كيف بدأ الغيطاني في الكتابة عن نجيب محفوظ؟
ما أسرع مروق الأيام..
أكثر من ربع قرن مضى على ذلك الصيف القاهري الحار ، والشهور التي
يتوقف خلالها نجيب محفوظ عن الكتابة بسبب حساسية تبدأ في يونيه وتنتهي آخر
أغسطس ، هذا ما نعرفه كسبب معلن ، ربما ثمة أسباب أخرى ، منها التوقف
الإرادي عن الكتابة للتأمل وإمعان النظر فيما كان وسيكون ، غير أن هذا الصيف
لم يكن عاديًا ، خاصً ة بالنسبة له ، صيف عام ثمانية وسبعين وتسعمائة وألف ،
كان محفوظ قد أعلن تأييده لزيارة القدس التي بادر إليها الرئيس أنور السادات ،
واتخذت الدول العربية ممثلة في إتحاد الكتاب العرب ( لا أذكر من كان يرأسه
وقتئذ ، ربما السيد علي عقلة السوري ) قرارًا بمقاطعة نجيب محفوظ مقاطعته
على جميع المستويات ، شخصيًا ، ومقاطعة أعماله أيضًا . هكذا منعت مؤلفاته
كلها المكتوبة قبل زيارة القدس وبعدها من دخول الأفلام العربية ، واضطروا
منتجو السينما إلى إزالة أسمه من الأفلام التي كتب حواراتها أو قصصها أو شارك
فيها ، كان الأمر بمثابة إعدام أدبي لأكبر كاتب عربي ، وفرصة أيضًا لأصحاب
بعض النزعات الإقليمية الضيقة المتقنعة بلافتات شديدة القومية وساخنة العروبة
لتحجيم الدور الثقافي المصري.
هل يعني إعلان نجيب محفوظ عن آراء سياسية وسيلة لكي يصادره البعض
تمامًا؟ كيف يمكن مصادرة زقاق المدق ، والثلاثية ، والحرافيش ، وأولاد حارتنا؟
كان القرار غريبًا وهنا لابد من توضيح ، فموقفي السياسي يختلف عن موقف
نجيب محفوظ لكنني ناقشته وحاورته مع محبيه وأصحابه ، وبالنسبة لي فإن
محفوظًا يعلن مواقفه عن قناعة وبعد تفكير طويل ، وليس لأسباب انتهازية كما
يفعل بعض الكتاب الآن ، ولم يكن موقفه مفاجئًا بالنسبة لي ، أنه صارحنا في
صيف عام سبعة وستين والهزيمة لا تزال طرية ، جراحها تنزف بغزارة كان ذلك
في مقهى الفيشاوي بالقاهرة القديمة ، كنا ثلاثة ، الروائي يوسف القعيد ، والأديب
الراحل إسماعيل العادلي، كنا نتحدث فيما جرى وما سيجري ، عندما فاجأنا برأيه،
قال أنه إذا لم يكن هناك إمكانية لهزيمة إسرائيل عسكريًا ، فلنلجأ إلى الطرق
السياسية ، إلى بحث إمكانية الصلح.
كان هذا الرأي في ذلك التوقيت صادمًا لنا، وفيما تلا ذلك جرت مناقشات عديدة،
اختلفنا فيها كثيرًا، غير أن الصلة لم تهن، وإعجابنا بإبداعه الجميل لم يكف، حتى
صدر هذا القرار الغريب بالمقاطعة، والذي عرف تطرفًا مبالغًا فيه عند التطبيق،
لم يتقبل الضمير الثقافي العربي هذا القرار، بل أعرب كبار المبدعين والمثقفين
العرب عن استنكارهم له وعملوا على إنهائه وتجاوزه عمليًا. في هذا المناخ
السيئ، أتصل بي الأستاذ عماد الدين أديب، وكان يعمل مديرًا لجريدة الشرق
الأوسط، قال إنه يقترح على حوارًا طوي ً لا، غير تقليدي مع نجيب محفوظ، ينشر
على حلقات، وعندما التقينا تحسست الموقف بخصوص النشر، قال لي بوضوح
إنه عرض الفكرة على المسئولين عن التحرير، وإنهم تحمسوا، وأن الجميع متفق
على استحالة مقاطعة نجيب محفوظ إبداعيًا وأدبيًا.
لم يكن محفوظ قد بدأ إجازته الصيفية بعد والتي يسافر خلالها إلى الإسكندرية ،
كان قد تقاعد منذ ست سنوات وأصبح متفرغًا تمامًا للكتابة ، وخلال تلك السنوات
كتب ملحمة ( الحرافيش ) ، كان في حالة صحية جيدة ، يمشي يوميًا في الصباح
والمساء ، يجوس في شوارع القاهرة القديمة كل أربعاء ، يتلمس أماكن الذكرى
وأزمنة الحنين ، عندما عرضت عليه الأمر تحمس كثيرًا ، وأقترح أن نلتقي في
مكان هادئ لا يطرقه من نعرف ، وقع اختياره على مقهى إفرنجي ( كازينو )
مطل على النيل من الضفة المواجهة لبيته في العجوزة ، كان يعبر الجسر الطويل
الممتد من المهندسين حتى ميدان باب الحديد ( كوبري أكتوبر ) ، يقطع هذا الجزء
الصغير الذي يصل ضفة النيل الصغير ، وينزل السلالم إلى مدخل المقهى .
طلبت أن نبدل بعد أسبوع، اتفقنا.
رغم الصلة الطويلة الممتدة منذ عام تسعة وخمسين ، إلا أنني تهيبت الأمر ، لذلك
لم أعتمد على طول العلاقة وعمقها فقط ، إنما قررت الرجوع إلى الأحاديث
الهامة التي أجريت معه ، قضيت ساعات في أرشيف دار أخبار اليوم ، إلا أن
المرجعين الأساسين اللذين توقفت عندهما :
حوار فؤاد دوارة معه ، والذي ضمنه كتابه ( عشرة أدباء يتحدثون ) ، والعدد
الخاص من مجلة ( الهلال ) الذي صدر عام سبعين من القرن الماضي ، وحرره
الأستاذ رجاء النقاش رئيس التحرير ، وفي تقديري أنه من أجمل وأهم الأعداد
الخاصة التي صدرت عن محفوظ ومازال مرجعًا ثريًا في مادته وصوره ولابد
من العودة إليه عند التفكير في أي عمل خاص بالأديب الكبير . أصغيت أيضًا إلى
حوار طويل على مدى ساعتين أذيع في الستينات ، وطبع في شريطين من خلال
شركة صوت القاهرة التابعة لإتحاد الإذاعة والتليفزيون ، وعدت إلى ملاحظاتي
الخاصة. هكذا أعددت برنامجًا دقيقًا، منظمًا، استوحيت خلاله قدرة محفوظ على
الانضباط.
وأستغرق العمل أكثر من عشرين ساعة على امتداد شهر كامل ، عملنا خلاله بلا
توقف ، فيما عدا أيام الجمعة والخميس ، وعندما بدأت الكتابة حذفت الأسئلة ، إنه
صوت ذاكرة محفوظ فقط الذي يروي ، إنني أستعيد تلك الأيام الحارة ، وعرة
اليقظ ، بحنين ، فتلك الفرصة الأطول التي سنحت لي كي أنفرد بالمبدع العظيم ،
الذي كان ومازال صديقًا ومعينًا ومؤنسًا ودلي ً لا بالنسبة لي.
الطفولة
عندما أرحل بذاكرتي إلى أقصى بدايات العمر، إلى الطفولة الأولى، أتذكر بيتنا
في الجمالية شبه خال، أنجب والدي من قبلي ستة أشقاء، جاءوا كلهم متعاقبين،
أربع إناث وذكرين، ثم تتوقف والدتي عن الإنجاب لمدة تسع سنوات. ثم . . أجئ
أنا.عندما وصلت إلى سن الخامسة كان الفرق بيني وبين أصغر أخ لي خمس
عشرة سنة ، البنات كلهن تزوجن تقريبًا فيما عدا واحدة لا أذكر أي شيء عن
حياتها في البيت ، أما شقيقاي فقد تزوجا بالفعل ، أحدهما دخل الكلية الحربية
وسافر للخدمة في السودان ، لهذا .. لا أتذكر في البيت إلا والدي ووالدتي ، لا
أذكر أن أي إنسان آخر شاركنا البيت إلا الضيوف ، عمتي ، ابنة عمتي ، ناس
من الخارج ، أغلب حياتي في بيتنا كأني طفل وحيد ، لكن طبعًا كنا نزور الأشقاء
في بيوتهم ، لهذا إذا ما حاولت استرجاع ذكرياتي عنهم ، فإنني أتذكرهم في
بيوتهم وليس في بيتنا. كانت علاقتي بهم علاقة الصغير بالكبار، أساسها
الأدب والحشمة، لم أعرفهم كأشقاء أعيش معهم حياتهم اليومية، ألعب معهم،
أضحك معهم، ولذلك كانت علاقة الأخوة من العلاقات التي أتابعها في حياتي
باهتمام، فيما بعد كان من أصدقائي أشقاء، كنت أتابعهم، أسأل نفسي: ترى .. لو
أن إخوتي قاربوني في السن، كيف ستمضى علاقتي معهم؟ كان من بين
أصدقائي ثلاثة أشقاء، كانوا دائمًا يلعبون معًا، يذهبون إلى النزهة معًا، يضحكون
معًا، كنت أتابعهم وأسأل نفسي: هل كنت سأصبح مثلهم؟ .. كنت محرومًا من
الإحساس بالأخوة ..
لهذا تلاحظ دائمًا أنني أصور في كثير من أعمالي علاقات أخوة بين أشقاء ، وهذا
نتيجة لحرماني من هذه العلاقة ، يبدو هذا في الثلاثية ، في بداية ونهاية ، في
خان الخليلي ..
لم أجرب هذه العلاقة في الحياة الحقيقية ، كنت دائمًا أنظر إليها كشئ محرم أو
مجهول، كنت أتمنى أن يكون لدى نفس العلاقات بين أصدقائي: الأخوة.


رد مع اقتباس






