق. ونحن إذن في الرواية بين زمنين، يعود أولهما إلى بداية القرن الخامس عشر، والثاني إلى نهاية القرن العشرين. وسيتعلق الحجر ـ الفصل الثالث (حجر للدمار) بالزمن الثاني، حيث تشتبك حكاية البنت التي لن تغفر لأمها طلاق أبيها، وحكاية الأم التي كتبت نص (حارسة المقبرة الوحيدة). وسنرى
في الحجر ـ الفصل الرابع أنها أيضاً صاحبة نصوص (النوخذة) و(الشمس مذبوحة والليل محبوس) و(مزون)، وتلك هي روايات فوزية شويش السالم، فكيف اشتبكت السيرة الذّاتيّة بالراوية في هذه السيرة الروائية أو الرواية السيرية؟
في الحجر ـ الفصل الثالث تحمل الأم سجادتها الأثيرة إلى لندن بعدما ينشب الخلاف بينها وبين زوجها. وفي لندن، وبأثر من الروسي جورجي يتفجر نداء السجادة الذي سيدفع الأم إلى اليمن بحثاً عن الجذور: جذور الجد وجذور السجادة التي يشبهها العم جورجي بالسجاد الأناضولي أو المغاربي الأندلسي الذي انتقل عبر يهود إسبانيا إلى العالم. ولكن قبل أن تبدأ الأم رحلة البحث عن الجذور في اليمن، تعود إلى الكويت، ويكون الطلاق جراء ما اكتشفت من علاقة أخرى للزوج، ثم يكون الاحتلال العراقي للكويت، بينما تمضي البنت إلى ميامي في أمريكا للدراسة.
هكذا تتعدد وتتفرع وتتشابك الخطوط والقطب في نسيج الرواية. وإذا كانت أصوات راشيل ويهرحب وسواهما من الماضي، وأصوات الأم والبنت والأب والجدة وسواهم من الحاضر، إذا كانت هذه الأصوات تتوحد في لغة الساردة الموشّاة بالشعر، فإن ما يخلخل هذه الأحادية اللغوية، أو هذه السطوة للساردة، هو تلك المتناصات المتنوعة والغزيرة من موشحات ابن خاتمة وابن الخطيب وعبد الكريم القيسي وغيرهم، ومن الأغاني اليمنية ومن التوراة، وكذلك تلك الهوامش التي تشرح المسميات والإشارات اليهودية والهندية وسواها.
تلك هي رواية فوزية شويش السالم (حجر على حجر): رواية الرحلة، ورواية المذكرات، ورواية الحفر في التاريخ، ورواية الذات اللائبة خلف سر الفن، من الكتابة إلى ذلك التكرار اللامتناهي في السجاد، كأنما هو حكاية الكون. وإذا كانت رحلة راشيل خلف ذويها ستبقى معلقة، فإن رحلة الأم خلف سر السجادة تظل معلقة أيضاً. وإذا كان السياسي يسفر في الرواية عبر الاحتلال العراقي للكويت، فهو يبدو أكبر سفوراً في غلالته الروائية، وبالأحرى أكبر أثراً في نقض الدعاوى الصهيونية التي تطوّب اليهود واليهودية عبر التاريخ، بينما التاريخ العربي الإسلامي يرسل رسالة المواطنة والتسامح من الأندلس إلى اليمن، على الرغم من النتوءات التي بترت الحب بين راشيل ويهرحب، فالرسالة ليست دعاوية، بل واقعية، وبواقعيتها تخاطب الحاضر كما تعبر عن الماضي. ومما يضيء ذلك ما تناهب دخيلة راشيل إزاء ما نشأت عليه واعتقدته كيهودية، وإزاء الخبرة الروحية التي تأتتْ لها في الهند وفي اليمن.
أما الأم الكاتبة ابنة زماننا، فقد تتوجت رحلتها بمعجزة الحجر، بينما ابنتها تحيا في ميامي تجربتها في وعي الذات وفي وعي الآخر. وفي جماع ذلك يكون تاريخ على تاريخ
يكون سحر على سحر
ويكون لنا أن نقرأ ونفكر في أمسنا وفي يومنا، في الفن.
2 ـ سمر يزبك: صلصال( ):
لعل المرء لا يبالغ إن رأى أن الرواية في سورية تذهب أعمق وأجرأ وأشمل من الكتابة السياسية السورية التي أفلتت من القمقم في السنوات القليلة المنصرمة، سواء تعلق ذلك بهذه السنوات أو بأي أمس داجٍ من العقود الأربعة الماضية.
وإذا كانت التجاذبات أو الثأرية أو الحزبية أو الغرارة قَدْ وسمت كثيراً من تلك الكتابة السياسية، فقد بدت الرواية غالباً تعزز إنجازها الفني الحداثي وهي تتقرى الآن والأمس، مما تمثّل له روايات فواز حداد (مرسال الغرام) ونهاد سيريس (الصمت والصخب) ومنهل السراج (كما ينبغي لنهر) وأحمد يوسف داوود (فردوس الجنون).. ورواية سمر يزبك (صلصال).
فبعد روايتها الأولى (طفلة السماء) التي عرّتْ المؤسستين الطائفية والأسرية، تواصل (صلصال) تعرية هاتين المؤسستين وسواهما (المؤسستان الزوجية والعسكرية بخاصة)، وذلك في بناء أعقد وبمهارة أكبر، ابتداء بالزمن الروائي الذي جاء يوماً واحداً يتشظى في حيوات الشخصيات كما يتشظى في التاريخ عبر الرهان على لعبة التقمص، وهي اللعبة التي تأسست في الجذر الصوفي كما لعبها من قبل جمال الغيطاني ومؤنس الرزاز وسليم مطر وآخرون منهم أنيسة عبود وأحمد يوسف داوود اللذان تلفّع لديهما ذلك الجذر بـ (العلوية) وجاء أكبر سفوراً في رواية (صلصال)، كما تدلل ـ على الأقل ـ المتناصات مع الخصيبي (الحسين بن حمدان) والمكزون السنجاري.
وكما جاء الزمن الروائي يوماً واحداً، جاء الحدث الأساس واحداً: موت حيدر إبراهيم، وهو ما يتشظّى في أحداث كبرى وصغرى حيث يتشظى الزمن. فالرواية تبدأ بافتتاحية ترسم لحيدر صورة شاملة، طفلاً وعاشقاً وضابطاً وخائباً ومتطوحاً في تجلياته وصور حيواته السالفات، ثم تمهد الرواية للحدث الأساس بانتظار زوجة حيدر السابقة سحر النصور في لندن لعشيقها علي حسن الذي يطير به موت حيدر من دمشق إلى قريتهما بدلاً من لندن. وهكذا يترامى الفضاء الروائي بين لندن وتلك القرية الجبلية من ريف مدينة جبلة، ويبلغ في التاريخ الكوفة، لكنه يتركز بين جبلة واللاذقية وبين العاصمة دمشق.
إثر صفحة الافتتاحية وصفحتي التمهيد، يأتي الحدث، الأساس: موت حيدر كما ستكتشفه ابنته رهام وخادمته دلاّ. ثم تبدأ سلسلة طويلة من استرجاع ما سبق، قبل أن يتواصل الاسترجاع بالاشتباك مع وقائع اليوم الأخير. وسيقطع ذلك اختفاء الميت ثم فرار رهام بأوراق أبيها وقراءتها لتلك الأوراق قبل أن يقبض عليها رجال علي حسن، لتعود الرواية إلى خاتمتها بشروع علي حسن في قراءة الأوراق وانتهاء اليوم الروائي الطويل العاصف.
بهذه الخطاطة المبتسرة جاء البناء الروائي ليطلق الأسئلة التي تفجرت بالصراع بين حيدر وعلي: أسئلة الصداقة والحب والجسد والعسكرة والفساد والإيمان. فالرجلان عاشا معاً طفولتهما القروية، حيث تجاوزت الصداقة ما بين الإقطاعي والقصر (حيدر) وابن الفلاح. وليس هذا بالتناقض الوحيد بين الشخصيتين كما سينجلي في دراستهما في المدرسة الداخلية باللاذقية، وفي انتسابهما للكلية العسكرية، وفي انخراطهما في قيادة المتغيرات السورية منذ ولّت مرحلة الخمسينيات من القرن الماضي حيث "كان كلّّ شيء مبهماً" إلى ما تلا في الستينات، حيث أثبت "هؤلاء الضباط الذين انقسموا فيما بينهم أثناء مؤتمرات حزبهم الحاكم التي سبقت اختلافهم، أن باستطاعتهم حكم البلاد وإقصاء كلّّ من خالفهم وإبعاد شبح الانقلابات".
كان حيدر "سليل الأطياف والأرواح" وأمير الحكايا الحزين"، مأخوذاً بالثقافة وعاشقاً رومانسياً لدلاّ ولسحر النصور، ومسكوناً بتقمصاته من جيل إلى جيل. ولم يكن بالتالي لمن هو كذلك أن يتابع طريق رفاقه، لذلك استقال من الجيش في 10/3/1971 بعدما تزوج من سحر وأنجب رهام، فعافته امرأته، وقضى عمره من بعد في القرية، تخدمه دلاّ، ويخرج كلّّ يوم إلى الصيد
ولا يصيد، حتى مات على إيقاع سقوط بغداد عام 2003.
أما علي حسن فقد تابع المشوار مخلفاً رفيقه الذي هرب خلفاً بصحبة عشقه وأوراقه، بينما هرب علي إلى الإمام مدججاً بالحديد والنار: "لقد حصل على كلّّ شيء: ولاء طائفته، ولمعان المجد، وسطوة الحضور. تقلص كلّّ من حوله إلى أذناب تتحرك كيفما اتجه". ولقد وصم علي صديقه بالخيانة لأنه اختار البقاء تحت، رداً على وصم حيدر لـه بخيانة عهد الفروسية الذي أبرماه في عنفوان صداقتهما. وقد مال علي حسن بزوجة صديقه وعاشا عاشقين، كما عاش ابنه فادي ورهام. لكن علي يشك في أن رهام ابنته هو، فسحر ليست متأكدة من أبوة حيدر لرهام، ولذلك يفصم علي عشق الولدين، ويرسل ابنه إلى لندن ليدرس العلوم السياسية. فالابن لم يحلم كأبيه بأن يكون ضابطاً. وهذا المدلل الوحيد بين ست بنات واحد من جيل السياسيين الشباب الواعد "بدماء جديدة في البلاد". إلا أن إرادة فادي تحدها إرادة أبيه، وهو ممزق بين قلبه ومجده القادم. أما رهام المولودة سنة هزيمة 1967 ـ هل لهذا دلالة ما؟ ـ فقد غرقت بعد فادي في البذخ والمجون مع كبار الشخصيات من أصدقاء علي حسن، لتنتقم منه بسطوتها عليهم. ولسوف تتساءل رهام بعدما تكبر عن سر هجران والدها للعالم، وستجعله يخطو أول خطوة بعد استقالته، فيقف إلى جانبها في مشروعها ـ حلمها بتحويل الشاطئ الجنوبي لمدينة جبلة منطقة سياحية.
ثمة نوع من التناظر يتبدى في فصم علي حسن لعلاقة ابنه ورهام، ولعلاقة حيدر وسحر. كما يتبدى التناظر في الصراع الصامت الصاخب بين رهام وعلي حسن، وبين الأخير وحيدر. على أن الصراع الأول سيبدو في المحصلة رافداً للصراع الثاني، كما هو ناتجه. ومثل ذلك هو الصراع بين أستاذ التاريخ العجوز وعلي حسن. فهذا الذي علّم الضابطين علي وحيدر، سيتبرأ من الأول ويخلص للثاني. وسيلقى حتفه على يد حراس الأول الذي روّض بلاداً بأكملها، فهو "الواحد فقط، أبداً لن يتكرر. ذريته كلها لن تحمل في صلبها رجلاً مثله، لأنه لن يتكرر". وسوف يتوالى التناظر في الرواية عبر لعبة المرآة. فالمرآة طريق حيدر إلى الحياة، وابنته حقيقة واقفة في قلب المرآة، وعلي حسن في النهاية يسكن المرآة وحيداً يطوّحه السكر ويهزمه حيدر الخارج من المرآة سراً للحياة والموت. على أن الأهم من تناظر الصراع، هو أن يرسم العيش السوري منذ ثلاثة عقود حين تدفق النفط وسقط، كثروات البلاد، في دوائر النهب، وفيما تلا ذلك حيث: "اندلعت حرائق وشقاقات واغتيالات جماعية وتصفيات جسدية وحملات اعتقال وحصار مدن وقصف أحياء آهلة السكان. وبدا أن النعرات الطائفية والمذهبية والعشائرية تستفيق من سباتها، وتتسلل رويداً رويداً إلى مظاهر الفقر والحاجة والبطالة وكمّ الأفواه، إلى جانب الخشية العميقة من يوم الغد الغامض القاتم". وستعزز الساردة ذلك مرة بعد مرة، كما في التعقيب على رحيل حيدر عن دمشق: "ليست قيادة هذي التي صعد بها علي حسن مع رفاقه في الحزب، ففرضوا قانون الأحكام العرفية والطوارئ، ثم انقلبوا على بعضهم البعض وحكموا البلاد".
على أن الرواية تخرج بهذا الصراع من جسده السوري إلى جسده العربي الإسلامي القائم في التاريخ، وذلك عبر أوراق حيدر التي يخاطب فيها قرينه، وهما يتقمصان من جيل إلى جيل، كأن يقول: "كنت في ذلك الزمن أعيش معك. كنت آخر قتلاك. أنا آخر قتلاك. أنا آخر من قتلك، وأنت أول من قتلني". ولن يفتأ حيدر يخاطب قرينه: يا قاطف الرؤوس اليانعة، أو: يا سيد الخراب، أو: أيها الضبع القادم.. ليتواصل التقمص من الحجاج إلى علي حسن إلى عبارة حيدر الأخيرة التي استقت الرواية عنوانها منها: "أنا آخر صلصال يموت من عناصر تكوينه". ولقد أثقلت المتناصات على أوراق حيدر بقدر ما مضت بالرواية إلى أفق التاريخ. ومثل هذا الإثقال كان أيضاً إثقال المعلومات التاريخية المتعلقة بالفينيقيين أو العثمانييّن أو الفرنسيين. ولعل ذلك ما جعل الرواية تستدرك الإثقال بلعب لغوية وبنائية شتّى. فقصيدة النثر اليتمية تلوّن التناص مع دونكشوت أو كليلة ودمنة. والرائحة ستغدو إيقاعاً وإن تباعد، فالرواية تبدأ بعبارة حيدر: "رائحتها حرب الكون ضدي" وبعبارته تتتوّج حين تقرأ ابنته أوراقه: "أنا تلك الرائحة".
إنَّها رائحة احتراق اللحم البشري من تنّور ابن المقفّع إلى تنّور حيدر. وإذا كانت رواية (صلصال) تعزز شيوع لعبة الرائحة في الرواية العربية ـ بفضل باتريك زوسكندر ربما ـ فبهذه اللعبة كما بلعبة المرايا أو المتناصات
أو التناظر أو التقمص... وأولاً وأخيراً: بلعبة الذكريات "خطاف الزمن المرعب"؛ بكل ذلك تنضاف رواية (صلصال) إلى جديد الرواية في سورية، الأجرأ والأعمق والذي يتعزز إنجازها الفني الحداثي وهي تتقرى الآن
أو الأمس.
3 ـ رشيدة خوازم: قدم الحكمة( ):
إذا كان الحريق الجزائري في العقد الماضي هو الشاغل الأكبر للرواية في الجزائر، فالمستقبل هو الشاغل الآخر، ولكن على غير طريقة رواية الخيال العلمي. فبعد رواية (المخطوطة الشرقية) لواسيني الأعرج، وبعد رواية إبراهيم السعدي (بوح الرجل القادم من الظلام) تأتي رواية رشيدة خوازم (قدم الحكمة) لتغامر في قراءة خمسين سنة قادمة، بينما تجهد لتوكيد نسبها الحداثي المؤسس على الحكاية. فرشا خوزي تحكي لحفيدتها رنا كي تنام، بينما تغمض الجدة عينيها وتتذكر ـ تحكي، فتتتالى حكايا الشخصيات الكثيرة وتتشظى وتتلملم وتتكامل في الإطار الأكبر، أي في الرواية التي نقرأ، وهي ما كتبت سيدة باشي خازن من سيرة أسرتها، ودفعت به إلى جابر للنشر. وللرواية إذاً أكثر من راوية سوى الجدة. فالحفيدة رنا تروي، وريما سلطان تروي، والكاتبة المفترضة تبدأ الرواية وتختمها وهي تؤكد على أن حكايتها لا تصلح أن تكون رواية "لأنها ليست وكراً للعنادل"، وتطلب من جابر حذف الكلام الذي ضفرته بين قوسين، وتصحيحاً جيداً، ورسم الغلاف، وتغيير الأسماء لأنها لا تريد كشف أسماء أسرتها، أما الأسماء الهامشية فلا تهم. كما تطلب أن تحمل الرواية اسمها الحقيقي: سيدة باشي خازن. وبهذا تلعب الرواية لعبة الميتا الرواية، ولكن ليس في البداية والنهاية فقط. فرشا خوزي تتساءل عن الكاتب الحقيقي للرواية، وتعدّ التفاصيل مسألة ثانوية "إذ الأجدى أن نقرأ الرواية.. فقط.. نقرأها بحب وبشوق.. كما نلتقي صديقاً غائباً. تلك الرواية مصنوعة من عبق اللحظات النادرة، لحظات الكشف عن الحقائق الصغيرة التي تملأ أدراج الروح". والرواية بحسب رشا ليست بحاجة إلى من يحاكمها، بل إلى من يصغي إلى حركاتها الصغيرة الدائرية، الطفولية، لأنها طفلة تقفز على الرصيف بثياب المدرسة وقد شردت ضفائرها من ثرثرة المعلم. لكأن الكاتبة بذلك تتحرز على ما ينتظر روايتها من النقد، فتجعل رشا تقرف ممن يبحثون عن آباء الرواية وتتساءل: "ألا تكفي الأم"؟. غير أن هذه الحمية الاستباقة لن تردَّ الإشارة مثلاً إلى روايتي واسيني الأعرج وإبراهيم السعدي، أو إلى رواية الميلودي شغموم (خميل المضاجع) بصدد الفصل الثاني من رواية (قدم المحكمة) حيث البرنامج الإذاعي لمحمود باش خازن. ولن تردّ تلك الحمية الإشارة أيضاً إلى تهريب الآثار في هذه الرواية وفي أكثر من رواية لأهداف سويف وإدوار الخراط مثلاً، مع التشديد على أن تدقيق النسب الأبوي أو الأموي للرواية ليس تشكيكاً بالضرورة، كما أن جهارة النسب الأمومي ليست كافية بالضرورة.

لقد جعلت الكاتبة لفصول روايتها عتباتها من عبارات لراسين وبومارشيه وبودلير وأمين معلوف وبروست وهيجو.. أما العتبة المنسوبة لميشيل بوتور فهي التي تومئ إلى مفهوم الرواية وإلى مرماها: أن تكون تعبيراً عن مجتمع يدرك أنه يتفكك. فمرام (قدم الحكمة) أن تكون تعبيراً عن إدراك المجتمع الجزائري أنه يتفكك منذ اندلع الحريق فيه، وإلى نصف قرن قادم، وبالاندياح في أرجاء العالم، من إسبانيا وفرنسا إلى اليابان وروسيا وفلسطين وتركيا.
فالرواية تبدأ بلقاء العجوزين محمود ورشا في استنبول: هي تحدثه عن ابنهما أمين المتوفى كما ستكشف خاتمة الرواية، وعن ابنهما الذي حمل الاسم نفسه، وحملت به في آخر لقاء لها بمحمود في ستراسبورغ قبل أن تنتقل إلى حيفا؛ ومحمود يحدثها عن ابنته سيدة أي من تريدنا الرواية أن نصدق أنها كاتبتها، والتي تدير عنه المطعم في استنبول. ومن هذه البداية المعقدة أو المعجوقة، تتناسل الحكايا والشخصيات: رحلة رشا إلى خبنة في الصحراء وحب أشرف وتركه لها ومحاولتها الانتحار ثم العلاج النفسي ـ اللقاء بمحمود الذي كان يدرس في معهد علوم الآثار وزواجها ـ سنوات مونمارتر 2003 ـ 2005، فستراسبورغ ولقاء ميلود، فموسكو حيث تنعطف بها علاقتها بجميل كحلون إلى حيفا، ثم ستراسبورغ من جديد لتلتقي محمود وتحمل منه بأمين الثاني، ثم حيفا من جديد، إلى النهاية التي تعود برشا وحفيدتها إلى الجزائر، فتدهس سيارة الحفيدة، وترحل رشا إلى استنبول، أي نعود إلى البداية التي جمعتها بمحمود.

لهذا المسلسل الطويل مفتاحه السحري: المصادفة. ومن حلقة فيه إلى حلقة، ومن مصادفة إلى مصادفة، سنتابع عمل محمود ورشا في الإذاعة العربية في ستراسبورغ، والبرنامج الإذاعي عشية عيد الحب، ومعرض العطور الذي يفجر ذكريات رشا عن مصنع في (خبنة) وعن رحلة الموت إلى الصحراء. كما نتابع علاقة رشا في ستراسبورغ مع ميلود سباق صاحب مجلة (دروب) والتي ستجمع رشا بريما سلطان. وهنا يبدو كأننا بصدد رواية جديدة تروي علاقة ريما بأستاذها ميلود الذي درّسها عام 1991 ثم جمعتهما ستراسبورغ عام 2009 وهو يلهج "أنا بحاجة إلى لملمة سيرتي". فما يحرك الراوية الأساس سيدة باش خازن يحرك ميلود ابن الأندلس. ولئن كانت ريما "ذلك الشعاع الأخير لعاصمة تحترق "فميلود صار" حكاية طريفة ومغرية" ورجلاً من رذاذ الحكايا التي تحبها رشا، ولكنها لا تفهمها أبداً.
في عام 2011 يسافر ميلود سباق ورشا خوزي لتغطية الاحتفال بمرور قرن على ميلاد ليف تاراسوف. وهناك تصل رشا الرسالة التي تنبئ بموت الحبيب الفلسطيني القديم باسم، فتعود من موسكو إلى حيفا. وفي الطائرة تصادف تاجر البواخر الفلسطيني جميل كحلون. وسنكون قَدْ بلغنا من مسلسل الحكايا حكاية رشا مع الفخاريات والحلي والأيقونات التي يهربها الشاعر الروسي ميتا راسكوليفيتش من الجزائر، ويتخفى في بيت صديق أثناء اندلاع الحريق الجزائري، ويلتقي الجارة دينا ويتزوجها بعدما قضى زوجها في تفجير حافلة.
في فلسطين يبلغ بنا المسلسل حلقة جديدة/رواية جديدة من حكايا الفلسطيني الميت باسم الذي انتقل إلى قرية الشجرة بعد عودة مجموعة من قرى الـ 48 إلى السلطة الفلسطينية عام 2012. وفي هذا المستقبل الذي تنجزه رواية (قدم الحكمة) سنرى جمعية (السقف الحاني) كفرع لمنظمة (أبناء الشتات) التي تقدم الخدمات للمعزولين أسرياً أو مهنياً، وللذين فقدوا جزءاً من عائلاتهم أثناء حروب نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين. ولتلك الجمعية علاقات دبلوماسية واسعة "كأنك تتحدث عن ديانة جديدة"، بل إنَّها "تقنية جديدة" ستجعل الجزائرية رشا خوري تزور ((إسرائيل))، والسلطة الفلسطينية ما زالت هي السلطة الفلسطينية بعد عشرين أو خمسين سنة‍.

في مزرعة جميل كحلون يعالج الدكتور ضرار رشا من صدمتها بموت باسم، كما عالجها الدكتور مرزوق من صدمتها بترك أشرف لها في خبنة. وباسم هو الحبيب الفلسطيني الذي نشأ في الشتات (حمص) وتعاهد مع جميل على شراء باخرة وتفجيرها بالمحتلين الإسرائيليين. وإذا كانت علاقته برشا قَدْ أخفقت، فقد جاءت بها إلى إسرائيل، لترى هذه البلاد أجمل مما كانت تتصوره. ففي حيفا هي ذي الحلويات الفلسطينية وأكلات الساحل الفلسطيني، وهو ذا شارع بترا الذي يعرفه الناس باسم نينادي نور. وهي ذي قرية الشجرة التي كانت تتخيلها زمن العلاقة مع باسم منهكة جراء الحرب، فإذا بها تبدو متألقة كأنها تحتفل برحيل باسم. أما المنعطف الأكبر في حياة رشا فهو ما سيتأتى على قدومها إلى حيفا، إذْ يفلح جميل كحلون في إقناعها بترك ستراسبورغ والعمل معه، وهو المهووس بالمال ومن كان سمساراً صغيراً في الموانئ فصار حوت البواخر الذي يتاجر أيضاً بالماركات المبرفتة (المغشوشة).
مع جميل دخلت رشا في معترك جديد غامض يصخب بالاغتيالات والانتحارات. وسيساعد رشا وجميل في تجارتهما إسماعيل ابن ميلود، وهو الشاب العبقري في اختراق شبكات المعلوماتية، والقابض بالتالي على أسرار دولية خطيرة، لذلك تلاحقه الشرطة الدولية حتى تعتقله ورفاقه. وتلك إلماعة جديدة من الرواية إلى المستقبل. فإسماعيل عمل في مركز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية مع شباب من بلدان مختلفة يحاولون اختراق السماء: "يريدون التأريخ للدلالات الفينومينولوجية لشكل الأحداث للوصول إلى أقصى تخوم هذه الدلالات عبر المسافة والمخيلة الجماعية". كما يعمل إسماعيل في وكالة سبيكر للأنباء بينما يعارضه أبوه، وبينما ترى رشا في مشروعه ورفاقه نوعاً جديداً من التاريخ، قَدْ نكون بحاجة إليه: "قَدْ نتمكن بذلك من الوقوف على الدلالة الحقيقية لما يحدث حولنا".
وتؤخذ رشا برؤى إسماعيل ورفاقه المستقبلية، فأكبر الصناعيين يعتمدون على حدوسهم ومعلوماتهم، وهم يرعبون الجميع بلعبهم بالماركات المحمية، وبالجاسوسية الصناعية. لكن لميلود رأياً آخر في ابنه: "لا يريد أن يفهم أنه مهدد في كلّّ مرة بالإفلاس والمرض والشيخوخة المبكرة. شاب بلا دفء. هو في حقيقة الأمر شاب طاعن في السن، أو بالأحرى شيخ صغير".

من حيفا إلى طوكيو سيظل جميل كحلون حاضراً في حياة رشا. وستحضر الجزائر في رسالة ريما لها متسائلة: "ما الذي بقي من مدينتنا؟ ما الذي تبقى مني ومنك؟ أنحن لعبة أشباح تتماهى مع الخراب؟". وتبدو ريما كوة أخرى على ما أصاب الثقافة الجزائرية من الحريق، فهي صديقة بختي بن عودة. ورسالتها هي تصرّف برسالة لنصيرة محمدي. وهذه الكوة تنادي الرواية العربية أيضاً بالسؤال "هل أطرق باب الشمس كما فعل الياس خوري؟" وبذكر (مدن الملح). على أن الجزائر التي رمى حريقها في نهاية القرن العشرين بريما ورشا ومحمود وميلود في أصقاع الأرض، ستعود وترمي رشا بعد نصف قرن، حين تعود إليها عجوزاً في الثانية والثمانين مع رنا، لكن الجزائر ستلاقي بالدهس الشابة وتطرد العجوز رشا إلى استنبول، فتلتقي بالعجوز محمود، وتنتهي الرواية.

إنَّها المغامرة الخطرة في تخييل المستقبل. ولئن كان ذلك يبقى رهاناً مفتوحاً لقارئ المستقبل، فمغامرة الكتابة أمام القارئ الآن تبدو مرتبكة بطموحها الكبير، إذ تروم النسب الحداثي فتلعب لعبة الميتاراوية ولعبة العتبات والمزاوجة بين فصول المونولوجات وفصول الحكايا ولعبة العبارات الفرنسية والحوارات بالعامية... بينما تضيق ساحة اللعب بكثرة اللاعبين وتدافرهم، وبتداخل اللعب وتنازعه بينهم. ولكن أليس لكل مغامرة فضيلتها؟

dabe3
05-18-2010, 02:13 PM
4 ـ جميل عطية إبراهيم: المسألة الهمجية( ):
بالمكر والبساطة، أي بالسحر الخفي الذي وسم روايات الكاتب المصري جميل عطية إبراهيم، يغزل الخيوط الأربعة لروايته الجديدة (المسألة الهمجية)، وهي: سيرورة تشكل اللوحة التي يرسمها الرسام لسلمى مرجان ـ سيرورة علاقة سلمى مرجان ونبيل سعيد ـ شقة نبيل سعيد المغتصبة ـ الهمجية الإسرائيلية والأمريكية. ويتأكد السحر الروائي بأسطورتين، الأولى قائمة في عناية الرسام بالصبي بندق الذي قتله الفرنسيس أثناء حملة نابليون ودُفِنَ جثمانه تحت العمارة، والأسطورة الثانية تكوُّنُها الرواية في حرق الملابس في منطقة أثرية، فالبعض يتزوج تحت الماء، والبعض يعقد قرانه معلقاً في بالون هواء، أما سلمى ونبيل فسيحرقان ملابسهما ليصنعا أسطورة القرن 21، ولهذا ما يؤثثه كما سيلي.
فالكاتب الشيخ المقيم في سويسرا نبيل سعيد، يؤوب إلى القاهرة بعد علمه بانتحار من اغتصب شقته منذ سبعة عشر عاماً، وهو الخبير في الرياضيات والعلوم النووية فؤاد بك ابن وكيل الوزارة كمال الأغبر، والذي أقام في الشقة معملاً صغيراً زوده بأجهزة حديثة مما يباع في الأسواق ويُستخدم في المشافي ويعمل بالطاقة النووية، حيث يغدو التخلص من النفايات مشكلة. والرواية تبدأ بمصادفة نبيل سعيد لبائعة الفل فاطمة، وهو في طريقه إلى المحامي، حيث يصادف الدكتورة سلمى مرجان، الشاعرة والناقدة التي تدرس الأدب الفرنسي في الجامعة، والتي ستلبي دعوة نبيل إلى المقهى، ويبدأ يومها الذي سيستغرق نصف الرواية، فيما تستغرق تتمتها أيام أُخر من الشهر: إبريل ـ نيسان 2002.
يكبر نبيل سلمى خمساً وعشرين سنة. وبينه وبين الروائي جميل عطية إبراهيم أواصر سيرية، منها السن والإقامة في سويسرا واتنماؤهما إلى جيل 67. ويعزز سرد نبيل للرواية بضمير المتكلم غواية السيرية. ولكن الأهم هو ذلك المكر وتلك البساطة، ذلك السحر الروائي الخفي الذي يشيد الرواية بالحكايا، وجعبة نبيل سعيد ملأى بما يحكيه لسلمى، وهو القائل: "والقص كله مسالك، وكلما توغلت في الرواية ساورتني ظنون بأني عدت أرى بعينين أكثر اتساعاً، وأصبحت أسمع بأذنين سليمتين، وأتبدل بتبدل شخوص حكاياتي". ولئن كان نبيل سعيد يرى أن الكلام صناعة شهرزاد، فسلمى مرجان ترمي بالمعادل العصري لشهرزاد: "الفضائيات العربية يديرها رجال". وسيوالي نبيل سعيد: "كفّتْ شهرزاد عن صناعة الحكايا في القرن الحادي والعشرين، وتخلت عن حمل سجل الزمان الثقيل، وهذه مصيبة، لأغرقها في بحوري، لعلها تقبّ ذات ليلة وفي جعبتها حكاية من أجلي أنا". وإذ تسمّى سلمى نبيل سعيد مرة سندباد ومرة شهريار، يشيد هو الرواية مما يغرف من بحور أوراقه القديمة، ويفعل مثل الفضائيات العربية، فيزوّر تاريخه الخاص، ويبدل تاريخ البلد، ويزوّر تاريخ العالم، ويرتب وقائع حكايته من جديد، ويجلس في مواجهة ذاكرته المعبأة بتفاصيل الأحداث التي خبرها، كحرب 67 أو 73 أو.. وبذا يشتبك تاريخ العمارة التي يقيم فيها الرسام بحكاية الصبي بندق ورمانات البلي (الدحاديل)، كما تشتبك حكاية هانز فوجلي السويسري الذي قضى بالطيران بطائرات الحرير على جبال الألب ـ وهو صديق نبيل سعيد ـ بحكاية ساندرا الكرواتية الشابة التي شبهها نبيل سعيد بالملكة (تي) فأصابها الجنون. ومن المقام السويسري لنبيل سعيد يأتي أيضاً سعيه من أجل محاكمة مجرمي الحرب ـ وعلى رأسهم شارون ـ ليشتبك بسعيه لاستعادة شقته المغتصبة، على إيقاع علاقته مع سلمى مرجان، ورسم الرسام للوحة سلمى مرجان، فتتلامح الأسطورة /الخرافة/ الرواية في صلبها، وبغيتها: "اثنان وامرأة جبارة تجمعهم لوحة ناقصة وبينهم الوهم. معجزات القرن الحادي والعشرين وحروب وإنترنت وعولمة وهندسة وراثية، ونحن الثلاثة يشغلنا زمن البلي والفئران".
ومما يتأثث به ذلك كله حكاية فاطمة التي تتكشف أخيراً عن مستشارة لمشروع دار نشر عالمية تدعمها منظمات دولية، بهدف رصد العلاقة بين اللغة والجنس، وذلك كرمى للتنمية لدى الطبقات غير المتعلمة. وقد عملت سلمى مرجان في المشروع، ثم انسحبت بصمت إيثاراً للسلامة، وقد أدركت العولمة الحقيقية، لا العولمة النظرية. وبينما يعتدي (ابن الأكابر) على فاطمة، يعهد نبيل سعيد وسلمى مرجان لها بالثياب لتحرقها، بينما ينصرفان إلى الإفراج عن الفلسطيني بسام الذي يقبض عليه في تعقب الأجهزة الأمنية للتقارير التي تفضح الهمجية في جنين وسواها من فلسطين.
ويتأثث ذلك كله أيضاً بما تموج به الرواية في الموسيقى والشعر والفن والأمركة.. فنبيل سعيد لا يأتلف مع الموسيقا الخفيفة التي تدغدغ الحواس ولا تخاطب العقل، الموسيقا الفجة التي لا تليق بمجلسه وسلمى، وتشبه سندويتشات الهامبرجر. وفي منطقة الحسين (يرى) نبيل سعيد أصواتاً بشرية دهستها موتورات عربيات وميكروفونات، ويعزم على أن يصطحب كاميرا حديثة لتسجيل الأصوات المطحونة، لكأن الهمجية تتجلى في واحد من تجلياتها بتلك الموسيقا الهامبرجرية وهذه الموسيقا المطحونة. وبالمقابل، يأتي العود العراقي.
وسلمى تأخذ على الشعر الحديث في مصر ضحالة الرؤية الكونية، فيعقب نبيل سعيد: "يا للهول. هذه مصيبة جديدة لم أسمع بها في جنيف، قصائد الشعر الحديث تتركز في العولمة وثورة الاتصالات والهندسة الوراثية وأسلحة الدمار الشامل العراقية على وجه التحديد. وإذا تعمق البعض طالب بضرورة التنمية المستدامة وعدالة التوزيع وسد الفجوة بين الشمال والجنوب إلى غير ذلك من تعبيرات محفوظة، أما فقر الرؤية الكونية في الشعر الحديث في مصر فهذه جديدة". وسيطور نبيل سعيد القول تعقيباً على موقف سلمى مرجان من جيله ـ جيل أمل دنقل ويحيى الطاهر عبد الله وعبد الحكيم قاسم و... وجميل عطية إبراهيم، أي جيل 67 ـ فيحمل على الحماقات الكثيرة للأجيال الجديدة الضائعة في أجواء ما بعد العولمة، ولاسيما منها ما يطلقون عليه أزمة الإبداع وكتابة الجسد. وإذا كان غياب الشعر من عالمنا يقتل سلمى مرجان، فنبيل سعيد يمضي إلى أن أربعة أخماس شعراء العالم يستحقون الموت في عصر العولمة. وهو يجزم أنه لا توجد قصيدة في العالم تبزّ قصيدة أمل دنقل (لا تصالح). كما يجزم أن الشعراء المحدثين لا يشغلهم سوى التكالب على نفايات مائدة الحداثة الوهمية "بسبب قلة العقل وبلادة الحس والعياذ بالله". ولعل ما أثبتته الرواية من قصيدة بشير السباعي (المرأة الجميلة) أن تكون إشارة نبيل سعيد وسلمى مرجان والروائي نفسه إلى الشعر البديل.
إلى ذلك يسوق نبيل سعيد وسلمى مرجان في الرواية ما يسوقان، عبر نجيب محفوظ. فسلمى ترى أن (جدنا) نجيب محفوظ قفل الحارة على حركة الأدب في الخمسين سنة الماضية "بالضبة والمفتاح".
ونبيل يرى أن (عمنا) نجيب محفوظ فتح أبواب الأدب، وشق طريقاً جديدة في السرد، وعلمنا قراءة الرواية الحديثة. وتطور سلمى رؤيتها إلى أن الناس (تطير) في ألف ليلة وليلة وفي الواقعية السحرية، أما في أدبنا فلا. أما نبيل سعيد، فهو يجسد الطيران المفقود، أي اللعب والتخييل، فيما يروي، حيث تتلامح إزاء لوحة سلمى التي يرسمها الرسام، لوحة نبيل سعيد المنشودة: قناديل البحر على الشاطئ، وشبكة العنكبوت في نهاية الأفق، ونجمة داوود تعلق بالشبكة وفي ذيلها قنبلة نووية. ذلك أن مخيلة وحياة نبيل سعيد، مسكونة بالمسألة الأس ـ الجذر: المسألة الهمجية التي أعطت للرواية عنوانها، والتي تعلن فجورها في مخيم جنين، كما تتخلل في اغتصاب ابن الأكابر لفاطمة،
وفي اعتقال الفلسطيني بسام.
لقد صادف لقاء نبيل سعيد وسلمى مرجان يوم 12/4/2002، والذي ستدّعي أنه يوم ميلادها، ثم ستكشف أنه يوم طلاقها، وعبر ذلك اليوم، وفيما سيليه من الشهر نفسهِ، يقوم عالم الرواية بين القاهرة التي لا تغيرها حرب ولا سلم، وبين جنيف التي لم يصنع فيها نبيل سعيد حاضراً له، بل ترك نفسه لماضيه، بحثاً عن مستقبل يتخيله كنسمة الفجر الندية. لكن هذا المستقبل لا يأتي، فالجحيم ـ في نهاية الأمر ومنتهى الرواية ـ قادم، التنين الإسرائيلي والأمريكي قادم. لكن ذلك لن يعطل سعي نبيل سعيد ضد الهمجية الفالتة، وهو الذي سيتابع طريقه إلى غزة، مواصلاً ما بدأه في جنيف مع رئيس الصليب الأحمر الدولي من التحقيق في مجزرة جنين وفي محاولة محاكمة مجرمي الحرب، وعلى رأسهم شارون. ولعل رواية (المسألة الهمجية) هنا تذكّر برواية بهاء طاهر (الحب في المنفى) والتي تلاحق في جنيف جرائم شارون في صبرا وشاتيلا، وتمتص من الشهادات والوثائق ما تمتص، مثلما امتصت رواية (المسألة الهمجية) شهادة الإيرلندية كويفا بيترلي، بعدما تصدرت بمقتطف منها. ولقد تصدرت هذه الرواية أيضاً، وامتصت فيما بعد، من كتاب أرنست كاسيرر (الدولة والأسطورة) ما ينادي عنوانها، فأفكار الهمجي ليست مضطرمة أو متناقضة، وإن بدت وهمية. والهمجي يتصور منطقه معصوماً من الخطأ على نحو ما، وهذا نبيل سعيد يقول: "المنطق الهمجي لـه ركائز، ويظن الهمجي دوماً أنه على حق، والهمجي من يمتلك القوة ويستخدمها في تحقيق مصلحة خاصة بعيداً عن قوانين وأعراف الناس وضد مشيئتهم". وهكذا تكون المسألة هي الهمجية، من الكتابة الروائية إلى الكتابة الفكرية إلى الحياة اليومية للأفراد وللشعوب أمس واليوم، وبخاصة اليوم، وربما غداً وبعده.
5 ـ فواز حداد: مرسال الغرام( ):
تأتي رواية فواز حداد (مرسال الغرام) تتويجاً لتجربته التي ابتدأت مختمرة، كالعهد ـ غالباً ـ بمن يبدءون الكتابة (أم النشر؟) في سنّ متقدمة (أين عبد الرحمن منيف؟). وقد تمفصلت تجربة حداد منذ البداية عام 1991 في رواية (موزاييك "دمشق 39") مع لحظات حاسمة في تاريخ سورية الحديث، إلى أن بلغت في الرواية السادسة (مرسال الغرام) نهاية القرن العشرين، حيث تعمق ما راهنت عليه الروايات السابقة من الحفر في السجلات ـ ولاسيما ما يؤرخ للفن فيها ـ ومن لعبة السيرة النصية كميسم حداثي يباري الميسم الكلاسيكي لروائية الكاتب. ولعل هذا ما يتبدى منذ لعبة عنونة فصول الرواية التي بلغت أربعة أسطر (الفصلان 46 ـ 47) وستة أسطر (الفصل 49) وثمانية أسطر (الفصلان 48 ـ 61)، لا لتعلن فقط عن محتوى الفصل، بل لتعلن أيضاً، بالأحرى أولاً، نظام الرواية، وهذا مثال من كثير في عنوان الفصل 64: "وقفة صغيرة لابد منها تسهم في ترتيب بعض الفصول القادمة، التي جرت قبل الفصل السابق". ومثل ذلك هي الفصول الأولى، ومنها: (تمهيد، نبذة، بين قوسين). أما اللعب بأسماء الشخصيات، فمنها ما يعلق السؤال بين المؤلف والراوي الذي سمته الرواية بلقبه، وبه تعنونت: (مرسال الغرام)، ومنها ما اكتفى بالحرف اسماً: (م.ع) و(ل.ع) والدكتور (ج)، إما مناداة للكافكاوية ـ ولكن بلا مبرر ـ أو للتقية أو للتعمية.
تتعلق الشخصية المحورية (محمود رشوم) بالراوي ـ وبالتالي بالمؤلف ـ كما يتبدى في رد الراوي على تحذير الممثلة ناريمان لـه من رشوم: "لا مستقبل لي من دونه"، أو كما يتبدى في اعتبار الراوي أن أعظم حدث في حياته هو جيرته لرشوم، أو في قوله مشيراً إلى رشوم: "إذا كنت أعاني من النقصان فهو يعاني من الكم الهائل للتجارب الحياتية، وتدفق أفكاره الجارف وقدراته الفائقة على التعبير عنها". وسيمضي ذلك في غير موقع إلى أن يغدو نظراً في الرواية، لكنه نظر موارب. فالراوي إذ يحمل إلى ناريمان السيناريو الذي كتبه رشوم، ينفي أن يكون تمثيلية تاريخية أو كوميدي، لكأنما يعني الرواية، ولاسيما حين يصف "السيناريو بأنه عاطفي مشوق وقوي ومؤثر، وتلك صفات تليق حقاً بـ (مرسال الغرام)، دون ابتذال. وسوف نرى خطة رشوم في كتابة السيناريو تنقيباً في تاريخ الغناء العربي والدراسات المتفرقة والتسجيلات والمذكرات، لكأنما يعني الرواية. وهذا أيضاً ما يخلص إليه الأعمى كاتب السيناريو الآخر في النهاية، حين يرى أن الحيّز ـ أي السيناريو، بل الرواية ـ ضيق وقد اكتظ بالشخصيات وبالمجهول الذي أضاف رتوش القدر وعجّل بتدافع الأحداث وتصادمها، ساعياً إلى نهاية قبل الأوان. ولئن كان الراوي يسأل الأعمى عما إن كان هو القدر الذي يحرك الجميع، فالأعمى سيقول في فصل تالٍ: "المجهول هو شخص آخر يكتب سيناريو نحن فيه"، فهل هي إشارة أخرى إلى المؤلف؟
الرواية والسيناريو:
إذا كانت رواية الكاتب (تياترو "1949") قَدْ تعلقت بالمسرح، فرواية (مرسال الغرام) تتعلق بالخطوة الأولى في المسلسل التلفزيوني: السيناريو، وصولاً إلى إنتاجه. فقد حمل الأعمى إلى محمود رشوم فكرة سيناريو، ورشوم يسعى إلى أن يقنع ناريمان بتمثيل المسلسل، جاعلاً من الراوي مرسال الغرام بينه وبينها. وسوف يظهر المخرج مسعود السعدي ويظهر م. ع. الذي تخلى عن ناريمان ومال إلى الممثلة الصاعدة تغريد، كما سيظهر المفتشون، وتتلبس الرواية بالبوليسية، وكل ذلك على طريق كتابة السيناريو فإنتاجه. وبالأهمية نفسها يأتي فعل السيناريو في بنية الرواية، وهو الفعل الذي تنبأ عادل أبو شنب منذ عقود بأنه سينتهي إلى السينيراوية (السيناريو/ الرواية). كما كان ذلك الفعل تشكيلاً ناتئاً في رواية صنع الله إبراهيم (بيروت بيروت). أما في رواية (مرسال الغرام) فسوف ينادي كتابة السيناريو ذلك الفصل الذي ينقل من الكاسيت الأصوات والحوار مما دار بين رشوم الأعمى حول السيناريو. وسيعلو النداء في الفصول 57 ـ 58 ـ 62 ـ 63 التي تقلّب احتمالات كتابة السيناريو بين رشوم الأعمى والمخرج، وفي الفصول التي تتعاور خاتمة السيناريو الذي يترجّح بين (أصل) كتبه الأعمى وبين (مقلد) يؤثث المكان ويرسم الشخصيات، لكأنه القسم الخاص بالصورة في كتابة السيناريو. ولعل الدلالة الكبرى للعبة السيناريو في (مرسال الغرام) قَدْ جاءت في نهاية الرواية عبر برء الراوي على يد ناريمان من عجزه الجنسي، وعبر ما يهيم به الراوي بعد اختفاء رشوم على إيقاع أغنية أم كلثوم: أن يكتب رشوم ما هو أكثر من سيناريو، وأن يظهر ليمضي معه الراوي إلى بقية لقصتها، بقية لـ (مرسال الغرام)، فنهاية الرواية مفتوحة.

dabe3
05-18-2010, 02:14 PM
الرواية والموسيقا:
لروايات فواز حداد عنايتها الكبرى فيما بين الفنون والرواية، ولاسيما فيما بين الموسيقا والرواية. ولقد دفعني ضمور هذه العلاقة في الرواية العربية، على الرغم من أهميته الفائقة، إلى أن أوقف عليها مداخلتي في الملتقى الأول للرواية في القاهرة (1998). وهذا ما يجعلني لا أمتأ أذكّر بدراسة الروائي والموسيقي العراقي المرحوم أسعد محمد علي لعلاقة الموسيقا بالرواية العربية وغير العربية، هذه العلاقة التي تبدو الرهان الأكبر لرواية (مرسال الغرام). فمحمود رشوم الذي هاجر إلى الخليج ليعمل في الإضاءة والديكور والتصوير، مال إلى الصوت، وراح يجري تجاربه ملاحقاً تساؤلاته التي أفضت إلى أن الحوار يقتصر على الحوار، والكلام يقتصر على الكلام، أما الصوت؟
ينتهي رشوم إلى أن الصوت هو الكاشف، وينجح في اكتشاف كيميائية الصوت، لكنه يعود إلى دمشق بعدما خاب في تسويقه لاختراعه إذاعياً وتلفزيونياً. وإذا كان اختراع رشوم ـ أي ما ترسله الرواية في الصوت ـ يتعكز على السيميائية، فحديث الاختراع سينقلب إلى الغناء والموسيقا منذ تدريبات رشوم لناريمان، وسيظل كذلك حتى تقترب الرواية من النهاية في الفصل 89، حيث ينبئ الراوي باختراق جوقة من الأصوات لرشوم، وهي: صوت العقل الذي بلا فائدة كصوت العاطفة، وصوت الزمن المخيف. وسيلي في الفصل الأخير: صوت الحب، لكأن الرواية بذلك تكرس أطروحتها الفنية، ولكن ماذا عن لغة الأخرس، وماذا عن الأطرش والأخرس الأطرش؟
يتباهى رشوم بأنه وحده من يتقن فك شفرة الأصوات الحافلة باللغات. ويبدو رشوم يتوه في متاهة الأصوات وهو يدرب الراوي ويحشد الرواية بالرفرفة والدفدفة، والشقشقة واللقلقة والبقبقة والسقسقة وما شاكل مما ينادي اللعبة اللغوية الأثيرة في روايات إدوار الخراط وأطروحته العتيدة في غنّة الغناء وهزج الأصوات، غير عابئ بما يتأتى للسرد جراء ذلك من عور.
وفي متابعة الرواية للعبة الموسيقا لحناً وغناء تتألق خبرة الكاتب في تجربة عبده الحامولي فتجربة أم كلثوم. لكن هذا التألق سيرتبك بالتأرخة التي تبدأ بعرض ونقد كتاب قسطندي رزق أفندي حول الموسيقا الشرقية والغناء العربي، ثم بعرض ونقد الاحتفال بمئوية أم كلثوم، ثم بالتاريخ الجديد لأم كلثوم، والذي يستغرق من الرواية عشرات الصفحات، لو حُذِفَتْ لما خسرت الرواية شيئاً، إن لم يكن العكس. ولا يخفف من ارتباك الرواية هنا ما أقامته من مسرحة للتأرخة، أو من توازٍ بين فصول التأرخة وبين الفصول البوليسية التي تتابع قضايا إنتاج المسلسل والتفتيش الإداري والصراع بين الثري المتنفذ م.ع. ورشوم وناريمان والراوي.. بل إن التأرخة ستثقل على الرواية بشعر أحمد رامي أو الهادي آدم مما غنته أم كلثوم وبما غنّت لغيره كما فعل غازي القصيبي من قبل في روايته (العصفورية). لكن الرشاقة والسخرية في رواية القصيبي دغمتا المتناصات الكثيرة من شعر المتنبي في نسيجها، مما لم يتوفّر لرواية (مرسال الغرام) على الرغم مما أبدعته من السخرية أيضاً، ولكن ليس في هذه المواطن منها. ويبدو أن الرواية قَدْ أدركت ورطتها فلعبت لعبة رابطة عشاق أم كلثوم، حيث يشبك الزمن الروائي بين زمن أم كلثوم وبين زمن رشوم الأعمى، فإذا بالأعمى هو سيد مكاوي، وإذا بالمرأة التي تقلد أم كلثوم، لا تقلدها، بل تسعى لتكونها، وإذا برشوم يتقمص السادات ويلتقي أحمد رامي.. ليصير إدراك الرواية لورطتها في تساؤل الأعمى نفسه: "هل أنا أسير رهبتي للفن أم عظمة زمانها (أم كلثوم) أم أن حبي لها قيدني بها؟".
التعرية والهجاء:
مع طموح (مرسال الغرام) لأن تؤرخ للموسيقا والغناء خلال عقود أم كلثوم، يتوازى الطموح لأن تكون هذه الرواية (جردة) للعقود السورية الأخيرة، بالتمفصل مع ثورة 1963 الذي جاء بحزب البعث إلى السلطة. ويتجسد هذا الطموح في شخصية م. ع. القادم من ريف الساحل إلى العاصمة، والذي غدا بؤرة الفساد والإفساد، مثله مثل ابن أخيه ل. ع ومثل الدكتور ج. المسؤول الخطير الذي حصل على الدكتوراه، وعرفت زوجته السرية الروسية ناتاشا أنه من الـ ك.ج. ب. السوري.
عبر سرد حيوات كلّّ من هاته الشخصيات الثلاث، وعبر سرد حياة العاهرة لطيفة، وحياة المحقق الذي لا تسميه الرواية، عبر ذلك تعري الرواية القمع والفساد. غير أن هذه التعرية التي توسلت البوليسية والسخرية، تغدو غالباً هجاء عميماً وصارخاً للمؤسسات الإعلامية والإدارية والأمنية والثقافية والحزبية والدينية.. وإذا كان ذلك لم يؤثر في البناء المحكم للشخصيات الروائية الأربع المذكورة، فالمفارقة أنه قَدْ أعلى من الخطابية في الرواية، كما أعلتها التأملات الطويلة التي يسوقها الراوي أو رشوم أو السارد في الفن والحداثة والماركسية.. ويتجاوز طموح الرواية هنا الفضاء السوري إلى العالم كله في (الدرس) الذي يلقيه رشوم على أم كلثوم عما طرأ بعد ربع قرن من موتها، من الانتفاضة الفلسطينية الثانية إلى الموضة وحديث البيضاوات والشقراوات الذي سبقت إليه أيضاً رواية (العصفورية) في مفصل بديع من مفاصلها البديعة. أما المفارقة فتكبر إذ تنشغل طويلاً رواية بمثل هذا الطموح بشريط فيديو جنسي لمسؤولين، وتغفل ـ على سبيل المثال ـ عن واحد من أهم مفاصل العقود السورية الأخيرة، هو مفصل الصراع الدامي الذي كان بين السلطة والتيار الإسلامي العنفي، بينما أطنبت الرواية فيما جعل البروفسور الروسي يصدح: "سورية من بلاد ألف ليلة وليلة" وهو الذي لم يعلم من غرائب وعجائب وخوارق وفانتازيات الحياة السورية غير (وصلة) شهادة الدكتوراه التي منحها للدكتور ج. فكيف لو عاش ذلك البروفسور هذه الحياة!


بكل ذلك تبدو (مرسال الغرام) رواية من (العيار الثقيل)، لم توفر وسيلة لتكون كذلك، ابتداءً أو انتهاء بالجرأة أو النقدية أو الفكرية أو بتفعيل الفنون (السيناريو والموسيقا) في الرواية. وسواء صحت أم لم تصح الإشارات السابقة إلى ما اعتور الرواية، فهي توكيد لاختمار تجربة فواز حداد، وإضافة هامة إلى هذا النهر الدافق: نهر الرواية العربية.
6 ـ ياسمينة صالح: بحر الصمت( ):
"من أنا بعد هذا العمر؟"
بهذا السؤال تتفجر ذكريات سي السعيد لتشكل رواية (بحر الصمت). إنَّها ذكريات الأب العجوز في مواجهة ابنته الوحيدة التي يدينه صمتها، وتدينه نظراتها، وترميه في برد الشيخوخة، بينما يظلل المواجهة موت الابن (الرشيد).
هي رواية الذكريات إذاً، تبدأ بالحدث الحاسم الأخير: موت الرشيد، وبه تختم. وبين البداية والنهاية يتناثر حضور الموت ومواجهة البنت، بينما تمضي الرواية في السبيل المعهود: سبيل الاسترجاع والزمن الخطي الذي لا يتكسّر إلا نادراً، إما بقفزات من محطة إلى محطة في حياة سي السعيد، أو بالاستباق. وكل ذلك يزدحم في الفقرة الأولى، ثم يعود الأب إلى طفولته في قرية (براناس) قرب عاصمة الغرب الجزائري (وهران)، وكذلك إلى دراسته في حي (بلكور) في العاصمة.
من تلك البئر الأولى تندفق حكايا الماضي كما تشاء الذكريات. وفي بعض الالتماعات الفنية المتناثرة المعدودة التي توشي بها الكاتبة سبيل الاسترجاع، تجعل الحكاية الواحدة تتعدد في صيغ شتى، كما كان لحكاية عمدة القرية (قدور) المشبع بثقافة الاستيطان التي زرعها الكولونيل (دي شاتو)، وخلاصتها: الجزائر جزء لا يتجزأ من فرنسا. ومثل ذلك هي حكاية والد العمدة الذي انتهى به إلى القتل وفاؤه للكولونيل. ومثل العمدة كان والده مشبعاً بفكرة الاغتصاب التي زرعها الكولونيل، فالمرأة للاغتصاب كما الأرض.
بالتناظر بين علاقة سي السعيد بابنته وبابنه الميت، وبين علاقته هو بأبيه سي البشير، تأتي حكاية الأخير وصديقه سي علي وعشقهما للمغنية عيشة، مقابل اختيار سي البشير لابنة العمدة (الزهرة) خطيبة لابنه الطفل. لكن الطفل سيرفض الزهرة حين يكبر، وسيحضر زفافها لصنوه ابن سي علي، فالولدان يكرران حكاية الأبوين، كما يكرر سي السعيد في حكايته مع أبيه حكاية ابنته وابنه معه، ولكن بالمقلوب، فالرشيد وأخته يرفضان أباهما، بينما سي البشير هو من رفض ـ على فراش الموت ـ رؤية ابنه.
يفسر سي السعيد رفضه الزواج من الزهرة كجزء من رفضه لأبيه، ومثل ذلك سيتكرر في حرصه ـ حرص الراوية، حرص الكاتبة ـ على التفسير. فابنته "هي الحقيقة العارية من الادعاء" وهي المواجهة التي طالما خاف منها وأجلّها، وهي ذنبه الكبير الذي اقترفه بحق نفسه وبحق الآخرين، وهي المحكمة التي لا تغفر ولا تنسى.. أما المرأة التي انعطف بسي السيد عشقه لها، فهي الوطن الذي جاءه في ليلة مدهشة على هيئة امرأة مغمورة بالتساؤل، وهي "المرأة/ الحلم/ الغرور/ الموت/ الوطن/ الجرح". ولتوكيد هذا الترميز الساذج للمرأة (جميلة) سنقرأ أن الطريق إليها كانت صعبة وموحشة ومكتظة بالشهداء. وقد ابتدأ حضور جميلة في الرواية منذ التقاها سي السعيد في بيت شقيقها المعلم عمر، والذي قاد ذلك (الإقطاعي الفاسد) إلى الثورة، وهو الذي كان خائفاً وأعمى في تلك الصائفة من عام 1957، يتلمس الخطر المجهول الوشيك بعدما تحوّل رجله القيوم على الفلاحين إلى ثائر بطل لأنه قتل العمدة.

كان هذا البطل (بلقاسم) يعامل الفلاحين معاملة الحمير والبغال، فيما سي السعيد يعطيه فرصة الثأر لنفسه من الآخرين، ويرى الفلاحين أخطر من الحرب، إلى أن ينعطف به عشق جميلة، ويؤوي ثائراً آخر، ويداهم الجند بيته، فيفرّ إلى الجبال والثورة، حيث يلتقي القائد بلقاسم، ويلتقي ـ وهذا هو الأهم ـ بعاشق جميلة ومعشوقها: القائد الرشيد، هذا الرقم "من ملايين الرجال الذين أحبوك بجنون فأعطاك حياتهم".

لم يكن سي السعيد يقبل أن يصبح الزنديق بلقاسم الثائر القديس لأنه انتمى للثورة. ولم يكن كذلك يدرك كيف يمكن أن يتحول (الإقطاعي الفاسد) إلى ثائر. كان يريد وطنية خارقة تقربه من الناس وتبعده عنهم في آن. كان يريد وطنية على مقاسه. وبينما يقضي عاشق جميلة (الرشيد) شهيداً، ينجو سي السعيد من الموت مرة بعد مرة، إلى أن تحل سنة النكسات في حياته. فهذا الذي يرفض الشهادة التي تخلّف الوصايا، يعود إلى العاصمة بعد الهدنة، ويبلغ جميلة مصرع القائد الرشيد، ثم يلتقي شقيقها عمر وقد غدا قائداً سياسياً، فيطلب يدها، لكنها ترفضه. وهنا يلهث الزمن بالرواية وقد حل الاستقلال الذي أشبهت أعوامه الأولى "الهستريا، فالذين عاشوا الحرب على كراسي الثورة، وقفوا
في طابور المطالبة بالحق الشرعي في امتلاك شيء من مزايا الاستقلال". وإذا كان سي السعيد سيصعد في سلّم الحزب، فعمر سيستقيل من القيادة، ويتفرغ للكتابة، ثم سيعتقل ويموت قهراً. وبعد موته ستقبل جميلة بسي السعيد زوجاً. وستسمّي ابنهما باسم العاشق (الرشيد)، ثم تموت، ليربّي الأب ابنه وابنته في المدارس الداخلية.
بذا نصل إلى نهاية الرواية، حيث أخفق الرشيد الابن في الدراسة وأدمن على المخدرات حتى الموت، وحيث تفوقت البنت في دراستها الفنون الجميلة وفي كتابة الشعر ـ وستحشد الرواية صفحات مبهظة من شعرها ـ وتفتح وجيلها الشاب صفحة جديدة ونقيضة لصفحة الأب الذي يعود إلى القرية (براناس) بعد عشرات السنين من تاريخه الشخصي وتاريخ الجزائر.
لقد أكدت رواية (بحر الصمت) مدى الخسارة حين ناءت تحت وطأة التأرخة، وحين استسهلت اللعب، سواء بالترميز الساذج أم بتغليب الزمن الخطّي وترجيعها لصدى ما ابتدأت به الرواية العربية منذ عشرات السنين، فضاعت الإمكانات التي انطوت عليها شخصية سي السعدي بخاصة، وكذلك شخصية بلقاسم وعمر والبنت والرشيد الابن، كما ضاعت الالتماعات في تصوير الكاتبة لشخصياتها الذكورية، ليبقى فقط من (بحر الصمت) الانتظار لما سيلي من ياسمينة صالح.

dabe3
05-18-2010, 02:15 PM
الفصل التاسع

الحرب روائياً



1 ـ منهل السراج: كما ينبغي لنهر( ):
هو ذا يوم كأنما هو يوم الحشر، ترى فيه فطمة المآذن من شدة البرد، وأصوات الداعين للجهاد تتعالى داعية إلى إخراج أبي شامة ورجاله من الحارة، فيخرج الصبيان والشبان تنفيذاً لوصية العم الهارب نذير، وابتغاء وسيلته إلى الجزاء المرتجى "فالمبطون والمطعون وصاحب الهرم والشهيد في الجنة".
يسلم الشبان هوياتهم لأمهاتهم كيلا يورطوا غيرهم، فهم موقنون بالقتل. ويقتحم رجال أبو شامة الأماكن الغامضة المخيفة، ويغيبون في المتاهات بعدما قطعوا الجسر ودخلوا حارة فطمة على الضفة الثانية للنهر، فيغضب أبو شامة غضباً شديداً ويأمر بتدمير الحارة من الأرض ومن الجو. ويندفع رجاله من حارة القصب إلى حارة الحور وحارة الصفصاف وحارة القلعة وحارة اللاجئين، يهدمون واجهات البيوت ومئذنة جامع أبي رحمون ويقتلون معظم الرجال.
تكتفي الرواية من تعيين فضائها في مدينة ما بحارتين يصل بينهما نهر، مع إشارة عارضة إلى مكتبة المركز الثقافي في المدينة. أما الزمن فتكتفي الرواية من تعيين بدايته بالإشارة إلى الاستعمار الفرنسي، ومن تعيين نهايته بالانترنيت. وقد يكون للقراءة أن تعيّن الرواية في سورية بعون ما تحفظ فطمة من الأهزوجة التي كان يرددها الأطفال زمن طفولتها: "ديغول خبّرْ دولتك باريس مربط خيلنا". وبالتالي قَدْ تعجّل القراءة إلى تشخصي التقية في لعبة الرواية بالزمان والمكان. لكن الأهم هو أن هذه اللعبة جعلت الرواية تنادي أية مدينة عربية خلال عمر فطمة، ما قبل الاستقلالات إلى الأمس القريب الذي عانق فيه العرب الانترنيت. وبتجديد أكبر: المدينة التي دمرّها الصراع بين أي (نذير) إسلامي وأي (أبي شامة)، فخرجت بذلك الرواية من ربقة التقية، وعوضت خسارة التعيين بما هو أثمن، إذ بات شعاع الدلالة أشعة دلالات تتراقص في الفضاء العربي عبر عقوده (المجيدة) القليلة المنصرمة. وإلى ذلك خصصت الرواية (تعميمها)، سواء بوفرة من المفردات والتعابير العامية التي شرحتها في الهوامش، أو بوفرة من متناصات الأغاني الشعبية ـ وقد مضت لعبة التناص أيضاً إلى حي بن يقظان ـ وكذلك بالرهان الفني الأكبر للرواية: الوصف الذي لم تفته دقيقة من دقائق الحارة والبيوت والدكاكين والمقبرة والسجن وأشياء الحياة اليومية الطبيعية (النهر والنبات).. كما لم تفته دقيقة من دقائق الروح للجماعة وللأفراد، حيث غدا الوصف استبطاناً رهيفاً لدخائل البشر في الوقائع الكبرى والصغرى، ولاسيما: واقعة اليوم العظيم الذي استباح فيه رجال أبي شامة المدينة، في ذروة الصراع بين السلطة (أبو شامة) وبين التيار الإسلامي الذي يقوده العم نذير.
بيوم من أيام فطمة في عهد الانترنيت، افتتحت الرواية وبدأ نبش الماضي الذي يكنزه (الصندوق). وصندوق الذكريات لعبة أثيرة في الفن الروائي ـ حسبي الإشارة هنا إلى رواية أهداف سويف (خارطة الحب) ـ تستعيدها رواية (كما ينبغي لنهر) إذ تقلّب فطمة سبحة الجدة وهوية الأب ومفتاح قبو القبو وصورة لميا المجنونة و.. والأهم: الكيس الذي يحتوي صور العائلة وصور الحبيب الأول. ومنذ هذه البداية إلى ما سيلي من تقليب في الصندوق الذي دارت حولـه ووقعت فيه أحداث عديدة وأخبار كثيرة، يصير الاسترجاع مفتاح قصص وحكايا شخصيات الرواية التي تكاد كثرتها توقع في التتويه. ففطمة مسكونة بالماضي على نحو جعل الرواية تنوء بالنوستالجيا وهي تحيي حجر وبشر الحارة المدمرة. ولن تفصل الرواية بين ما تسترجع وبين حاضر فطمة. بل يتوالى سرد الماضي في إهاب الحاضر بلا انقطاع من البداية إلى النهاية. وقد تتباطأ الرواية إلى أن تستوفي قصة أحدهم أو إحداهن. وقد تتشظى الأخبار أو القصص في أكثر من موقع، ويبلغ ذلك أحياناً حد التتويه. غير أن الشخصيات تروح تنبني كأنما بسرية أو بصمت الكتابة، مثلها مثل تاريخ المدينة الفاجع. ومن حين إلى حين ينظم هذا البناء إيقاع فإيقاع. ومن الإيقاعات ما يكون مكثفاً لدلالة أو أكثر، أو ما يبثّ دلالة أو أكثر. فالجرذ الذي ينغص على فطمة منذ البداية، سيتفاقم حضوره إلى أن يجعل فطمة تخاطبه:
"والله الزمن زمنك"، وإلى أن يحتضن جهاز التحكم بالتلفزيون ويخاطبها:
"متى تعترفين بأهمية وجودي؟". إنَّه ما يقرض وجودها، وهو ما سيتعزز بالإيقاع الأكبر الأخير: إصابة فطمة بالسرطان. وإلى ذلك تأتي إيقاعات أصغر كأنما تتولى تنظيم السرد وحسب. فعلى إيقاع طبخة اليبرق ـ مثلاً ـ في البداية التي أطلقها الصندوق، تنتظم استعادة فطمة لنثار، عبر عشرات الصفحات، منه ما سيتركز وينجلي فيما بعد، ومنه ما يغطّي فوراً محطة من محطات فطمة والمدينة، كمحطة الحبيب الأول في المرحلة الثانوية، والتي تعتزم أمه ترك المدينة لأنها من أقارب أبي شامة. ولسوف توالي فطمة لقاء الحبيب امتحاناً لشجاعتها وتحدياً لعمها نذير، بينما الصراع يوشك أن يذرّ قرنه بين هذا العم وبين أبي شامة. ولقد مضى الحبيب إلى ألمانيا، ودعا فطمة إليه، إلا أن فطمة ـ بحسبانه ـ لم تجده قوياً كأصحاب الرسالات، فلم تلب نداءه. أما فطمة فسيقيم فيها هذا الحب، ولن تنسى ذلك الشاب الذي رأته آخر مرة يُدحرج على درج المشفى مضرجاً بالدم.

لكل يوم من حاضر فطمة قبل اكتشاف إصابتها بالسرطان وبعده،
ما يضيق به اليوم من الماضي، وهي المشغولة حتى الثمالة بتاريخ وتأريخ أحداث الصراع، والتي أنشأها أبوها على كتب التاريخ. هكذا تنهمر الأطياف (الدراسة والبلوغ والأقران..) إذ تزور المقبرة أو تجري التحليلات الطبية أو تُعنى بلميا المجنونة أو تعد الطعام للمؤذن أو تلتقي فارس الرسام والنحات والعاشق الدائم لها... ومن بين ذلك تبرز حديقة فطمة التي تتصدى للنباتات الطفيلية وللنمل وللجربوع كما تتصدى للجرذ، مرددة "زرعاتي مثل أيامي"، لكن أيام فطمة تدول كما الحديقة، ليأتي الموت أخيراً عليهما، بعد نخره الطويل منذ نشب الصراع في المدينة، فنشب السؤال: لماذا؟
ذات يوم علل الحبيب الأول الصراع بانتقام أبي شامة للتاريخ. وثمة من علله بقريبة لأبي شامة هي أم الصافي التي أحضرها الجد لتعنى بالعم العاجز. والعم العاجز الذي تزوج الغريبة فتح مدرسة ليهيئ الأولاد كما يريد العم نذير. والعم نذير ـ في تعليل آخر للصراع ـ اعتقد بالمذهب السائد وحمل كفنه على رأسه داعياً لكلمة الحق التي يعتقد. والعم نذير يعود حيناً للتراث ويستشهد حيناً بنظرية حديثة، ويجبر من يخالفه على التوبة. وللصراع إذاً لبوسه الديني. ولكن ثمة من يرى أن كلّّ ما تقدم أسباب سطحية للصراع، أو أسباب كاذبة، إذ "ربما تواطأ العم نذير مع أبي شامة، وهذا تفسير بعيد، أو ربما كان الأمر سوء تدبير من العم نذير، وهذا تفسير قريب". وهكذا يختلف القول في تعليل الصراع وفي تعليل هرب نذير. على أن الرواية تجلو أخيراً بعض هذا الغموض، عبر مشاهدة فطمة لنذير في التلفزيون بأناقته الباريسية. وهو إذاً قَدْ أدار ظهره في منفاه للمدينة، وإن كان لا يزال يدعي النضال.
"وسيختل التوازن إن عاد إلى البلد لسبب ما" كما تذهب فطمة في حوارها الطويل مع فارس، حيث تمضي الإشارة إلى المعارضة الإسلامية في الخارج، وإلى أن نذير وأبا شامة وجهان لعملة واحدة. وهنا قَدْ تبرز مرة أخرى إشكالية الرواية بين التقية وبين التعميم الذي يجعلها تخاطب مصر أو تونس أو سورية أو الجزائر.. غير أن الأمر لا يبدو ذا بال، لأن وكد الرواية هو فيما كان من الصراع وفيما آل إليه، مجسداً في شخصية فطمة التي يوحّد فارس في مناجاته لها بينها وبين المدينة، ليجعلها رمزاً تنوشه الفجاجة والإنشائية، وهي في غنى عن ذلك بفضل بنائها كشخصية روائية لا تنسى.

على أن هذا الامتياز ليس وقفاً على شخصية فطمة وحدها. فالرواية، باختيارها الشخصية الروائية حاملاً لما كان من الصراع وما آل إليه، أبدعت في تكوين كثيرين وكثيرات. فهذه لميا حين داهمها رجال أبي شامة فحملت صغيرها على كتفيها، واحتضنت وسادة بدل ابنتها، وحين اكتشفت على الجسر خديعة الوسادة، رمت الصغير بدلاً منها في النهر، ووجدت نفسها "دون أعباء، دون طفليها، دون زوجها، ثم دون عقل" و"كان يا ما كان، كان هناك لميا عاقلة".
لا أحد يعرف من وشى بأبناء الحارة لرجال أبي شامة إلا لميا، لذلك يرتعد الواشون عندما يصادفونها: "ألن تحلّ عنا لميا الهبلة؟". ومن أولاء وحدها لميا تعرف من هو أبو كوفية الملثم الذي رافق رجال أبي شامة ودلهم على بيوت المارقين وقبض أجره وهرب من انتقام محتمل. لقد عاد أبو كوفية إلى الحارة يحميه رجال أبو شامة. لكن من صاروا يتعاملون مع أولاء لم يتركوا له مطرحاً، بعد ما أمسك أبو شامة الضفتين من القرنين، وكتب كاتبه أنه يعاني من السأم بعد خراب الضفتين.
عن ذلك الخراب تروي فطمة بحث رجال أبي شامة عن عمامة نذير واغتصاب الفتيات وخروج الرجال حاملين الرايات البيضاء، وإعدامهم على جدران البيوت والمقابر الجماعية واقتياد الأسرى كباراً وصغاراً يوم الجمعة الذي سيصير كابوساً.. لكأن فطمة تُحَدِّثُ من الجحيم، وسؤالها يوقّع للحديث: "أهذا دمي أم دم أعمامي؟".
عبر حديث الجحيم تستعيد زواجها من أحد الفلسطينيين الذين نزحوا إلى المدينة بعد النكبة. وتستعيد حملها وموت وليدها وطلاقها وموت أبيها ووراثتها لكتبه. ومن ذلك الذي كان إلى ما آلت إليه المدينة بعد سنين، ينشب بشر الرواية جماعات من الأموات والغائبين ـ المخطوفين الذين ليسوا بالأموات ولا بالأحياء، مثلما تنشب الفتيات اللواتي أحرقن علم بلادهن أسفل المنصة التي كنّ يحيينه منها ويرددن النشيد الوطني، فصار هتافهن: "يللاّ برّة أبوشامة".
من بين تلك الجماعات ينجو نزر منهن ومنهم فتقوم بهم وبهنّ الرواية: مطيعة التي اختطف ابنها الطالب في السنة السادسة طب، فأعدت للغائب قبراً تزوره كلّّ خميسن ـ أم الحب الغريبة التي لا يعرف لها أصل ولا فصل، لكنها أم الكبار والصغار التي حبست نفسها عامين بعد غياب الغائبين ـ الحاج عمر الذي أورثه جحيم أبي شامة وسواس البعث: "أنْ ليس يبعث حياً يوم الحشر" ـ ليلى الجامعية كشقيقتها فطمة، والتي انصرفت إلى مجتمعها المخملي مقرعة شقيقتها: "عيشي فطمة، يعني أبو شامة داري فيك ولاّ شايفك؟". وهاهو أبو سليم الجربوع الذي أسس جمعية الحمير أو نقابة (حمار ولا عار) ونصّب نفسه على أنه أجحش الجميع، إن اضطر للخروج من مكتبه خلال الدوام كتب بخط جميل (الحمار في الجامع) أو (سأعود أنا الحمار بعد قليل)، بينما عمت الفرحة ببطاقات الحمير التي سيعدم من يضيّعها لأنه يبقى بدون إثبات شخصية.
بمثل هذه السخرية المريرة ترسم الرواية ما آلت إليه المدينة بعد انتصار أبي شامة. فالأطفال الجدد حمير بالولادة، وأولى الكلمات التي يرددونها هي نشيد الشتيمة. وحين يبلغ واحدهم تهيأ لـه بطاقة الحمار. وقد بات شرط الانتساب ـ بعدما كبرت الجمعية ـ أن يثبت طالب الانتساب أنه قام بأعمال تؤكد أنه حمار. حتى النهر بات يرسل روائح غريبة، والاغتراب طبع كلّّ حجر غادر مكانه، والجميع لاهٍ عن الجميع، وأهل الحارة باتت لهم فلسفتهم الخاصة، والكبار منهم يلقنون أبناءهم الحذق والقدرة على التملص من التهم التي يمكن أن يقعوا فيها بسبب قرابتهم لنذير.. إلى آخر ما تسلق به الرواية (الجماهير) التي صارت تصفق لأبي شامة بهستريا، عرفاناً بجميل صنائعه، وهو يصرف التعويضات على من يعترف بأن موت من ماتوا كان من وباء نذير، وأن الدفن لم يكن جماعياً على شكل تلال، وإنما كلٌّ في قبره ووجهه إلى القبلة. وإذا كان الأستاذ عاصم قَدْ رفض التعويض فلقي جزاءه مثل كلّّ من رفض، فالآخرون "لمّ كلّّ أخ لحم أخيه، موّتتْ الأمهات أبناءهن وأزواجهن وإخوتهن، وقبضن التعويض الذي رمّمن فيه بعض الجدران (...) في حين ظل في الحارة الكثير من الأرامل اللواتي لم يعرفن إن كن أرامل أم زوجات رجال غائبين إلى أجل غير مسمّى".
ربما كانت غاية ما كان أن تروي أم الحب أن فتيات، ممن لم يتجاوزن الخمسة عشر عاماً قَدْ ولدن أطفالاً لا يعرفون الآباء، جراء ما كان من اغتصاب رجال أبي شامة لهن. وربما كانت غاية المآل أن تبثّ إذاعة أبي شامة خبر زيارة ابنة أخيه المدللة للمدارس وتوزيعها الورود على التلاميذ في الذكرى السنوية لعيد النصر. بل إن غاية ما كان كغاية المآل، لا تفتأ تتعدد لثورث فطمة الكوابيس وهي تذبل على طريق الموت. ولكن ليس قبل أن يعود شقيقها أحمد الذي اختطف صغيراً، فأعادت تسجيله حياً بعدما كان مسجلاً ميتاً. ولن يلبث أن ينقلب عليها هذا الذي تضيف قصته في السجن فصلاً كابوسياً جديداً من فصول التعذيب. وهكذا يصدق تقدير فارس لخوف فطمة من عودة الغائبين: "سوف يفتحون الجروح وسيختلفون في طريقة رتقها، وأنت ستنزفين من جديد".
مع اقتراب النهاية تطلب فطمة من فارس أن ينحت شاهدة قبرها، وترى نفسها في كابوسٍ غانية، وفي كابوسٍ ترى حفلاً لجمعية الحمار، يطل عليه أبو شامة محييّاً برجله. ويسمح لأحد ما أن يدخل من باب جانبي صغير كأنه باب سري، فإذا بالعم نذير يقف في مجلس أبي شامة الذي يصافحه ويجلسه بجانبه "تحدثا بضع دقائق أمام الحضور الذي كان متشوقاً لمتابعة هذا اللقاء بعد كلّّ هذا الغياب". وأبو شامة ونذير وجهان لعملة واحدة إذن. غير أن الرواية ترسل في وجه هذا الكابوس الختامي إشارة النقيض عبر شخصية لميس.
لقد أعاد أبو شامة بناء الحارة، ومن ذلك كان مركز الخلية الذكية للاتصالات الذي تبصق عليه لميا المجنونة كلما قطعت الجسر كما تبصق على النهر الذي ابتلع ابنها يوم وقعت الواقعة، فجنّتْ المرأة. وفطمة أيضاً تمقت المركز، لأن أبا شامة أقامه بعد فتكه بالحارة. لكن الشابة لميس غير معنية بأبي شامة، وهي تتردد على المركز لترى العالم وتلتقي أصدقاء من جنسيات مختلفة عبر الانترنيت، كما سيفعل الراوي في رواية خليل صويلح (بريد عاجل) من بعد. ولميس تسأل خالتها فطمة: "لماذا تصرون على أننا جيل غير مسؤول؟ جربي مرة أن تضعي ثقتك بي". إنَّها تريد أن تعرف كلّّ شيء، والمركز وسيلتها. وإذ تموت فطمة، تكبر لميس بسرعة وهي تعبر كلّّ صباح الجسر بين ضفتي النهر، تتابع ما يجري حولها "وفي عينيها الواسعتين تتلامح كلّّ وقت فطمة التي تستلقي بجانب قلعة المدينة، كما ينبغي لنهر..". وبذا تلتف العبارة الأخيرة لتصير عنوان الرواية، بينما تنشج القراءة وتدمى في هذه الكتابة التي أبدعتها منهل السراج من أمسنا ومن يومنا، وربما من غدنا، والعياذ بالله.
2 ـ ناديا خوست: أعاصير في بلاد الشام:
على إيقاع الصراع العربي "الإسرائيلي" والهزائم المتتالية، تواتر الحفر الروائي في التاريخ. كما بدا في روايات هاني الراهب وحنا مينة وممدوح عدوان وخيري الذهبي ونهاد سيريس وآخرون منهم كاتب هذه السطور، ثم جاءت روايتا ناديا خوست (حب في بلاد الشام) و(أعاصير في بلاد الشام)( ). وفي كلّّ هذه المدونة كان سؤال الحرب في الصلب، مثلما كانت أسئلة الوثيقة والتأرخة والتخييل والتناص والسيرة، وهي الأسئلة التي تمايز الأجوبة عليها بين الرواية التاريخية ـ كما كتبها معروف الأرناؤوط في سورية وجرجي زيدان في مصر ـ وبين الحفر الروائي في التاريخ. ويبدو أن التجارب التي سبقت ـ ومنها خارج سورية تجارب عبد الرحمن منيف وعبد الخالق الركابي وجمال الغيطاني ورضوى عاشور وفوزية رشيد وسميحة خريس... ـ لم تكف ناديا خوست مشقّة افتتاح الرواية بتوكيد استنادها إلى موسوعات ووثائق ومذكرات وكتب تاريخية وشهادات شخصية. بل إن الكاتبة تجلو في (مفتتح الرواية) أنها قَدْ قاطعت الشهادات التي تلونت بهوى رواتها والمذكرات التاريخية التي حملت أطيافاً من رؤى أصحابها، بالوثيقة "كيلا يسجل المؤرخ أن مناخ الرواية وأحداثها غير صحيحة". وعلى الرغم من توكيد الكاتبة أنها لم تكتب رواية تاريخية تبدو مهجوسة بالمسافة ـ أو الصلة ـ بين الحقيقة الفنية والحقيقة الواقعية، وإن كانت تدع فحص ذلك لـ (المختص)( ). والمهم هنا أن سبيل الكاتبة إلى الحفر الروائي في التاريخ، هو كما كتبت: "لكنني أبحت لنفسي أن أستقرئ وأن أشيد الممكن والمستحيل بحقوق الروائي الذي يريد أن يصوغ مُثُلاً جميلة ومؤثرة، وخالدة أكثر من أصولها وظلالها". فهل هو إذاً السبيل الذي اختطه الكاتب (حقوق الروائي الذي...) أم هي زلقة اللسان بالفصحى الذكورية ومكر اللاشعور؟
تبدأ رواية (أعاصير في بلاد الشام) من النهاية التي عاد فيها قيس إلى إربد بعدما طوّح في الدنيا عشرات السنين، وبعد أن تطوّح الاتحاد السوفييتي وكواكبه. وبالطبع، لن تكون الرواية بعد مثل هذه البداية، سوى استعادة لحياة بطلها، وإن يكن حضور النهاية سيمثل بين حين وحين أثناء الاستعادة.
ينتمي قيس إلى قرية صفورية الفلسطينية التي أبادها الصهاينة في الحرب التي أسفرت عن قيام "إسرائيل" عام 1948. وإذا كانت الرواية في أولى فقرات البداية ستجبه بتلك الإبادة، فهي ستجبه أيضاً بذكرى غزالة وأغاني أسمهان من يفاعة قيس. ثم تنهمر مما آل إليه قيس بعد أربعين سنة ـ بالأحرى: من النهاية ـ أخلاط من فرادته منذ نشأته، وحسبنا من ذلك نبوءته بخراب المعسكر الاشتراكي: "هل كان له حدس الأنبياء وبصيرة المنجمين يوم قال: ما بدأ به الثوار نسيه السياسيون؟". ومن تلك الأخلاط مصادفته في مطار فيينا إبان عودته الأخيرة الغجرية التي ستستدعي ذكرى غجرية طبريا من اليفاعة أيضاً. ومثل هذه الذكرى هي المعلومات عن زواج قيس وعن المسافة بينه وبين ابنه وعن كتابته الشعر ودراسته الفلسفة واستقباله في بيته لسفراء وقادة سياسيين وولعه بالنساء بحثاً عن ليلاه، وصداقته مع جورج ماكاي اليهودي الذي كان مستشاراً في اللجنة المركزية (للحزب الشيوعي؟) ويصفه الصهاينة بخائن الشعب اليهودي لأنه يخالفهم. وكذلك تأتي صداقة قيس مع اليهودي طوران روبرت الذي غاب سنتين ليؤدي الخدمة العسكرية في "إسرائيل"، ثم عاد ليعلن لقيس أن مهمته هي جمع كلّّ كلمة تكتب عن الشرق الأوسط، ورصده لكل رصاصة يمكن أن ترسل إلى بلد عربي.
بهذه البساطة التي ينقصها الإقناع يكشف طوران روبرت مهمته لصديقه قيس العصر، الشاعر دون منبر والسياسي دون حزب والرائد الغاضب على الحاضر.
وإثر هذه الأخلاط تشرع الرواية بالانتظام في استعادة الماضي التي يقاطعها الحاضر أحياناً كما أشرنا، ليقوم بناء الرواية على تمفصل التاريخ مع حياة قيس ومن له به صلة وثقى من أسرته ومن أصدقائه ومن معشوقاته وعاشقاته. وبعبارة أخرى، يقوم البناء الروائي على التمفصل بين التأرخة وبين سيرة الشخصية المحورية المشتبكة بسير عشرات الشخصيات المتخيلة والتاريخية.
فالتأرخة تنهض بأعباء الصراع العربي "الإسرائيلي" منذ مطلع القرن العشرين وانتفاضة 1929 و1936، لتكون الوقفة الكبرى على حرب 1948، وبترجيعات متفاوتة لما سيلي من حروب. ولأن الوقفة الكبرى هي لحرب 1948، لم توفّر الرواية حيلة لتصريف المعلومة والوثيقة كي تقدم تلك الحرب في أرجاء فلسطين كافة، ابتداءً بصفورية وصفد، ومروراً بالصفصاف وطبرية والقدس والمالكية... لكن التحيّل لم يخفف من وطأة التأرخة التي قَدْ تنفرد ـ بل تنتأ ـ بصفحة أو ثلاث قبل أن تتمفصل من جديد مع حياة قيس، لتعود الرواية إلى روائيتها بعد ما كادت التأرخة تأتي على هذه الروائية، كما بدا منذ البداية في التوثيق لعراقة صفورية، ثم في الغمر الذي تلا عن قبة الصخرة وتغلغل اليهودي الصهيوني في الأحزاب الشيوعية، وتروتسكي وإيخمان والبهائية وجيش الإنقاذ وتقسيم فلسطين وتسليح اليهود والصراع في الأردن خلال خمسينيات القرن الماضي... وحسبي الإشارة إلى الصفحات 83 ـ 90 ـ 190.
عبر ذلك شكلت الحرب مصائر الجميع، وكان لليهودي حضوره المتناقض تناقض قيام المستوطنة اليهودية قرب صفورية مع صداقة والد قيس واليهودي يوسف الذي نصحه قبل اندلاع الحرب بالرحيل. ومثل ذلك تبدو شخصية مردخاي رئيس بلدية روشبينا الذي يقدم الطعام لأهالي صفد بعد سقوطها ويخاطبهم: "يجب أن نعيش بسلام". بيد أن هذا الاستواء في تصوير شخصية العدو يقع مراراً تحت وطأة الخطاب الأيديولوجي الذي لن تبرأ منه أيضاً الشخصيات الأخرى، بقدر ما تسعى الرواية إلى أن تكون هالة لهذه الشخصية أو تلك، سواء في المعارك أو في السجون التي تنقّل قيس بينها في الأردن بعد النكبة.
هكذا صورت الرواية توالي المناوشات في صفورية أو صفد نذيراً بالحرب، ثم توالى سقوط المدن والقرى وقدوم جيش الإنقاذ وفيه من الضباط السوريين أديب الشيشكلي وإحسان كم ألماظ وغسان جديد وساري الفنيش الذي انسحب بجنوده فجأة تنفيذاً للأوامر، كما سيجلو السبب لقيس حين يلقاه في إربد بعد أوبته الأخيرة إليها. وقد رسمت الرواية ببراعة مشاهد عديدة في هذه التأرخة للحرب، من أبرزها ما جاء عبر القصة الفرعية لبهاء سواء في القتل أو النزوح، وفي لبنان أو في الصفصاف أو في القدس أو على الحدود اللبنانية. ولأن غمر الوثائق والمذكرات والكتب والشهادات كبير جداً، والحرص على تقديم (جردة) بالحرب أكبر، فقد استعانت التأرخة الروائية بالاستباق على النهوض بذلك، وعلى نحو يكاد يوازي الاسترجاع أو تقديم التاريخ عارياً من الروائية. فأبو قيس "عرف فيما بعد" أن اليهود العرب تجسسوا على التجمعات الدينية والجماهيرية العربية، وعلى مشتريات العرب للسلاح، وقيس سيتفحص "بعد عقود" كلمات شكري العسلي في مجلس المبعوثان العثماني ويهتف لذلك الرائد الذي كشف يهود الدونمة مبكراً. وعن معارك صفد "سيكتب فيما بعد الكاتب "الإسرائيلي" عاموس متسوريف من عين زيتيم"، وسيكتب اليهودي الأمريكي ليون أوريس عن حرق القرى العربية كمهمة إلهية، سيكتب رابين قائد القوات التي احتلت اللد والرملة في مذكراته عن تهجير سكانها، وسيكتب ألفريد ليلنتال "بعد عقود من الزمن" كيف حدث التصويت على تقسيم فلسطين في الأمم المتحدة...
غير أن الاستباق لم يف بالمهمة التي شارك فيها الاسترجاع والتاريخ العاري. لذلك توسلت الرواية أيضاً المذكرات: الدفتر المدرسي لأميرة التي سجلت فيه وقائع سقوط صفد كما سجل بهاء في مفكرته ما تعلق بجيش الإنقاذ أو بالمعارك التي خاضها، فضلاً عما كان يحكيه لزوجته كلما عاد من معركة. وقد آثرت الرواية غالباً أن تنتهي من كلّّ قصة (فرعية) لمعركة قبل أن تنتقل إلى أخرى، وهو ما سيتكرر أيضاً بصدد حياة قيس والشخصيات الأخرى، حيث ندر أن لجأت الرواية إلى التقطيع كما كان بصدد صفورية، وذلك باستكمال حكاية الحرب فيها حين حاول قيس العودة إليها بعد النزوح.
لقد حرصت الرواية على المستوى الآخر المتعلق بحياة قيس وأسرته ومن له به صلة، على فرادة بطلها "ستزيده المصادفات إيماناً ببصيرته وبأن ما يراه في نومه أو يتصوره يقع". وكما كان الشعر مجلى لتلك الفرادة، كانت الأنثى، من غزالة ونجيبة في يفاعة قيس، إلى شهرزاد والمعلمة لور والبهائيات وإلهام... وابتداءً وانتهاءً بليلى التي دأبت الرواية منذ البداية على أن تكون رمزاً يُلْمِعُ بصبوة قيس، في استعادة لقصة العشق التراثية بين قيس وليلى.
وقد بلغ هذا الترميز في النهاية مبلغ الفجاجة حين التقى قيس مصادفة ليلى الطالبة في جامعة دمشق، وتوالت العبارات التي تختم الرواية: "دمشق أو ليلى أو هما معاً هذا الصبا" و"هل كانت ليلى حلماً يتمنى كلّّ إنسان أن يستبقيه نضراً ويحتفظ به؟ هل كشف لـه هواه أن القضايا العامة لا تملأ وحدها الروح؟" و"وبدت له ليلى روح ما أحب في دمشق، صبا وعنفوان وكبرياء مدينة وزمن ومجموعة. هل كانت تدري ذلك، أو كانت تجري في فضاء الحرية مسددة إلى أفقها؟" وسيضع قيس صورة ليلى في جيبه وهو يعبر منظمات وبلداناً ونساءً، فتصير تميمته وحلمه ومشروعه ومثله الذي لا يمكن أن يفجع به، وإن كان قَدْ تزوج وأنجب.
ولن يكون قيس في محطات حياته الأخرى أقل فرادة، من وظيفة إلى وظيفة، ومن معتقل إلى معتقل طوال خمسينيات القرن الماضي في الأردن. ولذلك تليق الدونجوانية بهذا البطل الذي لا تفتأ الرواية تثقل على حياته بالتأرخة، حيث لا يتعلق الأمر بالحرب فقط، بل بما سبقها وبما تلاها، من ستالين إلى غورباتشوف، ومن غلوب باشا إلى حلف بغداد إلى عدنان المالكي إلى حزب الشعب الديمقراطي إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي.. وعلى العكس من هذا الإثقال، جاءت المتناصات الأخرى على ندرتها، من الأمثال العامية ومن أشعار نوح إبراهيم إلى شعر الأحنف. وعلى العكس أيضاً من كلّّ ما اعتور البناء الروائي كما تقدم، جاءت لغة الرواية في الغالب، وجاء رسم عدد من الشخصيات كأبي قيس وأمه والبهائية هوية. ولعل الرواية بجماع ذلك قَدْ رفدت مدوّنة الحفر الروائي في التاريخ مما سبق إليه الآخرون، ولكن دون علامات فارقة.

dabe3
05-18-2010, 02:15 PM
3 ـ غالية قباني: صباح امرأة( ):
ذات صباح يصحو من في الكويت على كابوس كما تعبر (ندى) الشخصية المحورية في رواية غالية قباني (صباح امرأة). إنه صباح الاحتلال العراقي الذي يواجه فيه زوج ندى (مجدي) الدبابات العراقية، فيحسب أن انقلاباً وقع ضد الحكومة الكويتية. غير أن الكابوس ـ الانقلاب لن يكون فقط في الخارج، فالطبيبة ندى، لن تلبث أن تقول: "زواج منهار ـ وغزو عسكري. أي سجنين أنا رهينتهما"، لكأنها بذلك تصوغ السؤال الشخصي وسؤال الحرب اللذين يعينان شخصيات الرواية جميعاً في تفاعلهما، وبالأحرى في صياغة كلّّ منهما للآخر.
تسلم ندى جسدها لزوجها في اليوم الأول للحرب بحثاً عن بداية جديدة لعلاقتهما المعطوبة. لكن بحثها يخيب فتقرر الطلاق. ولن تفتأ الرواية تقيم التعالق بين المستوى الشخصي وبين مستوى الحرب منذ ذلك الصباح الذي عنون الفصل الأول (صباح) إلى ما يرسمه الفصل الثاني (بورتريه) من الشخصيات ومن يوميات الحرب. أما الفصل الثالث (التشظي) فيرسم تفجّر المستويين الفردي والعام بالنفوس والعلاقات والأفكار والفضاء. وهذا ما سيتواصل في الفصل الأخير (لملمة الشظايا)، ولكن على نحوٍ يضفر خيوط الرواية الكثيرة المتشابكة أو المبتورة أو المتواصلة، وهو ـ فيما يبدو ـ ما رمت إليه عنونة هذا الفصل.
تتناوب ندى على السرد مع كثير من الشخصيات، ولكل منها قصتها الفرعية. وقد عوّلت الرواية على الاستباق لإكمال كثير من تلك القصص. وبالتالي لمتابعة مصائر الشخصيات حسبما تقلّبت بها الحرب، بينما كان التعويل على الاسترجاع، وبدرجة أدنى، لاستحضار ما يلزم من الماضي. وعلى الرغم من العناية الفائقة طوال الرواية بجّوانية الشخصيات، فقد أفسحت الحرب للكثير من الحوارات السياسية، وعلى نحو نتأ فيه أحياناً الضغط الأيديولوجي على الرواية، فهل كان ذلك لأن أغلب شخصيات الرواية يتوزعها ـ رجالاً ونساءً ـ الطب والصحافة والكتابة والماضي النضالي؟
تتعدد الانتماءات الجغرافية لشخصيات الرواية، كما يتعدى الفضاء الروائي الكويت، وإن تكن هي الأساس. ومن بين الجميع لا تعّين الرواية انتماء مجدي وندى التي نشأت في الكويت، ودرست الطب في مصر وفرنسا. وقد ربطتها المظاهرات الجامعية في سبعينيات القرن الماضي في مصر بمجدي، فكان الزواج في الكويت. لكن الرجل انقلب على ماضيه النضالي فبات الزواج اغتصاباً، وبعبارة ندى: "دخل حياتي ليحتل الفتحات التي كنت أتنفّس منها"، لذلك ستلوب: "لو ترك فسحة بين أناه وأنا. كنت سأحب ضمير نحن". حتى إذا جاء الاحتلال العراقي قامت بين الزوجين هدنة لم تطل، فقررت ندى الطلاق رغم أن مجدي لا يحتمل انفصالها عنه كمخلوق مستقل.

هكذا وعلى إيقاع الحرب، تتفسّخ العلاقات بين أغلب شخصيات الرواية، كما ستفعل الحرب فعلها في تلك الشخصيات، لتكشف عوراتها أو نبلها أو تبدلاتها. فعلى المستوى العام تشخص الساردة سرعة تعلم سكان البلاد للصمت، ودفع البلاد لثمن التخطيط الحديث للفضاء، وهو ما يسرّ على الجيش العراقي بسط سيطرته والإجهاز على الدولة، فلم يبق ما يدل عليها خلال يومين سوى إشارات المرور. كما أقفلت المطاعم وانقطعت الاتصالات الدولية. وتمضي الساردة إلى أن الحرب جاءت كإيقاع مختلف يخترق الرتابة التي حكمت الحياة اليومية من قبل.
بتخصيص ذلك وسواه من السرقة والتهريب والتجارة تتوزع الشخصيات بين ثلاث فئات: الكويتيون، العراقيون، الآخرون من عرب وأجانب.
في رأس الفئة الأولى يأتي الطبيب عبد الرحمن الذي يكتب في السياسة والأدب، وكان مؤيداً للعراق في حربها مع إيران، وهاهو الاحتلال يحسبه مؤيداً له فيدعوه إلى الكتابة في جريدة النداء، فيتخفى في ديوانية أقارب لـه. وقد جعلت الرواية من شخصية عبد الرحمن نهزة لها في تقديم قصة والده النقابي وفي تعرية التراتب القبلي كحقل ملغّم حال دون دخول الوالد مجلس الأمة، كما حال بين عبد الرحمن وبين بنت النواخذة التي رفضه ذووها، فتراجعت إلى حين. وعندما عادت تحاول وصلاً لم يستجب، لكنها ظلت جرحه المقيم الذي ستنكأه الحرب، بينما يعمل عبد الرحمن لمقاومة الاحتلال. ولقد كانت الجلسة التي تعوّد عبد الرحمن أن يجمع فيها أصدقاءه من المثقفين والمسيسين الوافدين، نهزة الرواية لتقديم ما طرأ بين أولاء جراء الحرب. فعبد الرحمن يتفهم مساندة الفلسطيني للعراق وهو الذي لم يكن يُسْمَحْ لأولاده بدخول المدارس الكويتية، لكن عبد الرحمن يندد بمساندة أغلب الشعوب العربية للعراق. والأستاذ الجامعي الفلسطيني سليم يعلل ذلك بمعارضة الناس للسياسة الأمريكية. وإذا كان عبد الرحمن يتساءل: "وإذا كانت أمريكا ستحرر لي بلدي؟" فالجراح المصري سعد يرى ذلك خدعة ستخرج العراق وتدخل أمريكا. لكن الكويتي الصحفي مشعل يتصدى لسعد وسليم: "لا يجوز أن يفتي الغرباء في وضع بلد هم ضيوف فيه"، بل ويهدد: "سنقرر في المستقبل من الذي سيبقى في البلد". وإذا كان ذلك سيدفع بسعد إلى أن يؤكد أنه ضد الاحتلال أياً كان، فسليم يفضل احتلال جيش عربي على غيره.

يواصل عبد الرحمن ـ الذي كان قومياً عربياً أثناء دراسته الطب في القاهرة ـ سبيله في مقاومة الاحتلال إلى أن يضطر إلى الهرب إلى السعودية، حيثُ ستتجدد جلساته مع آخرين، وجوه بعضهم أميركي الصنع، بتعبيره. أما الحرب فيرجّع دويّها الدويَّ الذي كان البحر يسربه بالأمس عندما كانت الحرب بين العراق وإيران. ومثل عبد الرحمن سيكون لكلٍّ أسبابه التي صنعتها الحرب، ليعود من حيث أتى. لكن سليم الذي انخرط في المقاومة الفلسطينية في الأردن ثم في لبنان، ترفضه البلاد جميعاً، وابنته وابنه يحنّان إلى نشأتهما في أمريكا، وزوجته نايفة عازمة على السفر مع ولديها. وقد أفضى كلّّ ذلك بسليم إلى الجنون كما سيكمل الاستباق قصته، فيودع مستشفى الأمراض العقلية بعد انتهاء الحرب، ثم يرحّل إلى موطنه في غزة، وتطلقه زوجته.. والاستباق أيضاً سيكمل قصة عبد الرحمن بعد انتهاء الحرب، حيث يعود إلى الكويت، ويعقد جلساته في فندق شهير، وتنضم إليه فتيات روسيات "انفرطت هيبة بلادهن في خضم ضجيج حرب الخليج".
مقابل نهوض الساردة غالباً بقسط عبد الرحمن ورهطه كما تقدم، يتعلق الباقي من الرواية بندى، سواء أتولت هي السرد أو سواها. فمنذ البداية يحضر شقيقها زياد الذي يرى صدام حسين الآن عقاباً من الله، ويدعو شقيقته إلى الرحيل، بينما كان يرى صدام في حرب الخليج الأولى عقاباً من السماء للمجوس الكفرة. وفي أول استباق في الرواية ستجلو ندى عودة زياد خالي الوفاض، بعدما سرق معاونه البضاعة التي هرّبها هو إلى بغداد، فزياد يبرر لنفسه التهريب، ويأخذ على سواه السرقة، وهو الذي شهد نهب قصور الشيوخ. وكأنما أراد أن يعاقب نفسه، رحل تاركاً بيته لنهب الجيران.
بالمقابل هو ذا صهر مجدي، المهندس الهارب من ملاحقة بلده للمتدينين، يرى الشيطان الأكبر (أمريكا) أخطر من الشيطان الأصغر (صدام) الذي يدافع عن الإسلام، بينما كان ضد صدام في حربه مع إيران، لأنها دولة مسلمة. أما مجدي نفسه فسوف تصيبه رصاصة لأنه حاول أن يملص من حاجز عراقي كيلا يفتضح أمره مع من كانت بصحبته. وحين يعود إلى البيت رافضاً طلاق ندى، ستكون لـه (وصلة) مع صديقتها صغرى التي تقتحم بيتها، وتكرع الوسكي، ويسعدها أن الكحول صار متاحاً بعد الاحتلال، بعدما كان لا يباع إلا في السوق السوداء وبثمن باهظ. وقد وفّرت الرواية لشخصية صغرى ما يفردها، كما بدا مع الشخصيات النسائية جميعاً، وأياً يكن حضورها. فصغرى الإيرانية الأصل تهرب الأسلحة للمقاومة في سيارتها "متسلحة بالجسد والدسائس تبحث عن مجد وطني" كما تعلق ندى. وصغرى ترى كلّّ الرجال ضعافاً أمام أجساد النساء. أما كفاية الإيرانية الأصل فلا تطيق أن ترى أشخاصاً أعلنوا فجأة أن "بلدي ليس ببلدي". وستقوم كفاية بنقل الرسائل بين المقاومة ومن هم في الخارج، لكن ذلك كله لا يحجب عنها حقيقة الوافد والمواطن في الكويت، فتحضّ ندى على الرحيل وهي تسألها: "إذا تم تحرير البلد، هل تعتقدين أنه سيسمح لك بالبقاء فيه دون قيود لمجرد أنك صمدت في هذا الظرف؟".
لسؤال كفاية تشكيلاته العديدة التي تنتهي إلى أن الغريب يظل غريباً، سواء أنشأ في الكويت مثل ندى، أو كان الأب أو الجد إيراني الأصل مثل كفاية وصغرى، ومثل أمينة التي رفض أهلها زواجها ممن تحب، لأنهم يعلونه في السلم الطبقي. فالأصل يشتبك مع الموقع الطبقي والانتماء القبلي. لكن أمينة تحمل من الحبيب سراً وتلجأ إلى ندى لتخلصها من الحمل. وبالطبع، سيبلغ سؤال كفاية أقصاه حين يتعلق بمن هم من أصل عراقي، كما يتجلى في مقاطعة أهل أمينة لجيرانهم العراقيين، على الرغم من أن واحدهم (عمار) هارب من صدام، وشقيق له حارب في كردستان، وآخر فرّ إلى السويد..
غير أن الإحراج الأكبر يتعلق بالعسكري العراقي. وهنا يبدو امتياز الرواية برهانها على الإنساني وإقصائها للأيديولوجي في تشكيل الشخصية، بخلاف ما غلب على روايات آخرين عن حرب الخليج الثانية (وليد الرجيب ـ إسماعيل فهد إسماعيل..). ففي صباح الحرب يستوقف حاجزٌ ندى في سبيلها إلى المستشفى، ويخاطبها العسكري: "يا هلا ببنات العم". ويطلب عسكري (شخاطة) ليشعل سيجارته، ويدعو: "الله يرد لكم بلادكم بالسلامة". وترسم ندى هذا العسكري في بدلته التي ربما كانت من مخلفات الحرب السابقة: "جسد عجوز لرجل في العشرينات من عمره. لو أنني أعطيته منديلاً ورقياً ليمسح وجهه المتعرق على الأقل". وهذا هو آزاد العسكري العراقي الذي أصابه رصاص المقاومة، يتضرع لندى كي تخدره أسبوعياً، فيعنفه رئيسه. وهذا هو طالب الذي أعارته ندى جزءاً من رواية عبد الرحمن منيف (مدن الملح) يناشدها أن تساعده على الفرار، وهو الذي أعدم أبوه في السجن، وله شقيق أسير في إيران.
مع تزايد الحشود على الحدود صار الجنود العاديون أكثر عصبية، بينما كانوا في البداية أقل خشونة من حرس القصر. وإذا كانت الرواية لن تُعني بتخصيص ذلك، فقد مضت بالمستوى السابق لبناء الشخصية والعلاقات (العسكري العراقي) إلى ما هو أعمق وأبعد كلما تعلق الأمر بالمرأة. فإلى شخصيات ندى وكفاية وصغرى وأمينة.. تلك هي المظاهرة النسائية الكويتية ضد الاحتلال، وتلك هي حلقة الأنوثة التي ضمت ندى والخادمة إيزابيل ونوال التي أسر زوجها رجل الأعمال، وتلك هي أم جميلة التي كانت عبدة فأُعتقت، والممرضة لمياء التي تخشى العودة إلى بلدها حيث زوجها وأولادها: "لن يحتملوا وجودي بعد توقف بئر النفط الذي هو أنا"... وبالطبع، بدا هذا الوشم الأنثوي أقوى في الشخصية المحورية ندى، ولاسيما في علاقتها بالزوج (مجدي) وبالعاشق (سعد).
ولئن كانت كثرة الشخصيات النسائية، ككثرة الشخصيات الذكورية، قَدْ جعلت الرواية تبدو مراراً كميدان مزدحم، وأثقلت بالتالي على الرواية بالعابرين والعابرات، فقد بدت الحرب إطاراً ومحركاً، يشظّي ويلملم الذوات والفضاء والقصص، ليصحّ في الحرب كما يصح في بناء الرواية ما تصدرها من جلال الدين الرومي: "الحقيقة/هي مرآة سقطت فاستحالت كسراً كثيراً/ وكلّ من يجد قطعة منها، يعتقد أنه وجد الحقيقة كلها".
4 ـ زهرة ديك: في الجبة لا أحد( ):
تروي الكاتبة الجزائرية زهرة ديك في روايتها (في الجبة.. لا أحد) أن المواطن الجزائري (السعيد) آب إلى بيته يملؤه نوع من الفرح الطري، وهو يحمد الله على أنه سلم هذا اليوم أيضاً من رصاصة قاتلة أو من سكين حادة.
و(السعيد) الأربعيني المتوسط الطول والثقافة، مذبذب العقيدة والعواطف، بل والشهية، ما عدا شهوته للنساء. و(السعيد) يرغب في وطن شرطه الوحيد أن يكون خالياً من الكواسر. فالمدينة ـ الجزائر ـ كما تروي الكاتبة سقطت في قبضة الوحوش الآدمية، وتأكل لحم أبنائها حياً. ولذلك يأوي (السعيد) إلى بيته على بعد خمس عمارات وثلاثة دكاكين ومطعمين وكشك ومقهى ومسجد ـ كما تبدأ الكاتبة روايتها ـ وقد قرر أن يؤمن بحقيقة طالما خانته جرأته على الاعتراف بها، هي فقدانه لأية قدرة على السكينة. وإيمانه يطّرد مع يقينه بأننا نتعلق بالأوطان كلما آلمتنا، مثلها مثل النساء "نحبهن مهما قسون علينا، ولا نعشقهن إلا إذا مارسن عذابنا ألواناً".

سأنحي اختلافي مع هذا الرجل في هذه المازوخية، لأصغي إلى تساؤله عن الوطن: هل هو قدر أعمى وحتمية لا فكاك منها؟ هل الدم مطر هذا الوطن؟ ولعل لي أن أقرن هذا التساؤل بعنوان رواية أخرى للكاتبة هو (بين فكي وطن). والمناط في روايتيّ زهرة ديك هو هذا الشعب الذي يصفه (السعيد) بأنه أكبر الشعوب حزناً وصمتاً وقلقاً ومقدرة على الصبر والغموض. وإذ نعلم أن زمن الروايتين هو بداية اندلاع الحرائق في الجزائر في العقد الأخير من القرن الماضي، ندرك سر الوحدة الموحشة التي أطبقت على (السعيد) في بيته، ليعي لأول مرة أن البيت يؤدي وظيفة السجن كما لا يؤديها أي سجن، وأنه تحول إلى مصيدة قاتلة مذ انهال الطرق على الباب، وقُطع الهاتف، وأَزِفَت الآزفة، فانداحت الرواية.
هكذا، وفي أقلّ من يوم، وبين نهار وليل، ستحكي الساردة العتيدة حكايا هذا الرجل منذ طفولته إلى يومه الأخير، بينما يوقّع للسرد طَرْقُ الطارقين للباب، فيفجّر ذكرياته وهواجسه وأحلامه وأفكاره، وهو الذي لم يأبه بتهديدات وتحذيرات الجماعات (الإرهابية) و(المجرمة)، ورفض نداءها بالانضمام إليها، فجاءت لتقضي عليه كما قضت ـ فيما يستذكر ـ على العالم جيلالي اليابس وعلى الكاتب يوسف السبتي وعلى الفنان الشاب حسني وسواهم من المثقفين الجزائريين الذين رسم وجوه بعضهم.
فـ (السعيد) الذي يواجه الاغتيال أعزل، أخذ ـ في طفولته في القرية ـ عن ساحر هندي تقنية خاصة في التصوير والرسم، كما تعلّم تقنية الإضاءة المسرحية، ليعمل تقنياً وحارساً في مسرح المدينة الذي كان هدفاً أثيراً للقتلة.
على الإيقاع القاتل القادم من الباب تومض لـ (السعيد) صور أبيه وأمه وزوجته التي فاز بالطلاق منها، كما تومض صور عمله دليلاً سياحياً ومن عرفهنّ أثناء ذلك، إلى أن يبلغ المسرح، ويمتلئ البيت بالصور واللوحات، ويمتلئ (السعيد) كالمدينة بالرعب، كما يمتلئ يوم الرواية بطرقات القتلة.
في لجّة هذا اليوم تطلع من أعماق السعيد كليوباترة: الحب الذي يسكنه وتنفجر به مخيّلته ليواجها معاً الموت المحقق. وفي حضرة المرأة ـ الحقيقة القاتلة كالوهم القاتل ـ تنجز الرواية حكاياها، عامرة بالخوف والغرابة، ويكون كلّّ ذلك في الفصل الأول الذي تردفه الساردة بفصل ثان قصير فائض عن الحاجة، بعدما استوفى الفصل الأول الحاجة كلها. وهكذا يتأرجح بناء الرواية الذي يتوالى فيه صنيع الكاتبة في روايتها الأولى (بين فكي وطن) من حيث التأرجح بين الالتماعات وبين السذاجة. وهنا، ينبغي التنويه بلعبة الشبكة في رواية (في الجبة.. لا أحد) حيث راكم (السعيد) الأشياء، أي ذاكرته المعلقة، أي (الحكايا)، وحيث لجأ مع حبه إلى جوف الأبدية وقد تعب الخوف من الخوف ولم يتعب الباب من أن يظل باباً تنهال عليه طرقات القتلة. ومثل هذا اللعب الروائي في (الشبكة) هي أيضاً لعبة اللوحات والصور في غرف البيت، ولاسيما لوحة (السعيد) المفضلة التي حرضه عليه قول لورانس بلوك: "لتقتلْ وتخلق". فهذه اللوحة هي مسقط خوف (السعيد) ومنبت أوهامه، وهو الذي صار يمارس القتل كما تروي الرواية: "شنقاً وذبحاً ورفساً وجوعاً وشنقاً وكرهاً وحباً واحتقاراً وشماتة وتهشيماً وإقصاءً وعطشاً وغباءً وذكاءً وعلماً وجهلاً.. أقتل بكل ما أوتيت من ضعف وبكل ما أملك من قوة.. بالأسنان أقتل بالأرجل أقتل بالضحك أقتل بالبكاء أقتل، وباختصار: لقد صرت إمبراطور القتل".
غير أن سطوة السارد غالباً، والسذاجة أحياناً، تحاصران مثل هذه الالتماعات في الرواية، إلى أن يقرر الباب أن يتعود الطرق، ويقرر (السعيد) ألا يكون هو نفسه، وتنتهي الرواية منضافةً إلى الدفق الروائي في الجزائر طوال العقد الماضي، شاهداً على الحرائق ومكتوباً بها، متعثراً مرة ومبدعاً مرة، وهو ما يستوي فيه الطاهر وطار وواسيني الأعرج وأمين الزاوي وجيلالي خلاص وبشير مفتي وسواهم من السابقين واللاحقين، وكذلك اللاحقات من بنات شهرزاد: رشيدة خوازم وأحلام مستغانمي وياسمينة صالح وشهرزاد زاغز وفضيلة فاروق و.. زهرة ديك.
5 ـ حسن قاسم الساعدي: رقصة الطائر المذبوح( )
سواء أكان في رواية (رقصة الطائر المذبوح) من سيرة كاتبها حسن قاسم الساعدي قدر أو أكبر، فهي سيرة راويها وشخصيتها المحورية: العراقي يونس الذي خاض كالكاتب حرب الخليج الثانية، وهذا وحده يشبك بين السيري والروائي في رواية (رقصة الطائر المذبوح) ابتداءً من الطفولة التي تتعنون بموت القطط وبثلاثي الأقران الذين يتعلق بهم يونس تعلقه بالقطط: نشأت (النوش) وحبيب (الحب) وجميل (الجومة).

لكن العنوان الأكبر الذي تحمله طفولة يونس هو اعتقال أبيه ثم إحضار الملثمين لجثته. فمن هذا العنوان ستبدأ حياة أخرى للطفل، يندغم فيها حذر الجيران والأقارب من أسرة المعتقل، وإحراق العم لكتب المعتقل ودفنه لبعضها في الحديقة، وزواج الأم وموت رفيق الطفولة وعشق الطفولة لليلى التي تسورها مسدسات الدولة، فأشقاؤها ضباط عتاة.
وكما يجعل موت الأب من الطفل قاتل القطط المحترف، سيفلش مراهقته حتى يسود شارباه، فتأمره أمه بحلاقتهما لينجو من السوق إلى الحرب التي ستمهل ولكنها لن تهمل، لكأنها القدر المقدور الذي سيظفر بيونس بعدما ينتسب إلى الجامعة.
منذئذٍ، وفيما ينوف على ثلثي الروائية، سيغدو تأهيل المجنّد في المؤسسة العسكرية، ثم الحرب، مدار الرواية الذي يتقاذف يونس والنوش وصديق الجامعة المسيحي (ميلاد) وسواهم. ومن علامات ذلك التي تهتكها الرواية هتكاً، تعاطي السيكوتين كمخدر، وتحرش الضباط بميلاد، ونشيد المسير تحت الكابلات في صباحات التدريب: "يقولون عدنا سلاح أمريكي/ يقولون نضربْ ضرب تكتيكي". ومن تلك العلامات البالغة للدلالة على النخر العظيم وعلى الهتك العظيم ما آلت إليه ليلى بعد موت زوجها إذ "فقدت كلّّ شيء، حتى الإحساس بالحياة نفسها. خفتت جذوة ما بسبب الحرب".
أما الحرب فستكون لها صورتها الورائية المؤثثة بتفاصيل الحياة العسكرية اليومية في المعسكرات وعلى الجبهة، والمؤثثة أيضاً وأيضاً بالمعاناة والذكريات، مما يجعل المحارب يفكر بالانتحار ويهجس: "لو قيض لي أن أعيش حياة أخرى فسوف أرفض بشدة القيام بتمثيل دور الإنسان".
فيونس يحارب بجسده الموميائي المقمط، مثله مثل الآخرين، ومنهم الجنود الذين قضوا نصف خدمتهم في سجون وحداتهم بسبب غيابهم المتكرر، ومنهم المدمنون على الأقراص، ومنهم (النوش) الذي يراه يونس ولداً عجيباً يمثل الحرية في أبهى صورها، ربما فقط لأنه يكن للضباط كرهاً بالغاً ويعدهم سبب هروبه وما يجره الهروب. أما غاية هذه الصورة المروعة فهي الشواء الجماعي الذي ينتظر الجميع، والجميع يراهم يونس "مجرد حيوانات". وسيتضاعف الأمر هولاً بعد أربعين ليلة من القصف. وبعد الانسحاب وبعد الوقوع في الأسر بين مئات الآلاف، حيث تُصنف المعسكرات بحسب الجيش الآسر، فتكون للدول العظمى حصة الأسد. وكما كانت الجرافات الأمريكية تخترق حقول الألغام، وكما كانت الحيوانات المدرعة تطمر من تطمر، سيتبع الآسرون سياسة تجويع الأسرى، لا لأمر إلا الانتقام. لكن الأسرى سيضربون لأول مرة في حياتهم دون أن يخشوا القتل جزاء على الإضراب. وستفرد الرواية شطرها الأخير لما قضاه يونس في مشفى الأسر بعد معسكر الأسر. وستوالي الرواية هتك الحلفاء الذين أحرقوا هويات الأسرى ودفاترهم العسكرية وساعاتهم ونقودهم، وانهالوا عليهم بالعصي الكهربائية وكبلوهم بخيوط البلاستيك، حتى جاء قائد القوات المشتركة ليحاضر فيهم تحت عنوان (حدود الضيافة). وسيكون للصليب الأحمر نفسه نصيب من هتك الرواية، بينما النهاية تقترب من المتاهة، ويونس يعتلّ بعلّة عجيبة ينعجن فيها عصاب الخوف بالكوابيس حتى يستحق يونس لقب العقدة ولقب فأر الصحراء.
لقد تابعت بقدر ما أتيح لي ـ وهو قدر محدود على كلّّ حال ـ رواية الحرب في العراق، بعيد نشوب الحرب العراقية الإيرانية. وإذا كان الصدى الأيديولوجي الطاغي في الكثير مما تابعت قَدْ آذى الفن أو أتى عليه، فقد ظل سؤال النقد إزاء ذلك قائماً بالنسبة لي. ومنه ما لازلت أذكره من كتابات عبد الله إبراهيم ومحسن جاسم الموسوي خلال الثمانينيات من القرن الماضي. على أن الأمر كله قَدْ تبدل فيما يبدو مع ظهور الفعل الروائي لحرب الخليج الثانية. وهنا تأتي رواية (رقصة الطائر المذبوح) شأنها شأن ما سبقها لمن سبقوا حسن قاسم الساعدي، وحيث تراجع طغيان الأيديولوجي ليتقدم الفن المعجون بالمأساة الفردية والجماعية، الجسدية والروحية، كما هو الشأن في غرر الإبداعات التي فجّرتها الحرب عبر التاريخ.

dabe3
05-18-2010, 02:16 PM
6 ـ أمين الزاوي: يصحو الحرير( )
بعد الاستهلال الأول بالشعر العامي الجزائري، يأتي الاستهلال الثاني في رواية أمين الزاوي (يصحو الحرير) متيمناً بالكاتب السردي التراثي إذ يفتتح كتابه، فيدعو للقارئ بالحفظ والبقاء، ثم ينبئ أمين الزاوي القارئ أن النساء منازل والقمر منازل، وأن منازل النساء تتعلق بمواقيت الزراعة والإخصاب والحج و... أما كتاب الزاوي (روايته) فمسطّر لمنازل امرأة "حكايتها على لسانها، والمحكية كاللسان لا عظم فيه، وهي مروية من أقاليم العشق وصهده وفتنته والرحلات ومصاحبة الرجال ومعاملاتهم التي هي فن كفن القتال وفن القنص وركوب الخيل وفن الكذب".
بهذا الاستهلال نفسه سيختم الكاتب روايته مبدلاً ببعض الكلمات، ومعلناً اسم المرأة ـ بطلة الرواية: (حروف ـ الزين) وهو الاسم الذي سماها أبوها به على كبر ـ كما تخبرنا في بداية الرواية ـ بدلاً من اسمها الحقيقي (شريفة). ومنذ البداية، ستبدي (حروف ـ الزين) وتعيد في (الحكاية)، فأن تحكي، فهذا يعني: "أنني أنتزع عن جسدي المصبوب هذا كلّّ أشيائي الداخلية"، والمرأة عليها أن تحكي، وألا تصمت، مثلما عليها "أن تختار قبرها منذ أن تصعد أنوثتها في دمها الأول". وستكرر (حروف ـ الزين) وهي تروي الرواية، الوعد بحكاية قادمة، بينما هي تحكي أخرى، كما ستسأل القراء: "هل أحكي لكم؟ أتسمعون حكاية امرأة تخاف أن تسمعوا حكايتها؟ هل تخافون الحكاية أم تخافون المرأة؟".
بهذا التوحيد للحكاية بالمرأة سنتعرف على هذه الأربعينية الفنانة التشكيلية والشاعرة التي تكتب بالعربية والفرنسية، والتي ينازعها السارد الذكر ـ أليس بالكاتب المختبئ خلفه؟ ـ حكي الحكايا وسرد الرواية، ولو بحدود، كما تنازعها ذلك شخصيات روائية عديدة. وبالارتجاع المتشظّي على مدى الرواية سنتعرف على أسرة حروف ـ الزين، وفي مقدمتها الأب العاشق للقرآن وشعر المتنبي ورحلة ابن بطوطة. وقد نفرت البنت من أبيها لأنه مزواج مطلاق (ست مرات) ولمعاملته السيئة لزوجاته، ولاسيما لطلاقه والدتها. لكن حروف ـ الزين تحب جاكلين الفرنسية التي أعقبت الأم، والتي كانت تحكي حكايا جميلة عن مدن جميلة، لا تشبه حكايا الأم "إلا أن حكايا أمي كانت أجمل". وقد ضرب الأب الفرنسية ثم طلقها، فظلت البنت تتردد عليها حتى رحل الأب بأسرته إلى الجدة في مدينة ندرومة: المدينة التي انصهر فيها الجمال العربي بالجمال العبري. وهناك تظهر شخصية العم إدريس، وكان اسمه قمر الدولة قبل أن يفقد عقله عندما شاهد مجموعة رجال تلقي بيهودي في (البرمة) حيث الماء تغلي.
إلى (بشار) الصحراوية، ينتقل الأب بأسرته مجدداً، بعد خيبته في استعادة أم حروف ـ الزين التي تزوجت، فكرهتها ابنتها، وتعلقت بالأب الذي تزوج في مقامه الجديدة، ثم طلق وعاد إلى ندرومة ليتزوج من التي ستحرم الغناء على البنت اليافعة، وسيطلقها الأب ويمضي بأسرته إلى المدينة (وهران) حيث يدخل في اكتئابه، بينما تعشق المراهقة جبران خليل جبران، وتتزوجه، حتى إذا اكتشفت أنه ميت كانت رضّة أخرى لها، كرضّة زواج أمها من قبل، وكرضّة تلصصها على الجيران من بعد، وكرضّة شقيقها الذي يعدّ أنوثة شقيقته لعنة سقطت على رأسه وعلى رأس العائلة، بينما لم تشعر البنت إزاء والدها بعقدة الأنثى. وإذا كانت حكايا حروف ـ الزين ستعبر بالشقيق عبوراً، فهي ستسهب في توأمها فاطمة التي تزوجت من يعقوب البربري، وإن كانت تحب شقيقه، وهي التي كانت ترى في حروف ـ الزين "نصفها الضائع، توازنها، عشنا في الرحم ملتصقين وفي الحياة كذلك".
من الماضي ستأتي حروف ـ الزين أيضاً بجديتها لأبيها، والتي كانت تحكي لها الحكايا بالعربرية ـ العربية البربرية ـ على العكس من جدتها لأمها المتعصبة للغتها البربرية، والحاضرة بقوة في اللوحات الزيتية لحروف ـ الزين. وسيكون أول ما يحضر من الماضي حكاية رحلة حروف ـ الزين إلى استنبول، حيث تلتقي بالبرازيلي ذي الأصل اللبناني (انطونيو). وستحكي له حكاية (بقرة اليتامى) استجابة لرغبته في أن تحكي له حكاية بالعربية التي لا يفهمها. وفي شطر الرواية الأخير ستحكي حروف ـ الزين ليعقوب بعد طلاقه من شقيقتها، حكاية رحلتها مع حبيبها (ممو العين) إلى بلد المعاصي (الشام). وهنا ستندغم حكاية الجار الشامي (صموئيل الناشف) وعمته الإسكندرونية العجوز التي تتعلق بجارتها الجزائرية..
تسوق الرواية هذا الدفق من حكايا الماضي، فيما هي تسوق حكايا الحاضر في زمن غورباتشيف والبيرستريكا والمارلبورو، وصولاً إلى زمن الإرهاب المتأسلم في الجزائر. وهنا تتركز الرواية في شخصيات يعقوب وممّو والعم مزيان. أما يعقوب الذي يدّرس العربية ـ والبربري المنخرط في الحركة الثقافية البربرية m.c.b ـ فهو عاشق حروف ـ الزين، وهي المتواطئة على عشقه الذي سينتهي به إلى طلاق شقيقتها. لكن المتواطئة عاشقة لذلك المجند الذي يحمل الليسانس ويؤدي الخدمة العسكرية في (بشار) الصحراوية. إنه ممّو العين كما تسميه عاشقته التي لقبته أيضاً (عجلي الجميل). وهي تخبرنا سلفاً بالمثلية التي تربطه في الثكنة بضابط من الجيل الذي حارب فرنسا. ومثلما سيحكي ممّو حكاية هذا الضابط، سيحكي أيضاً حكاية أخته التي دُفِنت حية. ولأنه مسكون بهذه الحكاية، تطرده حروف ـ الزين، ثم تلحق به إلى (بشار)، وتجمعها السيارة بالصحفي الأمريكي الذي يحكي حكايته وحكاية أبيه وجده المثلييَّن.
عن ممّو ستسأل العاشقة صاحب الدكان العجوز الذي يفيض في حديث الذباب، قبل أن يرمي بخبر الحافلة التي صادفها حاجز مزيف للإرهابيين على طريق بشار ـ وهران، فذبحوا من في الحافلة. وهكذا تعود العاشقة خائبة، ليباغتها المذيع باسم ممو بين المذبوحين. وكانت حروف ـ الزين قَدْ أشارت في البداية إلى الإرهابيين، وهي ترقب من شرفتها المظاهرة المحفوفة بشبان ملتحين يهتفون بهتافات الجبهة ـ هل هي جبهة الإنقاذ؟ ـ ويرتدون اللباس الأفغاني وأحذيتهم توحي أنهم من ضواحي المدينة.
في المظاهرة ستلتقي نظرات حروف ـ الزين بنظرات واحد من أولاء، تصفه بالمكحّل والمخنث والمسوّك، كأنه غلام من رسوم الواسطي. وسيغدو ذكر هذا الشاب إيقاعاً متنائياً للرواية، يشتبك بإيقاع الهاتف المجهول الذي تتلقاه. وبعد الفجيعة بذبح ممّو، ترى المفجوعة وهران ـ سويسرا الجزائر ـ تلك الكذبة السويسرية المختنقة بالحموضة والرطوبة وإطلاق الرصاص وأخبار الموت. وتستذكر حروف ـ الزين من المثقفين الذي اغتالهم الإرهابيون في الجزائر بختي بن عودة والطاهر جاووت و.. وتمضي إلى صاحب رواق (ماتيس)، أي إلى حكاية العم مزيان التي سيتوزع حكيها مع السارد ومع حروف ـ الزين، ابتداءً من عهد صاحبة الرواق الفرنسية كلوديل، والتي عادت إلى بلدها بعد الاستقلال تاركة الرواق لعاشقها العم مزيان الذي طلقته زوجته لأنه لم يستجب لإلحاحها على تبديل الرواق إلى متجر. لكن هذا الصمود سينهار أمام تهديدات الحزب الحاكم، أولاً بإبدال اسم ماتيس باسم شهيد، ثم بإزالة الأوثان ـ التماثيل، كما فعل الإرهابيون بتماثيل الحدائق العامة، إذ ألبسوها جلابيب وفساتين تستر عريها. وهاهو العم مزيان يخاطب حروف ـ الزين التي تقرعه على تحويل الرواق إلى متجر: "هذه هي بلادك، بلادك التي حاولت أن تقنعيني من خلال حزبك الماركسي أنها تمر بمرحلة سميتموها: المرحلة الوطنية الديمقراطية". لكن الرجل سيعيد المتجر رواقاً كما كان، ويقيم لحروف ـ الزين معرضاًَ فيه، فيسارع الإرهابيون إلى تفجيره، وتنقفل الرواية على الفنانة التي أدركت الآن حجم الفراغ والجحيم، ومساحة الكلمات البكماء.
لقد تقدم الفنان التشكيلي والفنانة التشكيلية إلى البطولة الروائية منذ حين، وهاهي رواية أمين الزاوي (يصحو الحرير) تقدم حروف ـ الزين هاتفةً: "أريد أن أتقيأ كلّّ شيء"، ومخاطبة القراء: "ألم أقل لكم إن النساء منازل والقمر منازل"، وهي إذاً صاحبة ما رأينا من الاستهلال الثاني للرواية، ومن الخاتمة، مع أن السارد يوقّع باسمه هذه الخاتمة وذلك الاستهلال. ولعل هذا ما يعجل بالسؤال الأكبر عن مدى تقنّع الكاتب بقناع بطلته، وبخاصة أن السارد سينازعها حكي الحكايا، كما يفعل ممّو العين والعم مزيان والصحفي الأمريكي والضابط العاشق لممّو وصموئيل الناشف. وإذا كانت غواية الحكي والحكاية توقع بأولاء كما توقع بالفنانة، أي إذا كانت هذه الغواية توقع بالرواية، فمن المهم أن يُشار إلى ما جرّه الحكي من استطراد، كالحضور العابر لتوفيق زياد في إذاعة "إسرائيل"، أو الحضور العابر للماركسي اليمني ساخراً من الماركسيات العشائرية العربية. وربما كان من ذلك النصّ الفرنسي للملصق على زجاجة النبيذ، إذ يكرر قراءته ممّو العين، موهماً بلعبة التناص التي ستأتي بحوار الفنانة مع سائق سيارة، وبسطور من سيرة رابعة العدوية، ومن رواية كافكا (أمريكا) ـ وكل ذلك بالفرنسية وبلا ترجمة ـ فضلاً عن الإشارات إلى هنري ميلر وإلى مالك حداد ولوكليزيو، لكأن حروف ـ الزين تستعرض ثقافتها. لكن الأهم من ذلك هو حضورها الروائي كفنانة تشكيلية، تتمنع عليها اللوحة المزمعة في بداية الرواية وهي تهدد القراء: "إذا قفلتم فمي فسأرسم" و"سأمارس كلّّ شيء بمنكر الألوان". وعندما تقترب النهاية، تبدو الفنانة تهوي في قاع حالة تشبه النضوب أو فقدان الوزن والكتلة والشكل، فتعجز عن مواجهة القماش والكتلة الجبسية التي تحاول تشكيلها، فإذا بالكتلة مبهمة وقابعة في صمتها ومكرها وسبرها كالجريمة الغامضة. إنَّها الكتلة ـ التمثال ـ التي تبحث عن جسد تلبسه وروح تكونها.
في هذه التجربة الروحية المريرة تعيش الفنانة مع الغزالة التي جاءها بها ممّو العين، محشوة بالتبن والنخالة. وباغتيال ممّو وتفجير رواق العم مزيان، تبلغ هذه التجربة ذروتها، فترى الفنانة الغزالة تتحرك، فيها التمثال ـ الكتلة ـ يعلوه رأس العم مزيان، متوجاً صراع الفن والإرهاب. وإلى أن تصل الرواية إلى هذه النهاية، ستكون حروف ـ الزين قَدْ أبهظتها بِحِكَمِها في الذكورة والجنس والحب، كقولها: "ضعف الرجال قوة لا تماثلها قوة" و"غواية الألوان كغواية الرجال". و"الرجال منافقون"، والحب "إذا لم يقتل أحد الطرفين، فإن مصيره الموت". وإذا كان حضور الجنس هنا يباري في شذوذه ما لـه في روايات صنع الله إبراهيم (ممّو والضابط ـ صموئيل وعمته ـ الجار والكلاب..) فحروف ـ الزين ترى نفسها غرضاً جنسياً لأي ذكر، وأولهم صهرها يعقوب الذي تلمس فيه بعد يأس منها استعداداً للانخراط في منظمة إرهابية، كي يصفي حسابه مع منافسه عليها ممّو العين. وهذه هي أيضاً الفنانة تتهرب من نظرات العم مزيان الخارقة التي كانت تذكرها بنظرات جارها المعلق بكلبة. وهاهو الطفل الذي تشتري منه السجاير يعريها بنظراته، وهاهو السائق في الرحلة إلى (بشار) يكاد يأكلها: "يمصمصني بعينيه اللتين تشبهان عيني نسر وحشي جائع"، وهاهم جميعاً في الشارع: "مصمصوني بعيونهم التي فيها أنياب كبيرة ومخالب نسور من فصيلة الحمير".
أحمد زين: تصحيح وضع( ):
بدون البيت يصبح الإنسان كائناً مفتتاً: هكذا قال باشلار. أما عبد الله البردوني فقد قال: عرفته يمنياً، في تلفّته خوف، وعيناه تاريخ من الرمد. وهذان القولان اللذان يتصدران رواية أحمد زين "تصحيح وضع" ليسا فقط عتبة أو مفتاحاً، بل لعلهما أيضاً أو أولاً خفق هذه الرواية في فضاء يترامى بين ديترويت الأمريكية والرياض والدمام السعوديتين واليمن، ناهيك عن البحر وعن الإمارات (أبو ظبي ودبي). ويترامى خفق الرواية أيضاً بين بداية الهجرة اليمنية إلى الولايات المتحدة منتصف القرن الماضي وبين العهد الإمامي اليمني وحرب الجمهورية اليمنية ـ من ينسى مصر هنا؟ ـ وحرب الوحدة اليمنية بين الشمال والجنوب، وصولاً إلى بؤرة الرواية التي تشكلها حرب الخليج الثانية. وهاهنا، قَدْ يكون من المهم أن يسرع القول إلى أن رواية (تصحيح وضع) تخفق أيضاً أو أولاً في فضاء الرواية العربية الحداثية، وبخاصة ما آل إليه التجريب الروائي العربي في هذا الفضاء في العقدين الأخيرين. وهنا يقوم التحدي أمام رواية مثل (تصحيح وضع) بين تجريبيتها ونشدانها الحداثي، وبين ما يبدو للوهلة الأولى من نزوع الفضاء والزمن الروائيين المتراميين إلى الاستجابة التقليدية التي أرساها تاريخ الرواية العربية وغير العربية.
أما عتلات هذا التحدي أمام رواية (تصيح وضع) فقد جاءت في ثنائية الفرد والجماعة، وفي الثنائية الجيلية، وفي ثنائية الذاكرة (الماضي) والشهادة (الحاضر)، وقبل ذلك كله وبعده: في السؤال اليمني ـ الإنساني عن الوطن والمغترب، عن البيت الباشلاري، حيث يتكثف (المعنى) بعد أن تكون الرواية قَدْ فككته وفتتته حدَّ الهباء.
هو ذا (شائف) يتملى البطاقة التي أرسلها شقيقه الأصغر من ديترويت، حيث اليمنيون المهاجرون الغارقون في عيش وأعمال الهامش والقاع، ورغم ذلك تقول البطاقة: "خيّ الأكرم: بدأت أحب هذه البلاد، فهي لا تمنّ علينا بما تقدمه". وهذا الشقيق الذي يسعف شائف بحوالات الدولارات، كان اشتراكياً (الحزب الاشتراكي اليمني)، ويحسب عدن موسكو، ويقدس قرية الزعيم الرمز عبد الفتاح إسماعيل (الحجرية). لكن الشاب عاف كلّّ شيء بعد أحداث يناير 1986 وهاجر. وأما شائف فهو على إيقاع أحداث آب ـ أغسطس 1990، نهب ما سيعصف باليمنيين في السعودية جراء احتلال العراق للكويت، ونهب ذكرياته قبل عهده بالبحار في ستينيات القرن الماضي، وبعدما طافت به السفينة (أفريقيا)، وبعدما ألقى مرساته في الرياض، حيث يدّارى في الليل خوفاً من القبض عليه، شأنه شأن من بدأ ترحيلهم بعد الذي كان من مناصرة الحكومة اليمنية للعراق.
هذا (الحاضر) الذي سيتطاول سنوات قليلة بعد حرب الخليج، هو ما ستتقلب فيه معارف ونكرات الرواية، بالاشتباك دوماً مع الماضي، مع الذكريات الفردية والجماعية. وستتوزع كتابة ذلك في الرواية بين الفصول التي يرويها الراوي بضمير المتكلم، وبين الفصول التي يرويها السارد بضمير الغائب، مرة للمعارف: للجدة وللشابة قبول ولقاسم وللخياط وللمهرب وللتاجر، ومرة للجماعة ـ النكرات.

وعبر ذلك تتطاير المفردات الطارئة بفعل الحرب والترحيل، من رخصة الإقامة إلى تصريح التنقل إلى طلب التجنس إلى التخفي والسجن والتهريب والحدود.. وستمضي بالسرد كلّّ مفردة من تلك المفردات إلى نبش الماضي وإلى الوقائع الجديدة، وبالتالي إلى تدمير الروح الفردية والجماعية، سواء في الوطن (اليمن) أم في المغترب السعودي.
من بين الجميع تظل الجدة وحدها صرحاً مقيماً مثل بيتها الذي سيؤوي من عادوا تهريباً أيضاً من الوطن (اليمن) بعد الحرب. وستظلّل ذلك ذكريات الجدة عن مضايقات عساكر الإمام أحمد، وعن صراع الملكيين والجمهوريين، وعن أيامها الأولى في المغترب، حين كانت الأرض (برخص التراب)، ولم يفكر مهاجر بشراء بيت. وعلى الرغم من السؤال عن توقيت مساواة اليمنيين بسواهم في إجراءات الإقامة، وعن علاقة ذلك بموقف الحكومة اليمنية من الاحتلال العراقي للكويت، وعلى الرغم من الحسرة على زمن كانت فيه الجنسية تعرض لمن يريدها، وبعضهم لا يقبلها كيلا يبدل جنسيته.. على الرغم من كلّّ ذلك تتصدر صورة كبيرة ملونة للرئيس اليمني صرح ـ بيت الجدة، وتنظر الجدة إلى الصورة معاتبة، لكن لسان حالها يقول: "لعله يرى ما لا نراه ويعرف ما نعجز عنه.. هو الراعي ونحن القطيع".
مقابل الجدة تأتي شخصية الشابة (قبول) التي ولدت في الدمام، ولا ذكريات لها في اليمن، والتي ستفجّر شهوتها أصابعُ الدركي الذي يفتشها على الحدود، حيث أدركت أنها تستطيع وحدها تغيير مصير أهلها. لكن (قبول) لا تعرف عن بلاد أبويها (الوطن) شيئاً.
بالرحيل وبعده أحست (قبول) أنه لم يعد لها وطن، وشعرت بفراغ أليم، وتساءلت: "هل الوطن مجرد أمكنته، جغرافيا، والناس هم حركتها، عافيتها؟ إذا كان ذلك نعم، فليس هناك وطن. ذلك ما بات يتأكد لها، حيث شاهدت وخبرت الحياة المختلفة في اليمن. لا وطن لها لأنه لا يوجد أناس ولا حركة، فقط أشباح، مخلوقات تفتك بها الفاقة". وشأن (قبول) هذا هو شأن سواها ممن لفظهم المغترب، وبينهم كثيرون كانت سفراتهم إلى اليمن نادرة وقصيرة. وهاهم جميعاً "يكتشفون بعد كلّّ هذه السنوات أن ما عرفوه عن وطنهم ليس أكثر من صورة باهتة". ففي صنعاء وتعز والحديدة وعدن طارت إيجارات الشقق والفنادق وأسعار السلع، وتكاثرت الخيام التي جلبها المرحّلون أو وهبتها لهم الحكومة، كما تكاثرت حجرات الزنك وأكواخ القش، بينما تجمع صورة صانعي الوحدة اليمنية: الرئيس ونائبه علي سالم البيض، وتصدح الأغاني الثورية لـ (الصقور) العائدين.
غير أن حرباً مختلفة قَدْ نشبت بعدما انتصرت قوات الحلفاء وحررت الكويت. إنَّها حرب صامتة داخل كيانات صغيرة، ليس لها جغرافيا ولم ترق فيها دماء. إنَّها حرب في عراء الكائن بينه وبين نفسه، حرب مع الذاكرة ستجعل صلاحية الوطن تنتهي بالنسبة لقاسم، وستجعل شائف يتساءل: "ما معنى أن مهاجرين يمنيين كثيرين في العالم لم تنطق شفاههم بأي لغة أجنبية غير لغة قراهم".
إنَّها غربة بلا معنى ولا بديل "فالوطن الذي نحتفظ به كصور عتيقة، ليس له أدنى شبه بمسقط الرأس ذاك، وربما هو مجرد ذريعة فقط حتى لا نتيه أكثر أو نتبدد بلا هوية في الخواء واللامكان". وبالسؤال عن المعنى الذي ستصير إليه الأوطان بعد عشرات السنين في المهاجر والمنافي، تبلغ لوعة شائف وحيرته مداها، مستبطنةً لوعة وحيرة الشخصيات الأخرى في الرواية، بينما السؤال يتشظى في الكون كله، وحسبي الإشارة إلى الفلسطيني بعد أكثر من نصف قرن من اجتثاثه من أرضه وقيام "إسرائيل" مقامه.
لقد تحرر الضمير المفرد المتكلم في (تصحيح وضعه) من حُبْسة الأنساق اللغوية المستعادة، ومن ضغوط المكان الفيزيائي ودفق الحالات المباشرة، كما شخّص مصطفى الكيلاني في التجريب الروائي العربي الحداثي. ولابد من الإضافة أن ذلك التحرر قَدْ فتح السردي على الأقاصي في الروح الجمعية، كما يدلل وصف حالات الجماعة في المسجد والشارع وسوق البطحاء وبيت الجدة ودورات المياه وعلى الحدود، حيث غدا المتخفون كائنات ليلية شائخة تنطق بأسماء قراها البعيدة، كما لو أنها تترنم بشيء غامض أخّاذ. ولئن كانت الأخطاء الإملائية والنحوية الزاخرة تنغّص على الرواية، فالأهم هو هذا التحرر من حُبسة الأنساق اللغوية ومن القيود التي يجسدها إرث رومنسي يسكن الكتابة الأدبية العربية، والكتابة الروائية تحديداً، ويعوق استمرار مغامرتها لتأسيس جماليتها الخاصة ووعيها المختلف للمكان والزمان. وهذا ما يضيفه مصطفى الكيلاني بصدد التجريب الروائي العربي الحداثي، حيث يتبدى نسب رواية (تصحيح وضع) بامتياز، بالإفادة القصوى من المنجز الروائي خلال العقدين الماضيين، ومنه ما هو لكتّاب كانت السعودية فضاء رواياتهم مثل إبراهيم نصر الله وجمال ناجي وإبراهيم عبد المجيد وعزت الغزاوي ويحيى يخلف.

dabe3
05-18-2010, 02:17 PM
الفصل العاشر


الرحلة إلى أمريكا روائياً



1ـ صنع الله إبراهيم أمريكانلي( ):
يبدأ الدكتور شكري ـ وهو الأستاذ المصري الزائر في معهد التاريخ المقارن بجامعة سان فرانسيسكو ـ رواية (أمريكانلي) بهذه السطور: "انتهيت من قهوتي ووضعت الكوب الخزفي في الحوض، ثمَّ نزعت قمة ماكينة القهوة وأفرغت مخلفاتها في وعاء القمامة. نظفت الطاولة الخشبية المرتفعة إلى مستوى الصدر ثم انتقلت إلى السطح الرخامي للخزانة المثبتة في الحائط. أزلت تنف الخبز وأزاحت الستريو جانباً...".
رواية أم تلخيصات؟
وبمثل هذا السرد التفصيلي المبهظ سيوالي الدكتور شكري سرد يومياته من نهاية عام 1998، في المطاعم والحدائق والشوارع والجامعة والحوانيت والحفلات والأعياد... لكأن عين الكاميرا تتوسل الشمولية والإغرابية وهي تصف فضاء الرحلة وبشرها، فتفتت العالم الموصوف إلى أشياء منعزلة وظاهرات وأحداث متجاورة ومتتالية ـ كما هي رواية الرحلة بتعبير محمد برادة ـ وحيث تفتقد الذات المبصرة، وتتسيّد الذات الواصفة التي لا تترك بياضاً، إذ لا يكاد عنصر ينفلت من الوصف.
لكن رواية (أمريكانلي) ليست رواية رحلة وحسب، بل هي أيضاً رواية بيوغرافية بامتياز.
فبالأسلوبية التي يعلنها مفتتح الرواية، يروي الدكتور شكري أيضاً سيرته الذاتية كمؤرخ، والمنهج الذي اعتمده في البحث التاريخي، وذلك هو السيمنار الذي يشرف عليه، حيث ستتطعم أسلوبية المفتتح بأسلوبية البحث الأكاديمي عبر ما سيكلف الدكتور شكري طلبته بإعداده، وعبر المحاضرات التي سيبهظ الرواية بها.
في هذه السردية السيرية للحاضر (المقام الأمريكي) وللماضي (مصر)، وبالتعشيق مع السردية التاريخية للعالم (!) تلهث القراءة خلف الرواية، منذ بدأ الدكتور شكري طفلاً بتمزيق كتب التاريخ، إلى ولعه بالمجلات الملونة وروايات الجيب، إلى دراسته الجامعية وتكوينه الثقافي ومغامراته العاطفية والجنسية، وما استقر في نفسه ـ وهو يصير المؤرخ الأكاديمي ـ من وحدة البحث عن المرأة والبحث عن التاريخ، ممَّا سيبدو كأنه غاية كبرى لرواية (أمريكانلي). ولأن الدكتور شكري ستيني، فستكون اعترافاته (الفضائحية) مجلى لوعي الذات والنحن منذ أربعينات القرن العشرين حتَّى منتهاه، كما ستكون سردية شهوره المعدودة في سان فرانسيسكو ـ وضمنها رحلته إلى نيويورك ـ والسردية التاريخية، مجلى لوعي الآخر الأمريكي والأوروبي بخاصة، وفي العالم بعامة.
إلى ذلك تنطوي (أمريكانلي) على الكثير من عرض ونفد الرواية، ومن ذلك ما يحدث به الدكتور شكري عن روايات ساباتيني وروايات فورسيت ورواية بوريس فايان (سأبصق على قبوركم)، ورواية الأمريكي المعاصر المور ليوناردو (أربعون جلدة بلا واحدة)... وسيحتال الراوية على طول عروضه النقدية هذه بالتقطيع أحياناً مثلما سيفعل في عروضه النقدية الأخرى لكتب في التاريخ وعلم النفس والسياسة و.. وللأفلام التلفزيونية والسينمائية. فمن مؤلفات هاوبسباوم وألبرت حوراني إلى كتاب (الشخصية العصابية في عصرنا) لكارين هيرني، إلى موسوعة جمال حمدان وكتابات أحمد صادق سعد وما كتب هيجل وفوكوياما عن نهاية التاريخ, إلى كتاب فرناندو بروديل (الحضارة المادية والاقتصادية والرأسمالية) إلى مؤلفات طه حسين وشهدي عطية، إلى مؤلفات ومشروعات مؤلفات الدكتور شكري نفسه عن القرامطة وعن الفتح العربي لمصر وعن المردفات من قريش ( أي اللواتي تزوّجن زوجاً بعد زوج ) وعن الملكية الفردية في مصر.. من كل ذلك، ومن الأبحاث التي يعدها طلبة الدكتور شكري، يأتي تشبه رواية (أمريكانلي) بالبحث الأكاديمي على الروائي فيها، ليصح القول بالخيبة المزدوجة للروائي والمؤرخ، كلّما حاول أحدهما أن يحل محل الآخر، مهما يكن من صحة ما يذكر (سابك) من قول أستاذه الدكتور شكري في أن الأدب غالباً ما يكون أكثر صدقاً في التعبير عن التحولات التاريخية.
شخصيات أم قنوات:
بهذا الصنيع الذي قد لا يكفي وسمه بالتناص وبالتطريس، تبدو أغلب الشخصيات في (أمريكانلي) قنوات لتصريف سطوة الذات بصفتها بؤرة للحكي وللقيم. ومن نجا أو نجت من ذلك بمقدار أو آخر، فإنما بفضل حرفية الكاتب. على أن مهارة الوصف وحشد التفاصيل يقلصان المسافة بين عالم الرواية وعالم الممكنات، وهو ما تستوي فيه النكرات العابرة وغير المسماة ـ وما أكثرها ـ مع الشخصيات المعرّفة في (أمريكانلي). وهكذا تتقزم الشخصيات أمام القضايا الكبرى وذات المثقف المؤرخ ـ وهو صاحب الصوت السارد الكلي المعرفة ـ لتقوم الخطية في الحكي رغم كل محاولات التمويه من الاسترجاع والاستباق وسواهما، كما يعبر سعيد بنكراد بصدد الإرغامات (الموجهات) السردية، ليصل إلى أن كثرة الكلام والمعارف في رواية الصوت المركزي المتسلط ليست غير "ديمقراطية مغشوشة" حيث لك الحق في أن تقول وتفعل ما يريد الصوت الخالق للنص، وكفى.
أولاء هم طلبة الدكتور شكري روزيتا المهتمة بالدراسات الجنسية، ولاري الذي يهيئ رسالة عن المؤرخين الجدد في "إسرائيل"، وميجان التي ستقارن بين مشروعات النهضة في بارجواي ومصر، وسابك الذي سيحاضر في فكرة أمريكا كاستبدال شعب بشعب، وشرلي التي ستحاضر في تغيير المعايير الخاصة بالنشاط الجنسي في الولايات المتحدة بين الستينات والتسعينات (من القرن العشرين)، وفادية التي ستحاضر عن القاهرة كنموذج لقراءة مدينة.. فهؤلاء، إما عليهم أن يصغوا لسيرة أستاذهم، أو أن ينطقوا بما يعضد أفكاره ورطاناته، وإذا بهم (قنوات) مهما يتيسّر لهذا أو لتلك من (أنسنة) كأن يسرد الدكتور شكري قصة والد ميجان أو قصة والد شرلي، أو إذ تقوم العلاقة بين شرلي وأستاذها، كمثال من عشرات الأمثلة على ما تذخر به الرواية من العلاقات والفانتازيات الجنسية غير الطبيعية، سواء كان ذلك في أفلام البورنو التي يعرضها ـ يلخصها الدكتور شكري، أو ما يروي من سيرته مع عايدة ونبيله ورجاء والأمريكية بربارة... وحضور الجنس بهذه الصيغة المرضية هو الأكبر في روايات صنع الله إبراهيم بعامة.
وليس أمر الشخصيات الأخرى بأفضل، فإستر الإسرائيلية المتزوجة من عربي إسرائيلي، والمتخصصة في تاريخ الشرق الأوسط، وشريكة الدكتور شكري في مكتبه، ستكون وجهاً ما من وجوه شكري في معارضتها للسياسة الإسرائيلية. وشادويك تقدم المعلومات عن الحاضر الأمريكي، فتوفّر على الدكتور شكري بياناً بعورات أمريكا. فيما يظل السؤال معلقاً هنا، كما هو بصدد الحشد المعلوماتي الهائل في الرواية، عمَّا فات الكتابة من تسريد المعلومات والبيانات والتلخيصات، ما دامت هذه الكتابة تتسمى رواية. لكأن مدونة الرحلة والمدونة التاريخية بلغتا من الضغط حداً بات همُّ الكتابة معه أن ترميها عن ظهرها إلى ظهر القارئ، فضلاً عمَّا يشي به ذلك من أن الكاتب قد عزّ عليه أن يتنخلّ ويتخيرّ ممَّا أعدّ للرواية. وهنا يتسلل إلى الرواية ما سعى إليه الكاتب يوماً من أجل كتابة سيناريو عن القرامطة بالتعاون مع عمر أميرلاي ومحمد ملص. كما تسلل إلى الرواية سيناريو فيلم تهاني راشد (أربع نساء في مصر). وإذا كان هذا السيناريو يشير إلى تعدد الطبقات السردية في الرواية، فقد سبقته الإشارة إلى ذلك منذ البداية، حيث بدا البناء الروائي من متن وهامش. أمَّا المتن ففيه طبقة ليوميات الدكتور شكري في رحلته الأمريكية، وطبقة لما أعده الطلبة للسيمنار، وطبقة لسيرة الدكتور، وطبقة للمونولوج والفلاش باك معاً، وقد جاءت هذه الأخيرة بحرف مختلف لتقدم ما يخفيه الدكتور عن طلبته من سيرته وهواجسه وتعليقاته على الحاضر. لكن هذا اللعب كله ظل محكوماً بسطوة الذات الساردة، فكان أن أعطى هذا الاستقطاب الأحادي للرواية معنى أحادياً.
وأما الهامش فقد جاء كما يليق بالبحث الأكاديمي، معرفاً بشخصية أو بكاتب، أو مؤرخاً لحدث، أو كمقتطف من مرجع ومصدر. ولقد لعبت الرواية العربية ـ كسواها ـ هذه اللعبة في الانبناء من متن وهامش وفي تعدد الطبقات السردية، فتألقت أيما تألّق، كما في رواية رجاء عالم (حبّى) ورواية أهداف سويف (خارطة الحب). لكن اللعبة تطوحت برواية (أمريكانلي) جراء ورم الذات الذي أصاب هذا المثقف الدكتور شكري.
حين يحكم الأيديولوجي الوعي:
فعلى الرغم ممَّا تهتكه الأنا من النحن، ولاسيما بالمقارنة مع الآخر الأمريكي ـ كما في إشارة المرور أو اعتراضات الطلبة في الجامعة أو الخدمات البنكية... ـ فإن تلك الأنا / الذات الساردة تحكم وعي العالم برمته، حين ترسم الذات بعينيها أو بعيني الآخر، وحين ترسم الآخر بعينيه أو بعيني الذات. وهذا التعبير عن وعي الذات والعالم، كما جاء في الرواية، يعضد ما ضاقت به من (الفكرية)، فجاءت رواية أطروحة بامتياز، مثلما جاءت رواية رحلة ورواية بيوغرافية بامتياز. ورواية الأطروحة بعامة ذات منطلق أيديولوجي محكم ومسبق، يجعل من النص إخراجاً سردياً لمقولات وأفكار وعقائد.
على أن ما ظلت تفتقر إليه رواية (أمريكانلي)، هو تسريد جهاز الأيدولوجي العتيد، كافتقارها إلى تسريد الجسد وتسريد المعلومات.
لقد علّم تاريخ وتطور السّرد الروائي أن ليس لـ (فكرة) الكاتب أن تحمل وظيفة تفسيرية بالنسبة للعالم الروائي، بل أن تدخل في نسيج هذا العالم كتكوين بين تكوينات، وكلمة بين كلمات، تقص وتصور وتخبر وتعالج علاقة ما جديدة مع مادتها. فالفكرة تحيا روائياً بقدر ما تقيم علاقات حوارية مع سواها، وبقدر ما تتأنسن ـ هل يكفي هنا التذكير بدوستويفسكي؟ ـ أمَّا ما بدا في رواية (أمريكانلي) فهو أمر آخر، لا يكفي التبرير له بالمغامرة التجريبية، على الرغم من التاريخ المشهود لصنع الله إبراهيم فيه بالمغامرة التجريبية. ولعله يكفي لبيان ذلك هذا الذي جاء في (أمريكانلي) عن مؤتمر الثقافة العربية عشية القرن الحادي والعشرين والذي ينظمه الدكتور المصري ماهر لبيب مدير معهد التاريخ المقارن، ومن استضاف الدكتور شكري واقترح عليه موضوع السيمنار.
لقد وفرت الرواية للدكتور ماهر من الخصوصية والفاعلية ما جعله شخصية روائية، مثل الدكتور حلمي عبد الله، الحاضر والغائب، وغريم الدكتور شكري منذ الصبا. لكن مثل هذا الحضور لم يتأت للشخصيات الأخرى التي جسدت الذات ـ النحن، شأنها شأن أغلب الشخصيات التي جسدت الآخر.
وهكذا بدا المشاركون في مؤتمر الثقافة العربية قنوات لهجاء ما يشيرون إليه في المشهد الثقافي العربي. وهذا المؤتمر يموله ويفتتحه (الأمير جاسم)، وهو ما يتصادى مع الفعل الثقافي النفطي الذي صورته روايتا بهاء طاهر (الحب في المنفى) وغادة السمان (ليلة المليار) ، مثلما يتصادى قول الدكتور شكري بنعمتي الكعبة والنفط مع قول نفيطيان بكتاب النفط وكتاب الله، وذلك في رواية هاني الراهب (رسمت خطأ في الرمال).

من النسبة العامية يأتي عنوان رواية (أمريكانلي). وبفكرة علي محمد علي يأتي فرط العنوان إلى عنوان ثان هو (أمري كان لي) مصطنعاً توجيه القراءة عبر الدروب الوعرة للرواية، والتي كان منها ـ إضافة إلى كل ما تقدم ـ درب البوليسية في رسائل الغواية المغفلة التي كان الدكتور شكري يتلقاها، كما كان من تلك الدروب ذلك الاتكاء على الصحف، كتكرار ضعيف لما جربه الكاتب في روايته (ذات). ولعل للقراءة بعد هذا أن تجأر بالشكوى من الفن الذي يتقزم والمثقف/ المؤرخ الذي يتورم في رواية (أمريكانلي)، وهذا دون الإشارة إلى ما ينوف على خمسين خطأ نحوي وإملائي من قبيل (إن أبيها) و(أن يفعلونه) و(لن يأت)....
2 ـ أنيسة عبود: باب الحيرة( ):
منذ الكلمة الأولى (لأعترف) تبدو رواية أنيسة عبود (باب الحيرة) رواية اعترافات لبطلتها الفنانة التشكيلية زينب خضر. وستعود تلك الكلمة ومترادفاتها مراراً لتفتح القول وتوقع له، مثلها مثل كلمة (بصراحة)، حيث يتعلق غالبً ما تضمر هذه الكلمة من الاعتراف بالحاضر، بينما يتعلق الاعتراف الصريح ـ غالباً ـ بالماضي، ما يجعل من فعل الاستذكار فعلاً حاسماً، مع التشديد على أن الرواية تأخذ باشتباك السرد والحوار والمونولوج والضمائر، لتشتبك الأصوات والأزمنة حدّ التتويه أحياناً، على الرغم من أن شخصيةً قد تروي فصلاً، أو أقواساً قد تحصر قولاً.
و (باب الحيرة) هي أيضاً رواية رحلة بامتياز. فالحاضر هو زمن رحلة زينب إلى أمريكا للمشاركة في مؤتمر للفنانين العرب ولعرض لوحاتها في بعض الولايات، وهي الرحلة التي ستطلع بالشخصيات الأخرى في الرواية، بالاشتباك مع الماضي الذي يطلع بباقي الشخصيات من الوطن (سورية) بخاصة. هكذا تروي زينب علاقتها بآرام مهندس السدود الذي يحاضر في سورية محذراً من بوادر كارثة، والذي سيحضر في مهاتفاته وزينب طوال الرحلة، وفي استذكار العاشقة التي تكتب النقد الأدبي أيضاً، ولم تسافر من قبل خارج البلاد. ولأن الأشياء تتداعى في دخيلتها بلا سبب تدركه ـ كما نقرأ ـ يزاحم حضور آرام حضور كثيرين وكثيرات طوال الرحلة، وفي مقدمتهم الملازم وائل، الذي كان خطيب زينب، وقُتلَ فيما عرف في سورية منذ أكثر من عشرين سنة بمجزرة مدرسة المدفعية في حلب، والتي كانت أدمى لحظات الصراع بين السلطة والتيار الإسلامي المتطرف، ولم يسبق أن قاربتها قبل (باب الحيرة) سوى (الشرنقة) لحسيبة عبد الرحمن.
إثر مصرع وائل هدد والده زينب بالقتل إن تزوجت. ولا زالت تخشى أن يرى الوالد وجه آرام في عينيها، فيحزّ رقبتها. وقد جعل مصرع وائل صديقه حسان ينسكن به، ويحاصر زينب بحبه، حتَّى أخذه التنين البحري الذي هاجم المدينة (جبلة). أمَّا زينب التي استطاعت أخيراً الخروج من أسر وائل إلى حب آرام، فترمي في البحر ثياب وائل، وتطلب من صديق أن يرمي اللوحة التي رسمتها لوائل وهي تلوب: "لماذا عليّ أن أحمل أعباء الذاكرة والذكورة؟". وإذا كانت لازالت في رحلتها تحمل (الزر العسكري) المتبقي من وائل، فهي تخاطبه: "لست عذراءك"، وترنو إلى آرام المتزوج، والذي لا يعد نفسه روحياً مسؤولاً عمَّا يجري بينه وبين زينب التي لم تسمع رجلاً قبله يقول لها: "لا تفعلي شيئاً لا تقنعين به"، فكان معه خروجها من باب الأنا إلى باب الهو، ومن باب زينب الضيق إلى باب زينب الواسع، أو من باب وائل إلى باب آرام الذي تسميه أيضاً (مون)، أو من باب الماضي إلى باب المستقبل.
في رحلتها تحمل زينب قميص آرام، وتتشمم رائحته. وستعجّ الرواية أيضاً بروائح شتى (المطر ـ عطر رولاـ عطر كاظم ـ الضبع ـ النبيذ....) كأنما تلوح لرواية باتريك زوسكند (العطر)، ومثلما بتنا نرى في روايات
عربية شتى.
مع التنقل بين المطارات والمدن، يتركز الحدث الأساسي في رواية (باب الحيرة) بمحاضرات زينب وسواها، وباللقاءات في المطاعم أو البيوت أو الفنادق، حيث الشراب والحوار في الذاتي والعام، وحيث تنسج العلاقات بين رفاق الرحلة (العماني كاظم ـ رولا اللبنانية ـ عزة وعبد المعطي المغربيان ـ صخر الأردني ـ ليلى الإماراتية ـ السوري سامي ـ ومرافق الرحلة عمار الحسين).
وسينضاف إلى أولاء عرب وأمريكيون، لتصخب الرواية بالجميع، وهم يتدافرون على صفحاتها، فيما تظل زينب قطب الأقطاب.
كانت رولا أول من التقتها زينب في مطار شارل ديغول، حيث سيترجعّ بعد لقائهما بالجزائري عبد الله حديث الإرهاب في الجزائر كما في العالم. ورولا الجنوبية وحاملة الدكتوراه المقيمة في ألمانيا، تزور الولايات المتحدة لتحاضر في بعض جامعاتها عن بيئة الشرق الأوسط. وسترمي بمفتاح الرواية منذ البداية، إذ بدأ رفاق الرحلة يتخلون عن حذرهم بفعل الشراب، ويفصحون بما يخافون في بلدانهم، فتقول رولا: "كنا لا نتورع أن نعترف بأشياء ظننا أننا تركناها في بيوتنا، وجئنا أمريكا عراة من الخوف على أسرارنا". وبالطبع تظل زينب هي الممسكة بهذا المفتاح. فإذا كانت تناجي حبيبيها البعيد: "أنا لا أجيد السرد يا آرام. أعني سأقص هذا التاريخ عن طريق لوحاتي" فهي ستؤكد أنها تتذكر كل شيء، وأننا نستنجد بالتذكر لأننا نخاف من النسيان، وستكمل الساردة إذ تتحدث عن زينب: "تريد أن تفرش نفسها وبلدها وتاريخها وأسرتها وراء المحيط، وتتصفح ماضيها وتختار ما تشاء وترمي البواقي في شوارع أمريكا".
يتضاعف رهق هذه الحمولة في الرحلة بما سينضاف عن الآخر الأمريكي والإرهاب والعولمة و.. فتصرح زينب كالساردة كل حين بحيرتها من أين تبدأ، فتسرد قصة العم يوسف والنزوح من اسكندرون واغتصاب الدرك لفاطمة، أو قصة غرق إبراهيم شقيق زينب، أو قصة زواج أبويها، أو قصة رولا في سجن أنصار وعجز زوجها جنسياً وإعاقة ابنتها وهجرتها، أو قصة عايدة الفنانة التشكيلية السورية أيضاً والمقيمة في أمريكا، أو قصة الفنان والشاعر الأمريكي ميل صديق عايدة، أو قصة السوري الإسلامي مهران الذي صار مهرب آثار ويقيم في أمريكا، أو قصة مريم وزواجها من فاضل الذي اغتاله ـ كصديقه وائل ـ الإسلاميون في عيادته، أو قصة الدكتور صلاح ـ شقيق زينب ـ الذي صار تاجراً في بلغاريا.. وسوى ذلك الكثير ممَّا أبهظ الرواية باستطراد الحكي والتذكير، مثلما أبهظتها محاضرة رولا في جامعة جورج تاون، أو خطابية زينب في أمريكا وفي الوطن. وتبدو لعبة الأبواب كأنما جاءت لتخفف من ذلك الإبهاظ، وتنظم ذلك الحشد، فالأسماء أبواب، ولكل باب حكاية طويلة. وإذا كانت أم زينب تقص عليها سيرة أبواب المدينة (باب البحر ـ باب الجبل) فزينب تفتح ما لا يحصى من الأبواب، وتوشي بعضها بمسحة صوفية
أو ترميزية، كباب الوقت وباب اليقين وباب السؤال. وبأكثر الأبواب توشية بتلك المسحة، تتعنون الرواية (باب الحيرة). وقد يكون للمرء هنا أن يستدعي لعبة الأبواب في مجموعة سعود قبيلات القصصية (بعد خراب الحافلة) حيث باب السراب وباب اليباب وباب الضباب وباب الخراب، وتلك هي اللعبة أيضاً في رواية الزاوي أمين (رائحة الأنثى)، بل تلك هي لعبة البوابات في رواية مها حسن (لوحة الغلاف)، وكل ذلك ممَّا صدر في السنتين الماضيتين، فما الأمر؟ وما أمر التقمص الذي يتواتر في الرواية العربية (ضحى: بهاء طاهر ـ فردوس الجنون: أحمد يوسف داوود ـ وروايتا سليم مطر: امرأة القارورة، التوأم المفقود ـ حبّى: رجاء العالم ـ قصر المطر: ممدوح عزام ـ صيد الحضرمية: إبراهيم اسحاق إبراهيم، و...)؟
لقد لعبت رواية أنيسة عبود الأولى (النعنع البري ـ 1997) لعبة التقمص. وهاهي روايتها الثانية (باب الحيرة) تلعبها أيضاً، فوائل يتقمص حسان ـ أم العكس؟ ـ وديك الجن يسعى في شوارع نيويورك، والعم يوسف يعي الأجيال الثلاثة التي عاشها. ويتسيّد لعبة التقمص أبو ذر الغفاري، فهاهو في مجلس الشيوخ حيث تتعطل أجهزة الإنذار، كما تتنبه الأجهزة في مطار سان فرانسيسكو لكل فكرة تخلعها زينب، وهو ما يواجهه في مطار جنيف بطل رواية سليم مطر (التوأم المفقود). بل إن لعبة التقمص في (باب الحيرة) تكاد توحّد بين زينب ورولا، فالعجوز الذي يقدم لهما الطعام في مطار شارل ديغول يخاطبهما مذهولاً: "كأنكما امرأة واحدة لشدة التشابه". وزينب التي ترسم رولا هاجسة: "فإن لم أقتلك أولاً، ستقتلينني..، أنت"، تتنبه إلى أن لرولا مثل ساعتها ومثل أساورها. بيد أن هذه المماهاة بين الشخصيتين تنتأ مرة، وتقع في السذاجة مرة، جراء سلطة الساردة، فإذا برولا التي تبكي دائماً، تلك اللازمة التي لزينب نفسها (بصراحة)، وإذا بكاظم نهب المرأتين، وإذا برولا لا تقدر أن تحب لأنها تبحث عمن أحبته وفقدته (الفدائي عزمي)، في كل رجل، مثلما كانت زينب تبحث عن وائل في كل رجل قبل ظهور آرام. وكما تغيرت زينب من قبل، تتغير رولا. وكما صار سامي "لا ينام الليل" لتعلقه بزينب، هو ذا الأمريكي جورج يترك مؤتمر سان فرانسيسكو ليلحق برولا إلى نيويورك هاتفاً بها: "مستعد لأنَّ اذهب معك إلى آخر الدنيا".
غير أن اللعبة الكبرى في الرواية هي لعبة الصراحة في بيت عايدة، حيث يسرد ـ يعترف ـ كلّ قصته، والكؤوس تترى كيوميات الرحلة بين قصة وقصة، طوال النصف الثاني من الرواية. هنا، كما فيما سبق، تبدي زينب وتعيد في أمريكا، فإذا بها جدران بلا ناس، وقتها للجنس ولا وقت فيها للصداقة، ولأنها ذات وجهين، لا تقدر زينب على التفاهم معها، وكلما لمحت وجهاً أميركياً تتذكر جريمة وفيلماً. وإذا كان والد زينب ينعت هذا الزمن بزمن البيتزا والهمبرغر والكابوي، فزينب تنعت أمريكا التي تنادي بحقوق الإنسان وتمزقها، ببلد الخوف والمسدسات والأجساد المجنونة، وتتنبأ بزوال هذه الإمبراطورية الوحيدة المسيطرة الآن، وتحسّ فيها أنها تسير على قنابل موقوتة. وبين حين وحين تعترف بجمالها مرددة ما قاله ماركيز في جمال نيويورك وتوحشها. وبالكاد تفسح الرواية لصوت آخر أمام تلك الهجائيات، كأن يقول سامي: "اعتدتم أن يكون لديكم شماعات تعلقون عليها كل شيء". ولعل أحدهم كان على حق إذ عقب على زينب في المؤتمر الصحفي الذي تعالى فيه الفنانون الأمريكيون على الفنانين العرب: "الفنانة تحكي سياسة ولا تحكي فنا". ولزينب هجائيتها أيضاً للذات على الرغم من النرجسية الوطنية، كأن تتغنى بما بلغته المرأة في سورية ومنه إمكانية العيش وحدها، لتقول بصدد عايدة أنها لو كانت في سورية لتعرضت للرجم "أو ترتدي قناعاً للكذب". أو كأن تتغنى بفيضان شعور السوريين القومي والعروبي أمام الأخوة العرب، ثمَّ تسلق زميلها المحدث النعمة الذي ينظّر في الشاشات للديمقراطية ويدعو لإقامة حزب ديمقراطي. ولأمرٍ ما تعرّب زينب هجاءها للذات، فأغنياء هذا الزمن هم أغنياء السلطة والحرامية الجدد، والذي قبضوا ثمن مقابر النفايات الدولية رجال مهمون في البلدان العربية... وكما هو الأمر إذن في التخييل الروائي العربي، تؤكد رواية (باب الحيرة) الصورة السالبة لأمريكا، ونقد الذات في حضرة الآخر. لكن ذلك يأتي غالباً في هذه الرواية تحت وطأة الرغبة في قول كل شيء، وفي زحام الشخصيات، وما يعتور الإهاب اللغوي. حتَّى إذا بلغت الرواية نهايتها، بدت كأنها ضاقت بما تحمل، فإذا بالطائرة التي عادت بكاظم تسقط، والجزائري عبد الله يقتله المتطرفون في زيارته لوطنه، وأم زينب تموت أثناء الرحلة، فالموت العميم يختم الرواية، فلا يبقى من هذه النهاية غير أن ترى زينب ـ بعد إيابها من أمريكا ـ مدينتها ضيقة عليها، وتقول: "لم تغيرني أمريكا. غيرتني المقارنة بين الإنسان هنا والإنسان هناك. نحن نعيش من قلة الموت".

dabe3
05-18-2010, 02:18 PM
3 ـ ماري رشو: أول حب آخر حب( ):
ما كاد عود الرواية العربية يستوي حتَّى شغلتها العلاقة بالآخر الأوروبي الذي ظل لعقود فرنسياً وإنكليزياً، منذ (عصفور) توفيق الحكيم و (قنديل) يحيى حقي، ثمَّ تعدد هذا الآخر، وتعقدت العلاقة معه، وكان من ذلك الانتقال بها من موطنه إلى موطن الذات أو النحن. وهكذا ظهر في هذا الشطر من الرواية العربية ـ والذي سُمي بالرواية الحضارية ـ الآخر السويسري على يد عبد الحكيم قاسم وسليم مطر كامل وجميل عطية إبراهيم وبهاء طاهر، والصيني على يد حنا مينة، والإيطالي على يد عمارة لخوص وصلاح الدين بوجاه، والمجري على يد أسعد محمد علي وحنا مينة أيضاً... وصولاً إلى أمريكا فيما كتب حليم بركات، وكل ذلك على سبيل المثال.
في هذا المشوار الروائي جاءت متأخرة خطى الروائية العربية، وتميز من ذلك ما كتبته سميرة المانع عن الآخر الإنكليزي، وغادة السمان عن السويسري، وحميدة نعنع عن الفرنسي ـ وكل ذلك على سبيل المثال ـ وصولاً إلى ما كتبته ماري رشو عن الأمريكي في روايتها (أول حب آخر حب)، وهي التي سبق لها أن خاضت هذه التجربة في روايتيها: "هرولة فوق صقيع توليدو ـ 1993) و (توليدو ثانية ـ 1993).


من اللاذقية (سورية) إلى ديترويت وتوليدو ولاس فيغاس في الولايات المتحدة، حيث يبدو الوطن أطيافاً وذكريات يحملها الجيل الأكبر من الماضي إلى الحاضر الأمريكي الذي لا يعرف الجيل التالي سواه، ومن هذا الجيل نبدأ، كما بدأت الرواية، بحفل عيد ميلاد (جينا) الثلاثيني.
فمع صديقاتها (ساندي وتينا وميكي) يقوم الحفل في جولة على البارات، حيث لا رجل إلا سائق الليموزين، كما جرت عادة هذه المجموعة من الشابات في عيد ميلاد كل منهن. ومن هذه البداية تشرع الرواية بإضاءة شخصياتها، فجينا التي تتحرش بالسائق، لم تعرف غير مطلقها السادي كاظم، والذي أورثها بشذوذه المازوشية، وانتهى زواجها منه بعد حصوله على الجنسية الأمريكية وإنجاب ولدين، لكن علاقتهما لم تنقطع. وساندي المدمنة على الميروانا، أنجبت ولداً من المجهول، وتزوجت زاهي الذي احترم عقد زواجه منها لعامين مقابل حصوله على الجنسية الأمريكية أيضاً. لكنه طردها عندما ضبطها مع آخر في بيته، فراحت تبتزه، وتسعى كما يسعى لمعرفة والد ابنها. وكما سنرى زاهي يتزوج من ابنة مدير الجامعة الطبية المتفوقة، سنرى ساندي تخطط لعامين قادمين بالزواج من صيني مقابل الجنسية العتيدة.
أمَّا تينا التي ابتدأت بالرقص والتعري في ملاهي الرجال، على الرغم من تفوقها في الجامعة، فقد تزوجت منذ ثلاث عشرة سنة، وظلت تسكنها عقدة صديقها الأول وعصا البيسبول، كما ظل زوجها يحضر فترات عملها حتَّى يكتشف سرها مع العاشق. وستنتهي إلى العمل عينه، ولكن في ناد للسحاقيات. وليست الشقراء ميكي في حال أحسن، وهي التي تزوجت من نبيل الطالب المدمن على المخدرات والسهرات، والذي ينفق على ميكي ومن أنجبت من صديق آخر، فيما والده يمده بالمال، إلى أن يحضر في النهاية ليعود بولده إلى الوطن.
إلى هاته الشابات الأربع ثمَّة شابات كثيرات وشبان أقل تعج الرواية بهن وبهم: تلك هي (ميري) ذات الأربع وعشرين سنة، والتي تعمل في مطعم الشخصية المحورية هند، ولم تتزوج، لكنها أنجبت (من الزمن) أبناءها الذين تعيلهم ولا تعرف عن آبائهم شيئاً. وتلك هي (شيري) التي تعمل في مطعم (ليلى) ووعت الحياة في مصح للأمراض النفسية، وتخشى الشبان والجنس، كما تخشى الحب وإن كانت تعتقد به، وتحب المال كي تنفقه، وتقيم مع صديقتها المثلية. أمَّا (جمانا) فيملأ خلواتها الوطن والهجرة إلى أمريكا منذ أعوام. وعلى الرغم من مقتها الرجال، تنسكن بحب جورجي وتعيد إليه أمله بعدما ضيع في المهجر ـ أمريكا عشرين عاماً، وتبرئه من إدمان المراهنات قبل أن يتزوجا. وأخيراً، وليس آخراً، نذكر (نور) التي يحضرها كاظم من الوطن ليتزوجها بتحريض أمه، ويدفع بها إلى الانتحار، وفي المآل تنجو من الزواج ومن الموت.
مقابل الجيل الشاب يأتي الجيل السابق الذي ظهر أكثر من قبل في رواية ماري رشو (هرولة فوق صقيع توليدو). ومن هذه الزاوية تبدو رواية (أول حب آخر حب) جزءاً تالياً للرواية السابقة, وتبدو (هند) في الروايتين شخصية محورية، وهي التي صارت جدة في الخامسة والأربعين، تلعن اليوم الذي وطأت فيه هذه البلاد (أمريكا)، وتنهض من جديد، إثر طلاقين فقدت في آخرهما البيت والعمل.
في السادسة عشرة تزوجت هند من ابن عمتها جاد الصغير الذي جاء بها من الوطن إلى توليدو، وعذبها كما عذب زوجته السابقة. وقد ظلت هند تسانده بعد طلاقهما وزواجها الثاني من شقيقه جورج الثري الظنون الأرمل. ولا تفتأ هند تحمل ماضيها في اللاذقية، من ذكرى الجدين إلى ذكرى انفصال أبويها إلى ذكرى الدكتور فريد ـ أول حب ورفضها لـه. على أن هنداً باتت تنتمي بالقدر نفسه إلى مآلها الأمريكي، حيث ابنتها لين وحفيدتها ومطلقاها وعملها وصداقاتها، وبخاصة مع من يكبرونها: الستينيان اللذان يحبانها: هانك وبيل، ومع الزنجي كولمان الذي سيفوز في الانتخابات ويغدو السيناتور الأسود، بفضل هند وأمثالها، وعلى الرغم من الحملة الظالمة ضده. وسيتوج مآل هند الأمريكي بآخر حب للكهل خالد الذي يشبه رجلاً في الذاكرة ويعمل في الصحافة ويحاضر حول الهجرة والشباب العربي. غير أن حب هند الأخير يظل معلقاً كأول حب، وهو يختم الرواية بالحفل السنوي للجالية العربية، وهند تلوب بانتظار العاشق المعشوق الذي لا يأتي.
سوى هذه الشخصيات الروائية، ومن الجيلين أيضاً، ثمَّة عدد يقاربه. والرواية بالتالي تعج بشخصياتها، حتَّى يجد المرء نفسه تائهاً بين أسمائها وحيوات ـ قصص كل منها. وهي، كما بدا، تنتمي في الغالب إلى الأمريكيين من أصل سوري، سواء منهم من أنجز أمركته ـ من الشباب والشابات بخاصة ـ أو من لا زال سورياً مهاجراًً وإن شاخ في المهجر. وعبر أولاء، كما عبر سواهم من الأمريكيين، تنتأ فسيفساء المجتمع الأمريكي، وتعدديته، وغنى وتعقيد وتناقضات فضائه، من دون أن تنشغل الرواية بالسياسي، سوى ما كان من انتخاب السيناتور الزنجي. واللافت هن هو اختفاء ما يتصل من السياسي بالأصل السوري أو العربي، سوى الإشارة الإيقاعية التي يرسلها ذلك المقطع من الأهزوجة الشعبية الموروثة من سنوات مقاومة الاستعمار الفرنسي في سورية (طيارة طارت بالليل). ومقابل ذلك، يطغى اشتغال الرواية بالإنساني والاجتماعي في الفضاء الأمريكي، وبخاصة من الزاوية النسوية، حيث ما تشخصه هند من تفشي الاكتئاب جراء العزلة، ومن حلم الأمريكي بملء الوقت لأنَّ الفراغ يعني الوحدة والنهاية، وحيث سخرية الأمريكيات من حرص صديقاتهن العربيات على البكارة، وزواج الإكراه أو المقايضة من أجل الجنسية ـ لنتذكر زواج جينا من كاظم وساندي من زاهي ـ وغمر الفتيات اللواتي ينحصر همهن بالملذات الجسدية فقط.
لقد استأثر البعد الجنسي في العلاقة مع الآخر بالرواية العربية، ولاسيما في بداية مشوارها الذكوري. ولئن غدا وعي الذات والعالم هو الحامل الأكبر لهذا الشطر من الرواية العربية، فيما كتب منها الكاتب وفيما كتبت الكاتبة، فقد بات البعد الجنسي ـ وبنسب متفاوتة بالطبع ـ واحداً من عناصر ذلك الوعي، وهو ما يتجلى بقوة في رواية ماري رشو (أول حب آخر حب)، مع التركيز على علاقة المرأة بجسدها، وعلى العطب في البعد الجنسي، سواء في المؤسسة الزوجية (المدنية أو الدينية) أو في العلاقات الحرة. وإذا كانت سلطة الساردة تطغى في رواية ماري رشو، فقد خفف من هذا الطغيان قصر الجمل، والتقشير من المجازات، والتألق في رصد المشاعر، واعتماد الوصف على الملاحظة الدقيقة واللمحة الخاطفة، كما خففت مواطن الحوار ـ على قلتها وتباعدها ـ من طغيان السرد. وتلفّح ذلك كله بالنكهة الغامضة والمميزة لنظرة الأنوثة ولكتابتها.

dabe3
05-18-2010, 02:18 PM
خاتمة:

منذ أكثر من عقد تبدو الرواية العربية في عرس، غير أن المنغصات لم تتأخر عن هذا العرس، وإن تكن الكثرة المبتهجة لا تأبه بها أو لا تراها. وقد جهرتُ منذ سنوات بأول أو آخر تلك المنغصات، وهو الاستسهال اللغوي وتفاقم الأخطاء الإملائية والنحوية. وحسبي أن أضرب مثلاً بروايات صنع الله إبراهيم (أميركانلي) ويوسف المحيميد (فخاخ الرائحة) وآمال بشيري (فتنة الماء) وأنيسة عبود (باب الحيرة)... ويتصل بهذا الأمر الإيثار المتفاقم للعاميات في إدارة الحوار بخاصة بين الشخصيات، كما في المتون السردية.
لكن الخطر الأكبر هو ما تراءى لي منذ سنوات من تأزم الحداثة الروائية العريبة، عبر التتقين وعماية التجريب وشرنقة الذات وغواية الإكزوتيكا التي تلوح للترجمة إلى اللغات الأخرى، وسوى ذلك مما ناديت لتجاوزه بمنعطف روائي عربي جديد، يستثمر منجزات اللحظتين التقليدية والحداثية، ويتطلع إلى أفق مختلف( ). وها هو سعيد يقطين يكتب معززاً كل ذلك، ومحذراً من خسارة الرواية العربية للقارئ، ومن سعيها إلى القارئ المفترض وتضييعها للقارئ الحقيقي، ومن مغالاتها في التجريب وندرة النص الجديد اللافت، وهو ما سيجعل الرواية العربية تستنفد دورها، وتنتهي إلى ما انتهى إليه الشعر منذ عقود. وآية ذلك كما يرسمها سعيد يقطين هو بروز روايات عديدة وراوئيين جدد، وافتقاد الكتاب الحقيقيين والروايات الجديرة بالقراءة وسط هذا الزخم، حيث تتكرر التجارب ويقل الإبداع "فهل ينبئ هذا الوضع بالكارثة"( ).
لقد مضت السيرية قدماً في الرواية العربية، سواء أتعلق ذلك بالسيرة الذاتية أم بالسيرة الروائية ـ حيث قد يغدو الكاتب أو الكاتبة شخصية روائية ـ أم تعلق ذلك بما أدعوه السيرة النصية، أي سيرة كتابة الرواية. فقد تسفر السيرية عن اسم الكاتب، كما فعلت من خارج مدوّنة هذا الكتاب علوية صبح في روايتها (مريم الحكايا) أو وليد إخلاصي في رواية (سمعت صوتاً هاتفاً)
أو جمال الغيطاني في روايتيه (دنا فتدلى) و(رشحات الحمراء)، حيث يوالي مشروعه السيري (دفاتر التدوين) والذي ظهرت فيه من قبل رواية (خلسات الكرى). وقد يكتفي الكاتب أو الكاتبة بالمبثوث من السيرة خارج النص، مع التعويل على ضمير المتكلم، أو بدونه. وقد يعزز ذلك بالإشارات في النص، كما في رواية ميسون صقر (ريحانة) ورواية صنع الله إبراهيم (أميركانلي). أما حضور الكاتب أو الكاتبة كشخصية روائية فقد يتضافر مع السيرة النصية، كما في رواية ظافر ناجي (حاجب المقام). وقد تشتبك السيرية ـ كيفما كانت ـ بالوثائقية، حيث يتسيّد التناص، فيميل بالرواية إلى البحث الأكاديمي في رواية (أمريكانلي)، أو يظل لعبة روائية كبرى كما في رواية ميسون صقر نفسها، وفي رواية فوزية شويش السالم (حجر على حجر) أو رواية صفاء عبد المنعم (ريح السموم)، وحيث تتذيل الرواية بالمصادر التي جاءت الوثيقة الروائية منها، عارية أو معجونة بالسرد. وكل ذلك من علامات الحفر الروائي.
وتلك السيرية ـ كيفما كانت ـ تشتبك دوماً بسيرة المجتمع، أي بتحولاته السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، بحسب الزمن أو الشرائح الزمنية التي يختارها الكاتب أو الكاتبة، وعلى نحو وثيق الاتصال بالمجتمع الأكبر: بالعالم. ولئن كان رهان الرواية العربية على السيرية بعامة يبدو كبيراً لا يفتأ يكبر، فرهانها الأكبر يبدو على السيرة المجتمعية. وقد يأتي ذلك كسيرة للمدينة، كما حاولت رواية منهل السراج (كما ينبغي لنهر) ورواية وليد إخلاصي (سمعت صوتاً هاتفاً)، وهو ما غذّت الخطى فيه رواية أحمد المديني (فاس.. لو عادت إليه). وفي قوام السيرة الروائية للمدينة، أو للفضاء الروائي أياً كان، تبدأ الحكايات والقصص والأخبار والعلاقات والصراعات والأطروحات.. ولا تنتهي. فحسن داوود في روايته (ماكياج خفيف لهذه الليلة) يجلو حقائق شخصياتها النسائية بخاصة، من تحت المكياج ـ القناع، على وقع للحرب اللبنانية، راجف من بعيد، فيما هشّمت القذيفة ذاكرة فاديا نصار وجسدها، كما أودت بزوجها وهشمت صديقتها وداد، ليعيد الزمن التالي تشكيل الجسد والعلاقات والدخائل، بالاشتباك مع ما يستعاد من الصداقة والحب والجنس، وأقله: النضال. وحسن داوود في هذه الرواية، يواصل تألقه المعهود في كتابة ذلك الشطر المتصل بالمرأة من السيرة المجتمعية. وهو الشطر الذي ما فتئتْ تكتبه الكاتبة، وما فتئ الاختلاف يكبر في كتابتها عن كتابة الكاتب. ومن ذلك رواية غادة السمان (سهرة تنكرية للموتى) التي تعود بشخصياتها من باريس إلى بيروت لتجلو ما طرأ جراء الحرب. ومن تلك الشخصيات (منير) الذي عاش في رواية الكاتبة (بيروت 75) وخليل الدرع الذي عاش في روايتها (ليلة المليار). وتوالي غادة السمان لعبتها الروائية الأثيرة في المزاوجة بين المونولوج والسرد. أما رواية مسعودة أبو بكر (وداعاً حمورابي) فتنادي من رواية صنع الله إبراهيم (ذات) تقنية الكولاج والمونتاج (أخبار الإذاعة والصحف..) كما تنادي حرب الخليج الثانية والنفط إلى تلك القرية التونسية (الراجين). وعن مثل هذا الفضاء تكتب رواية (رأس المحنة 1+1=5) لعز الدين جلاوجي حيث يتلقف غول المدينة المهاجرين من القرية. وسواء في هذه الرواية أم في رواية عز الدين ميهوبي (التوابيت)، تأتي الكتابة مكوية بنيران الجحيم الجزائري المندلع منذ أكثر من عقد، كما هو الشأن فيما صدر منذئذ من الرواية في الجزائر. وفي مصر، يتوالى الرهان الروائي على السيرة المجتمعية، فيما كتب محمد البساطي أو يوسف أبو رية أو خيري شلبي أو يوسف القعيد وسواهم من الكتّاب المبرزين الذين أخذت مناكب الكاتبات تدافع مناكبهم سنة فسنة، ومن ذلك هي ذي الرواية الأولى لعزة رشاد (ذاكرة التيه) التي تكتب من السيرة المجتمعية فصلاً للتقلب بالمرأة في هجرة أسرتها من بور سعيد إلى القاهرة إلى الخليج، وفي أسلمة الشقيقين والزواج والطلاق، فالبداية الجديدة لتكون من جديد، بحب جديد وعمل جديد. وهي ذي رواية أمينة زيدان (هكذا يعبثون) التي تبدأ من المومياء ـ القرية البركانية (غبة الغوص) لتمضي في القاهرة، حيث يعصف بالشخصيات الخواء والجنون والانتحار جراء التحولات العاصفة بالمجتمع، فإذا بالحب غول، كالحرمان والموت والجنس.
أما سحر الموجي فتكتب في روايتها (دارية) فصلاً آخر للتقلب بالمرأة بين الزواج والعمل والأمومة والشعر والطلاق والحب. ويصل هذا الفصل عبر شخصية البطلة بين الفضاء المصري والفضاء الألماني. وحول العنوانات نفسها تقوم رواية عائشة أبو النور (الحب من قبل ومن بعد): أليس هذا بوشم الأنوثة روائياً؟
سواء تعلق الأمر بالعقود السالفة القريبة المشتبكة غالباً بالحاضر،
أو بالقرون، لتكون أسئلة الحاضر والمستقبل هي المنوطة، يأتي الحفر الروائي في التاريخ مبهظاً في رواية (أمريكانلي) لكنه يوالي اللعب لدى ربيع جابر في مشروعه الروائي الكبير، ولدى ميسون صقر في روايتها (ريحانة)، التي تشكك في التاريخ الرسمي المقروء السلطوي، وتسند حكاية التاريخ للمرأة، فإذا بالمقتطفات المتعلقة بالقواسمة وتاريخ الحصن تندغم في النسيج الروائي، مثلها مثل تاريخ النوبة وسيرة العبدة ريحانة أو سيرة شمسة، أو ما توالى في مصر والشارقة وأفغانستان خلال العقود القليلة الماضية التي بدا تعلق روايات بها أكبر. فسميحة خريس في رواية (الطوفان) تحفر في تاريخ مدينة عمّان منذ كانت فيلادلفيا إلى مطلع القرن الماضي، ومثلها يفعل هاشم غرابية. ووليد إخلاصي يرسم حلب في ذلك الزمن الهارب إبان الاستعمار الفرنسي والاستقلال؛ في الشطر المبكر من سيرته. أما عز الدين جلاوجي فيبدأ في روايته (رأس المحنة 1 + 1 = 5) من مقاومة الاستعمار الفرنسي في الريف الجزائري، بينما يعود يوسف المحيميد في روايته (فخاخ الرائحة) إلى أمس العبيد في السعودية والسودان. وقد تكون الآثار وتهريبها في بعض الروايات تلك القطبة التي تضفر التاريخ بالراهن، كما في رواية (قدم الحكمة) أو رواية (ريح السموم)، ومثلما سبق في روايات إدوار الخراط وأهداف سويف.
على مستوى آخر، تبدو الحفريات الروائية في التاريخ معوّلةً بخاصة على التناص الصريح، كما هو الأمر في روايات صنع الله إبراهيم وفوزية شويش السالم وميسون صقر وصفاء عبد المنعم. ولكن للتناص أفعالاً أخرى، منها تعلّقُ الرواية بما سبق من رواية أو أكثر لصاحبها، فأحمد المديني ينادي في (فاس.. لو عادت إليه) روايته السابقة (مدينة براقش)، مثلما هو الأمر في رواية غادة السمان (سهرة تنكرية للموتى)، ومثلما تناذي رواية (حجر على حجر) ما تقدمها للكاتبة، ومن أفعال التناص أيضاً ذلك الحضور للشعر في روايات المديني والسالم وجلاوجي، والذي يبلغ مداه فيما تثبت رواية (دارية) لسحر الموجي من شعر بطلتها. وإذا كانت السيرة النصية كالتناص، من علامات اللعب الحداثي الروائي، فذلك هو أيضاً الفعل الصوفي في الرواية، مما اشتهرت به روايات جمال الغيطاني وعولت عليه رواية ظافر ناجي (حاجب المقام)، وتلامح في روايتي أحمد المديني ونجوى شعبان. ويتصل بالفعل الصوفي ما يشغل الروايات من العجائبي والغرائبي والخارق، والذي بلغ مداه في رواية كمال الخمليشي (حارث النسيان).
وتنبغي هنا الإشارة أيضاً إلى اللعب بطوبوغرافيا النص، سواء بالخطوط المائلة أم الغامقة ـ كما في روايات عزت القمحاوي وظافر ناجي وأحمد المديني ونجوى شعبان ـ أو في تيمّن كتابة سطور السرد بسطور كتابة الشعر الحديث، وهو ما حكم رواية (حجر على حجر) بطولها، وحكم فصل (خارج الزمن) من رواية نورا أمين. وقد يقال هنا إن نصف حجم كل من الروايتين كان سيتبدد لو كتبت السطور كالمعتاد، فلا تخسران شيئاً، وفي كل ذلك، كما في أغلب الروايات المشار إليها، ظل فعل الشعر عابراً.
لا زال هناك الكثير مما ينبغي قوله في العرس الروائي العربي، ومنه قيام روايات عديدة كلياً أو جزئياً على الرحلة، كما في روايات (أمريكانلي) و (حجر على حجر) و (دارية) و (ذاكرة التيه) و (فخ الأسماء) و (وداعاً حمورابي) و (فخاخ الرائحة). ومثل الرحلة هي الحكاية، كما في روايات (قدم الحكمة) و (فخاخ الرائحة) و (أريانة). ولأننا في غمرة العرس الروائي، فمن السذاجة ـ على الأقل ـ بمكان أن تكون الإحاطة هدفاً، وبالتالي، فصوت النذير في هذا العرس، قد يتبدد أمام تمثيلاته التي رأينا في هذا الكتاب، فكيف بالأمر خارجه!.
ومع ذلك، أراني ألوّح بما كتبت منذ سنوات، وآنس إلى ما كتب سعيد يقطين مشخصاً التحدي الذي يواجه الرواية العربية، بالاستمرار في تجديد إمكاناتها وتقنياتها وعوالمها الحكائية وأشكال تعاملها مع التبدلات الواقعية الكبرى. فعلى الرغم من كل ما حققته الرواية العربية خلال عقود قليلة، أدركتها المنغصات. وفي الكثير من التمثيلات السابقة للعرس من ذلك ما فيه، كما رأينا. وقد شرعت بعض الأصوات الروائية الجديدة تصدع بذلك بدعوى التجاوز والقطيعة مع ما سبق، وهي الدعوى التي لا تؤكدها غالباً نصوص أصحابها. إلا أن الأهم هو أن ترتقي الكتابة الروائية العربية، وأن يرتقي نقدها أيضاً، إلى مستوى التحدي، بتجديد الذات والتجربة قبل فوات الأوان. وهنا يصير النذير بشيراً وهو يومئ ـ مثلاً ـ إلى قراءة المبدع لتجربته قراءة نقدية، والتبصّر في التحولات المحلية والكونية، أو إلى نضج مساهمة الكاتبات، أو إلى غير ذلك من أسرار التخييل الروائي.

dabe3
05-18-2010, 02:19 PM


العنوان الصفحة

المقدمة 5
الفصل الأول 9
الرواية العربية من شرك المحلية العالمية إلى الكونية 9
1 ـ الرواية الكونية: 18
2 ـ الرواية العالمية: 19
3 ـ ما بعد الكولونيالية: 20
4 ـ العولمة: 22
5 ـ رواية المتعة والتسلية: 22
6 ـ كونية الرواية العربية: 23
الفصل الثاني 31
كنائية المدينة الروائية 31
1 ـ بهاء طاهر: الحب في المنفى 33
2 ـ مؤنس الرزاز: سلطان النوم وزرقاء اليمامة 34
3 ـ غازي القصيبي: العصفورية 36
4 ـ هاني الراهب: رسمت خطاً في الرمال 37
5 ـ عبد الجبار العش: وقائع المدينة الغريبة 40
6 ـ أبو بكر العيادي: آخر الرعية 41
7 ـ واسيني الأعرج: المخطوطة الشرقية 44
الفصل الثالث 49
تقاسيم على التجريب 49
1 ـ عزت القمحاوي: غرفة ترى النيل 49
2 ـ زهير الجزائري: الخائف والمخيف : 52
3 ـ محمد سناجلة: ظلال الواحد 55
4 ـ خليل صويلح: بريد عاجل 59
5 ـ الميلودي شغموم: أريانة: 63
6 ـ علم الدين عبد اللطيف: قمر بحر 67
الفصل الرابع 73
السيرية روائياً 73
1 ـ نورا أمين: الوفاة الثانية لرجل الساعات: 73
2 ـ عبده جبير: مواعيد الذهاب إلى آخر الزمان 76
3 ـ محمد الباردي: الكرنفال 78
الفصل الخامس 85
الأنوثة وشماً روائياً 85
1 ـ آمال بشيري: فتنة الماء 85
2 ـ لطيفة الدليمي: حديقة الحياة 87

العنوان الصفحة

3 ـ زهور كرام: قلادْة قرنفل 89
4 ـ هيفاء بيطار: امرأة من هذا العصر 92
5 ـ عفاف البطانية: خارج الجسد 95
6 ـ ليلى الجهني: الفردوس اليباب 99
7 ـ رجاء عالم: موقد الطير 102
8 ـ أمنيات سالم: حلم كزرقة البحر 104
9 ـ جوخة الحارثي: منامات 106
الفصل السادس 111
التاريخ روائياً 111
1 ـ خيري الذهبي: فخ الأسماء: 111
حكاية الرؤوس ـ الثمار: 112
حكاية المدينة الهاربة: 113
حكاية الهزيمة: 115
2 ـ سلام عبود: يمامة: في الألفة والآلاف والندامة: 115
3 ـ ثائر تركي الزعزوع: السلطان يوسف: 119
4 ـ شعيب حليفي: رائحة الجنة: 122
5 ـ محمد الأشعري: جنوب الروح : 124
الفصل السابع 129
الزمن المستعاد روائياً 129
1 ـ يوسف المحيميد: فخاخ الرائحة: 129
2 ـ محمد أبو معتوق: جبل الهتافات الحزين: 132
3 ـ محمد هاشم: ملاعب مفتوحة: 135
4 ـ الحبيب السالمي: عشاق بيّهّ 138
5 ـ ميرال الطحاوي: نقرات الظباء : 141
6 ـ محمد إبراهيم الحاج صالح: أحداق الجنادب : 144
7 ـ أحمد إبراهيم الفقيه: فئران بلا جحور 147
الفصل الثامن 153
اشتباك الأزمنة روائياً 153
1 ـ فوزية شويش السالم: حجر على حجر: 153
2 ـ سمر يزبك: صلصال: 155
3 ـ رشيدة خوازم: قدم الحكمة: 159
4 ـ جميل عطية إبراهيم: المسألة الهمجية: 163
5 ـ فواز حداد: مرسال الغرام: 167
الرواية والسيناريو: 168
الرواية والموسيقا: 169
التعرية والهجاء: 171
6 ـ ياسمينة صالح: بحر الصمت: 172
الفصل التاسع 177
الحرب روائياً 177

العنوان الصفحة

1 ـ منهل السراج: كما ينبغي لنهر: 177
2 ـ ناديا خوست: أعاصير في بلاد الشام: 183
3 ـ غالية قباني: صباح امرأة: 187
4 ـ زهرة ديك: في الجبة لا أحد: 192
5 ـ حسن قاسم الساعدي: رقصة الطائر المذبوح 194
6 ـ أمين الزاوي: يصحو الحرير 196
7 ـ أحمد زين: تصحيح وضع: 201
الفصل العاشر 207
الرحلة إلى أمريكا روائياً 207
1ـ صنع الله إبراهيم أمريكانلي: 207
شخصيات أم قنوات: 209
حين يحكم الأيديولوجي الوعي: 210
2 ـ أنيسة عبود: باب الحيرة: 212
3 ـ ماري رشو: أول حب آخر حب: 216
الخاتمة .................................................. .......................220
المحتوى........................................... ..............................226

جرح الذات
03-09-2011, 09:37 PM
الله يعطيكم العافيه على المجهود الرائع والمميز