+ الرد على الكتاب
صفحة 1 من 2 1 2 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 18
  1. #1
    Senior Member
    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    المشاركات
    160

    افتراضي كتاب: رحلة مع نجيب محفوظ لجمال الغيطاني

    كيف بدأ الغيطاني في الكتابة عن نجيب محفوظ؟

    ما أسرع مروق الأيام..
    أكثر من ربع قرن مضى على ذلك الصيف القاهري الحار ، والشهور التي
    يتوقف خلالها نجيب محفوظ عن الكتابة بسبب حساسية تبدأ في يونيه وتنتهي آخر
    أغسطس ، هذا ما نعرفه كسبب معلن ، ربما ثمة أسباب أخرى ، منها التوقف
    الإرادي عن الكتابة للتأمل وإمعان النظر فيما كان وسيكون ، غير أن هذا الصيف
    لم يكن عاديًا ، خاصً ة بالنسبة له ، صيف عام ثمانية وسبعين وتسعمائة وألف ،
    كان محفوظ قد أعلن تأييده لزيارة القدس التي بادر إليها الرئيس أنور السادات ،
    واتخذت الدول العربية ممثلة في إتحاد الكتاب العرب ( لا أذكر من كان يرأسه
    وقتئذ ، ربما السيد علي عقلة السوري ) قرارًا بمقاطعة نجيب محفوظ مقاطعته
    على جميع المستويات ، شخصيًا ، ومقاطعة أعماله أيضًا . هكذا منعت مؤلفاته
    كلها المكتوبة قبل زيارة القدس وبعدها من دخول الأفلام العربية ، واضطروا
    منتجو السينما إلى إزالة أسمه من الأفلام التي كتب حواراتها أو قصصها أو شارك
    فيها ، كان الأمر بمثابة إعدام أدبي لأكبر كاتب عربي ، وفرصة أيضًا لأصحاب
    بعض النزعات الإقليمية الضيقة المتقنعة بلافتات شديدة القومية وساخنة العروبة
    لتحجيم الدور الثقافي المصري.
    هل يعني إعلان نجيب محفوظ عن آراء سياسية وسيلة لكي يصادره البعض
    تمامًا؟ كيف يمكن مصادرة زقاق المدق ، والثلاثية ، والحرافيش ، وأولاد حارتنا؟
    كان القرار غريبًا وهنا لابد من توضيح ، فموقفي السياسي يختلف عن موقف
    نجيب محفوظ لكنني ناقشته وحاورته مع محبيه وأصحابه ، وبالنسبة لي فإن
    محفوظًا يعلن مواقفه عن قناعة وبعد تفكير طويل ، وليس لأسباب انتهازية كما
    يفعل بعض الكتاب الآن ، ولم يكن موقفه مفاجئًا بالنسبة لي ، أنه صارحنا في
    صيف عام سبعة وستين والهزيمة لا تزال طرية ، جراحها تنزف بغزارة كان ذلك
    في مقهى الفيشاوي بالقاهرة القديمة ، كنا ثلاثة ، الروائي يوسف القعيد ، والأديب
    الراحل إسماعيل العادلي، كنا نتحدث فيما جرى وما سيجري ، عندما فاجأنا برأيه،
    قال أنه إذا لم يكن هناك إمكانية لهزيمة إسرائيل عسكريًا ، فلنلجأ إلى الطرق
    السياسية ، إلى بحث إمكانية الصلح.
    كان هذا الرأي في ذلك التوقيت صادمًا لنا، وفيما تلا ذلك جرت مناقشات عديدة،
    اختلفنا فيها كثيرًا، غير أن الصلة لم تهن، وإعجابنا بإبداعه الجميل لم يكف، حتى
    صدر هذا القرار الغريب بالمقاطعة، والذي عرف تطرفًا مبالغًا فيه عند التطبيق،
    لم يتقبل الضمير الثقافي العربي هذا القرار، بل أعرب كبار المبدعين والمثقفين
    العرب عن استنكارهم له وعملوا على إنهائه وتجاوزه عمليًا. في هذا المناخ
    السيئ، أتصل بي الأستاذ عماد الدين أديب، وكان يعمل مديرًا لجريدة الشرق
    الأوسط، قال إنه يقترح على حوارًا طوي ً لا، غير تقليدي مع نجيب محفوظ، ينشر
    على حلقات، وعندما التقينا تحسست الموقف بخصوص النشر، قال لي بوضوح
    إنه عرض الفكرة على المسئولين عن التحرير، وإنهم تحمسوا، وأن الجميع متفق
    على استحالة مقاطعة نجيب محفوظ إبداعيًا وأدبيًا.
    لم يكن محفوظ قد بدأ إجازته الصيفية بعد والتي يسافر خلالها إلى الإسكندرية ،
    كان قد تقاعد منذ ست سنوات وأصبح متفرغًا تمامًا للكتابة ، وخلال تلك السنوات
    كتب ملحمة ( الحرافيش ) ، كان في حالة صحية جيدة ، يمشي يوميًا في الصباح
    والمساء ، يجوس في شوارع القاهرة القديمة كل أربعاء ، يتلمس أماكن الذكرى
    وأزمنة الحنين ، عندما عرضت عليه الأمر تحمس كثيرًا ، وأقترح أن نلتقي في
    مكان هادئ لا يطرقه من نعرف ، وقع اختياره على مقهى إفرنجي ( كازينو )
    مطل على النيل من الضفة المواجهة لبيته في العجوزة ، كان يعبر الجسر الطويل
    الممتد من المهندسين حتى ميدان باب الحديد ( كوبري أكتوبر ) ، يقطع هذا الجزء
    الصغير الذي يصل ضفة النيل الصغير ، وينزل السلالم إلى مدخل المقهى .
    طلبت أن نبدل بعد أسبوع، اتفقنا.
    رغم الصلة الطويلة الممتدة منذ عام تسعة وخمسين ، إلا أنني تهيبت الأمر ، لذلك
    لم أعتمد على طول العلاقة وعمقها فقط ، إنما قررت الرجوع إلى الأحاديث
    الهامة التي أجريت معه ، قضيت ساعات في أرشيف دار أخبار اليوم ، إلا أن
    المرجعين الأساسين اللذين توقفت عندهما :
    حوار فؤاد دوارة معه ، والذي ضمنه كتابه ( عشرة أدباء يتحدثون ) ، والعدد
    الخاص من مجلة ( الهلال ) الذي صدر عام سبعين من القرن الماضي ، وحرره
    الأستاذ رجاء النقاش رئيس التحرير ، وفي تقديري أنه من أجمل وأهم الأعداد
    الخاصة التي صدرت عن محفوظ ومازال مرجعًا ثريًا في مادته وصوره ولابد
    من العودة إليه عند التفكير في أي عمل خاص بالأديب الكبير . أصغيت أيضًا إلى
    حوار طويل على مدى ساعتين أذيع في الستينات ، وطبع في شريطين من خلال
    شركة صوت القاهرة التابعة لإتحاد الإذاعة والتليفزيون ، وعدت إلى ملاحظاتي
    الخاصة. هكذا أعددت برنامجًا دقيقًا، منظمًا، استوحيت خلاله قدرة محفوظ على
    الانضباط.
    وأستغرق العمل أكثر من عشرين ساعة على امتداد شهر كامل ، عملنا خلاله بلا
    توقف ، فيما عدا أيام الجمعة والخميس ، وعندما بدأت الكتابة حذفت الأسئلة ، إنه
    صوت ذاكرة محفوظ فقط الذي يروي ، إنني أستعيد تلك الأيام الحارة ، وعرة
    اليقظ ، بحنين ، فتلك الفرصة الأطول التي سنحت لي كي أنفرد بالمبدع العظيم ،
    الذي كان ومازال صديقًا ومعينًا ومؤنسًا ودلي ً لا بالنسبة لي.

    الطفولة

    عندما أرحل بذاكرتي إلى أقصى بدايات العمر، إلى الطفولة الأولى، أتذكر بيتنا
    في الجمالية شبه خال، أنجب والدي من قبلي ستة أشقاء، جاءوا كلهم متعاقبين،
    أربع إناث وذكرين، ثم تتوقف والدتي عن الإنجاب لمدة تسع سنوات. ثم . . أجئ
    أنا.عندما وصلت إلى سن الخامسة كان الفرق بيني وبين أصغر أخ لي خمس
    عشرة سنة ، البنات كلهن تزوجن تقريبًا فيما عدا واحدة لا أذكر أي شيء عن
    حياتها في البيت ، أما شقيقاي فقد تزوجا بالفعل ، أحدهما دخل الكلية الحربية
    وسافر للخدمة في السودان ، لهذا .. لا أتذكر في البيت إلا والدي ووالدتي ، لا
    أذكر أن أي إنسان آخر شاركنا البيت إلا الضيوف ، عمتي ، ابنة عمتي ، ناس
    من الخارج ، أغلب حياتي في بيتنا كأني طفل وحيد ، لكن طبعًا كنا نزور الأشقاء
    في بيوتهم ، لهذا إذا ما حاولت استرجاع ذكرياتي عنهم ، فإنني أتذكرهم في
    بيوتهم وليس في بيتنا. كانت علاقتي بهم علاقة الصغير بالكبار، أساسها
    الأدب والحشمة، لم أعرفهم كأشقاء أعيش معهم حياتهم اليومية، ألعب معهم،
    أضحك معهم، ولذلك كانت علاقة الأخوة من العلاقات التي أتابعها في حياتي
    باهتمام، فيما بعد كان من أصدقائي أشقاء، كنت أتابعهم، أسأل نفسي: ترى .. لو
    أن إخوتي قاربوني في السن، كيف ستمضى علاقتي معهم؟ كان من بين
    أصدقائي ثلاثة أشقاء، كانوا دائمًا يلعبون معًا، يذهبون إلى النزهة معًا، يضحكون
    معًا، كنت أتابعهم وأسأل نفسي: هل كنت سأصبح مثلهم؟ .. كنت محرومًا من
    الإحساس بالأخوة ..
    لهذا تلاحظ دائمًا أنني أصور في كثير من أعمالي علاقات أخوة بين أشقاء ، وهذا
    نتيجة لحرماني من هذه العلاقة ، يبدو هذا في الثلاثية ، في بداية ونهاية ، في
    خان الخليلي ..
    لم أجرب هذه العلاقة في الحياة الحقيقية ، كنت دائمًا أنظر إليها كشئ محرم أو
    مجهول، كنت أتمنى أن يكون لدى نفس العلاقات بين أصدقائي: الأخوة.



     


  2. #2
    Senior Member
    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    المشاركات
    160

    افتراضي

    اللعب

    طبعًا البيت يرتبط في ذكرياتي دائمًا باللعب، خاصة السطح، فيه مجال كبير
    للعب، فيه خزين، بط، فراخ، كتاكيت صغيرة، زرع في أصص، لبلاب، ريحان،
    ثم السماء الفسيحة. كنا نسكن بيتًا مستق ً لا، أو بالمعنى الدارج: بيت من بابه، ومن
    الممكن أن نطلق علية ( بيت رأسي ) بالمعنى الحديث، كان طابق يحتوى على
    حجرة صغيرة وأخرى كبيرة، ثم أخيرًا السطح.. حيث نجد غرفة صيفية، كنا ننام
    فيها خلال أيام الحر، كان البيت يتكامل إلى أعلى، يعنى في الطابق الأول غرفة
    الاستقبال، في الطابق الثاني غرفة الطعام، وهكذا.. ربما لصغر مساحة الأرض ،
    كنا أيضًا نلعب في الشارع ، مع أطفال وبنات الجيران ، كان البيت يقع في
    مواجهة قسم الجمالية ، يطل على ميدان بيت القاضي ، لكننا كنا نتبع مشيخة درب
    قرمز.
    كانت الحارة في ذلك الوقت عالمًا غريبًا، حيث تتمثل فيها جميع طبقات الشعب
    المصري، تجد مث ً لا ربعًا، يسكنه ناس بسطاء، أذكر منهم عسكري بوليس، موظفًا
    صغيرًا في ( كبانية ) المياه، امرأة فقيرة تسرح بفجل أو لب، وزوجها ضرير، لهم
    حجرة في الربع، وأمام الربع مباشرة تجد بيتًا صغيرًا تسكنه امرأة من أوائل
    اللواتي تلقين التعليم و توظفن، ثم تجد بيوت أعيان كبار، ثم بيت السكري، بيت
    المهيلى، بيت السيسى، وبيوتًا قديمة أصحابها تجار، أو من أولئك الذين يعيشون
    على الوقف، كنت تجد أغنى فئات المجتمع، ثم الطبقة المتوسطة، ثم الفقراء .. أنا
    لا أدرى ما هو شكل الحارة الآن، ولعلك أنت تعرفه لأنك عشت في المنطقة حتى
    السبعينات، كان الجميع يختاطون في رمضان ، كانت بيوت الأثرياء تفتح
    (المنادر) للفقراء، كان يمكن لأي شخص من أهل الحارة أن يدخل ويأكل حتى
    الغرباء، لقد شاهدت اندثار هذه التركيبة للحارة المصرية في الثلاثينات، العائلات
    الثرية هاجرت إلى العباسية الغربية، أما العائلات المتوسطة التي أنتمي إليها فقد
    رحلت إلى العباسية الشرقية، كانت هناك تكية أيضًا، وكان فيه الناس من العجم أو
    الأتراك كنا نراهم من بعيد.
    من معالم طفولتي أيضًا، الكتاب. كان النظام التعليمي وقتئذ يقضى بأن نذهب أولا
    إلى الكتاب، ثم نلتحق بالمرحلة الابتدائية، علمنا الشقاوة، ولكنة علمنا مبادئ الدين،
    ومبادئ القراءة والكتابة، كان مختاطًا للجنسين، كان مقر الكتاب في حارة
    الكبابجي، بالقرب من درب قرمز، لا أدرى ماذا يحوى الآن؟ ربما كنت تعرفه،
    ذهبت إلية في الرابعة، لكن الغريب أنني في هذه السن المبكرة بدأت أرى أشياء
    أخرى خارج الحارة، تذكر أنني حدثتك من قبل عن غرام والدتي بالآثار، كثيرًا ما
    ذهبنا إلى الأنتيكخانة، أو الأهرام، حيث أبو الهول، لا أدرى سر هوايتها تلك حتى
    الآن! كنا نخرج بمفردنا، وأحيانا مع الوالدة، تجرني في يدها، ونمضى إلى
    الأنتيكخانة، خاصة حجرة المومياءات، زرناها كثيرًا، كانت أمي تتمتع بحرية
    نسبية، وبعكس ما تبدو علية ( أمينة ) في الثلاثية، التي لم يكن مسموحًا لها
    بالخروج إلا بإذن من أحمد عبد الجواد. تسألني، من أين إذن استوحيت شخصية
    أحمد عبد الجواد ؟
    إنني أذكر هنا أسرة كانت تسكن في مواجهتنا، كان البيت مغلقًا باستمرار، نوافذه لا
    تفتح أبدًا، ولا يخرج منة إلا صاحبه، رجل شامي أسمه الشيخ رضوان، مهيب
    الطلعة، وكانت أمي تصحبنى لزيارة هذه الأسرة، وكنت أرى زوجة الرجل غير
    المسموح بخروجها، كنا نزورها، ولكنها لا تزورنا، لأنه غير مسموح لها، وكانت
    ترجو والدتي أن تتردد عليها، كان لي أصدقاء كثيرون من الأطفال، وفيما بعد،
    عندما انتقلنا إلى العباسية، وكان عمري اثنتي عشرة سنة، أصبحت على صلة
    ببغضهم، ثم اختفوا جميعًا عنى في زحام الحياة، جميع أصدقاء طفولتي، فيما عدا
    واحد التقيت به منذ عشرين أو خمس وعشرون سنه في ميدان الجيش أثناء توجهي
    إلى مقهى عرابي، كانت قد مضت سنوات عديدة، طويلة، ولم ير أحدنا صاحبه،
    لكننا تعرفنا إلى بعضنا، ثم اختفى، ولم أره بعد ذلك أبدًا، وهكذا ضاع أصدقاء
    طفولتي في الزمن وزحام الحياة.
    كانت والدتي تصحبنى معها دائمًا لأنني الوحيد، تصحبنى في زياراتها إلى الأهل،
    والجيران، وهكذا رأيت كثيرًا من مناطق القاهرة: شبرا، العباسية. كثير من المناطق
    التي تقع في قلب القاهرة الآن كانت حدائق و حقو ً لا..

    الوالد

    كان والدي يتحدث دائمًا في البيت عن سعد زغلول، ومحمد فريد، ومصطفى
    كامل، ويتابع أخبارهم باهتمام كبير، كان إذ يذكر اسم أحد من هؤلاء فكأنما
    يتحدث عن مقدسات حقيقية، كان يتحدث عن أمور البيت مع أمور الوطن في
    وحدة واحدة، كل حدث صغير في حياتنا اليومية كان يقترن بأمر عام، فهذا الأمر
    وقع لأن سعدا قال كذا، أو لأن السراي، أو لأن الإنجليز ..، كان والدي يتكلم
    عنهم بحماس وكأنه يتحدث عن خصوم شخصيين أو أصدقاء شخصيين، كان
    والدي موظفًا، وعندما وصل إلى السن الذي يستحق فيه المعاش استقال، كان
    موظفًا طبقًا لكادر قديم لا نعرف عنه الآن شيئًا، بعد استقالته عمل مع أحد
    أصحابه التجار، كان صديقه تاجرًا كبيرًا يسافر كثيرًا إلى بورسعيد ...
    كان البيت لا يوحى بأنه من الممكن أن يخرج منه أي إنسان له صلة بالفن،
    الثقافة الوحيدة في البيت ذات طابع ديني، وصلته بالحياة العامة ذات صبغة
    سياسية، كان والدي صديقًا للمويلحي، وقد أهداه نسخة من كتاب (حديث عيسى بن
    هشام) .. نسخة أذكرها جيدًا ..
    ما تبقى
    لا أذكر أبدًا أيا من زملائي في الكتاب، أو المدرسة الابتدائية التي كانت مواجهة
    لمسجد الحسين، التي يوجد فيها ساعة أثرية. من هذه المدرسة رأيت المظاهرات،
    كانت المنطقة دامية، يمكنك القول إن أكبر شئ هز الأمن الطفولي هو ثورة
    ١٩١٩ ، شفنا الإنجليز، وسمعنا ضرب الرصاص، وشفت الجثث والجرحى في
    ميدان بيت القاضي، شفت الهجوم على القسم.
    كيف أنظر إلى طفولتي الآن؟
    لقد انعكست حياتي في الطفولة في الثلاثية إلى حد ما، وفى( حكايات حارتنا)
    بشكل أكبر، كانت طفولة طبيعية، لم أعرف الطلاق، أو تعدد الزوجات، أو اليتم،
    طفولة طبيعية بمعنى أن الطفل نشأ بين والدين يعيشان حياة هادئة مستقرة، لم يكن
    أبى سكيرًا، أو مدمنًا للقمار، لم يكن شديد القوة، مثل هذه الأمور لم يكن لها
    وجود في حياتي، حتى ما يكدر أخفى عنى، كان المناخ الذي نشأت فيه يوحى
    بمحبة الوالدين، ومحبة الأسرة، وكنت أقدس الوالدين والأسرة، كان الخيط الثقافي
    الوحيد في الأسرة هو الدين. في سنة ١٩٣٧ توفى والدي عن خمسة وستين عامًا،
    كنت أعيش مع والدتي في العباسية، التي انتقلنا إليها منذ عام ١٩٢٤ تقريبًا، لكن
    المكان الذي بقيت مشدودًا إلية، أتطلع إلية دائمًا هو منطقة الجمالية.
    فارقت منطقة الجمالية إلى العباسية وعمري اثنا عشر عامًا، وكان لانتقالنا إلى
    العباسية تأثير كبير على حياتي، ولم تكن العباسية التي انتقلت إليها في تلك السن
    المبكرة تشبه العباسية الحالية. الآن، تقوم المباني في كل مكان، والشوارع تتقاطع
    وتتجاور، لكن عباسية زمني القديم كانت تحوى الكثير من الخضرة، والقليل من
    المباني، كانت البيوت صغيرة من طابق واحد، وكل بيت تحيطه حديقة، ثم تمتد
    الحقول حتى الأفق، كان والدي يصحبنى مع والدتي إلى منطقة حدائق القبة، فيما
    يلي كوبري الحدائق، وهناك نركب تروللى صغيرًا يمشى فوق قضبان، يوغل بنا
    في الحدائق، كان السكون عميقًا، والمنطقة كبيرة جدًا لا تحوى إلا عددًا قلي ً لا من
    القصور، كل هذا راح، الحدائق اختفت، والمباني ملأت المكان، لم تكن العباسية
    برغم ذلك منفصلة تمامًا عن الحي القديم. الغريب أن أصدقائي، أصدقاء العباسية،
    أصدقاء الصغر، استمرت علاقتي بهم حتى هذه اللحظة، باستثناء الذين انتقلوا إلى
    رحمة الله، حتى بع أن فرق بيننا المكان، أحدهم إلى المعادى، وآخر إلى الهرم،
    لكننا، عندما نلتقي، حتى بعد انقطاع زمني، فكأننا نستأنف لقاء لم ينقطع إلا
    بالأمس فقط، كان أصدقاء العباسية مجموعة متناقضة، فيها كل نوعيات البشرية،
    من أسماها إلى أدناها، لكنني كنت صديقًا للكل، كلهم شخصيات لا تنسى، ولم تهن
    العلاقات، حتى بالبعد، وهذا غريب!


  3. #3
    Senior Member
    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    المشاركات
    160

    افتراضي

    نقطة انطلاقي

    من أصدقاء العباسية الذين انتقلوا إلى رحمة الله، المرحوم فؤاد نويره، والمرحوم
    أحمد نويره، وهما من شلة العباسية، وهما أشقاء الموسيقار عبد الحليم نويره.
    كانت صداقتي للكبير، أحمد، أما عبد الحليم نويره فكان يتردد علينا من حين إلى
    أخر، كان أصغر إخوته، رحلا في عمر مبكر، رحمهما الله.. كانت كل سهراتنا
    في منطقة الحسين، كنت أتردد على المنطقة بافتتان لا حد له، وتبلغ سهراتنا أجمل
    لياليها في رمضان، كنا نمضى إلى الحسين لنسمع الشيخ على محمود، ونقضى
    الليل كله حتى الصباح، كان ذلك أثناء دراستي، ثم أثناء وظيفتي، تعرف أنني لم
    أنقطع عن منطقة الحسين حتى أوائل السبعينات، عندما كنت التقى بك هناك، لكن
    تقدمي في العمر، وازدياد أزمة المواصلات، تسببا في عدم ترددي بانتظام، أضف
    إلى ذلك أن المكان نفسه تغير، الفيشاوي القديمة تهدمت، كان السهر في الفيشاوي
    حتى الصباح من أمتع ساعات حياتي، وكانت الليالي تجمع شخصيات عديدة. إن
    عدم ترددي على الجمالية يحزنني جدًا، أحيانًا يشكو الإنسان بعض جفاف في
    النفس، تعرف هذه اللحظات التي تمر بالمؤلفين، عندما أمر في الجمالية تنهال
    على الخيالات. أغلب رواياتي كانت تدور في عقلي كخواطر حيه أثناء جلوسي
    في هذه المنطقة، يخيل لي أنه لابد من الارتباط بمكان معين، أو شئ معين، يكون
    نقطة انطلاق للمشاعر والأحاسيس، خذ مث ً لا كتابًا الذين عاشوا في الريف، مثل
    محمد عبد الحليم عبد الله، أو عبد الرحمن الشرقاوي، ستجد أن الريف هو حجر
    الزاوية في أعمالهم ومنبع أعمالهم، نعم.. لابد للأديب من شئ ما، يشع ويلهم..
    دراسته الجامعية
    تخرج الأستاذ نجيب محفوظ من كلية الآداب- قسم الفلسفة- جامعة القاهرة عام
    ١٩٣٤ . وعندما سألناه عن ذكرياته في الجامعة قال الأستاذ انه عندما تقدم إلى
    كلية الآداب كان الممتحن الدكتور طه حسين وعندما سأله عن السبب الذي دفعه
    إلى اختيار قسم الفلسفة أجاب معبرا عن بعض أفكاره عندئذ قال العميد:
    " " أنت بتتكلم كلام مفهوم ٠٠ روح الفلسفة ٠٠
    يقول محفوظ إن قسم الفلسفة لم يكن ملتحقا به إلا أربعة فقط كانوا يشكلون الدفعة
    التي دخلت عام أربعة وثلاثين وهم: توفيق الطويل، عبد الهادي أبو ريده، على
    عيسى، قال إن توفيق الطويل كان قريبا جدا منه وانه عندما توفى بكى تأثرا كان
    القسم لا يضم إلا هؤلاء وكان يتردد عليه للاستماع إلى المحاضرات بعض طلبة
    الأقسام الأخرى ومنهم المرحوم رشاد رشدي. لم يكن هناك ظاهرة الأعداد الكثيفة
    التي تزدحم بها الجامعة الان ٠ يتوقف قليلا ويبتسم قبل أن يشرع في الحديث
    نعرف على الفور انه سيروى أمرا ما:
    " قسم الاجتماع كان فيه طالبه واحده اسمها إحسان لا اذكر الاسم الثاني وكان
    يدرس لها حوالي عشرة أساتذة ومعيدين، كانت الأساتذة أكثر من الطلبة ٠

    الوظيفة

    عدت إلى الجمالية كموظف، عندما عملت في مكتبة الغوري، وأشرفت على
    مشروع القرض الحسن، كان ذلك في أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينات، كنت
    أعمل في مكتب الوزير، وزير الأوقاف، وحدث أن تغيرت الوزارة، طلبوا منى
    أن أختار مكانًا مختلفًا لأعمل فيه، اخترت مكتبة الغوري في الأزهر، دهشوا طبعًا
    لأن هذا مكان لا يختاره موظف لبعده والإهمال الذي يحيط به، لكنني كنت
    أرمى إلى هدف آخر، لقد قضيت شهورًا من أمتع فترات حياتي في مكتبة
    الغوري، في هذه الفترة مث ً لا قرأت (مارسيل بروست): ( البحث عن الزمن
    الضائع)، وكنت أتردد بانتظام على مقهى الفيشاوي في النهار، حيث المقهى
    العريق شبة خال، أفكر وأتأمل، كنت أمشى في الغورية أيضًا، لقد انعكست هذه
    المنطقة في أعمالي، حتى عندما انتقلت بعد ذلك إلى معالجة موضوعات ذات
    طبيعة فكرية، أو رمزية، عدت أيضًا إلى عالم الحارة، إن ما يحركني حقيقة عالم
    الحارة، هناك البعض يقع اختيارهم على مكان واقعي، أو خيالي، أو فترة ما من
    التاريخ، لكن عالمي الأثير هو الحارة، أصبحت الحارة خليفة لمعظم أعمالي، حتى
    أعيش في المنطقة التي أحبها، لماذا تدور الحرافيش في الحارة؟ كان من الممكن
    أن تجرى الأحداث في منطقة أخرى، في مكان أخر له طبيعة مغايرة، إنما اختيار
    الحارة هنا لأنه عندما تكتب عم ً لا روائيًا طوي ً لا، فإنك تحرص على اختيار البيئة
    التي تحبها، التي ترتاح إليها، حتى تصبح ( القاعدة حلوه )، أما الخلاء الذي يظهر
    في عالم الحارة، فاستوحيته من العباسية، أثناء سكنى في العباسية كثيرًا ما كنت
    أخرج إلى حدود الصحراء، إلى منطقة عيون الماء حيث كان الاحتفال يقام عادة
    بالمولد النبوي، هناك كنت أجد نفسي وحيدًا، خاصة أن هذا الخلاء كان على
    حافته المقابر، كان خلاء لا نهائيًا، عرفت العباسية مرحًا، وصحبه لا تعوض،
    كنت ألعب الكرة مع الأصدقاء، وكنت لاعبا جيدًا..
    الوظيفة

    دخلت الوظيفة سنة ١٩٣٤ ، وجدت انقساما حادا في حياتي، الوظيفية شيء،والأدب
    شيء، أحببت الوظيفة، وكنت انوي عند بلوغي السنة التي استحق فيها معاشا
    كاملا أن أحيل نفسي إلي التقاعد، لكنني عندما وصلت إلي هذا اليوم كانت
    المتطلبات المادية أكثر، فبقيت في الوظيفة حتى بلوغي السن القانونية.
    لم تكن الوظيفة مملة، كنت أتعامل يوميا مع العديد من الناس ، ونماذج لا حصر
    لها، من أخصب فترات الوظيفة المرحلة التي عملت خلالها في وزارة الأوقاف،
    الأوقاف عدة وزارات في بعض، صحة، زراعة، دين، كنت تري المستحقين،
    ونوعيات مختلفة بدءا من حفيد السلطان عبد الحميد إلي فلاح فقير له حصة في
    وقف، كان فيها حاجات عجيبة، عاصرت الوظيفة في أطوار مختلفة، لم تكن هناك
    قوانين تحمي الموظف، أول قانون عملة أمين عثمان في وزارة النحاس سنة
    .١٩٤٢
    عندما نقلت إلي مكتبة الغوري كان ذلك بسبب تغيير وزاري، كنت علي صلة
    بأحد الوزراء، لم تكن صله عميقة وعندما حدث تغيير طلبوا مني أن اختار مكان
    أخر، طلبت النقل إلي قبة الغوري، ظنوا أنني احتج، ولكنني قلت لهم أنني سأكون
    سعيدا جدا، طبعا أنت تعرف أن القبة تضم مكتبة ضخمه، في هذه الفترة قرت
    مارسيل بروست، عملت أيضا فترة في مشروع القرض الحسن، فترة ممتعه.
    أول قصة يقرأها محفوظ وبداية حبه للقراءة
    في أحد الأيام رأيت أحد أصدقائي واسمه يحيى صقر يقرأ كتابا، رواية بوليسية
    عنوانها "ابن جونسون"، ويحيى هذا قريب لعبد الكريم صقر لاعب الكرة المشهور،
    سألته:
    ما هذا؟
    قال إنه كتاب ممتع جدا..
    استعرته منه، قرأته واستمتعت به للغاية، كان ذلك ونحن طالبة في السنة الثالثة
    الابتدائية، بحثت عن روايات أخرى من نفس السلسة، ثم تساءلت: إذا كان هذا ابن
    جونسون فأين جونسون نفسه؟ بحثت ووجدت سلسلة أخرى من الروايات بطلها
    الأب، كانت هذه أول روايات قرأتها في حياتي، كان عمري حوالي عشر سنوات،
    وكما قلت لك لم يكن هناك مناخ ثقافي في العائلة، والكتاب الأدبي الوحيد الذي
    رأيته مع أبي (حديث عيسى بن هشام) لان مؤلفة المويلحي كان صديقا للوالد،
    كنت اقرأ روايات جونسون على أنها حقائق، ولهذا كنت أكاد أبكى أو اضحك تبعا
    لتغير المواقف ٠من رواية إلى رواية ،من بوليسية إلى تاريخية، سارت قراءاتي،
    وبدأت التأليف وأنا طالب في المرحلة الابتدائية، تأليف من نوع غريب، كنت اقرأ
    الرواية وأعيد كتابتها مرة أخرى، بنفس الشخصيات مع تعديلات بسيطة، ثم أكتب
    على غلاف الكشكول، تأليف: نجيب محفوظ، وأختار اسما لناشر وهمي، أعدت
    كتابة روايات لسير ريدر هجارد، لتشارلس جارفس، كان التأليف دائما في
    الأجازات، هكذا بدأت كتابتي للرواية، طبعا مع ملاحظة الإضافات التي أضيفها
    من حياتي، من علاقاتي وخناقاتي مع الأصدقاء. وبدأت بعد ذلك التنقل في
    القراءة، حتى وصلت إلى المنفلوطي، ثم المجددين،قرأت أيضا للمفكرين، وكان
    المفكرون هم الذين يحظون بالاحترام في هذه الفترة، طه حسين، العقاد، وغيرهما،
    أما الأدب فقد اعتبرته هواية جانبية، كان الاحترام للفكر، للمقالات، للنقد،
    للعرض، وهذا أثار تساؤلاتي الفلسفية، كان العقاد يثير تساؤلات حول أصل
    الوجود، علم الجمال، من هنا جاء توجهي إلى الفلسفة، كما أنني كنت متفوقا في
    الرياضة والعلوم.


  4. #4
    Senior Member
    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    المشاركات
    160

    افتراضي

    درس الفلسفة لاهتمامه بسر الوجود

    كان اتجاهي معروفا، إما إلى الهندسة، أو الطب، لهذا عندما فكرت في الفلسفة
    انزعج والدي انزعاجا شديدا، كذلك انزعج المدرسون، لأنني كنت ضعيفا في
    المواد الأدبية، أحد أساتذتي واسمه بشارة باغوص- الله يرحمه- سألني مستنكرا:
    لماذا تؤذي نفسك.. ماذا تفعله بنفسك؟
    كان المدرسون يعرفون طلبتهم وقتئذ معرفة وثيقة، لأن الفصل لم يكن يضم إلا
    خمسة عشر، أو ستة عشر، كان المدرسون يراهنون على الطلبة، ويفخرون
    بالطالب الذي ينبغ. في البداية لم أكن أفكر إلا في الوظيفة من خلال الكرة، بمعني
    أن أحصل على وظيفة تمكنني من البقاء في القاهرة لأواصل لعب كرة القدم، وبعد
    أن تركت الكرة بدأت أفكر في أن أصير طبيبا، أو مهندسا، لأنني قوي في
    الرياضة والعلوم، هذا هو السبب الوحيد، لكنني بعد أن بدأت أقرأ المقلات الفلسفية
    للعقاد ولإسماعيل مظهر، وغيرهما، وبدأت قراءاتي تتعمق، تحركت في أعماقي
    الأسئلة الفلسفية، وجدت أن هذه هي همومي، وخيل لي أنني بدراستي للفلسفة
    سأجد الأجوبة الصحيحة، ألا يصبح الدارس للطب طبيبا، والدارس للهندسة
    مهندسا؟ إذن فدراستي للفلسفة سوف تجيب على الأسئلة التي تعذبني. خيل لي
    أنني سأعرف سر الوجود، ومصير الإنسان، يعني بعد تخرجي، سأخرج ومعي
    سر الوجود، وكنت أدهش، كيف يتجاهل الناس سر الوجود في قسم الفلسفة
    ويدرسون الطب أو الهندسة، بالطبع والدي صدم، وعندما قوبل بإصراري، قال
    لي: ادخل الحقوق مثل ابن عمك، وابن عمتك، لتتخرج قاضيا، أو مستشارا، لكن
    أي مستشار، أي قاض؟ إنني أريد سر الوجود؟ هل أنت منتبه إلى سذاجة الفكرة؟
    كما تتعلم الطب، ستتعلم سر الوجود...
    ذات ثلاثاء جرى حديث عن الفلاسفة سال زكى سالم:
    "يقول الدكتور عاطف العراقي انه ليس لدينا فلاسفة إنما أساتذة فلسفه هل توافقه
    على ذلك؟".
    قال محفوظ:
    "نعم لقد ولى عصر الفلاسفة الكبار واعتقد أن آخرهم هيجل الألماني ما تلا ذلك لا
    نجد بينهم من يطاوله قامة".
    قال زكي:
    "هناك من يعتقد أن ابن رشد آخر الفلاسفة العرب والمسلمين..."
    قلت:
    "الحقيقة هناك فيلسوف عظيم بعده لكنه غير مشهور في العالم العربي، إنه الملا
    صدر الدين الشيرازي، والذي جمع فلسفة ابن سينا وحكمة الإشراقيين..".
    قال عماد العبودي:
    "لكنه فارسي..""
    قلت:
    "له مؤلفات بالعربية، وابن سينا كان من بلاد ما وراء النهر، الحقيقة أن معظم
    فلاسفة المسلمين جاءوا من هناك.. الملا صدر الدين متعارف على أنه آخر
    الفلاسفة العظام، وهناك رسالة علمية لدرجة الدكتوراه أعدها عنه الشيخ محمود
    عبد الفضيل وكيل كلية أصول الدين بالأزهر الآن..".
    قال محفوظ:
    "هل تقرأ علينا الأسبوع القادم بعضا من أفكاره؟"
    "بإذن الله يا أستاذ..".

    الصراع بين الأدب والفلسفة

    مشيت في حياتي بدون مرشد، وكان أفراد عائلتنا من أصحاب المهن، طبيب،
    مهندس، قاض، لم يكن أحداهم يهتم بالأدب، من كان سيدلني؟ ولم يكن السؤال
    ممكنا، إلى من أتجه؟ إلى العقاد مثلا؟ هنا يبدو جانب انطوائي، لقد عشت أقرأ
    للعقاد ولم أره، طه حسين لم ألتق به أبدا إلا عندما دعانا المرحوم يوسف السباعي
    لمقابلته في نادي القصة. كنت أعتقد أن الأدب نشاط سري، نشاط أسلي نفسي به،
    حتى استفحل المر كالداء، وحتى بدا الصراع بعد حصولي على الليسانس.
    الصراع بين الفلسفة والأدب، وفي السنة الأخيرة لدراستي أدركت ميلي الحاد إلى
    الأدب، أردت التخصص في الأدب إلى جانب الفلسفة، ولكن المرحوم عباس
    محمود أخبرني أن هذا مستحيل لمخالفته النظم المعمول بها وقتئذ، أثناء إعدادي
    لرسالة الماجستير وقعت فريسة لصراع حاد، كل ليلة أتساءل: فلسفة أو أدب؟ كان
    صراعا حادا من الممكن أن تكون له عواقب خطيرة، استمر ذلك حتى سنة
    ١٩٣٦ ، حسمت الحيرة المعذبة لمصلحة الأدب، وهنا شعرت براحة عميقة، راحة
    لا مثيل لها، ولكن ظهرت أمامي صعوبة من نوع جديد..

    الأدب

    كيف تشمل ثقافتي كل ما فاتني؟
    الوقت محدود، عملت موظفا، وكان أمامي الكثير، لهذا بعد تخرجي والتحاقي
    بالوظيفة استمررت أعمل في البيت وكأنني لا أزال طالبا، وهذا جعل والدي
    مهموما بي ، كان يقول لي: كأنك لم تتخرج، أراك جالسا على المكتب ليلا
    ونهارا، أقول لك هل ستحصل على الدكتوراه، تقول لي "لا" .. إذن لماذا ترهق
    نفسك؟ كان هم والدي لأنني أعمل وقتا طويلا، كان إحساسي أن الزمن محدود،
    وفي نفس الوقت أريد أن أقراء في الدب، في العلم، في التاريخ، أريد أن أستمع
    إلى الموسيقى، وفي نفس الوقت أكتب، أكتب بجدية، في السنوات التي سبقت ذلك
    كنت أكتب المقال في العديد من المجلات، كنت أيضا أكتب القصص القصيرة،
    ولكنني كنت أنشر في مجلات مجهولة، أقصد القصص، يعني أجد مجلة محدودة،
    تعيش على الإعلانات، أبادر بإرسال قصة لها، ولذلك كان من أهم أيام حياتي يوم
    أن نشرت لي قصة في مجلة "الرواية"، ربما أقول إنه من يوم حصولي على جائزة
    الدولة التقديرية، كذلك يوم نشرت في "المجلة الجديدة" لسلامة موسي، أنا لم أكتب
    القصة القصيرة بهدف كتابة القصة القصيرة، أنا كتبت روايات، ودرت بها على
    الناشرين الذين رفضوا نشرها، ولأنني كنت أريد أن أنشر فقد كتبت القصة
    القصيرة، نعم هذا هو الدافع إلى كتابة القصة القصيرة، وهنا لاحظ شيئا هاما، وهو
    أنني أخذت موضوعات بعض هذه القصص من الروايات، لكن العكس هو
    الصحيح، غير أن أول كتاب نشر لي لم يكن له علاقة بالأدب، كنت طالبا بالثانوي
    عندما شرعت في ترجمة كتاب "مصر القديمة" لجيمس بيكي، وذلك بهدف تقوية
    نفسي في اللغة، ثم أرسلته إلى المرحوم سلامة موسى لنشرة كمقالات، وفوجئت
    في أحد الأيام بأحد الأشخاص يطرق الباب ويسلمني نسخة من الكتاب مطبوعة،
    كان سلامة موسى قد طبعة كهدية إلى القراء كبديل عن شهرين تتوقف فيهما مجلة
    "المجلة الجديدة" التي كان يصدرها. عرفت في هذه السنوات سلامة موسى، لكنني
    لم أرتبط بعلاقة وثيقة به. كنت أرسل له مقالات لنشرها، وطلبني لمقابلة، وعندما
    ذهبت إليه صدم؛ إذ وجدني تلميذا بالجامعة، لهذا أصبح نشر المقالات اقل
    وأصعب، فيما تلا ذلك اللقاء يبدو انه كان يظنني خريجا، أو رجلا كبيرا، لقد
    نشرت العديد من المقالات، كان معظمها مجرد تعريف بموضوعات فلسفة، أو
    تلخيص لبعض ما كنا ندرسه في الجامعة، ولهذا رفضت تماما أن أجمعها في
    كتاب.

    التكوين والكتابات الأولى

    بعد حسمي للصراع بين الفلسفة والأدب، وجدت نفسي في مواجهه مشكلة كبري،
    كان عمري وقتئذ خمسا وعشرين سنة، وعلى أن أضع نظاما لدراسة الأدب،
    والاستمرار في الإطلاع على الجوانب المختلفة للثقافة العامة، ماذا أفعل؟ هل أبدا
    من الأدب الإغريقي واستمر في القراءة؟ هل أتابع العصر الحديث، وأعود من
    حين لآخر إلى أدب العصور القديمة؟ كان اطلاعي على الدب الحديث له أولوية،
    فبدأت منه، كنت بلا مرشد، طبعا وجدت صعوبة، ولم يكن هناك حركة ترجمة
    واسعة، لهذا قرأت العمال العالمية في اللغة الإنجليزية، قرأت "الحرب والسلام"
    لتولستوي، و"الجريمة والعقاب" لدستويفسكي، قرأت في القصة القصيرة لتشيكوف،
    وموباسان، في نفس الوقت قرأت لكافكا، وبر وست، وجويس، أحببت شكسبير،
    أحببت سخريته، وفخامته، ونشأت بيني وبينه صداقة حميمة وكأنه صديق، كذلك
    أحببت يوجين يونيل، وإبسن، وستدرندبرج، وعشقت "موبي ديك" لميلفيل، أعجبني
    "دوس باسوس"، ولم يعجبني همنجواي، كنت في دهشة من الضجة الكبيرة
    المحيطة به، أحببت من أعماله"العجوز والبحر"، وجدت فولكنر معقدا أكثر من
    اللازم، وأعجبت بجوزيف كونراد، وشولو خوف، وحافظ الشيرازي، وطاغور،
    وهنا تلاحظ أنني لم أتأثر بكاتب واحد، بل أسهم هؤلاء كلهم في تكويني الأدبي،
    وعندما كتبت لم أكن أقع تحت تأثير أحداهم، ولم تبهرني الانجازات التكتيكية
    الحديثة، تخيل لو أنني كنت تأثرت بجويس وحاولت أن انهج في تيار الوعي، لقد
    قرأت يوليسيس في أواسط الثلاثينيات.. لكنني عندما بدأت الكتابة كنت اطرح هذا
    كله، وانهج منهجا واقعيا..

    الواقعية

    كنت أكتب طبقا للمنهج الواقعي، في نفس الوقت الذي كنت أقرأ أعنف الهجوم
    على الواقعية، كنت بلا مرشد، وبلا دليل، وكنت أكتب وفق منهج أقرأ السخرية
    منه، أقرا نعيه، لكنني الآن أعتقد أن إدراكي كان سلميا، وكان مما يزيد المر
    صعوبة إننا نفتقد التراث الروائي في الأدب العربي.

    التراث

    كنت أقرا الكتاب المصريين المعاصرين، لكنني كنت أعرف أن القصة أو الرواية
    بالنسبة لهم على هامش حياتهم، "عودة الروح" أعجبتني كعمل أدبي، ولكنني
    وجدت أنها اقرب إلى المسرح منها إلى الرواية..
    لم ..لم يكن هناك تراث روائي يمكن أن ارتكز عليه..
    كان أصحاب الروايات نفسها لا يعترفون بها، الدكتور طه حسين يكتب رواية في
    الصيف، لكن من طه حسين؟ إنه المفكر. العقاد يكتب سارة، لكن من هو العقاد؟
    إنه المفكر، بل إن العقاد كان يحتقر القصة والرواية. إذا كان هؤلاء بأنفسهم
    يحتقرون الرواية، فكيف ستلتفت إليها من خلالهم؟
    كنت اعمل في أرض شبه خالية، وعلى أن اكتشف بنفسي وأمهد أيضا..
    من روافد قراءاتي الهامة: التراث العربي، وقد عرفته في سن مبكرة، عندما
    درست في المرحلة الثانوية بعض عيون التراث العربي، مثل الكامل للمبرد،
    والأمالي لأبي على القالي، وكان ذلك بفضل مدرسي اللغة العربية المعممين،
    وظهر أثر ذلك في موضوعات الإنشاء،كان مدرس اللغة العربية اسمه الشيخ عبد
    الهادي، يقرا موضوعاتي في الإنشاء ويشيد بالألفاظ العربية القديمة".. شوقوا
    الأسلوب، شوفوا الكلام اللي ما حدش يقدر يفهمه".. وقرأت الشعر العربي القديم،
    لكنني يجب أن أعترف أنني لم أقرأ التراث بانتظام..


  5. #5
    Senior Member
    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    المشاركات
    160

    افتراضي

    التاريخ

    بعد أن حسمت الصراع بين الأدب والفلسفة، كنت أفكر فيما يجب أن اكتبه، وفي
    هذا الزمن كانت الوطنية متأججة، والدعوي إلى إعادة المجاد الفرعونية، كنت
    قرأت في تاريخ مصر، وكانت هناك كتب قيمة في هذا الوقت، قررت أن أكرس
    حياتي لكتابة تاريخ مصر بشكل روائي ، واستخرجت حوالي خمسة وثلاثين أو
    أربعين موضوعا، حتى أن الشيخ مصطفي عبد الرازق قال لي "هذا يشبه ما فعله
    جرجي زيدان". هذا ما كنت قد خططت له. لكن هذه الرغبة، أو هذا الدافع مات
    بعد رواية " كفاح طيبة"، ماتت الرغبة كما حدث فيما بعد إثر انتهائي من كتابة
    الثلاثية، مات التاريخ، ما الذي أحياه، ما السبب في موته؟ لا أدري، استوحيت
    رواية "رادوبيس" ورواية "عبث الأقدار" من أسطورتين، أما كفاح طيبة" فكانت
    انعكاسا للظروف التي تمر بها مصر وقتئذ، لهذا تجد الجوانب التاريخية عندي
    ضعيفة، وعندما تقرر منحي جائزة عن رواية "رادوبيس" كلمني في التليفون أحمد
    أمين، قال لي: أريد أن أسألك سؤالا، لماذا وضعت عجلات حربية في رادوبيس؟
    قلت: أعرف أن العجلات الحربية دخلت مع الهكسوس، ولكنني أردت استخدام
    الخيال، وأنا اعرف ما أقوم به.

    العلم

    إنني شغوف بقراءة العلم.
    قرأت هذه الكتب التي تلخص نظريات العلم وتبسطها للناس، بل أقول إن قراءة
    العلم أهم عندي أحيانا من الأدب، إن الدب يمنح المتعة والشكل وخبرة بالحياة،
    لكن بالنسبة للثقافة العامة تجدها في الفلسفة والعلم، ولاحظ أن القراءة في العلم
    تختلف عن الإيمان بالعلم، ويرجع الفضل في ذلك إلى المفكرين والكتاب الذين
    بشروا بالعلم، ومنهم سلامة موسى الذي نبهنا إلى دور العلم في الحضارة
    الحديثة.ولو أن النظرة الآن إلى العلم تختلف عن النظرة إليه في القرن التاسع
    عشر، لاشك انه نزل عن كبريائه إذا صح القول مع أن إنجازاته تعاظمت.

    عادات القراءة

    إنني أقرأ في العلم إلى جانب الأدب والفن، لهذا تجدني أقرأ أكثر من كتاب في
    وقت واحد، لدى نهم حاد إلى القراءة لم يحد منه إلا مرض السكر الذي حد من
    نشاطي في العام الأخير عندما اضطررت نتيجة لأوامر الأطباء إلى العمل ساعة
    والراحة ساعة، ولأنني بدأت دراسة الأدب في سن متأخرة، لهذا لم أعاود قراءة
    عمل أدبي مرتين، كانت الرقعة واسعة جدا، ونهمي إلى الجديد لا يسمح بقراءة
    عمل مرتين، مثل "الحرب والسلام" لتولستوي، و"البحث عن الزمن الضائع".

    العقلانية

    لاشك أن قراءتي للفلسفة كان لها تأثير كبير فتما بعد، أشعر بهذا بشكل شخصي،
    بعض النقاد يقولون إن الرؤية الفكرية واضحة في أعمالي، فيها عقلانية، طبعا
    تعرف أن الأدب الأوروبي في القرن العشرين غلب علية الطابع الفكري، لم نصل
    نحن إلى ذلك في تقديري حتى الآن، إنما لا يخلو أدبنا من فكر، ولكن لا يقارن
    بأدب سارتر، أو كامى، كان الأدب في القرن التاسع عشر يعكس الواقع بشكل
    فني، الحياة بكل دوافعها، عواطفها وانفعالاتها، كذلك المتعة في القصص،
    والحكاية، تغير ذلك في القرن العشرين، هناك روايات تبدو وكأنها كتب فكرية،
    غلب الطابع الفكري على الخلق...

    العبث

    أنا لست عبثا ..هل تعرف ماذا يعنى العبث ؟
    إنه يعنى باختصار، أن الحياة لا معنى لها، والحياة بالنسبة لي لها معنى وهدف..
    إن تجربتي الأدبية كلها مقاومة للعبث، ربما كنت أشعر بدبيب عبث، لكنني أقاومه
    أعقلنه أحاول تفسيره، ثم إخضاعه، أحيانا يزحف الشعور بالعبث خاصة في
    لحظات اليأس و الضيق، الحياة من حولنا تبدو قاسية، حياتنا الشخصية في واقعنا
    المحلى تبدو أحيانا عبثية، بالضبط ..عبث اجتماعي كما تقول، لا معقول واقعي
    لا يضيع العبث إلا انتصار من نوع معين يرد الثقة إلى النفس.

    اللغة

    لم يكن نهمي إلى القراءة فقط، ولكنني كنت أحب اقتناء الكتب أيضا، فيما عدا
    كتب التاريخ النادرة التي كانت في دار الكتب، أو مكتبة الجامعة التي كانت أغنى
    من دار الكتب. قرأت معظم الأعمال العالمية في اللغة الانجليزية، وقرأت
    بالفرنسية أيضا، ولكن بالانجليزية أكثر، لم يكن ممكنا بالنسبة لي قراءة بروست
    في الفرنسية، قرأته بالانجليزية، لكنني قرأت أناتول فرانس في الفرنسية، أصعب
    شيء قراءة عمل أدبي في لغته الأصلية لأن الأسلوب الأدبي منمق، وأحيانا يكون
    صعبا، قراءة كتاب علمي أسهل، لأن الأسلوب واضح.

    المكتبة

    مكتبتي الآن موزعة إلى قسمين ..
    البيت القديم في العباسية، حيث يقيم ابن شقيقتي المهندس محمود الكردي، وبيتي
    في شارع النيل، السبب ضيق المكان، بعد زواجي نقلت إلى البيت الكتب
    الأساسية، ولأن المكان ضيق، والشراء مستمر، أصبحت أمتلك خزانة كتب
    وليست مكتبة، تصور أنني عندما أريد الرجوع إلى كتاب معين في مكتبتي لا
    أبحث عنه، الأسهل بالنسبة لي أن أشتريه من جديد، أصبح البحث صعبا لتكدس
    الكتب، لدى عدد هائل من الروايات، و الكتب العلمية، وفى مختلف المجالات،
    ومجموعة نادرة من كتب الفن، مثلا مؤلفات هربرت ريد، في كل كتاب خمسون
    أو ستون لوحة، لا تقدر بثمن الآن...
    نعم، كنت من الذين اشتروا نسخة من دائرة المعارف البريطانية عندما استوردتها
    دار المعارف لأول مرة، اقتنيتها لأنها مرجع في أي مجال قد أحتاج إليه، وأحيانا،
    بعد تعذر وصول الكتب الأجنبية الجديدة أقرأ في دائرة المعارف، خاصة عندما
    أفتقد شيئا جيدا..
    كنت في حالة قراءة مستمرة، ثلاث ساعات يوميًا، أقرأ بعد أن أكتب لأنني لو
    فعلت العكس لما استطعت النوم.
    كان نهمي إلى القراءة كبيرًا ...
    لكن جاء الحد من ساعات القراءة في العام الماضي نتيجة للحادث الذي تعرضت
    له كخبطة موجعة لي..
    إنني حقًا حزين، لكنني.. أحمد الله على أية حال، فلا زلت قادرًا على القراءة وإن
    كان الوقت أقل..

    بداية انتشار نجيب محفوظ ككاتب

    لا أدري لماذا سألته عن البدايات؟ ربما لأنني طالعت أمس الأول قصة نشرت له
    . في مجلة الرسالة عام ١٩٧٣
    قال: تعاملي مع الرسالة كان قليلا. كنت اذهب إلي مقرها في عابدين، كنت أري
    كبار الأدباء المتعاملين مع أحمد حسن الزيات، لكنني لم أقم أي علاقة معهم، رأيت
    الشيخ محمود شاكر، كان عصبيا جدا، وكان صوته مرتفعا، حتى هيئ لي أن
    الملك سوف يسمعه في قصر عابدين المجاور، غير أنني أقمت علاقات مع أبناء
    جيلي، السباعي الذي كان ينشر في مجلة (مسامرات الجيب)، وإحسان عبد
    القدوس وعلي ادهم. أول جنيه أخذته من مجلة الثقافة سهر به أصحابي في
    العباسية، أكلنا كبابا وكفتة، المعلم كرشو راح يصفق فرحا ويقول (والله الأدب
    بيجيب فلوس يا ولاد..).

    أول جنيه يكسبه محفوظ من الأدب

    لم أرسل قصة للنشر وتوقعت مقابلها عائدًا ماديًا قط، إلى أن اتصل بي أحد
    العاملين عند أحمد حسن الزيات وكان مشرفًا على الحسابات ، قال إنني تسببت في
    تعطيل الميزانية، لماذا ؟ لأنني لم أحضر لاستلام المكافأة ، أي مكافأة ؟ قال:
    الجنيه... مقابل القصة المنشورة في مجلة الرواية.
    كان هذا أول جنيه يدخل جيبي من الأدب، طرت فرحًا.


  6. #6
    Senior Member
    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    المشاركات
    160

    افتراضي

    حب واحترام وتواضع

    عندما صدرت روايتي "رادوبيس" سنة ثلاثة وأربعين عن لجنة النشر للجامعيين،
    أهديتها لكثيرين، من ردوا على شاكرين كانوا أربعة فقط: محمود تيمور، أحمد
    باكثير، زكى طليمات، وعادل كامل أمد الله في عمره، ودعاني محمود تيمور إلى
    غداء في مطعم على حسن القريب من ميدان الأوبرا، وكان معنا زكى طليمات،
    كان صديقًا لتيمور، وكان ذا شهية مفتوحة مكنته من أكل مطعم على حسن بما
    فيه.
    كان تيمور نبي ً لا، والده أحمد تيمور باشا العالم المعروف والباحث الكبير، ولكنه
    كان يميل إلى معايشة أبناء البلد. كانت قصصه رائدة، تمهد الطريق. كان
    يحب الكتابة عن الشوارع وأبناء الطريق، غير أن رؤيته كانت نظرة سائح عابر.
    في صباح أحد الأيام ذهبت إلى مقهى الفيشاوي مبكرًا ، كان المقهى في
    ساعات الصباح جمي ً لا، هادئًا وجدت محمود تيمور يجلس إلى مكوجى رجل
    أسمه البلاميطى، وكان البلاميطى ضخمًا، خشن الصوت، حافيًا، وكانا يفطران
    معًا فو ً لا وبص ً لا أخضر، ويتحدثان كأنهما أصدقاء منذ أول العمر.
    خلق رفيع لأديب عظيم
    يتحفظ كثيرا عندما نذكر أدباء آخرين ،أو نسأله رأيه في أحدهم، يصغى حذرا،
    ويجيب بجمل قصيرة ،سألته عن الأدباء المجايلين له، خاصة الذين بدأوا مع لجنة
    النشر للجامعيين، مثل المرحوم محمد عبد الحليم عبد الله، يوسف السباعي، على
    أحمد باكثير، عبد الحميد جودة السحار، إحسان عبد القدوس، كان سؤالي عن
    الفرق بين كاتب يحكى فقط، وكاتب أخر لديه رؤية شاملة للكون وللإنسان.
    يقول الأستاذ محفوظ:
    لا توجد علاقة حتمية بين ثقافة الأديب و أدبه،يعنى من الممكن أن يكون موهوبا
    وليس مثقفا، شكسبير مثلا لم يتعلم تعليما منتظما، لكنه قرأ ما أتيح له في عصره،
    وألم بالحكايات الشائعة، لابد أنه عرف المسرح الإغريقي، كثير من موضوعات
    مسرحياته كانت موجودة من قبل ،لكن موهبته الخارقة جعلته يقدمه بشكل مغاير.

    لقائه بطه حسين

    سألناه: هل عرفت طه حسين؟
    يقول إنه قرأ له قبل دخوله الجامعة، والتقى به شخصيًا مرتين، الأولى عند التحاقه
    بكلية الآداب، وأثناء الاختبار الذي يجرى للمتقدمين فوجئ أن الممتحن هو طه
    حسين شخصيًا. يقول الأستاذ:
    سألني: لماذا اخترت قسم الفلسفة ؟
    بدأت الإجابة برغبتي في معرفة سر الكون وأسرار الوجود، أصغى إلى جيدًا ثم
    قال ساخرًا: أنت جدير بالفلسفة فع ً لا لأنك تقول كلامًا غير مفهوم.
    أما المرة الثانية فكانت خلال الستينات عندما تم تسجيل حلقة تليفزيونية معه،
    وأظنها الحلقة الوحيدة.
    يصمت قلي ً لا ثم يقول:
    "لم يكن طه حسين مفكرًا وأديبًا عظيمًا فقط، لكنه كان صاحب دور".
    أحوال الثقافية عندما بدأ محفوظ في نشر كتاباته
    عدد كبير من القصص نشرته في أوائل الثلاثينات، معظمة لم تضمه مجموعة،
    كما أنني نسيت تمامًا المجلات التي كنت أرسل إليها قصصي، في هذا الزمن كان
    عدد المجلات الجادة في مصر أكثر من مجلات التسلية، بل إن الأخيرة كانت
    نادرة، كان عدد المجلات الجادة كبيرًا، تقدم التراث العالمي في الأدب، والتراث
    الحديث، لم يكن هناك أي مشكلة في تتبع مصادر الثقافة، أما المجلات العامة، مثل
    الصور، آخر ساعة، اللطائف المصورة، فمحدودة العدد والانتشار، ولم تتوسع هذه
    المجلات إلا بعد الحرب العظمى، كان عدد المتعلمين في مصر محدودًا، لكن من
    يقرأ يشكلون نسبة عالية، لو استمرت هذه النسبة مع ازدياد عدد المتعلمين، لو
    ظلت كما هي، لأصبح لك مثلا مائتي ألف قارئ، نعم.. مائتي ألف قارئ لك أنت
    بالذات، كان لكل جريدة صفحة أدبية يومية، ولكل جريدة عدد أسبوعي مستقل،
    مثل البلاغ الأسبوعي، والسياسة الأسبوعية، بخلاف المجلة الجديدة والمقتطف،
    والحديث...

    الكتاب الشعبي

    في سنه ١٩٤٣ ، بدأنا النشر في لجنة النشر للجامعين التي أسسها المرجوم عبد
    الحميد جودة السحار، وشقيقة كسعيد السحار أطال الله في عمره، كان الكتاب يطبع
    منه ألفا نسخة فقط، حتى أصدرت روز اليوسف سلسة الكتاب الذهبي، طبعة
    شعبية، طلبوني، ذهبت إلى سعيد السحار أخبره، لأنني كنت أخلاقيا ملتزما بطباعة
    كتبي عنده، وافق بشئ من الضيق، قال: انظر إلى كتبكم، طبعنا من كل كتاب ألفى
    نسخة فقط، بعض الكتب مضى عليها عشر سنوات، ولكن لازال متبقيًا منها في
    المخزن ما بين أربعمائة أو خمسمائة نسخة، فما بالك بكتاب سيطبع منه خمسة
    عشر ألفًا، بالطبع لن تصدر طبعة ثانية منه أبدًا.. المهم أننا اتفقنا، وسلمت روز
    اليوسف رواية (خان الخليلي)، وفوجئت بوضع جديد، لأول مرة يعلن عن كتاب
    لي، إعلانات متوالية، صورة كاريكاتورية للمؤلف وهو يقدم كتابة، شكل جديد من
    النشر، وإذا بالخمسة عشر ألف نسخة ينفذون في أسبوع، ليس ذلك فقط، ولكن
    المخزون من الكتب في مخزن سعيد السحار ينفذ، ثم يعاد طبع الروايات، وتباع،
    طبعة ثانية، ثالثة، رابعة، الكتاب الشعبي لم يقتل الطبعات الأخرى بل أحياها،
    كيف تفسر ذلك؟ لا أدرى. كان تفسيري أن عدد القراء كبير، وأن الطبعة الشعبية
    وصلت إليهم، وصلت إلى قراء كنا نجهل الطريق إليهم. كانت لجنة النشر
    للجامعيين تعلن بشكل محدود جدًا، مجرد إعلان صغير، لكن روز اليوسف قامت
    بحملة إعلانية كبيرة، وهذا وضع مستمر حتى الآن، فرق كبير أن تطبع كتابًا في
    دار نشر، وأن تطبعه في سلسة شعبية، إذا كان السحار له الفضل في طباعه
    كتبي، فإنني مدين بالانتشار إلى الكتاب الذهبي..

    ميلاد الثلاثية

    خطأ اقترفه محفوظ وندم عليه
    في الحقيقة إن فكرة الثلاثية جاءتني على دفعات، أستطيع تحديد اللحظات الأولى،
    كنت أقرأ في كتاب عن أجرومية الرواية، في الواقع أنا قرأت العديد من الكتب
    عن فن الرواية، أول ما تعرض له هذا الكتاب الرواية التي يسمونها رواية
    الأجيال، أو رواية الأزمان التي تعرض أجيالا عديدة متوالية، أعجبني الشكل، هنا
    كنت أقرأ عن نوع محدد من الرواية، هنا بدأت محاولة التذكر، عما إذا كنت قد
    قرأت عملا أدبيا من هذا النوع؟.... لا.... لم أكن قد قرأت، بالمناسبة.. هناك
    أشياء تقرأها ولا تستجيب لها، وهناك قراءات أخرى تتجاوب معها،ما تردد داخلي
    بقوة، ضرورة أن أكتب رواية من هذا النوع، ولكنني ترددت، مثل هذه الرواية في
    حاجة إلى تمرين طويل، وتفرع كامل، يعني إذا كان لدي مشروع رواية أفرغ منه
    أولا، مثل زقاق المدق، السراب، وفي هذه الأثناء أصدر طه حسين رواية "شجرة
    البؤس" وجدتها قريبة جدا من هذا النوع، أقصد رواية الأجيال، ولكنها قصيرة إلى
    حد ما، في هذه الفترة أخطأت خطأ كبيرا، لم أكرره بعد في حياتي، في هذه الفترة
    تحدثت كثيرا عن هذا النوع من الروايات، وأفضت في شرح أفكاري، ونيتي في
    كتابتها يوما ما، أحد الأدباء الذين استمعوا إلي ذهب وشرع في كتابة رواية من
    هذا النوع، أي رواية أجيال، وأصدرها بعد ستة شهور، منذ هذه التجربة تعلمت
    ألا أحكي شيء، أي تفاصيل عن مشروعاتي.
    المهم.. أعود إلى طه حسين، كانت شجرة البؤس رواية أجيال ولكنها صغيرة،
    سيطرت الفكرة علي تماما، وهنا بدأت أقرأ الروايات الكبرى التي تعرض
    للأجيال، قرأت "ملحمة أسرة فور سايت" لجولز ورثي، و"الحرب والسلام"
    لتولستوي و"آل بودنبروك" لتوماس مان، في لحظة معينة شعرت أنني وصلت إلى
    نقطة معينة امتلكت فيها زمام الموضوع، هنا نقطة لابد من توضيحها وهي أننا لم
    أعتد قراءة أعمال معينة قبل أن اكتب إحدى رواياتي، ولكن هذه الروايات كانت
    جزءا من ثقافتي واطلاعي، إن أعمالي تنتمي إلى المدرسة الواقعية، وهناك
    روايات لا حصر لها تمت إلى هذه المدرسة، لكن العمل الأدبي الوحيد الذي كتبته
    ولم أقرأ له شبيها، ولم أستطع تصنيفه في مدرسة معينة، هو "حكايات حارتنا"...

    شخصيات بين الواقع والخيال

    في السنوات التي سبقت الثلاثية كانت التفاصيل تتراكم من هنا وهناك، من جلسة،
    من حوار، من سهرة، إن تسعين في المائة من شخصيات الثلاثية لها أصول
    واقعية، بعضها من عائلتنا، بعضها من جيران، بعضها من أقارب، بالطبع
    الشخصية الواقعية تنسى، لأن الإبداع يحيلها إلى شخص آخر الأصل في الواقع
    ينسى، ولا يعرف تاريخيا إلا طبقا لتسجيلك أنت، الأصل لا يهم، وجدت أنها
    تجربة لا دخل فيها لشخصيتي، إن الثلاثية هي العمل الوحيد الذي يحتوي جزءا
    كبيرا من عقلي وقلبي، بعض الناس يقولون لي: أليس في شخصية أحمد عاكف
    شيء منك؟ وهذا غير صحيح على الإطلاق، أحمد عاكف شخصية حقيقية، كان
    موظفا في الجامعة، قرأ الرواية بعد صدورها ولم يعرف نفسه، لك يعرف أبدا
    أنني استوحيت بطل الرواية منه هو، وهذا يدلك على شيء غريب أيضا، رأي
    الإنسان في نفسه، ورأي الآخرين فيه ما أبعدهما عن بعض. كتبت الثلاثية وأنا في
    عنفواني، صبور، جلود، عمل كهذا كان يحتاج إلى صبر، إلى صحة، لو أنك
    رأيت أرشيف الثلاثية ستدرك مدى ما خططته من أجل كل شخصية، كل شخصية
    كان لها ما يشبه الملف، حتى لا أنسى الملامح والصفات، خاصة وأنا أعمل في
    كل سنة من أكتوبر إلى إبريل بسبب مرض الحساسية الذي يصيب عيني، كذلك
    التخطيط للرواية كلها بحيث تمضي في بناء متماسك، قسم كبير من الأوراق
    والكراسات، كتبتها في أكثر من أربع سنوات، بدقة وهدوء، بتأن، تحدوني الرغبة
    إلى أن أنهي شيئا جيدا.


  7. #7
    Senior Member
    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    المشاركات
    160

    افتراضي

    صراعه مع اللغة
    لم يكن الصراع مع اللغة قد بدأ بعد والذي واكب الأشكال الحديثة، كنت أكتبها
    بأسلوب هادئ بالمناسبة، فإن أكبر صراع خضته في حياتي كان مع اللغة العربية،
    منذ أول كتاب، في عبث الأقدار تجد أسلوبا قرآنيا، فكما تعلمنا .. إن الأسلوب لا
    علاقة له بالموضوع، وعندما جئت إلى الأدب الواقعي، كان الأمر صعبا ، كان
    الأسلوب لا يمشي في يدي، لا يطاوعني، دخلت في صراع بلا شعور بيني وبين
    اللغة، ربما لو كنت أدري أنني في صراع كنت فقدت الاتجاه، لكن الخناقة دارت
    في اللاشعور، كيف أذلل اللغة؟ كف أطوعها؟ كيف يكون الحوار مقبولا مع أنه
    فصيح، ولذلك إذا استعرضت بعض القصص الأولى ستجد أشياء مضحكة، على
    سبيل المثال ربما تجد شخصية في مقهى بلدي وتتحدث بأسلوب فصيح متقعر، لم
    يكن هناك مثال أحتذيه. كل العباقرة الذين سبقونا لم يكتبوا عن أحياء شعبية، وإذا
    كتب، فإنه يكتب الحوار بالعامية، ليست هنا مشكلة، وإنما أن تطور اللغة كي
    تصبح فنية وواقعية، فتلك مشكلة، وهذا أصعب ما وجدته، أو صادفته في حياتي
    الروائية، لم يكن هناك نموذج يحتذى.

    انشغاله بالثلاثية
    كانت الثلاثية شاغلي طوال السنوات التي عملت خلالها على إنجازها، وهنا أود
    أن أقول لك ملاحظة هامة، إذا كان عندك موضوع معين فلا تؤجله. لماذا؟ كان
    عندي موضوع عن مصر الحديثة بعد الثورة، لم أفكر فيها كثلاثية مع أنني كنت
    أخطط لها على هذا الأساس، في هذه الفترة لم يكن لدي الصبر أو الجلد أو الثقة
    بأن العمر سيسمح بإنجازها، أثناء كتابتي للثلاثية كان عندي إحساس يقيني أنني
    سأنهيها، طبعا من الممكن أن يموت الإنسان في أي وقت، ولكن هذا الإحساس
    أفتقده الآن، لا أعتقد أنه يمكنني المجازفة بعمل ضخم كهذا في مثل عمري الآن...

    انهيار بسبب الثلاثية
    سببت لي الثلاثية صدمة حادة ، عانيت منها كثيرًا.. فبعد أن كتبت عبث الأقدار،
    وبداية ونهاية، وخان الخليلي، والسراب، ورواياتي الأولى، وبعد أن انتهيت من
    الثلاثية، ذهبت بها إلى سعيد السحار، كانت الثلاثية رواية واحدة عنوانها (بين
    القصرين)، أما التقسيم إلى ثلاثة أجزاء فله قصة أخرى سأرويها لك بعد قليل،
    نظر سعيد السحار إلى الرواية، وتساءل: ما هذا؟ قلت رواية جديدة..( بين
    القصرين)، أمسك بالرواية، قلب صفحاتها الألف، قال.. كيف أطبع هذه؟ إن ذلك
    مستحيل..
    عدت إلى البيت وأنا في منتهى الحزن. شوف.. كان في مكتبي أحيانا ثلاث
    روايات لم تنشر، ولكنني لم أضق بذلك أبدًا. ولكن في هذه الليلة حدث لي انهيار..
    أبعد هذه السنوات من العمل، أبعد هذا الجهد الشاق لا أستطيع نشر أكبر وأعز
    عمل؟.. مررت بأيام يأس، وفى إحدى المرات كنت في نادي القصة، وتحدثت عن
    روايتي الضخمة التي فشلت في نشرها، وإذا بالمرحوم يوسف السباعي يطلبها
    منى، قال: نحن سنصدر مجلة، لا أذكر متى دار هذا الحديث بالضبط، قبل الثورة
    أم بعدها؟ لقد انتهيت من الثلاثية في أبريل ١٩٥٢ . يوسف السباعي أخذ منى (بين
    القصرين) كلها، وكانت نسخة مخطوطة، أي لم يكن لدى صورة منها، لم أكن قد
    نسختها على الآلة الكاتبة، نعم.. كان من الممكن أن تضيع، لو أن هذه النسخة
    الوحيدة فقدت من المرحوم يوسف السباعي لأى سبب لضاعت الثلاثية إلى الأبد،
    بعد الثورة وتغير الظروف، اتصل بي، قال: سنصدر مجلة، وسننشر الراوية. ثم
    صدرت (الرسالة الجديدة) وبدأ نشر بين القصرين. من الذي شعر بنجاح
    المسلسلة؟ سعيد السحار، قال لي إن الرواية ناجحة، ولكن صدورها في كتاب
    واحد مستحيل لأنها ضخمة جدًا، اقترح تقسيمها إلى ثلاثة أجزاء بدلا من ثلاث
    فترات، سألته: والاسم؟ قال: سمها ثلاثة أسماء. ومن هنا جاء عنوان (قصر
    الشوق) و(السكرية)، وأصبحت بين القصرين ثلاثية.

    نظرته للثلاثية الآن
    الحقيقة أنني لم أعد أنظر فيها، لم أقرأها مرة أخرى، ولكن يمكن القول بأن
    الثلاثية وأولاد حارتنا والحرافيش، هي أحب أعمالي إلى نفسي... في الثلاثية كما
    قلت جزء كبير من نفسي، يتمثل في شخصية كمال عبد الجواد، وكمال لم يدخل
    إلى الثلاثية اعتباطا، وليس لأنه جزء مني، ولكنه ظهر بهذه الصورة لأنه جزء لا
    يتجزأ من موضوع الرواية. الرواية قادمة من عصر كلاسيكي، ومتوغلة في
    عصر رومانتيكي، ومتجهة إلى عصر تحليلي، وفيها تلاقى الشرق بالغرب، ولكن
    ليس من خلال رحلة كتلك التي قام بها توفيق الحكيم، أو يحيى حقي، أو الطيب
    صالح، إنها تمثل الذي وجد الغرب وهو في الشرق، جاءت إليه مظاهر الحضارة
    فكان لابد من شرح هذه التغيرات في النفس وفي الروح وفي العقل، ولما كنت قد
    عانيت بسبب ذلك تجربة ضخمة، فكان من الضروري أن تنعكس في الرواية،
    وجدت أن أفضل من يمثلها جيل الوسط، بالطبع كان من المستحيل أن تجدها عند
    ياسين، كان من الممكن أن يمثلها فهمي، ولكن فهمي مات، إن أزمة كمال هي
    أزمتي، وجانب كبير من معاناته هي معاناتي،من هنا يجئ حبي للثلاثية، وحنيني
    إليها.

    مأوى محفوظ وحنينه
    مع تقدم العمر يشعر الإنسان ويدرك أن منشأه هو المأوى! كأنه يعيد دورة الحياة،
    إنه يقابل بعالم جديد يبدو لأول وهلة أنه ليس عالمه، لا يكفي أن تفهم عالما ما
    حتى يصبح عالمك الذي يخصك، إن المعايشة أعمق من ذلك، نحن نتجه إلى عالم
    جديد، هذا العالم يقينا لن أعيشه، أنا في نهاية مرحلة، أقول عمر، ما هي التجربة
    الحية المكتملة التي عشتها؟ ستجد أنها تتمثل في القديم، ليس بمعنى الرجوع إلى
    قيمه، أو بمعنى رفض الجديد، ولكن باعتباره المأوى الخاص بك، لأنك عايشته
    وفهمته، أما الجديد، الآتي فأنت تتمنى له الخير ولا شيء غير ذلك، لأنك لن
    تشارك فيه بنفسك، على سبيل المثال أنا عندي أولاد الآن، أدرك تماما أنهم
    سيعيشون حياة مختلفة، أدرك أنني لن أشارك فيها. لذلك في هذا الاضطراب، في
    هذه الدنيا الغريبة، يركن الإنسان إلى طفولته، إلى العمر الآمن الذي انقضى، من
    هنا قد أكون أجبت عن سؤالك حول حنيني إلى الحارة، ومصادر رواية
    الحرافيش، والقدرة على استعادة واقع انقضى... يخيل لي أن الإنسان كلما تقدم في
    العمر يتذكر طفولته أكثر، ويستعيد تفاصيل كان يخيل إليه أنها اندثرت، لماذا؟ لأن
    هذه الفترة عاشها حياة كاملة غير مرسومة.

    رغبة محفوظ في التفرد
    حنيني إلى الحارة جزء من حنيني إلى الأصالة، عندما بدأنا نكتب الرواية كنا نظن
    أن هناك الشكل الصح والشكل الخطأ، أي أن الشكل الأوروبي للرواية كان مقدسا،
    بتقدم العمر تجد أن نظرتك تتغير، وأنك تريد أن تتحرك من كل ما فرض عليك،
    ولكن بطرقة تلقائية وطبيعية، وليس لمجرد الخروج أو كسر الشكل عمدا، تجد
    نفسك تبحث عن النغمة التي تستخرجها من أعماقك، أيا كانت هذه النغمة، سواء
    عادت بك إلى القديم أو قادتك إلى المودرنيزم، أو عادت بك إلى الحدوتة، يعني
    كأنك تقول، ما هي الأشكال التي كتبوا بها، أليست طرقا فنية خلقوها هم؟ لماذا لا
    أخلق الشكل الخاص بي الذي أرتاح إليه؟ بالنسبة لي فيما يتعلق بالثورة على كل
    ما هو أوروبي أو تقليدي ازدادت خلال الخمسة عشر ة سنة الأخيرة، أصبحت
    ثقتي في نفسي أكثر، أصبحت أبحث عن النغمة التي أكتب بها من داخل ذاتي
    أكثر، اتجاهي إلى الحدوتة أحد معالم هذه المرحلة.
    إن ما أرجوه حقيقة من الجيل الذي يلينا، والذي قد يصل بنا إلى العالمية أن يكون
    أكثر إخلاصا بالنسبة لهذه النقطة، الإخلاص للذات، لأنه لا يجب أن يكون
    الموضوع فقط محليا، ولكن الشكل أيضا، يوم أن نحقق هذا، يمكن القول عندئذ
    أننا قدمنا أدبا عربيا صحيحا إلى العالم.

    الحارة
    في عام ١٩٢٤ ونجيب محفوظ يبلغ من العمر اثني عشر عاما، انتقلت أسرته من
    البيت القديم بميدان بيت القاضي إلى بيت العباسية الذي اشتراه والد بألف جنيه.
    وظل نجيب محفوظ مشدودا إلى الجمالية، يتردد على مقهى زقاق المدق، ومقهى
    الفيشاوي، واحمد أصدقائه وكان تاجرا بالغورية.
    وفى منتصف الخمسينيات تزوج ، وانتقل إلى شارع النيل بالعجوزة، شقة صغيرة
    بالطابق الأرضي، مطلة على النيل، ولم ينقطع عن الجمالية، ظل حنينه إلى
    القاهرة القديمة قويا، جارفا، وأصبح هذا العالم القديم، وتلك الحواري العتيقة بمثابة
    القلب لكل أعماله واستطاع أن يعكس روحها بقوة ، وصدق ، وان يكسبها الخلود.
    غاصت الأعوام الإثنى عشر التي قضاها نجيب محفوظ في الجمالية إلى أعماقه،
    وانعكست بقوة في عالمه الروائي ن ولم تظهر ضاحية العباسية التي عاش فيها
    شبابه كله وصدر رجولته إلا كمكان ثانوي، يكون الذهاب إليه انطلاقا من
    الجمالية، كما نجد في الثلاثية عندما كان يسعى كمال احد أبطال الثلاثية لزيارة
    قصر آل شداد، أما منطقة العجوزة أو شارع النيل فلم تنعكسا في أعماله قط، لم
    تشده الشوارع الحديثة والمباني الشاهقة، واعتقد انه مجرد مكان للإقامة، للنوم،
    وللعمل.
    كانت القاهرة القديمة في زمن نجيب محفوظ مركزا لسكنى الطبقة المتوسطة
    والتجار الكبار، وكبار الموظفين، وكانت حواري الجمالية ذات تركيبة اجتماعية
    غريبة، في الحارة الواحدة نجد قصرا به حديقة غناء ، والى جواره نجد بيتا
    متوسطا تسكنه أسرة تاجر ، والى جواره نجد ربعا ضخما ، تسكنه عشرات الأسر
    الفقيرة. كانت الحارة تضم مختلف المستويات الاجتماعية.

    الحارة بين الواقع والرمز
    في أعمال نجيب محفوظ الأدبية نجد الحارة على مستويين .. الأول واقعي والثاني
    رمزي، نجد المستوى الأول في أعمال نجيب محفوظ الواقعية، في زقاق المدق
    وخان الخليلي ثم الثلاثية ن بين القصرين، والسكرية في هذه الأعمال نلتقي بحارة
    محدودة الملامح والسمات، خاصة إذا طابقنا ها بالواقع، في هذه الروايات تتحرك
    الشخصيات في حارات محدودة، التزم نجيب محفوظ بتضاريس الواقع في منطقة
    الجمالية، والمتتبع لحركة الشخصيات في الروايات إذا طابقها بالمكان الواقعي
    سيجد انه التزام مدهش بطبوغرافية المكان، ومعالمه، حتى يمكن بحق اعتبار
    الثلاثي وخان الخليلي وزقاق المدق، مراجع دقيقة لمعالم المكان خلال الزمن الذي
    دارت فيه الأحداث، بعكس هذه المعالم المندثرة مثل مقهى سي عبده الذي كان يقع
    تحت الأرض وكانت تتوسطه نافورة مياه تحيط بها المقاصير وكان يجتمع فيه
    بطل الثلاثية كمال عبد الجواد بصديقه فؤاد الحمزاوى، لقد تتبعت على الواقع
    حركة الشخصيات التي رسمها نجيب محفوظ فوجدت تطابقا دقيقا بين الوصف
    وبين معالم المكان، وإذا ذهبنا اليوم إلى زقاق المدق فسنجد المقهى ودكان الحلاق،
    ودكانا آخر مغلقا. ويقول أبناء الزقاق انه كان هناك رجل بدين يبيع البسبوسة
    بالزقاق وهو الذي ظهر في الرواية باسم عم كامل. أما المدق نفسه فما زال
    موجودا، كذلك الفرن. وفى هذه المرحلة الواقعية كانت الحارة انعكاسا أمينا للمكان
    كما عايشه نجيب محفوظ.
    أما المستوى الثاني الذي نجده في أعمال كاتبنا الكبير للحارة، فيمكن اعتباره
    المستوى الرمزي ونجده في أولاد حارتنا والحرافيش وحكايات حارتنا والعديد من
    قصصه القصيرة. هنا تصبح الحارة مزيجا من الواقع والحلم، واقع مقطر، كما
    نجد في ( حكايات حارتنا ) وهذه الحارة الخاصة لها وجود مستقل، ولها مفرداتها
    ورموزها، التي تتكرر من حين إلى آخر، نجد البيوت وشجر اللبلاب والمقهى
    والقبو والخلاء والسكينة، حيث رجال الله القابعون، المتفرغون لذكره دائما لا
    يسفرون ولا يظهرون ولكن تردد أصداء ادعيتهم الغمضة، حينا بالتركية، وحينا
    بالفارسية، أما الخلاء فهو نهاية هذا كله، منطلق وفسيح حدود الدنيا، يوحى بالعدم،
    وعند الأفق تبدو القباب والمآذن، وفى الزوايا يقوم شجر التوت.
    في حواري نجيب محفوظ تتوالى الأيام معبقة بأسرارها وتظهر شخصيات،
    وترحل شخصيات، ويختفي البعض إلى الأبد، وتنشب خناقات وتشج رؤوس،
    وينصب فتوات، ويهزم فتوات ويحل الجيل مكان الجيل وتنقضي الأعمار، وتبقى
    أسوار التكية عالية تتردد من خلفها أصوات الدراويش، وتبدو حواري نجيب
    محفوظ هنا شفافة تلخص كل ما في الحياة وتعكس ملامح الإنسان في أطواره
    المختلفة، إنها باختصار صورة مقطرة لعالمنا ودنيانا، صاغها أديبنا الكبير في
    شاعرية وحساسية مرهفة وحب هائل لقلب قاهرتنا القديمة، يدعو إلى الإعجاب.


  8. #8
    Senior Member
    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    المشاركات
    160

    افتراضي

    أثر النشأة في كتاباته
    ولد نجيب محفوظ في ميدان بيت القاضي، وفي نفس منطقة بين القصرين التي
    أصبحت مسرحا لأعظم أعماله الأدبية، الثلاثية، وعاش حتى سن الثانية عشر، ثم
    انتقل إلي السكن في حي العباسية القريب، ولم تتقطع صلته بالقاهرة القديمة حتى
    يومنا هذا، أعطي أسماء الشوارع والحواري لخمس من أهم رواياته، خان
    الخليلي، وروايته زقاق المدق، ثم الثلاثية التي تتكون من ثلاث أجزاء: بين
    القصرين، قصر الشوق، السكرية، وتلك أسماء باقية حتى يومنا هذا، فيها دارت
    أحداث هذه الروايات.
    ومن أسماء الشوارع التي ورد ذكرها في الثلاثية وأسماؤها الآن:
    ( الاسم القديم ) ( الاسم الحالي )
    • شارع بين القصرين ٠ شارع المعز لدين اللة ٠
    • ميدان المحطة ٠ ميدان رمسيس ٠
    • شارع نوبار ٠ شارع الجمهورية ٠
    • ميدان الاسماعيلية ٠ ميدان التحرير ٠
    • شارع فؤاد الاول ٠ شارع ٢٦ يوليو ٠
    • شارع الملكة نازلى ٠ شارع رمسيس ٠
    مقهى الأوبرا وأهميته بالنسبة لنجيب محفوظ
    مقهى الأوبرا يتكون من ثلاثة طوابق، يطل مباشرة علي الميدان الجميل، يتصدره
    مبني الأوبرا الخشبي القديم، الأنيق ، الذي كان مركزا للمكان، واحد مصادر
    الخصوصية في وسط المدينة أوروبي التخطيط والعمارة. كان الطابق الأول مقهى
    متميزا بأناقته ، يجلس فيه الرجال والنساء، الطابق الثاني يتم الصعود إليه من
    مدخل جانبي، سلم ضيق حلزوني، يفضي إلي صالة مستطيلة، مقهى أوروبي
    الطابع، يقدم مشروبات ساخنة وباردة. هنا كانت تعقد الندوة الأسبوعية التي بدأها
    نجيب محفوظ عام خمسة وأربعين، أي السنة التي ولدت بها، وعبر الندوة مرت
    أجيال كاملة، وفيها اهتدي أدباء الستينات بعضهم إلي بعض.. أي أن هذا اللقاء
    الأسبوعي اختصر أزمنة طويلة كان من الممكن أن تنقضي بدون أن التقي فيها
    بمحمد البساطي، يوسف القعيد، إبراهيم أصلان، صبري حافظ، جلال السيد
    (رحمه الله ) وغيرهم، أما الطابق الثالث فكان عبارة عن مقهى ليلي.
    في المقهى أصغيت إلي حوارات الحاضرين الذين كانوا ينتظمون حول نجيب
    محفوظ، ولو قدر لهذه الحوارات أن تدون لحفظ التاريخ سجلا رفيع المستوي
    لمناقشات المثقفين، كانت الندوة تبدأ في العاشرة، وتنتهي في الواحدة والنصف،
    أتاح الأستاذ بانضباطه المعروف عنه استمرارية للندوة في مواعيد محددة. دائما
    هو المركز، والكل منتظم حوله، حتى حين يتجه الحديث بعيدا عنه ويتحاور
    الجالسون مباشرة بعضهم مع بعض، يظل هو المركز والجميع في المدار.
    ذات صباح وصلنا مبكرا ، فوجئت إنني بمفردي في مواجهة الأستاذ وجها لوجه،
    جلست صامتا، وكان يتطلع إلي بملامح مترقرقة. إن وجهه يتطابق تماما مع هذه
    الكلمة المصرية ذات المستويات المتعددة (طيب).
    فجأة سألني:
    - جمال لماذا تكتب؟
    بوغت بالسؤال، غير أنني أجبت مباشرة:
    - اكتب لأنني أريد أن اكتب ...
    هز رأسه. وعندما أستعيد هذا الحوار القصير، يفتتح حواراتنا التي ستتصل طوال
    السنوات التالية. عندما استعيد نبرات صوته أوقن أنه كان يسأل نفسه عن سبب
    الكتابة، لماذا يكتب الكاتب؟ فيما تلا ذلك من سنوات قال لي مرة أن الكتابة غريزة
    في من يعشقها، الرغبة في الحياة، الأكل، الجوع...الخ.

    مولد الكرنك في مقهى عرابي
    رأيت مولد رواية الكرنك في مقهى عرابي بالعباسية. ذات يوم رأينا شخصا ابيض
    البشرة، ابيض الشعر ن متوسط القامة، عيناه غريبتان، كأنهما مقلوبتان إلى
    الخارج، وأصابع يده نحيلة، مدببة المقدمة، كأنها مخالب الطيور، عندما دخل
    المقهى ساد صمت غريب... وأسرع الجرسون بإحضار نرجيلة وضعها بجواره،
    وفرد أمامه الشطرنج، وبدأ احد الجالسين يلاعبه.
    وكان من الطبيعي أن يلفت الغريب نظرنا، مال على نجيب محفوظ وسألني:
    من هذا ؟
    لم أكن اعرفه، غير أنى أشرت إلى الجرسون ن وهمست ...
    من هذا.. ؟
    انه حمزة البسيونى مدير السجن الحربي سابقا...
    واتسعت عينا نجيب محفوظ، وراح يتأمل الرجل خفية، ومازلت اذكر هيئة حمزة
    بسيوني، وانحناءه على رقعة الشطرنج وهذا الجو الثقيل الذي أحدثه وجوده في
    المقهى، كان خارجا من السجن لتوه، بعد أن قضى مدة عقوبته عقب اعتقاله بعد
    ١٩٦٧ ، وفى الأسبوع التالي لم يظهر، وحكي أصدقاء نجيب محفوظ قصصا
    عديدة سمعوها عنه، وعن السجن الحربي، وبعد أيام قرأت في الصحف خبر مقتل
    حمزة البسيونى خلال حادث سيارة على طريق مصر – أسكندرية الزراعي ..
    عصر هذا الخميس الذي رأى فيه نجيب محفوظ جلاد السجن الحربي، ولدت
    رواية الكرنك التي ظهرت بعد ذلك بسنوات.

    أفراد الشلة الثلاثائية
    لا يسعني إلا أن اذكر بالامتنان أصدقاء الثلاثاء وأركان المجلس الثابتين، وكل
    منهم تعلق بالأستاذ ومحبة خالصة: أخي يوسف القعيد، والمهندس عماد العبودي،
    والدكتور زكي سالم، والروائي نعيم صبري، والمهندس حسن ناصر، والمحامي
    مجدي سعد، والأستاذ ياسين التهامي، يحيط كل منهم الأستاذ بمحبته، فلهم الشكر
    والمنة، ورحم الله أستاذنا الكبير وأسكنه فسيح جناته.

    بداية علاقته بالحكيم
    سألت نجيب محفوظ عن كيفية تعرفه بالحكيم؟
    قال: بعد ظهور رواية "زقاق المدق" طلب إن التقى به، وعندما انتظمت في ندوته
    الأسبوعية بالقاهرة واليومية بالإسكندرية خلال شهور الصيف، انزعج الباشاوات
    السابقون من حضوري، كان منهم شمس الدين عبد الغفار، وبرهان نور، وطبعا
    إبراهيم باشا فرج، وإبراهيم طلعت قالوا للحكيم إنهم يخشون منى لأنني اكتب في
    الأهرام التي يرأسها محمد حسنين هيكل المقرب من جمال زعيم الثورة ،لكن
    الحكيم قال لهم: على ضمانتي أذكر أن احدهم سال شمس الدين عبد الغفار بعد
    طول صمته في القعدة أنت بتفكر في إيه، قال مفزوعا: أنا مش بأفكر في أي
    حاجة.
    يكن الأستاذ لتوفيق الحكيم محبة خاصة. كان مكتب الحكيم في الطابق السادس
    مفتوحا، لم أره مغلقا قط، وفى سنواته الأخيرة كان يجلس بمفرده، حزينا لفقد أبنه
    الوحيد إسماعيل. ويوم الخميس ينتقل نجيب محفوظ من مكتبه المجاور ليقعد أمام
    مكتب الحكيم، أحيانا يظهر المرحوم ثروت أباظة، أو الدكتور زكى نجيب محمود،
    أو إحسان عبد القدوس، أو يوسف إدريس. بعد رحيل الحكيم خصصت إدارة
    الأهرام الحجرة لنجيب محفوظ، لكنه لم يجلس مكان الحكيم قط، دائما يجلس في
    نفس المكان الذي لزمه أمام المكتب وظل كرسي توفيق الحكيم شاغرا كأنه يتوقع
    وصوله.
    في بيت الأستاذ صوان صغير للأوسمة والهدايا التذكارية العزيزة عليه لمنزلة من
    أهدوها إليه رأيت قلم حبر اسود، قالت لي زوجته انه يعتز به لذلك و ضعه بين
    الأوسمة التي حصل عليها. هذا القلم هدية من توفيق الحكيم. دائما يصف الأستاذ
    "عودة الروح" بأنها كانت فتحا أدبيا بالنسبة للرواية العربية.

  9. #9

    افتراضي

    الإرادة المحفوظية
    لم أعرف الحكمة مجسدة إلا من خلال نجيب محفوظ. خلال السنوات الأخيرة، أمد
    الله في عمره، يهل علينا في موعده، السادسة تمامًا، يتبعه حارسه الخاص، هو
    الذي أمضى عمره كله ساعيًا في الشوارع والأسواق، والمقاهي ، غير أن الأمر
    تبدل منذ عام أربعة وتسعين من القرن الماضي بعد حادث الاعتداء البشع، غير
    أن هذا الحادث كشف لنا عن نجيب محفوظ. كنا رغم الرفقة نستشعر وجوده
    وندرك معناه، لكننا رأيناه منذ ذلك الحين مجسدًا. يمكن تلخيص جوهره في كلمتين
    "الإرادة المحفوظية". لم أعرف إرادة قوية مثله، لم أعرف إرادة قوية مثله، تتحدى
    الألم والمرض والعجز وضعف الحواس، هذا التحدي هدفه استمرار الكتابة التي
    تعنى بالنسبة له الحياة ذاتها.
    مع دنوه من بداية العام الثالث والتسعين كنت راغبًا في محاورته، رغم أننا في
    حوار دائم، ولكنني أعنى طرح أسئلة محددة لأطلع القراء على ما يفكر فيه، على
    رؤاه للعالم من هذا الموقع الزمني والمكاني. خلال السنوات الأخيرة أحرص على
    خصوصية العلاقة، أن أنأى بها بعيدًا عن أي مظهر إعلامي، خاصة عندما
    يتمكن من الإصغاء إلى السؤال فإنه يجيب بوسيلتين، إما بسرعة خاطفة، أو ينتظر
    قلي ً لا، مدة قد تطول أو تقصر، وأحيانًا نتصور أنه لا يريد الإجابة، غير أنه يفاجئنا
    بعد مدة، وفى كلتا الحالتين ينطق بالحكمة، وأحيانًا نتصور أنه قال كل ما عنده،
    غير أنه بعد فترة يعود إلى ما سألناه عنه، فنعرف على الفور أن ذهنه كان
    مشغو ً لا بما سألناه عنه.
    سألته : كيف ترى رحلتك مع الأدب الآن، أمد الله في عمرك؟
    قال على الفور: بالإيجاب نعم.
    سألت: هل تعتقد أن الوظيفة عطلتك أم أفادتك؟
    قال : عطلتني وأفادتني.
    سألت: كيف؟
    قال: طبعا أخذت الكثير من وقتي، وقت كان ممكنا أن أخصصه للأدب، لكن من
    ناحية أخرى أتاحت لي فرصة التعرف على مواقف ونماذج بشرية عديدة كان لها
    أثر فيما كتبتكما أنها أعانتني على مواجهة الحياة.
    سألت: الآن، هل تفكر في بعض الأدباء الكبار الذين عاصرتهم على المستوى
    الشخصي وكان بينك وبينهم علاقات؟ يجيب: لم تكن بيني وبين الأدباء الكبار في
    جيلي علاقات خاصة.
    قلت: ماذا عن سلامة موسى؟
    قال: كانت علاقة احترام وتلمذة من جانبي، لكن لم تكن هناك علاقة شخصية.
    قلت:وماذا عن طه حسين؟
    قال: علاقة تلميذ بأستاذه.
    قلت:إذن من يحضر في ذاكرتك الآن أكثر؟
    قال: الباقون في الذاكرة أنت تعرفهم، طه حسين والعقاد وتوفيق الحكيم وسلامة
    موسى.
    سألت: لكنني لاحظت أنك تعتز بتوفيق الحكيم أكثر، وعندما أهداك قلما في عيد
    ميلادك احتفظت به إلى جانب الأوسمة والنياشين.
    قال:لأنه فنان.
    قلت: والآخرون.
    قال: منهم المفكر والفنان ومنهم الفنان المفكر أو المفكر الخالص.
    قلت: رغم احترامك العميق للعقاد فأنك لم تسع إلى إقامة علاقة به، و عندما رأيته
    في إحدى المكتبات لم تستجب لرغبة مديرها في أن يعرفك به.
    قال: العقاد كان شخصية عظيمة، مفكرا، جريئا، قوى الإرادة، لكنني لم أعرف
    الطريق إلى ندوته الأسبوعية ولم أشعر برغبة في أقامة صلة شخصية. يكفى
    العلاقة روحية.
    قلت:بعد تجربتك الطويلة في الأدب والمواقف العامة، هل ترى أنه من الأفضل
    للأديب أن يعلن عن مواقفه في القضايا العامة مهما كلفه ذلك، أم أنه يعبر عن هذه
    المواقف في أدبه؟
    قال: لا مهرب من الحياة العامة، الأديب ليس منعزلا، أنه مواطن، يعنى لو أنه
    موقفا سياسيا سيعلن عنه، لو كان عضوا في حزب أو ينتمي إلى جماعة.
    قلت: أذن لنفترض شيئا أخر، لو أن أديبا رأى الفساد و الخلل، هل يتصدى له
    بكتابة المقالات و النشاط العام، أم يدخر موقفه للكتابة الإبداعية؟
    قال: لو ظروفه تسمح بإعلان موقفه من خلال المقال و اتخاذ الموقف فعليه ألا
    يتأخر، وأن يقول مع ضميره، يعنى لو أنه يعمل صحفيا مثلك فعليه أن يرفع
    الصوت بقدر الإمكان. إذا لم يكن صحفيا وليس لديه منبر، فالأدب الإبداعي
    مجاله، على الأديب أن يتبع ضميره مهما كان الثمن، الإبداع لا يقبل الوقوف في
    منتصف المسافة. بالنسبة لي أنا تكلمت وكتبت..
    قلت: بعد أن ظهرت رواية "فضيحة في القاهرة" أو "القاهرة الجديدة" كما أسماها
    الناشر، حقق معك في وزارة الأوقاف مضمون الرواية ، لكن من حسن الحظ أن
    المحقق كان شقيق الدكتور طه حسين، فترفق بك وطلب منك الكتابة في الحب،
    والابتعاد عن نقد المجتمع والموضوعات التي تجلب وجع الدماغ، ما تأثير ذلك
    عليك وقتئذ؟
    قال ضاحكا: ما رأيك أنت؟
    قلت: رأيي أن ذلك لم يؤثر فيك، وأنك في إبداعك لم تتهاون. هنا مال قليلا إلى
    الأمام، قال:
    بعد أن كتبت "ثرثرة فوق النيل" وُنشرت في الأهرام مسلسلة وكان بفضل محمد
    حسنين هيكل الحقيقة هيكل هو الذي أتاح الإبداع الأدبي الناقد للأوضاع في
    الستينيات، هل تذكر بنك القلق والسلطان الحائر للحكيم؟
    قلت: نعم، وأذكر "أولاد حارتنا" واللص والكلاب ميرامار والشحاذ وقصصك
    القصيرة التي كنا ننتظرها ونفسرها من خلال ما لا نستطيع أن نعلنه.
    قلت: جميع رواياتك وقصصك نشرت في الأهرام تحت رئاسة تحرير الأستاذ
    هيكل، لكن بعد مغادرته الأهرام، نشر لك روايتان خارج الأهرام: " الحب تحت
    المطر" و"المرايا" هل كان ذلك موفقا من المرحوم يوسف السباعي ضدك ؟
    قال : لا ٠٠ كان ذلك رأى الدكتور لويس عوض باعتباره المستشار الثقافي
    للأهرام، اعترض على نشر "المرايا" فقام الأستاذ رجاء النقاش بنشرها في مجلة
    الإذاعة والتليفزيون، نشرها باحتفاء كبير، ورسم الشخصيات الفنان سيف وانلى.
    اعترض أيضا على "الحب تحت المطر" وكانت مجلة الشباب حديثة الصدور وقتئذ
    ويرأس تحريرها المرحوم صلاح جلال، هكذا ٠٠٠
    قلت : يبدو أن الدكتور لويس عوض لم يكن رأيه ايجابيا في أديك ٠٠
    هنا صمت نجيب محفوظ، وهذا صمت اعرفه جيدا عندما يفضل ألا يفصح. بعد
    قليل قال "الله يرحمه" كنت قد نسيت، فتساءلت "من؟"، قال "الدكتور لويس
    عوض.."
    عدت لأسأل: إذن أنت رأيك أن الأديب يجب أن يقول رأيه.
    قال بحسم: طبعا يجب أن يتكلم، أن يقول رأيه.
    بعد صمت قال: اعتقد أن ما اكتبه يوم الخميس من كل أسبوع في "وجهة نظر"
    أتاح لي أن أقول رأيي في كل ما يشغلني ويشغل الناس ٠٠
    بعد لحظات صمت، سألته عن أحوال الكتابة الآن.
    قال : الكتابة الآن محصورة في الأحلام، أفكر في الحلم، أحفظة جيدا، ثم اكتبه
    عمياني، يعنى من الذاكرة، كتبت سبعه وتسعين حلما هكذا، لكن الأحلام الثلاثة
    الأخيرة أمليتها على لحاج صبري لان يدي لم تعد تساعدني ٠٠
    قلت: إنها المرة الأولى التي تملى فيها نصا على شخص آخر ٠
    قال : نعم ٠٠٠
    شعرت يأس في صوته، حاولت تغيير الموضوع ٠٠٠
    قلت: هل الأحلام مستمده من أحلامك فعلا أم متخيله؟
    قال: لا ٠٠ أحلام حقيقية، الحلم حل مكان الواقع.
    قلت: ولكن ماده الحلم هشة والإنسان ينساها بسرعة.
    قال: أنا اكتب ما أتذكره، تركيزي الآن على الأحلام، استمد مادتي منها، يظهر أنا
    "فولت" على نفسي عندما كتبت "رأيت فيما يرى النائم" وجلجلت الضحكة
    المحفوظية الشهيرة. عدت لأسأله:
    " "لكن عندك أفكار كثيرة لم تكتب ٠٠٠
    قال: معظم المادة من الأحلام، هذا ما اقدر عليه الآن، لا اقدر على أكثر من ذلك.
    قلت: لكن الأحلام القديمة في "رأيت فيما يرى النائم" ليست حقيقية.
    قال: بالضبط، إنها تأليف.
    قلت: إذن الأحلام الحقيقية هي المعروفة بأحلام النقاهة، والتي نشر منها حتى الآن
    مائة حلم في مجلة نصف الدنيا.
    قال: تمام ٠٠ تمام ٠٠
    قلت: لكن ألا تفاجئك فكرة قصة قصيرة أحيانا ٠٠
    قال: غير ممكن، الفكرة تحتاج إلى تفعيل من خلال الكتابة، وأنا لا اكتب الآن، كل
    ما اقدر عليه الأحلام.
    قلت: الأحلام مركزه جدا، إنها نصوص اقرب إلى الشعر.
    بعد صمت عدت لأسأله عن التوقيت الذي بدأ فيه الإملاء؟
    قال: منذ أسابيع، كنت أحكى للأصدقاء عن أحلامي فطلبوا منى أن اكتبها حتى لا
    أنساها.
    قلت: ولكنك كتوم فيما يتعلق بكتابك.
    قال: أصلهم كانوا بيسألونى عن الأخبار، فأراد بأخبار الأحلام...

  10. #10

    افتراضي

    مزيد من الذكريات
    عدنا إلى الحديث عن الجمالية وحكايات استمع إليها في طفولته ولدهشتي فقد
    استمعت إليها في طفولتي أيضا ولكن بفارق أربعة أو خمسة عقود ٠
    تحدثنا عن القاهرة في الثلاثينات، عن خطوط الترام، حيث تذكرها بوضوح، ١٥
    إلى الجيزة والأهرام، ٣٣ إلى إمبابة، فيه التقى بمحمد عبد الوهاب، ٤ ما بين
    الإمام الشافعي والسبتية، ٢٢ من المذبح إلى العباسية، كان يستقله عند العودة من
    القاهرة القديمة، تحدثنا عن الشيخ زكريا احمد، عن الطرب، عن أصحاب العباسية
    الذين رحلوا جميعا.

    معاصرته للكثير من الأزمات في التاريخ المصري
    كان الجنيه المصري قويًا، راسخًا، أقوى من الإسترليني، ولم يخطر ببالي قط أن
    قيمته سوف تهتز، كانت فكرة أن قيمته ستقل غير مطروحة بل غير
    متصورة، إلى أن بدأت الحرب العالمية الثانية، وبدأت أشعر أن المرتب لم يعد
    يكفى احتياجات الحياة، طيب .. ما العمل ؟ بدأنا كموظفين نحاول التوفير من هذا
    الجانب وذلك، لكن الظروف كانت تزداد صعوبة، إلى أن تولى مصطفى النحاس
    باشا الحكومة بعد حادث أربعة فبراير الشهير، فأتى بما يسمى غلاء
    المعيشة، أي علاوة مالية تضاف إلى المرتب تعادل نسبة التضخم، إضافة إلى
    ذلك بدأ ما عرف بالإنصاف، أي إنصاف الموظفين الذين تأخرت ترقياتهم من
    درجة إلى درجة، لقد تمت ترقيتي نتيجة لذلك من الدرجة السابعة إلى الخامسة
    دفعة واحدة، وكان ذلك بالإضافة إلى غلاء المعيشة يعنى زيادة محترمة
    للمرتب، وهذا رواج لم نعرف له مثي ً لا، أذكر أنه يوم إعلان العلاوة والإنصاف أن
    السعاة والفراشين قفزوا فوق المكاتب وراحوا يرقصون فرحًا.
    - كم كان مرتبك بعد العلاوة والإنصاف؟
    - حوالي خمسة وعشرين جنيهًا.
    عدت النحاس باشا، سألته عما إذا كان قد رآه.
    - كثيرًا ...
    عادًة يجيب بكلمة واحدة عندما يكون الأمر بالإيجاب، ثم يصمت قلي ً لا ويعود إلى
    التفصيل. قال:
    كنت أصغى إليه في الاجتماعات العامة، وكان خطيبًا مقتدرًا، وكانت شعبيته
    جارفة، كنت أذهب إلى السرادق، وكان بعض شباب الحزب يقومون بتنظيم
    الاجتماعات، يقفون عند المداخل ويتحققون من شخصية بعض القادمين ، لم يكن
    الوفدي في حاجة إلى تحرير استمارة تقول إنه منتمٍ إلى الوفد، أو حمل بطاقة.
    كان يكفى للإنسان أن يعلن وفديته، بالطبع كان هناك أثرياء يتبرعون للحزب،
    وكان هناك بعض من يتفرغ لمهام الحزب، ولكن كثيرين كانوا يعتبرون شراء
    صحف الحزب إشهارًا بالانتماء.
    يصمت قلي ً لا ، يعود إلى النحاس باشا ...
    عندما أعلن الإنصاف وعلاوة غلاء المعيشة أعلن معهما أيضًا مجانية
    التعليم حتى المرحلة الثانوية. في مجلس الوزراء طالب طه حسين بمجانية التعليم
    الجامعي، النحاس باشا قال له: يوم ما تخبرني أنه عندك مكان لكل طالب، وأدوات
    بحث وأساتذة بعدد كاف، سوف أقرر مجانية التعليم فورًا.
    سألته عما إذا كان مشى في جنازة النحاس ؟
    - نعم ، لكنني لم أستمر حتى ضريح سيدنا الحسين الذي وصلوا عليه هناك.

    الحكومة المصرية بين الماضي والحاضر
    أعلن اليوم التشكيل الوزاري الجديد برئاسة الدكتور احمد نظيف، سألت عن
    وزارات ما قبل يوليو ١٩٥٢ قال:
    "كانت وزارات حزبية وعندما ينجح في الانتخابات يأتي بفريق متكامل له منظور
    خاص حتى في وزارات الأقليات مثل وزارة إسماعيل صدقي جاء بفريق كان له
    رؤية طبعا الوزارات كانت تأتى بعد انتخابات، الانتخابات الوحيدة الحرة هي التي
    تأتى بالوفد ولكن عندما تجيء حكومات اقليه تكون الانتخابات مزورة ٠ تزوير
    الانتخابات كان يتم بتدخل الملك" ٠
    سألته عما إذا كان يذكر مرحله ما قبل الثورة التي تعاقبت فيها وزارات عده خلال
    فترة قصيرة، قال يوسف القعيد معلقا:
    ." "لموسى صبري كتاب جيد عن هذه الفترة ملك وأربع وزارات ٠٠
    قال محفوظ إن هذه المرحلة شهدت تدهور صورة الملك عند الشعب وساءت
    سمعته إلى حد كبير. قال إن الطليعة الوفدية التي كانت تعتبر يسار الوفد ومنهم
    محمد مندور وإبراهيم طلعت كانت بدأت تتحرك في اتجاه ثورة شعبية ولكن
    جاءت حركة الجيش لتبدأ مسارا مختلفا..
    عدت لأسأله عن حزب الوفد، حيث أنه معروف أن الأستاذ وفدى الاتجاه فهل كان
    عضوا في حزب الوفد؟ قال بسرعة:
    "لا طبعا لم أكن عضوا في حزب الوفد كانت عضوية الوفد أهم من الوزارات
    لكنني كنت من جماهير الوفد.."
    قلت :
    - "ما الفرق ؟" ٠
    - "الفرق كبير كان للحزب تنظيمه اللجنة العليا والهيئة الوفدية ثم اللجان على
    مستوى المحافظات أما جماهير الوفد وكنت منهم فهؤلاء عضويتهم ليست رسمية
    أي لا نملأ استمارات ولا نحضر اجتماعات، لكن نتظاهر تأييدا للوفد نتعاطف
    معه" ٠

    محفوظ والسياسة
    دخلت السياسة حياتي منذ الطفولة، عندما كنت أرى المظاهرات في ميدان بيت
    القاضي، في المنزل كان الوالد والوالدة متعاطفين مع الوفد، وإذا ذكر اسم سعد
    زغلول فإنه يذكر باحترام وتقديس، وعندما بدأت أقرأ الصحف، كنت أجري بعيني
    على السطور حتى أجد اسم الزعيم فأقف عنده، لكن ما زرع في أرواحنا الوطنية،
    وعلمنا أصولها، فهم المدرسون، خاصة أولئك المعممون من أساتذة اللغة العربية،
    كانوا يتوقفون خلال الحصص عن الدروس ويبدءون أحاديثهم عن الوطنية. لكن
    المظاهرات الحقيقية كانت في الأحياء الشعبية.. ما أذكره ويهزني حتى الآن
    مظاهرات النساء في ميدان بيت القاضي وشوارع الجمالية، كتب التاريخ تحدثك
    عن مظاهرات المحجبات من سيدات المجتمع، وخروج طالبات مدرسة السنية،
    لكنها لا تذكر مظاهرات نساء الحواري والأزقة، لقد رأيتهم بعيني، وكان شيئا لا
    مثيل له.... في صور المظاهرات ترى النساء المحجبات زوجات الباشاوات،
    ويقولون.... المرأة المصرية، مرأة مصرية مين؟ أنا شفت آلاف النساء في
    الجمالية فوق عربات الكارو.... نساء حواري...
    اشتركت في جميع المظاهرات التي جرت، أذكر أنني أمشى مع عدد من الأصدقاء
    في شارع محمد على، فجأة رأينا أحد أبناء البلد يحمل حجرا كبيرا ويضرب رأس
    كونستابل إنجليزي فيصرعه. في نفس اللحظة رأينا عددا من الخيالة قادمين من
    ناحية العتبة الخضراء، نظرنا إلى الخلف لنستدير ونجري، فوجئنا بقوات من
    الجيش، كنا محصورين، ولا أحد سوانا في الشارع، وجثة القتيل الإنجليزي ملقاة
    أمامنا، أما ابن البلد فقد هرب، تعرف أن بعض حواري شارع محمد على منحدرة
    إلى أسفل، تؤدى إليها سلالم، صاح أحدنا...
    اجر.... اجر....
    جرينا، جريت بأسرع ما يمكن أن أجري به، من حارة إلى حارة، حتى فوجئنا
    بحارة سد لا تؤدي إلى أي منفذ، أدركنا يأس قاتل، فجأة أطلب امرأة من إحدى
    الشرفات، وأشارت إلى باب البيت، دخلنا، أغلقنا خلفنا، نظرت إلينا من فوق السلم
    - اطلعوا...
    طلعنا إلى السطح، عبرنا إلى السطح المجاور، نزلنا في بئر السلم، انتظرنا حوالي
    نصف ساعة، خيم فيها صمت فظيع، ثم خرجنا، ومشينا حتى شارع عبد العزيز،
    ثم إلى العتبة الخضراء...
    في جميع ما أكتب ستجد السياسة، من الممكن أن تجد قصة خالية من الحب أو أي
    شئ، إلا السياسة، لأنها محور تفكيرنا كله، الصراع السياسي موجود، حتى في
    أولاد حارتنا التي يمكن أن تصفها بأنها رواية ميتافيزيقية ستجد الصراع على
    الوقف، بعد ثورة يوليو ١٩٥٢ تناولت موضوعات حساسة جدا، مثل ميرامار أو
    ثرثرة فوق النيل، الحقيقة أنت قلت كلمة صادقة جدا منذ أسبوعين، قلت إن نجيب
    محفوظ عندما يكتب لا يعبأ بشئ، وينسى كل شئ. لكن لاحظ أنا كنت أنقد الواقع
    نقد المنتمي إليه، أنا لم أرفض ثورة يوليو مطلقا، ولم أكتب أي عمل ضدها، أنت
    تعلم أن هناك روايات معادية للثورة، كنت أوجه النظر إلى سلبيات تسئ إلى
    الثورة، لن تجد كلمة بالإشارة أو التلميح ضد الإصلاح الزراعي، أو مكاسب
    العمال والفلاحين.

    محفوظ وعبد الناصر
    لم ألتق بعبد الناصر في لقاءات خاصة، إنما رأيته ثلاث مرات عندما حصلت على
    وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى، طلعت وسلمت عليه ونزلت، المرة الثانية سنة
    ١٩٥٧ ، كان هناك عدد من الأدباء العرب، التقى بهم، وكنت أحد الذين ذهبوا إلى
    اللقاء، المرة الثالثة كانت في الأهرام، عندما زاره في سنة ١٩٦٩ إذا لم تخني
    الذاكرة، كان يتحدث إلى كل شخص، قال لي:
    - إزايّ الناس بتوعك... بقالنا زمان ما قريناش لك قصة..
    فرد عليه هيكل قائلا:
    - لا.. دي بكرة طالعة له قصة.

+ الرد على الكتاب
صفحة 1 من 2 1 2 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الكتاب

ضوابط التعليقات على الكتاب

  • لا تستطيع إضافة كتب جديدة
  • لا تستطيع التعليق على الكتب
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك