+ الرد على الكتاب
صفحة 1 من 5 1 2 3 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 50
  1. #1
    Banned
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    المشاركات
    2,206

    افتراضي كتاب: دليل السالك إلى ألفية ابن مالك الجزء الثالث

    دليل السالك
    إلى ألفية ابن مالك
    بقلم الشيخ عبد الله بن صالح الفوزان
    الجزء الثالث
    3



    بسم الله الرحمن الرحيم


    إعراب الفعـل

    676- اِرْفَعْ مُضَارِعاً إذَا يُجَرَّدُ مِنْ نَاصِبٍ وَجَازِمٍ كَتَسْعَدُ

    تقدم في أول الكتاب أن المضارع له حالتان :
    1- حالة إعراب . 2- حالة بناء .
    وقد تقدم البحث في بنائه ، وهذا بحث في إعرابه ، وهو إما رفع أو نصب أو جزم ، فإن تقدمه أداة نَصْب نُصِبَ ، أو أداة جَزْم جُزِمَ ، فإن لم يتقدمه شيء من ذلك رُفع ، نحو قوله تعالى : { يُدَبِّرُ الْأَمْرَ } ( السجدة : 5) . فـ [يُدَبِّرُ] فعل مضارع مرفوع لتجرده من الناصب والجازم ، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره ، والفاعل ضمير مستتر . و( الأمر ) مفعول به منصوب .
    وهذا معنى قوله ( ارفع مضارعاً .. إلخ ) أي ارفع الفعل المضارع إذا تجرد من ناصب أو جازم ، كـ ( تَسعدُ ) بفتح التاء ، مضارع ( سَعِدَ ) .
    ولم يقيد ابن مالك – رحمه الله – المضارع بكونه خالياً من النونين : نون التوكيد ونون الإناث ، لعلمه مما تقدم في باب المعرب والمبني .

    677- وَبِلَنْ انْصِبْهُ وَكَيْ كَذَا بِأَنْ لا بَعْدَ عِلْمٍ وَالّتِي مِنْ بَعْدِ ظَنِ
    678-فَانْصِبْ بِهَا وَالرَّفْعَ صَحِّحْ وَاعْتَقِدْ تَخْفِيفَهَا مِنْ أنَّ فَهْوَ مُطَّرِدْ
    شرع في الحالة الثانية من أحوال إعراب المضارع ، وهي نصبه إذا صحبه حرف ناصب ، وهو ( لن ) أو ( كي ) المصدرية ، أو ( أن ) المصدرية ، أو ( إذَنْ ) المصدرية .
    1- فأما (لن ) فهي حرف نفي واستقبال . أي : نفي الحدث في الزمان المستقبل ( ) . لأنها إذا دخلت على المضارع خلصته للاستقبال ، نحو : لن يندمَ المحسن . قال تعالى : { لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ } فـ (لن ) حرف نفي واستقبال ، ينصب المضارع و( نبرح ) فعل مضارع ناقص ، يرفع الاسم وينصب الخبر ، منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة . واسمه ضمير مستتر وجوباً تقديره ( نحن ) و ( عاكفين ) خبره .
    وقد تدخل عليها همزة الاستفهام التي للإنكار ،كما في قوله تعالى : { أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ } ( آل عمران : 124) . فـ ( لن ) حرف نفي ونصب ( يكفي ) فعل مضارع منصوب . والكاف : مفعول به . والميم : علامة الجمع والمصدر المؤول ( أن يمدكم ) في محل رفع فاعل .
    2- وأما ( كي ) المصدرية فعلامتها : أن تُسبق بـ (لام ) التعليل ، نحو : تعلم لكي تفيدَ وتستفيدَ ، ومنه قوله تعالى : {لِكَيْلَا تَأْسَوْا } ( الحديد : 23) ، أي : تحزنوا ، فـ ( لكيلا ) : اللام حرف جر . و ( كي ) حرف مصدري ونصب ، و( لا ) نافية ، و ( تأسوا ) فعل مضارع منصوب بـ ( كي ) وعلامة نصبه حذف النون ، لأنه من الأمثلة الخمسة ، والواو : فاعل،و (كي) وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور باللام ، والتقدير : لعدم أساكم ( ) .
    وقولنا : ( كي المصدرية ) احتراز من ( كي ) التعليلية ، فليست ناصبة . وإنما هي حرف جر ، وتقدم ذكرها في حروف الجر ، والناصب بعدها ( أن ) مضمرة أو مظهرة ، وذلك إذا تأخرت عنها (اللام ) أو ( أن ) نحو :جئت كي لأتعلم ( ) وجئت كي أن أتعلمَ .
    فإن تجردت من اللام قبلها ( وأَنْ ) بعدها جاز اعتبارها مصدرية بتقدير اللام قبلها ، وجاز اعتبارها تعليلية بتقدير (أنْ) بعدها .كقوله تعالى :{فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ } ( القصص : 13) .
    وإن ذكرت اللام قبلها و( أن ) بعدها .جاز أن تكون (كي ) مصدرية ناصبة للمضارع . و ( أن ) مؤكدة لها . وأن تكون تعليلية مؤكدة لـ (اللام ) والناصب للمضارع هو ( أن ) وهو الأفضل . نحو : اغفر للصديق هفوته لكي أن تدومَ مودته .
    3- وأما ( أنْ ) المصدرية فهي أقوى النواصب ، لأنها تعمل ظاهرة ومقدرة ، - كما سيأتي إن شاء الله – وهي أكثر النواصب وقوعاً في القرآن ، وضابطها : أن تُسبك مع مدخولها بمصدر يعرب حسب موقعه من الكلام نحو : الغيبة أن تذكر أخاك بما يكره ، فـ (أنْ ) حرف مصدري ونصب ، و (تذكرَ ) فعل مضارع منصوب . و(أنْ ) وما دخلت عليه في تأويل مصدر خبر المبتدأ والتقدير : الغيبة ذكرك أخاك بما يكره .
    واعلم أنّ لـ ( أنْ ) ثلاث حالات :
    الأولى : أن يتقدم عليها ما يدل على اليقين والتحقيق ، مثل : علم ، وأيقن ، فهذه مخففة من الثقيلة ، تنصب الاسم وترفع الخبر ( ) . ولها ثلاثة أحكام :
    1- أن اسمها ضمير الشأن محذوف .
    2- رفع المضارع بعدها .
    3- فصل المضارع منها – في الغالب – بأحد الفواصل الأربعة المتقدمة في باب ( إنّ وأخواتها ) وهذا الفصل للتفرقة بينها وبين المصدرية نحو : أيقنت أن سيندم الظالمون . ومنه قوله تعالى : {عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى } ( المزمل : 20) فـ ( أن ) مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن محذوف ، والسين حرف تنفيس –أي استقبال - و ( يكون ) فعل مضارع ناقص يرفع الاسم وينصب الخبر ، مرفوع بالضمة ، ( منكم ) خبر " يكون " مقدم (مرضى ) اسمها مؤخر ، والجملة خبر (أن) المخففة .
    الحالة الثانية : أن يتقدم عليها ما يدل على الظن والرجحان مثل : ظن ، خال ، حسب ، ونحوها . فيجوز أن تكون مخففة من الثقيلة ويرفع المضارع بعدها . وتأخذ الأحكام السابقة ، وأن تكون مصدرية ناصبة للمضارع ، وهو الأكثر والأرجح ، لأن الأصل بقاء الظن على بابه ، ورفع المضارع بعدها يلزم عليه تأويل الفعل باليقين ، ومنه وقوله تعالى : { وَحَسِبُواْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ } ( المائدة : 71) . فقد قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي برفع ( تكون ) على أنها مخففة . و ( حسبوا ) بمعنى ( أيقنوا ) لأن ( أنَّ ) للتأكيد . والتأكيد لا يجوز إلا مع اليقين . وقرأ الأربعة الباقون – من السبعة – بنصب ( تكون ) على أنها الناصبة للمضارع ، و ( حسب ) بمعنى الشك .لأن ( أنْ ) الناصبة ليست للتوكيد . بل الأمر قد يقع ، وقد لا يقع.
    الحالة الثالثة : ألا يسبقها علم ولا ظن ، بل تقع في كلام يدل على الشك أو على الرجاء والطمع ، فهذه ناصبة للمضارع ( ) . وجوباً : نحو : أرجو أن ينتصر الحق ، قال تعالى : {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ } (الشعراء : 82) فـ ( أن ) مصدرية ناصبة للمضارع . والمضارع بعدها منصوب .
    وقولنا : ( المصدرية ) احتراز من المخففة والمفسِّرة والزائدة ، أما المخففة فتقدمت . وأما المفسرة فيه التي تأتي للتبيين والتفسير ، فتكون بمعنى ( أي ) المفسِّرة ، وهي المسبوقة بجملة فيها معنى القول دون حروفه ، كقوله تعالى : { إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ } ( طه : 37-38) . فجملة ( إذ أوحينا ) فيها معنى القول دون حروفه ، و ( ما يوحي ) هو عين ( اقذفيه في اليم ) في المعنى ، وتعرب الجملة الواقعة بعد ( أن ) المفسِّرة بدلاً أو عطف بيان من المفرد الذي فسرته .
    وأما الزائدة فهي الواقعة بعد (لما ) الحينية،كقوله تعالى:{فَلَمَّا أَن جَاء الْبَشِيرُ}( يوسف : 96) . وقوله تعالى :{ وَلَمَّا أَن جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ }( العنكبوت : 29) . وقوله تعالى:{ وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ } ( هود : 77) . والقصة واحدة . أو بعد ( لو ) كقوله تعالى : { وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً } ( الجن : 16) . و هي تفيد المعنى وتوكيده .
    وإلى هذه الأحرف الثلاثة ( لن ، كي ، أن ) أشار بقوله : ( وبلن انصبه .. إلخ ) أي : انصب المضارع بـ (لن ) و ( كي ) وكذا بالحرف ( أن ) بشرط ألا يقع ( أن ) بعد ما يفيد العلم واليقين ، لأنها بعد العلم مخففة لا ناصبة ، فإن وقعت بعد ظن فانصب المضارع بها إن شئت ، وارفعه إن شئت ، ( والرفع صَحِّحْ ) أي : اعتبره صحيحاً.واعتقد إذا رفعت بها أنها مخففة من الثقيلة ، فهذا مطرد وكثير في كلامهم .
    ***

    679- وَبَعْضُهُمْ أَهْمَلَ أنْ حَمْلاً عَلَى مَا أُخْتِهَا حَيْثُ اسْتَحَّتْ عَمَلا

    أي : بعض العرب يهمل ( أن ) المصدرية فلا ينصب المضارع بعدها بل يرفعه ، حملاً على أختها (ما ) المصدرية التي لا تنصب ، لاشتراكهما في أنهما يقدران بمصدر . فتقول : يسرني أن تجتهدُ . برفع ( تجتهد ) على إهمال ( أنْ ) ( ) .
    قوله : ( حيث استحقت عملا ) الظرف ( حيث ) متعلق بالفعل ( أهمل ) أي : أهملها في كل موضع تستحق فيه أن تنصب المضارع .

    680- وَنَصَبُوا بِإذَنِ الْمُسْتَقْبَلا إنْ صُدِّرَتْ والْفِعْلُ بَعْدُ مُوصَلا
    681- أوْ قَبْلَهُ الْيَمِينُ وانْصِبْ وارْفَعَا إذَا إذَنْ مِنْ بَعْدِ عَطْفٍ وَقَعَا

    4- ذكر الرابع من نواصب المضارع وهي ( إذن ) . وهي حرف جوابٍ دائماً وجزاءٍ غالباً ، فإذا قال أخوك : أزورك غداً إن شاء الله ، فقلتَ له : إن أكرمَك . فقد أجببته ، وجعلت الإكرام جزاء زيارته ، فـ ( إذن ) حرف نصب وجواب وجزاء ، و ( أكرم ) فعل مضارع منصوب بـ ( إذن ) وعلامة نصبه الفتحة ، والكاف مفعول به ، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره : أنا .
    وهي تنصب المضارع بنفسها بثلاثة شروط :
    الشرط الأول – أن يكون المضارع مستقبلاً ، فإن كان حالاً أهملت . كما لو حدثك إنسان بحديث فقلت له : إذن أظنك صادقاً ، برفع المضارع ( أظن ) ، لأن زمنه للحال ، لأن الظن قائم وحاصل وقت الإجابة . و( إذن ) – هنا – حرف جواب لا جزاء .
    الشرط الثاني – أن تكون مصدَّرة ، أي في أول الكلام ، فإن كانت في وسط الكلام لم تنصب المضارع ، نحو : أنا إذن أكرمُك ، برفع المضارع .
    فإن كان المتقدم عليها حرف عطف ، وهو الواو أو الفاء جاز في الفعل وجهان :
    أ- الرفع فهي مهملة ، على اعتبار العطف وهو الأرجح ، كقوله تعالى :{وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً}(الإسراء : 76) .وقوله تعالى :{ فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً }( النساء : 53). وقوله تعالى : { وَإِذاً لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلاً } ( الأحزاب : 16) . فقد قرأ السبعة برفع المضارع ، قال ابن مالك في شرح كافيته ( إلغاؤها أجود ، وهو لغة القرآن التي قرأ بها السبعة .. ) ( ) . ا هـ . ولم تقع ( إذن ) الناصبة للمضارع المصدرة في القرآن الكريم ( ) .
    ب – النصب فهي عاملة على اعتبار أن الحرف للاستئناف ، فتكون ( إذن ) في صدر جملة جديدة مستقلة بإعرابها .
    الشرط الثالث : أن يكون المضارع متصلاً بها لم يفصل بينهما فاصل ، فإن كان فاصل أهملت . كأن يقول لك : أزورك غداً ، فتقول : إذن أخي يكرمُك برفع المضارع لوجود الفاصل،ويجوز الفصل بالقسم نحو:إذن والله أكرمَك ، بنصب المضارع وهذا معنى قوله ونصبوا بإذن المستقبلا .. إلخ ) أي : أن العرب نصبت المضارع بـ ( إذن ) إذا كان مستقبل الزمن وكانت (إذن ) مصدرة في أول جملتها ، والفعل المضارع متصلاً بها بغير فاصل بينهما أو بفاصل هو القسم ، ثم قال : انصب المضارع أو ارفعه إذا كانت ( إذن ) واقعة بعد حرف عطف ، ولم يقيد هذا العاطف بالواو أو الفاء كما ذكر النحاة .
    ****



     


  2. #2
    Banned
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    المشاركات
    2,206

    افتراضي

    ****
    682- وَبَيْنَ لَا وَلَامِ جَرٍّ الْتُزِمْ إظْهَارُ أنْ نَاصِبَةً وَإنْ عُدِمْ
    683- لا فَأَنْ اعْمِلْ مُظْهِراً أوْ مُضْمِراً وَبَعْدَ نَفْي كَانَ حَتْماً أُضْمِرَا
    684- كَذَاكَ بَعْدَ أوْ إذَا يَصْلُحُ في مَوْضِعِهَا حَتَّى أَوِ إلّا أنْ خَفِي

    اختصت (أن) المصدرية بأنها تنصب المضارع ظاهرة ومضمرة ،ولها بهذا الاعتبار ثلاث حالات :
    الأولى : أن تظهر وجوباً .
    الثانية : أن تظهر جوازاً .
    الثالثة : أن تضمر وجوباً .
    فتظهر وجوباً إذا وقعت بين (لام ) الجر و( لا ) سواء كانت (لا ) نافية أم زائدة . فمثال النافية : أحضر مبكراً لئلا يفوتَني الصف الأول ، قال تعالى : ( لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ) ( النساء : 165) . ( فلئلا ) اللام حرف تعليل وجر ، و( أن ) حرف مصدري ونصب ، و ( لا ) نافية ، والهمزة في ( لئلا ) هي همزة ( أن ) وأما نونها فمدغمة في ( لا ) فلا تظهر لا لفظاً ولا خطّاً .و (يكونَ ) فعل مضارع ناقص منصوب بـ ( أن ) و ( للناس ) خبر مقدم و ( حجة ) اسمه مؤخر . ومثال الزائدة : قوله تعالى : (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) (الحديد: من الآية29). أي : ليعلم أهل الكتاب ، فـ (لا ) صلة للتوكيد ، إذ لو كانت نافية لفسد المعنى .
    الحالة الثانية : جواز إظهارها وإضمارها ، وذلك في موضعين :
    الأول : إذا وقعت ( أن ) بعد ( لام ) الجر ، ويقع المضارع بعدها مباشرة سواء كانت اللام للتعليل – وهي أن يكون ما بعدها علة لما قبلها – نحو : حضرت لأستفيدَ قال تعالى : (وأنزلنا إليك الذكر لتُبين للناس )( النحل : 44) . فـ (تبين) فعل مضارع منصوب بـ (أن) مضمرة جوازاً بعد (لام ) التعليل ،أو كانت اللام لبيان العاقبة ، وتسمى ( لام الصيرورة ) ( ) . وهي أن يكون ما بعدها نتيجة مترتبة على ما قبلها – كقوله تعالى : ( فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً ) ( القصص : 8) . فاللام هنا ليست للتعليل ، لأنهم لم يلتقطوه لذلك ، وإنما التقطوه ليكون لهم قرة عين ، فكان عاقته أن صار لهم عدواً وحزناً .
    أو كانت اللام زائدة ، وهي الواقعة بعد فعل متعدٍ ، وفائدتها التوكيد كقوله تعالى : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ) ( الأحزاب : 33) . فالفعل ( يريد ) متعدٍ ، ومفعوله هو المصدر المنسبك من ( أن ) المضمرة جوازاً بعد اللام ومن المضارع بعدها ، وهذه اللام زائدة بين الفعل ومفعوله : والتقدير والله أعلم : إنما يريد الله إذهاب الرجس عنكم .
    الموضوع الثاني : سيأتي ذكره في آخر الباب إن شاء الله .
    الحالة الثالثة : وجوب إضمار ( أن ) وذلك في خمسة مواضع .
    الأول : بعد ( لام الجحود ) ( ) ومعنى الجحود : النفي ، وهي اللام المسبوقة بـ (كون ) ماضٍ منفي بـ (ما) أو بـ (لم) ، نحو : ما كان الصديق ليخون صديقه ، لم يكن الغِنَى ليُطغيَ كرام النفوس . فـ ( اللام ) في ( ليخون ) و ( ليطغي ) لام الجحود . وتفيد توكيد النفي لأن الأصل ، ما كان يفعل ، ثم أدخلت اللام زيادة في تقوية النفي ، وسميت ( لام الجحود ) ؛ لملازمتها الجحد وهو النفي ، وهذا إصطلاح وإلا فالجحد هو الإنكار ، ومن ذلك قوله تعالى : ( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ) ( الأنفال : 33) . وقوله تعالى : ( لم يكن الله ليغفر لهم ) ( النساء : 137) .
    فـ ( ليعذبهم ) : اللام : لام الجحود ، و( يعذبَ ) فعل مضارع منصوب بـ ( أن ) المضمرة وجوباً بعد (لام ) الجحود ، والفاعل ضمير مستتر ، والهاء : مفعول به ، والميم : علامة الجمع ، والجملة صلة الموصول الحرفي ( أن ) ، والمصدر المؤول مجرور باللام ، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر ( كان )، والتقدير – والله أعلم _ وما كان الله مريداً لتعذيبهم
    الثاني : بعد ( أو ) العاطفة التي بمعنى ( حتى ) أو بمعنى ( إلا ) الاستثنائية .فتكون ( أو ) بمعنى : ( حتى ) إذا كان المعنى قبلها ينقضي شيئاً فشيئاً نحو : لألزمنَّك أو تقضيني حقي ، فالفعل ( تقضيَ ) منصوب بـ ( أن ) المضرمة وجوباً بعد ( أو ) وهي بمعنى (حتى ) إذ يصح أن يقال : لألزمنك حتى تقضيني حقي ، ومنه قول الشاعر :

    لأستسلهن الصعب أو أُدرك المنى فما انقادت الآمال إلا لصابر( )

    فالفعل ( أُدرك ) منصوب بـ ( أن ) المضمرة وجوباً بعد ( أو ) وهي بمعنى ( حتى ) لأن إدراك المنى يحصل شيئاً بعد شيء .
    وتكون (أو ) بمعنى (إلا ) إذا لم يصح وقوع (حتى ) موقعها نحو : يعاقب المسيء أو يعتذرَ ، فالفعل ( يعتذرَ ) منصوب بـ ( أن ) المضمرة وجوباً بعد (أو ) وهي بمعنى (إلا ) إذ يصح أن يقال : يعاقب المسيء إلا أن يعتذر ، ولا يصح وقوع ( حتى ) موقعها لفساد المعنى ، لأن الاعتذار لا يكون غاية للعقاب ، ومنه قول الشاعر :

    وكنت إذا غمزت قناة قوم كسرت كعوبها أو تستقيما ( )

    فالفعل ( تستقيم ) منصوب بـ ( أن ) المضمرة وجوباً بعد ( أو ) وهي بمعنى (إلا) أي : إلا أن تستقيم فلا أكسر كعوبها ، ولا يصح أن تكون بمعنى (حتى) لأن الاستقامة لا تكون غاية للكسر .
    وإلى ما تقدم أشار بقوله : ( وبين لا ولام جر التزم .. إلخ ) أي : يلزم إظهار ( أن ) الناصبة للمضارع إذا وقعت متوسطة بين ( لا ) بنوعيها ولام الجر ، وهذه الحالة الأولى من أحوال ( أن ) وهي وجوب إظهارها ، فإن عُدِمَ الحرف ( لا ) فأعمل ( أنْ ) ظاهراً أو مضمراً ، لأن الأمرين جائزان ، وهذا الموضع الأول من الحالة الثانية وهي جواز إضمارها وقوله : ( اعمل ) بكسر الميم فعل أمر من ( أعمل ) نقلت حركة الهمزة فيه إلى النون قبلها ثم حذفت ، ثم انتقل إلى الحالة الثالثة وهي وجوب إضمارها ، فذكر الموضع الأول ، بقوله : ( وبعد نفي كان حتماً أضمرا ) أي أضمر الحرف الناصب وهو ( أن ) إذا وقع بعد ( كان ) المنفية ، وذكر الموضع الثاني في قوله : ( كذاك بعد ( أو ) .. إلخ ) فـ ( أن ) مبتدأ قصد لفظه ، و ( خَفِي ) خبر . وقوله ( كذاك ) متعلق بـ ( خفي ) أو متعلق بمحذوف نعت لمصدر محذوف يقع مفعولاً مطلقاً لـ ( خفي )،والمعنى : أن الحرف المصدري ( أن ) خَفِيَ خفاءً . بمعنى أُضمر ولم يظهر بعد ( أو ) مثل ذلك الخفاء الذي وقع بعد ( لام الجحود ) يريد أنه خفاء واجب ، بشرط أن تكون ( أو ) بمعنى ( حتى ) أو ( إلا ) بحيث يصح إحلال أحد هذين الحرفين في موضعها .


    685- وَبَعْدَ حَتَّى هَكَذَا إضْمَارُ أنْ حَتْمٌ كَجُدْ حَتَّى تَسُرَّ ذَا حَزَنْ
    686- وَتِلْوَ حَتَّى حَالاً أوْ مُؤَوَّلاَ بِهِ ارْفَعَنَّ وانْصِبِ الْمُسْتَقْبَلا

    3 – الموضع الثالث لإضمار ( أن ) المصردية وجوباً بعد ( حتى ) وهي ( حتى ) الجارة للمصدر المؤول من ( أن ) المضمرة والمضارع بعدها ( ) ومعناها : إما الدلالة على الغاية فتكون بمعنى ( إلى أن ) كقوله تعالى :{قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى } ( طه : 91 ) .
    أو الدلالة على التعليل فتكون بمعنى : ( كي ) كقوله تعالى : { وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ } ( البقرة : 217) أو الدلالة على الاستثناء ، فتكون بمعنى ( إلا أن ) نحو : لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيمَ قلبه ، ولا يستقيمُ قلبه حتى يستقيم لسانه.قال تعالى:{وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً}(البقرة: 5).
    وشرط نصب المضارع بـ ( أن ) بعد ( حتى ) أن يكون الفعل مستقبلاً ، نحو : لا يُمدح الولد حتى ينالَ رضا والديه ، ومنه قوله تعالى : (وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ) ( البقرة : 196) . فـ ( حتى ) حرف غاية وجر ، و ( يبلغ ) فعل مضار منصوب بـ ( أن ) مضمرة وجوباً بعد ( حتى ) . أي : حتى بلوغِ الهدي مَحِلَّه ، و ( الهدي ) فاعل ، و ( محله مفعول به والهاء مضاف إليه .
    فإن كان الفعل بعدها غير مستقبل – بأن كان زمن الفعل هو زمن النطق - لم ينصب المضارع بعدها ، بل يرفع ، وتكون ( حتى ) ابتدائية ، وما بعدها مستأنف ، نحو : يجري الماء بين النخل حتى تشربُ ، فالفعل ( تشرب ) مرفوع وجوباً ، لأن معناه ،(وهو الشرب ) حاصل الآن في وقت التكلم ، فزمن الشرب والنطق واحد .
    ومنه قوله تعالى :{وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ } ( البقرة : 214) . فقد قرأ نافع المدني – من السبعة – برفع ( يقول ) لبيان الحال التي كان عليها الرسول ومن معه و ( حتى ) لا تعمل في حال . والتقدير : وزلزلوا فيما مضى حتى إن الرسول يقول : متى نصر الله ؟ فكيون قولهم مقدراً وقوعه في الحال ، وهو زمن التكلم لاستحضار صورته العجيبة .
    وقرأ الباقون من السبعة بنصب ( يقول ) وعليه الاختيار لأن عليه جماعة القراء ، وتكون ( حتى ) غاية للزلزلة ، لأنهم زلزلوا ثم جاء القول ، فيكون مستقبلاً بالنظر إلى الزلزال ، لا بالنظر إلى زمن نزول الآية فهو ماض ( ) . ومعنى ( زلزلوا ) : خُوِّفوا وأزعجوا إزعاجاً شديداً .
    وفيما يتعلق بـ ( حتى ) يقول ابن مالك ( وبعد حتى هكذا إضمار "إن" ) أي : أنّ إضمار ( أنْ ) بعد ( حتى ) واجب كالإضمار السابق ، ثم ذكر المثال ( جُدْ حتى تَسرَّ ذا حزن ) وجُدْ : بضم الجيم أمر من : جاد يجود ، والجود ضد البخل ، و ( تسرَّ ) بضم السين المهملة من السرور ضد الحَزَن – بفتح المهملة والزاي – ثم قال : ارفع المضارع التالي ( حتى ) حال كونه ( حالاً ) أو مؤولاً بالحال ، لأن نصبه بتقدير ( أنْ ) وهي للاستقبال ، والحال ينافيه ، وانصب المضارع المستقبل الذي لم يؤول بالحال .

    *****


  3. #3
    Banned
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    المشاركات
    2,206

    افتراضي

    687- وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ أوْ طَلَبْ مَحْضَيْنِ أنْ وَسَتْرُهَا حَتْمٌ نَصَبْ

    4- الموضع الرابع لإضمار ( أن ) وجوباً أن تقع بعد ( فاء ) السببية إذا كانت مسبوقة بنفي محض أو طلب محض ، فهما شرطان :
    الأول : أن تكون الفاء للسببية ، وهي التي يكون ما قبلها سبباً في حصول ما بعدها .
    الثاني : أن تكون مسبوقة بنفي محض ، وهو الخالص من معنى الإثبات ، لم ينتقض نفيه بـ ( إلا ) ولا بنفي آخر يزيل أثره ويجعل الكلام مثبتاً ، أو مسبوقة بطلب محض ، وهو أن يكون الطلب بفعل صريح ، وهو الأمر والدعاء والنهي ( ) لأن صيغها اللفظية تدل نصّاً وأصالة على الطلب بدون واسطة ، ويلحق بذلك : الاستفهام ، والعرض، والتحضيض ، والتمني ، وكذا الترجي – على الصحيح – فإنها تفيد الطلب ولكنها تدل عليه دلالة غير محضة ، لكون الطلب فيها تابعاً لمعنى آخر يتضمنه – فالتمني – مثلاً لا يدل على الطلب مباشرة ، بل لأن تمني الشيء المحبوب يلزم منه طلب مجيئه ، وهكذا الباقي .. .
    فمثال النفي : لم يُسأل فيجيبَ : فالفعل ( يجيبَ ) منصوب بـ ( أنْ ) مضمرة وجوباً بعد ( فاء ) السببية ، لأن السؤال سبب الإجابة ، وقد تقدم عليها نفي لم ينتقض ، ومنه قوله تعالى : { لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا } ( فاطر : 36) . فـ ( يموتوا ) فعل مضارع منصوب بـ ( أن ) مضمرة وجوباً ، وعلامة نصبه حذف النون ، والواو : فاعل .
    وأما الطلب فيشمل الأمر نحو : احترام الصديق فتدومَ لكَ صداقته ، ومنه قوله تعالى : {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ}(البقرة : 117) . فقد قرأ ابن عامر – من السبعة – بنصب ( يكون ) جواباً لقوله ( كن ) وهو أمر ، أو شبيه بالأمر ، وقرأ الباقون برفع ( يكون ) على الاستئناف ، أو بالعطف على( يقول )( ) .
    ويشمل النهي نحو : لا تغشَّ في البيع فتُنـزعَ البركة، قال تعالى:{ لاَّ تَجْعَل مَعَ اللّهِ إِلَـهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً }( الإسراء : 22) . فـ ( تقعد ) فعل مضارع منصوب بـ (أن) مضمرة وجوباً في جواب النهي ، وعلامة نصبه الفتحة .
    والتحضيض نحو : هلّا تزورنا فتحدثَنا ، ومنه قوله تعالى : { لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ } ( المنافقون : 10) . فـ ( أصدق ) مضارع منصوب بـ ( أن ) مضمرة وجوباً ، في جواب التحضيض ( ) .
    والتمني نحو : ليت لي مالاً فأتصدقَ منه . ومنه قوله تعالى : { يَا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً } ( النساء : 73) . فـ ( أفوز ) فعل مضارع منصوب بـ ( أن ) مضمرة وجوباً في جواب التمني،وقوله تعالى:{لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ}( البقرة : 167) فـ ( نتبرأ ) فعل مضارع منصوب بـ ( أن ) المضمرة وجوباً بعد الفاء في جواب التمني وهو ( لو ) .
    والعرض نحو : ألا تزورُنا فتحدثَنا .
    والاستفهام نحو : هل تزورُنا فتحدثَنا . ومنه قوله تعالى : { فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ } ( الأعراف : 53) . فـ ( يشفعوا ) فعل مضارع منصوب بـ ( أن) مضمرة وجوباً في جواب الاستفهام ، وعلامة نصبه حذف النون ، والواو : فاعل .
    والدعاء نحو : رب وفقني فلا أنحرفَ .
    والترجي – وسيذكره ابن مالك – نحو : لعلك تتقي الله فتفوزَ برضاه ، ومنه قوله تعالى : { لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ } بنصب ( أطلع ) على قراءة حفص عن عاصم ، وهو منصوب لأنه وقع بعد ( فاء ) السببية في جواب الترجي ، وقرأ الباقون بالرفع عطفاً على ( أبلغ ) .
    وقولنا : ( بعد فاء السببية ) احتراز من العاطفة على صريح الفعل كقوله تعالى : {وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ } ( المرسلات : 36) ، فالفعل ( يعتذرون ) معطوف على ( لا يؤذن ) فهو مرفوع مثله . ليدل على نفي الإذن والاعتذار عقبه مطلقاً . أي : لا يؤذن لهم فلا يعتذرون ، واحتراز من الاستئنافية نحو : ألم تسأل عليّاً فيخبرُك ، برفع ( يخبرك ) على الاستئناف .
    وقولنا : ( بنفي محض ) احتراز من النفي غير المحض وهو ما انتقض بـ ( إلا ) نحو : ما تأتينا إلا فتحدثُنا ، أو كان النفي بعد تقرير ، نحو : ألم تأتني فأحسنُ إليك ( ) . أو كان النفي بعده نفي إثبات نحو : ما تزال تأتينا فتحدثنا ، لأن نفي النفي إثبات ، فيجب رفع المضارع بعد الفاء في هذه المُثُل .
    وقولنا : ( بطلب محض ) احتراز من الطلب غير المحض وهو ما كان باسم فعل أو بلفظ الخبر ، فالأول نحو : صه فأحدثُك . برفع المضارع بعد ( الفاء ) . والثاني نحو : حسبُك الحديث فينامُ الناس . برفع المضارع بعد ( الفاء ) . وسيذكر ابن مالك هذا فيما بعد .
    وهذا معنى قوله : ( وبعد فاء جواب نفي إلخ ) فـ ( أنْ ) قُصد لفظه : مبتدأ ( وسترها حتم ) الجملة حال ، وقوله ( نصب ) خبر المبتدأ ( أن ) ، والتقدير : أنْ نَصَبَ المضارع في حال كون سترها – أي : إضمارها – حتماً . أي : واجباً ، بعد ( فاء ) السببية التي في صدر كلام يقع جواباً لنفي محض أو طلب محض ، ولم يتعرض للتفضيل ، وقد استعمل ابن مالك لفظ ( أن ) بمعنى الحرف ، فأعاد الضمير عليه مذكراً في قوله ( نَصَبْ ) واستعملها بمعنى الكلمة ، فأعاد الضمير عليها مؤنثاً في قوله ( وسترها ) وهذا جائز .

    ****


    688- وَالوَاوُ كَالْفَا إنْ تُفِدْ مَفْهُومَ مَعْ كَلا تَكُنْ جَلْداً وَتُظْهِرُ الْجَزَعْ

    5- الموضع الخامس : من مواضع إضمار ( أن ) وجوباً أن تقع بعد ( واو ) المعية إذا كانت مسبوقة بنفي محض أو طلب محض ، فهما شرطان :
    الأول : أن تكون الواو للمعية . وهي التي تفيد مصاحبة ما قبلها لما بعدها ، بمعنى أنهما يحصلان معاً في زمن واحد يجمعهما .
    الثاني : أن تكون مسبوقة بنفي محض أو طلب محض .
    فمثال النفي : لا آمرك بالمعروف وأعرضَ عنه . فالفعل ( أعرض ) منصوب بـ ( أن ) مضمرة وجوباً بعد ( واو ) المعية . لأن المنفي هو مصاحبة الإعراض عن المعروف مع الأمر به ، وقد تقدم على ( الواو ) نفي محض لم ينتقض ، ومنه قوله تعالى : { وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ } ( آل عمران : 142) . فـ ( يعلم ) الثاني فعل مضارع منصوب بـ ( أن ) مضمرة وجوباً بعد ( واو )( المعية ، وقد سبقت بالنفي ( ولما يعلم ) والفعل بعد النفي مجزور بـ (لما ) وعلامة جزمه السكون،وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين .
    وأما الطلب فمنه الأمر ، نحو : زرني وأكرمَك ، ومنه قول الشاعر :
    فقلت ادعي وأدعوَ إن أندى لصوت أن ينادي داعيانِ ( )

    فنصب الشاعر المضارع ( ادعوَ ) بأن مضمرة وجوباً بعد واو المعية في جواب الأمر .
    والنهي نحو: لا تأمر بالصدق وتكذبَ ، ومنه قول الشاعر :

    لا تنه عن خلق وتأتيَ مثله عار عليك إذا فعلت عظيم ( )

    فنصب المضارع ( تأتيَ ) بأن مضمرة وجوباً بعد واو المعية في جواب النهي .
    والاستفهام نحو : هل حفظت الأحاديث واسمعَها منك ؟
    ومنه قول الشاعر :

    ألم أكُ جارَكم ويكونَ بيني وبينكم المودةُ والإخاءُ ؟( )

    فنصب المضارع ( يكونَ ) بأن مضمرة وجوباً بعد واو المعية في جواب الاستفهام .
    التمني نحو : ليت لي مالاً وأتصدقَ منه ومنه قوله تعالى عن الكفار :{يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}(الأنعام : 27) .فقد قرأ حفص وحمزة (ولا نكذبَ) بالنصب جواباً للتمني بعد واو المعية ، وقرأ ابن عامر وحمزة وحفص ( ونكونَ ) بالنصب عطفاً عليه ، ورفعهما الباقون عطفاً على ( نردُّ ) ( ) .
    وأما العرض والتحضيض والترجي من أنواع الطلب المتقدمة ، فمن النحويين من يقيسها على ما ذكر وينصب المضارع بعدها ، ومنهم من يرى أن وقوعها قبل الواو لا يوجب نصب المضارع ، ولا تكون الواو للمعية بحجة عدم ورود السماع ( ) .
    وقولنا بعد ( واو المعية ) احتراز من العاطفة والاستئنافية فإنه لا ينصب المضارع بعدهما بعد النفي أو الطلب ، لأن العاطفة تقتضي التشريك بين الفعل والفعل ، والاستئنافية تقتضي أن يكون ما بعدها خبراً لمبتدأ محذوف ، ولهذا جاز في الفعل بعد الواو في نحو : لا تأكل وتتلكم ، ثلاثة أوجه :
    1 – الجزم على التشريك بين الفعلين ، ويكون النهي مسلطاً على الأمرين معاً وهما : الأكل والكلام ، والمراد النهي عن كل منهما على حدته .
    2- الرفع على إضمار مبتدأ ، وتكون الواو استئنافية ، ويكون النهي عن الأول فقط . أي : لا تأكل ، ولك الكلام ، أو تكون للحال ، فيكون النهي عن المصاحبة ، أي لا تأكل وأنت تتكلم .
    3- النصب على معنى النهي عن الجمع بينهما ، فتكون الواو للمعية . أي : لا يكن منك أن تأكل وأن تتكلم .
    وقد أشار ابن مالك للموضع الخامس بقوله : ( والواو كالفا .. إلخ ) أي : بأن الواو كفاء السببية في وقوعها بعد النفي والطلب المحضين ، ونَصْبِ المضارع بعدها بأن المضمرة وجوباً . بشرط أن تفيد ( مفهوم مع ) أي : دالة على المعية . ثم ساق المثال : ( لا تكن جلداً وتظهر الجزع ) أي : لا تكن جلداً في وقت إظهار الجزع ، وفي المثال عيب معنوي إذ كيف يكون جلداً مع إظهاره الجزع .

    *****


  4. #4
    Banned
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    المشاركات
    2,206

    افتراضي

    689- وَبَعْدَ غَيْرَ النَّفْي جَزْماً اعْتَمِدْ إنْ تَسْقُطِ الْفَا وَالْجَزَاءُ قَدْ قُصِدْ
    690- وَشَرْطُ جَزْمٍ بَعْدَ نَهْيٍ أنْ تَضَعْ إنْ قَبْلَ لَا دُونَ تَخَالُفٍ يَقَعْ

    تقدم أن المضارع إذا وقع بعد ( الفاء ) التي تقدمها نفي أو طلب فإنه ينصب بـ ( أن ) مضمرة وجوباً . وذكر هنا أن ( الفاء ) إذا حذفت بعد غير النفي ( ) . – وهو الطلب – وقُصِدَ الجزاء ، جزم المضارع الذي بعدها ، فشرط الجزم ثلاثة أمور :
    1- أن يتقدم لفظ دال على الطلب ؛ كالأمر والنهي .
    2- أن يقصد الجزاء بمعنى : أن هذا المضارع متسبب وناتج عن ذلك الطلب .
    3- إن كان الطلب بغير النهي – كالأمر – فشرطه : صحة المعنى بوضع ( إنْ ) الشرطية ، وفعل مفهوم من السياق موضع الطلب ، وإن كان الطلب بالنهي فشرطه : أن يستقيم المعنى بحذف ( لا ) النافية ، ووضع ( إنْ ) الشرطية وبعدها ( لا ) النافية محل (لا ) الناهية .
    مثال ذلك : عامل الناس بالحسنى يألفوك : فالفعل ( يألفوك ) مجزوم ، وعلامة جزمه حذف النون ، لأنه من الأمثلة الخمسة ، وقد تقدم عليه طلب وهو الأمر ( عاملْ ) ، ويصح إحلال (إنْ ) والفعل محل الطلب فيقال : إن تعامل الناس بالحسنى يألفوك .
    والجازم له هو وقوعه في جواب الطلب ( ).ومنه قوله تعالى:{ قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ }( الأنعام : 151) . ، فـ ( أتل ) فعل مضارع مجزوم بحذف حرف العلة وهو الواو ، لوقوعه في جواب الطلب ( تعالوا ) وقد قصد الجزاء إذ المعنى : تعالوا فإن تأتوا أتلُ عليكم . فالتلاوة مسببة وناتجة عن مجيئهم .
    ومثال النهي : لا تعجل في أمورك تسلمْ . فالفعل ( تسلم ) مجزوم لوقوعه في جواب الطلب وهو النهي ، ويصح أن تضع (إن ) قبل (لا ) فتقول : إن لا تعجل في أمورك تسلم .
    فإن لم يتقدم طلب بل تقدم نفي أو خبر مثبت لم يصح جزم المضارع ، بل يجب رفعه ، نحو: ما تأتينا تحدثُنا ، ونحو : أنت تأتينا تحدثُنا : برفع ( تحدثنا ) في المثالين .
    وكذا إن لم يقصد الجزاء نحو : ائتني برجل يحبُّ الله ورسوله ، فلا يجوز جزم المضارع ( يحب ) لعدم قصد الجزاء ، لأن المحبة ليست ناتجة عن الإتيان به ، وإنما المراد أن هذه صفته .
    وكذا إن لم يستقم المعنى بوضع ( إنْ ) وفعل مفهوم من السياق موضع الطلب ، نحو : أين منزلك أقفُ في الشارع ؟ برفع (أقفُ ) ولا يجوز جزمه . إذ لا يصح أن يقال : إن تعرّفني منزلك أقف في الشارع ، لعدم استقامة المعنى .
    وكذا يجب الرفع إذا لم يستقم المعنى عند إحلال ( إنْ ) الشرطية و (لا ) النافية معاً محل ( لا ) الناهية ، نحو : لا تدنُ من الأسد يأكلُك ، برفع ( يأكلُك ) ، ولا يجوز جزمه إذ لا يصح : إن لا تدنُ من الأسد يأكلك . وهذا معنى قوله : ( وبعد غير النفي جزماً اعتمد .. إلخ )اعتمد جزم المضارع بعد غير النفي – والمراد الطلب – ( إن تسقط الفاء – أي لم توجد ، مع قصد الجزاء ، ثم ذكر أن شرط الجزم بعد النهي صحة وضع ( إنْ ) الشرطية قبل (لا ) الناهية ، بشرط ألا يقع اختلاف في المعنى قبل مجيء ( إن ) سابقةً (لا ) وبعد مجيئها .


    691- وَالأمْرُ إنْ كَانَ بِغَيْرِ افْعَلْ فَلا تَنْصِبْ جَوَابَهُ وَجَزْمَهُ اقْبَلَا

    تقدم أن الأمر إذا كان مدلولاً عليه باسم فعل أو بلفظ الخبر لم يجز نصب المضارع بعد الفاء عند الأكثرين ، وقد صرح بذلك هنا ، نحو : صه فأحدثُك ، وحسبك الحديث فينامُ الحاضرون . برفع الفعلين ( أحدثك ، وينام ) ( ) .
    فإن سقطت الفاء جزم المراضع لوقوعه في جواب الطلب فتقول : صه أحدثْك ، وحسبك الحديث ينمْ الحاضرون ، ومنه قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ } ( الصف : 10-12 ) بجزم المضارعين ( يغفر ويدخل ) في جواب الجملة الخبرية ( تؤمنون وتجاهدون ) لأنها وما عطف عليها بمعنى الأمر ، والتقدير – والله أعلم – آمنوا وجاهدوا يغفر لكم .. وليس الجزم راجعاً لوقوعهما جواباً للاستفهام ( هل أدلكم .. ) لأن غفران الذنوب لا يتسبب عن الدلالة ، بل عن الإيمان والجهاد .
    وهذا معنى قوله : ( والأمر إن كان بغير افعل .. إلخ ) أي : أن الأمر – وهو من أنواع الطلب – إن كانت صيغته ليست الصيغة الصريحة فيه – وهي صيغة " افعل " بل كان بلفظ الخبر – مثلاً – فإنه لا يجوز نصب المضارع بعد الفاء .
    وأما جزم هذا المضارع بعد سقوط الفاء فهو جائز ، وقوله ( اقبلا ) أصلها ، اقبلنْ . فهو فعل أمر مبني على الفتح ، لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة المنقلبة ألفاً للوقف .

    692- والْفَعْلُ بَعْدَ الْفَاءِ فِي الرَّجَا نُصِبْ كَنَصَبِ مَا إلَى التَّمَنِّى يَنْتَسِبْ

    أي : أن الفعل المضارع يُنصب بـ ( أن ) بعد الفاء الواقعة جواباً للترجي ، كما ينصب بعد الفاء الواقعة جواباً للتمني ، وقد تقدم ذكر ذلك.
    وإنما فَصَل هذا المواضع عن المواضع السابقة – من أنواع الطلب – لما فيه من الخلاف ، فإن البصريين خالفوا في ذلك وقالوا : إن الرجاء ليس له جواب منصوب ، وتأولوا ذلك ( ) .
    والصواب قول الكوفيين بجوازه ، لأنه مؤيد بالسماع كما تقدم .
    ومن ذلك – أيضاً – قوله تعالى:{ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى} ( عبس : 3- 4 ) . فقد قرأ عاصم بنصب ( تنفع ) في جواب الترجي ، وقرأ الباقون بالرفع عطفاً على ما قبله والتقدير : ( لعله تنفعه الذكرى ) ( ) .

    693- وَإنْ عَلَى اسْم خَالِصٍ فِعْلٌ عُطِفْ تَنْصِبُهُ أنْ ثَابِتاً أوْ مُنْحَذِفْ

    ذكر الموضع الثاني من مواضع إضمار ( أن ) جوازاً ، وهو أن تقع (أن ) بعد عاطف مسبوق باسم خالص من معنى الفعل ، والمراد به : الاسم الجامد المحض الذي ليس في تأويل الفعل ، والعاطف واحد من أربعة وهي :
    1 – الواو كقول المرأة :

    ولبسُ عباءة وتقرَّ عيني أحبُّ إلي من لبس الشُّفُوفِ ( )

    فـ ( تقرَّ ) مضارع منصوب و ( أن ) مضمرة جوازاً بعد واو عاطفة على اسم خالص من معنى الفعل وهو ( لُبْسُ ) .
    2- الفاء ، نحو : تعبُك فتنالَ المجد خير من راحتك وإهمالك ومنه قوله الشاعر :

    لو لا توقُّعُ مُعْتَرٍّ فأرضيه ما كنت أوثر إتراباً على تَرَبِ ( )

    فـ ( أرضيه ) مضارع منصوب ، بـ ( أن ) مضمرة جوازاً بعد ( الفاء )، لأنه معطوف على اسم ليس في تأويل الفعل وهو قوله : ( توقّع ) .
    3 – ثم ، نحو : إن جمعي المال ثم أمسكَه دليل الحرمان ، ومنه قول الشاعر :

    إني وقتلي سليكاً ثم أعقلَه كالثور يضرب لما عافت البقر ( )

    فـ ( أعقله ) مضارع منصوب بـ ( أن ) مضمرة جوازاً بعد ( ثم ) ، لأنه معطوف على اسم صريح وهو قوله ( قتلي ) .
    4 – أو ، كقوله تعالى : (( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً )) ( الشورى : 51) بنصب ( يرسل ) بإضمار (أن) و(أن ) والفعل معطوفان على ( وحياً ) لأن معناه : إلا أن يوحي ، أي : وحياً أو إرسالاً . قرأ بذلك السبعة عدا نافعاً المدني ، فقد قرأ برفع ( يرسل ) ، إما على الاستئناف والقطع عما قبله ، أو أنه على إضمار مبتدأ ، أي: أو هو يرسل ، أو أنه معطوف على ( وحياً ) على أنه حال ، لأنه في تقدير الحال : فكأنه قال : إلا موحياً أو مرسلاً ( ) وقولنا ( مسبوق باسم خالص ) احتراز من الاسم غير الخالص ، وهو ما فيه معنى الفعل كاسم الفاعل ، نحو : المتكلم فيستفيدُ الطالب هو المحاضر ، فـ ( المتكلم ) اسم فاعل فيه معنى الفعل ، وهو واقع موقعه ، لأنه صلة لـ (أل ) والأصل في الصلة أن تكون جملة ، فهو بمنزلة ( يتكلم ) والتقدير : الذي يتكلم . فلما جاءت ( أل ) عدل إلى اسم الفاعل ، لأن الفعل لا يصلح صلة لها . فيجب رفع الفعل ( يستفيد ) ، لأنه معطوف على اسم غير خالص من معنى الفعل .
    وهذا معنى قوله : ( وإن على اسم خالص فِعْلٌ عطف .. إلخ ) أي : وإن عطف الفعل المضارع على اسم خالص فإنه ينصب بـ ( أنْ ) ، ويجوز حينئذ إظهارها وإضمارها ، وكان الأولى أن يذكر هذا البيت عند ذكر (لام ) التعليل فإنها مثلها في جواز الإظهار والإضمار ، لتكون مواضع الإضمار الجائزة متوالية .
    ***

    694- وَشَذَّ حَذْفُ أنْ وَنَصْبٌ فِي سِوَى مَا مَرَّ فاقْبَلْ مِنْهُ مَا عَدْلٌ رَوَى

    لما ذكر المواضع التي ينصب فيها المضارع بـ ( أن ) محذوفة وجوباً أو جوازاً ، ذكر أنه سمع من العرب نصبه بـ ( أن ) محذوفة في غير هذه المواضع ، كقولهم : خذ اللصَّ قبل يأخذك . أي : قبل أن يأخذك . وقول الشاعر :


    ألا أيُّهذا الزاجري أحضرَ الوغى وأن أشهد اللذات هل أنت مُخْلدي ؟ ( )

    فنصب المضارع ( أحضرَ ) بـ ( أن ) محذوفة في غير موضع من المواضع السابقة ، وإنما سهل ذلك وجود (أن ) ناصبة في آخر البيت ، وذلك في قوله : ( وأن أشهد اللذات ).
    وما ورد من ذلك محكوم عليه بالشذوذ ، فلا يقاس عليه . حرصاً على سلامة اللغة . وبعداً عن اللبس والاضطراب في فهمها .
    وقوله : ( فاقبل منه ما عدلٌ روى ) أي : أن ما رواه العدل منصوباً من ذلك . يقبل كما رواه .


  5. #5
    Banned
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    المشاركات
    2,206

    افتراضي

    عـوامـل الجـزم

    695- بِلَا وَلَامٍ طَالِباً ضَعْ جَزْمَا فِي الْفِعلِ هكَذَا بِلَمْ وَلَمَّا
    696- وَاجْزِمْ بِإنْ وَمَنْ وَمَا وَمَهْمَا أيٍّ مَتَى أيَّانَ أيْنَ إذْ مَا
    697- وَحَيْثُمَا أنَّى وَحَرْفٌ إذْ مَا كَإِنْ وَبَاقِي الأَدَوَاتِ أَسْمَا .

    تقدم أن إعراب المضارع رفع ونصب وجزم ، وقد مضى الكلام على الرفع والنصب ، وهذا الكلام في الجزم ، وأفرد لطوله . وكان الأولى أن يعبر بـ ( فصل ) لأنه من جملة الباب السابق .
    والجازم نوعان :
    1- نوع لفعل واحد . 2- جازم لفعلين .
    فالجازم لفعل واحد خمسة :
    1- الطلب ، وهذا تقدم .
    2- لا الطلبية ، فإن كان من أعلى إلى أدنى فهو نهي كقوله تعالى : { لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ }( لقمان : 13 ) . وإن كان من أدنى إلى أعلى فهو دعاء ، نحو : { رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا }( البقرة : 286) . وإن كان من المساوي لمساويه فهو التماس كقولك لزميلك : لا تتأخر في الحضور .
    3- لام الطلب ( ) فإن كان من أعلى إلى أدنى فهو أمر ، كقوله تعالى : { لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ } ( الطلاق : 7) . وإن كان من أدنى إلى أعلى فهو دعاء نحو : { لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ } ( الزخرف : 77) . وإن كان المساوي لمساويه فهو التماس . كقولك لزميلك : لتِأخذْ هذا الكتاب .
    4- لم ، وهي حرف نفي مختص بجزم المضارع ، يقلب زمنه من الحال والاستقبال إلى الزمن الماضي ( ) كقوله تعالى : { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ } ( الإخلاص : 3 ) .
    وقد تدخل عليها همزة الاستفهام التقريري ( ) فلا تغير عملها ، وهو كثير في القرآن ، وهو كثير في القرآن ، كقوله تعالى : { أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ } ( الشرح : 1 ) .
    5- لما الجازمة ، وهي تختص بالمضارع فتجزمه ، وتشترك مع (لم ) بالحرفية والنفي والجزم والقلب للمضي ، وجواز دخول همزة الاستفهام عليهما ( ) . كقوله تعالى : { قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ } ( الحجرات : 14) . فـ (لم ) وكذا (لما) حرف نفي وجزم وقلب . والفعل بعد (لم) مجزوم وعلامة جزمه حذف النون ، لأنه من الأمثلة الخمسة ، وبعد (لما ) مجزوم بالسكون وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين .
    وتنفرد (لما ) بأمور :
    1- جواز حذف مجزوميها والوقف عليها في سعة الكلام نحو : قاربت مكة ولما ، أي : ولما أدخلْها .
    2- وجوب امتداد الزمن النفي بها إلى زمن النطق فيشمل الزمان الماضي والحالي معاً ، نحو : أعجبني تفسير ابن كثير وحسن طباعته ولما أشتره ، أي : ولما أشتره لا في الزمن الماضي – قبل الكلام – ولا في الحال – وقت الكلام - .
    3- جواز توقع ثبوت مجزومها وحصوله بزوال النفي نحو : لما تشرق الشمس ، أي : لم تشرق قبل الكلام ولا في أثنائه.ومن المنتظر أن تشرق ، ومنه قوله تعالى : { بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ }(ص:8).وقوله تعالى : { وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ } ( الحجرات : 14)
    ومما تنفرد به ( لم ) :
    1- صحة دخول بعض أدوات الشرط عليها كقوله تعالى:{وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}( الحجرات : 11 ).وقوله تعالى:{وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} ( المائدة : 67) . بخلاف (لما ) فلا تقع بعد أدوات الشرط ولا تسبقها .
    2- جواز أن يكون معنى المضارع المنفي بها قد انتهى وانقطع قبل زمن التكلم ، كقوله تعالى : { هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً } ( الإنسان : 1) . أي : ثم كان ، وقد يكون مستمراً متصلاً بالحال غير منقطع ، كقوله تعالى : { وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً } ( مريم : 4 ) .
    ولهذا يصح أن تقول : لم يحضر الضيف وقد حضر ، ولا يصح : لما يحضر الضيف وقد حضر ويجوز : وقد يحضر ، أو : وسوف يحضر ؛ لما تقدم .
    أما النوع الثاني من الجوازم وهو ما يجزم فعلين ، فقد ذكر منه ابن مالك إحدى عشرة أداة ، منها ما هو اسم له محل من الإعراب ، ومنها ما هو حرف لا محل له من الإعراب ، وسأبين ذلك لأهميته في الإعراب ، فأقول – مستعيناً بالله - :
    1- إن : وهي حرف شرط جازم لا محل له من الإعراب وتفيد تعليق وقوع الجواب على وقوع الشرط من غير دلالة على زمان أو مكان أو عاقل أو غير عاقل ، نحو : إن تصحب الأشرار تندمْ : ومنه قوله تعالى:{ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ }( النساء : 133).
    2- مَنْ : اسم شرط جازم مبني على السكون . وهي للعاقل ، وتكون في محل رفع مبتدأ إن كان فعل الشرط لازماً نحو : من يكثرْ كلامه يكثرْ ملامه ، ومنه قوله تعالى : {مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا } ( النمل : 89) . فـ ( من ) اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ . ( جاء ) فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط ، وجملة ( فله خير منها ) في محل جزم جواب الشرط . وجملة الشرط خبر المبتدأ على الأرجح ( ) . وكذا تعرب مبتدأ إذا كان الفعل ناسخاً ، نحو : من يكن عجولاً يكثر زلله ، ومنه قوله تعالى : {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ } ( الشورى : 20 ) . فـ (من ) مبتدأ ، و (كان ) فعل ماض فعل الشرط ، واسمها ضمير مستتر يعود على ( من ) وجملة ( يريد) خبرها ، وجواب الشرط ( نزد له ) وجملة ( كان يريد ) في محل رفع خبر المبتدأ .
    أو كان الفعل متعدياً واقعاً على أجنبي ( ) . منها ، نحو : من احترام الناس احترموه ، ومنه قوله تعالى: { مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ } ( النساء : 123) .
    فـ ( من ) اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ ( يعمل ) فعل الشرط مجزوم بالسكون ، وفاعله ضمير مستتر جوازاً تقديره ( هو ) يعود على (من ) ، والجملة خبر المبتدأ (من ) ( سواءً ) مفعول به منصوب ( يجز ) جواب الشرط مجزوم بحذف حرف العلة وهو الألف .
    وتكون في محل نصب مفعول به إذا كان فعل الشرط متعدياً واقعاً على معناها ، نحو : من تساعد أساعده ، فـ (من ) اسم شرط مفعول مقدم للفعل ( تساعد ) لأنه لم يأخذ مفعوله .
    و تكون في محل جر إن سبقت بحرف جر أو بمضاف نحو : عمن تتعلم أتعلم ، كتاب من تقرأ أقرأ .
    3- ما : اسم شرط جازم لغير العاقل ، وإعرابها كإعراب (من ) نحو : ما تنفق من خير تجد ثوابه ، ومنه قوله تعالى : { مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } (البقرة : 106) .
    فـ ( ما ) اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب مفعول مقدم لـ ( ننسخ ) و ( ننسخ ) فعل الشرط ( نأت ) جواب الشرط مجزوم بحذف حرف العلة وهو ( الياء ) .
    4- مهما : اسم شرط جازم – على الأرجح – وهي لغير العاقل . وإعرابها مثل إعراب (ما ) نحو : مهما تنفق في الخير يخلفْه الله . فـ ( مهما ) اسم شرط جازم في محل نصب مفعول مقدم ومنه قوله تعالى عن قوم موسى عليه الصلاة والسلام { وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ } ( الأعراف : 132) . فـ (مهما ) اسم شرط جازم مبنى على السكون في محل رفع مبتدأ ( وتأتنا ) فعل الشرط ، وهو مع فاعله خبر ( مهما ) وجملة ( فما نحن لك بمؤمنين ) جواب الشرط في محل جزم .
    5- أيّ : بالتشديد ، اسم شرط جازم وهي بحسب ما تضاف إليه ( ) فتكون للعاقل نحو : أيُّهم يقم أقم معه . وهي مبتدأ ، ولغير العاقل نحو : أيّ الكتب تقرأ أقرأ ، وهي مفعول به مقدم ، وتكون للزمان نحو : أيّ يوم تسافر أسافر ، وللمكان نحو : أيَّ بلد تسكن أسكن ، فتكون منصوبة على الظرفية ، وإن أضيفت إلى مصدر فهي مفعول مطلق نحو : أيّ نفع تنفع الناس يشكروك عليه .
    ومن أمثلتها قوله تعالى : { أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى } ( الإسراء : 110) . فـ ( أيا ) اسم شرط جازم منصوب بـ ( تدعوا ) على المفعول به و (ما ) حرف زائد إعراباً مؤكد معنًى ( وتدعوا ) فعل الشرط مجزوم بحذف النون لأنه من الأمثلة الخمسة ، والواو فاعل، وجملة ( فله الأسماء الحسنى ) جواب الشرط في محل جزم ، والتنوين في ( أيا ) عوض عن المضاف إليه ، أي أيّ اسم تدعوا فله الأسماء الحسنى . وزيدت (ما ) على أحد القولين لتأكيد ما في ( أي ) من الإيهام ، وقيل:إنها شرطية وجمع بينهما للتوكيد والله أعلم .
    6- متى : اسم شرط جازم ، وهي موضوعة للدلالة على مطلق الزمان ثم ضمنت معنى الشرط ، فهي في محل نصب على الظرفية الزمانية ، نحو : متى يأت فصل الصيف ينضج العنب . ولم تأت ( متى ) شرطية في القرآن .
    7- أيان : اسم شرط جازم مثل : ( متى ) نحو : أيان يكثر فراغ الشباب يكثر فسادهم . فـ ( أيان ) اسم شرط جازم مبنى على الفتح في محل نصب على الظرفية ، ( يكثر ) فعل الشرط .( يكثر فسادهم ) جواب الشرط . و ( فسادهم ) فاعل ، ولم تقع ( أيان ) شرطية في كتاب الله تعالى .
    8- أين : اسم شرط جازم ، ويحسن اتصالها بـ ( ما ) ليتمكن الشرط ، وهي موضوعة للدلالة على المكان ، ثم ضمنت معنى الشرط ، فتكون في محل نصب على الظرفية المكانية ، نحو : أينما تذهب أصحبْك ، ومنه قوله تعالى:{ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ} ( النحل : 76) فـ ( أين ) اسم شرط جازم مبني على الفتح في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بـ ( يوجهه ) و ( ما ) للتوكيد و ( يوجهه ) فعل الشرط ، والهاء مفعول به ( لا يأت بخير ) جواب الشرط مجزوم بحذف حرف العلة وهو ( الياء ) وقوله تعالى {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ } ( النساء : 78) .
    فـ ( أينما ) كما تقدم وهو متعلق بـ ( يدرككم ) و ( تكونوا ) فعل الشرط ، والواو فاعل ( كان ) التامة لأنها بمعنى : ( توجدوا ) وجواب الشرط ( يدرككم ) .
    9- إذما : وهي حرف شرط جازم – على الأرجح – فلا محل لها من الأعراب ، وهي لمجرد تعليق الجواب على الشرط مثل ( إنْ ) واتصالها بـ (ما ) الزائدة شرط في جزمها ، نحو : إذما تفعل شراً تندمْ ، فـ ( إذما ) حرف شرط جازم مبني على السكون لا محل له ( تفعل ) فعل الشرط ( تندم ) جواب الشرط ، ولم تقع ( إذما ) شرطية في كتاب الله تعالى .
    10- حيثما : اسم شرط جازم ، واتصالها بـ ( ما ) الزائدة شرط في جزمها ، وهي في محل نصب على الظرفية المكانية( ).حيثما تجد صديقاً وفياً تجد كنزاً ثميناً .قال تعالى : { وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ } ( البقرة : 144) . فـ ( حيثما ) اسم شرط جازم مبني على الضم في محل نصب بـ ( كنتم ) و ( ما ) صلة و ( كنتم ) كان فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط والتاء : اسمه ، والميم : علامة الجمع ، (فولوا ) الجملة في مجل جزم جواب الشرط ، ولم تأت شرطية في القرآن إلا في هذه الآية ومثيلتها .
    11- أنى : اسم شرط جازم ، وهي موضوعة للدلالة على المكان ثم ضمنت معنى الشرط ، فهي في محل نصب على الظرفية المكانية مثل (أين) ، نحو : أنى ينزل ذو العلم يُكرمْ فـ ( أنى ) اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب على الظرفية ، ( ينزل ) فعل الشرط ، ( يكرم ) جواب الشرط .
    وإلى الجوازم بنوعيها أشار ابن مالك بقوله : (بلا ولام طالباً ضع جزماً ... إلخ ) أي : اجزم الفعل المضارع بـ (لا ) وبـ ( اللام ) حال كونه ( طالباً ) بهما ، أي : استخدمتهما أداتي طلب واجزمه – أيضاً – بـ (لم ) و (لما ) ثم سرد الأدوات التي تجزم فعلين ، وبين أنها قسمان فـ (إذ ما وإن ) حرفان ، والبقية ( أسما) بالقصر للضرورة ، والأصل : أسماء .


  6. #6
    Banned
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    المشاركات
    2,206

    افتراضي

    698- فِعْلَيْنِ يَقْتَضِينَ شَرْطٌ قُدِّمَا يَتْلُو الْجَزَاءَ وَجَوَاباً وُسِمَا
    699-وَمَاضَيَيْن أوْ مُضَارِعَيْنِ تُلْفِيهِمَا أوْ مُتَخَـــالِفَيْنِ

    كل أداة من أدوات الشرط المتقدمة تقتضي فعلين ، يسمى الأول : شرطاً لتعليق الحكم عليه ، وكونه شرطاً لتحقيق الثاني ويسمى الثاني : جواباً لأنه مرتب على الشرط كما يترتب الجواب على السؤال ، ويسمى جزاء ؛ لأن مضمونه جزاء لمضمون الشرط .
    ويكون الشرط متقدماً والجواب متأخراً ، وإذا ورد ما ظاهره أنه جواب متقدم فليس جواباً ، بل الجواب محذوف دال على ما تقدم على أداة الشرط وسيأتي ذكر ذلك إن شاء الله ، ويجب في الشرط أن يكون فعلاً ، أما الجواب فالأصل فيه أن يكون فعلاً نحو : قوله تعالى : { وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً } { الطلاق : 2) .وقد يكون جملة اسمية كقوله تعالى:{ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً } { الطلاق : 4) . وإذا كان الشرط والجواب فعلين فلهما أربعة أقسام :
    1- أن يكونا مضارعين ، فتجزم الأداة لفظيهما مباشرة إن كان معربين ( ) . كقوله تعالى : { وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ } ( الأنفال : 19) . فـ ( تعودوا ) مضارع مجزوم بحذف النون ، وهو فعل الشرط ، والواو فاعل ، و ( نعد ) مضارع بالسكون جواب الشرط .
    2 – أن يكونا ماضيين ، فتجزم الأداة محلهما ، لأن لفظ الماضي لا يجزم ،كقوله تعالى : { وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا } ( الإسراء : 8) . فـ ( عدتم ) عاد : فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط والتاء فاعل ، والميم علامة الجمع ، ( عدنا ) عاد فعل ماض مبني على السكون في محل جزم جواب الشرط . و ( نا ) فاعل .
    3- أن يكون الشرط ماضياً والجزاء مضارعاً ، كقوله تعالى: { مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} ( الشورى: 20 ) ، فجاء الشرط ماضياً في قوله ( من كان ) في الموضعين ، والجواب مضارعاً في قوله ( نزد له ) وقوله ( نؤته منها ) وتقدم إعراب الآية قريباً ( ) .
    4- أن يكون الشرط مضارعاً والجزاء ماضياً ، وهذا قليل .
    ولهذا خصه الجمهور بالضرورة الشعرية . وذهب الفراء ( ) ، وتبعه ابن مالك إلى أن ذلك سائغ في الكلام ، وهو الصحيح ، لورود ما يؤيده نثراً ونظماً .
    أما النثر فما أخرجه البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من يقم ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه " ( ) . وما أخرجه – أيضاً – من قول عائشة رضي الله عنها : " إن أبا بكر رجل أسيف متى يقم مقامك رقَّ " ( ) .
    ومن النظم الشاعر :

    إن تصرمونا وصلناكم وإن تصلوا ملأتم أنفس الأعداء إرهاباً ( )

    فقد جاء فعل الشطر مضارعاً وهو قوله تصرمونا )والجواب ماضياً وهو قوله ( وصلناكم ) وكذا قوله ( وإن تصلوا ملأتم ) ( )
    وهذا معنى قوله : ( فعلين يقتضين .. إلخ ) أي : أن هذه الأدوات المذكورة فيما سبق ( يقتضين ) أي : يطلبن فعلين .
    الأول : وهو الشرط ، ويكون مقدماً ، والثاني : يتلوه ويجيء بعده .
    وهو الجزاء ، ويسمى جواب الشرط ، وقوله ( شرط ) مبتدأ ، وسوَّغ الابتداء بالنكرة وقوعها في مقام التفصيل ، وجملة ( قُدِّما ) خبر . والألف في قوله : ( قُدِّما ) وقوله : ( وُسِمَا ) ألف الإطلاق ومعنى ( وسم ) أي : عُلِّم وسُمّى ، ثم ذكر أنّك تجد هذين الفعلين ماضيين أو مضارعين أو متخالفين،بأن يكون الأول مضارعاً والثاني ماضياً ،أو الأول ماضياً والثاني مضارعاً.
    700- وَبَعْدَ مَاضٍ رَفْعُكَ الْجَزَا حَسَنْ وَرَفْعُهُ بَعْدَ مُضَارعٍ وَهَنْ

    تقدم أنه إذا كان جواب الشرط فعلاً مضارعاً فإنه يجزم : وذكر هنا أنه يصح رفعه إن كان فعل الشرط ماضياً ، نحو : ما صنعت من خير تثبْ عليه ، أو تثابُ عليه . ومنه قول الشاعر :
    وإنْ أتاه خليلٌ يوم مسألةٍ يقول لا غائبٌ مالي ولا حرمُ ( )

    فجاء جواب الشرط مضارعاً مرفوعاً،وهو قوله يقول) والشرط ماضياً وهو قوله (وإن أتاه) .
    فإن كان الشرط مضارعاً والجزاء مضارعاً وجب الجزم فيهما ، ورفع الجزاء ضعيف ، كقول الشاعر :

    يا أقرعُ بنَ حابسٍ يا أقرعُ إنك إن يصرعْ أخوك تُصرعُ ( )

    فجاء جواب الشرط مضارعاً ، مرفوعاً ، وهو قوله : ( تصرعُ ) وفعل الشرط مضارعاً وهو قوله : ( يصرعْ ) وذلك ضعيف .
    وما جاء مرفوعاً يؤخذ على ظاهره ، فإن كان في الشعر فهو مرفوع للضرورة أو على لغة ضعيفة ، وإن كان في نثر فهو مرفوع محاكاة للغة ضعيفة ، ولا داعي للتكلف بالتأويل على أن جواب الشرط محذوف ، أو أنه على إضمار الفاء .
    وهذا معنى قوله : ( وبعد ماض رفعك الجزا حسن .. إلخ ) أي : أن الشرط إذا كان ماضياً جاز رفع الجواب وهو الفعل المضارع ،وقوله : ( حسن ) أي : الرفع جائز كثير ، لكن لا يفهم منه أنه أحسن ، من الجزم ، بل الجزم أحسن لأنه على الأصل .
    وأما رفع الجزاء إذا كان الشرط مضارعاً فهو ضعيف ، وقوله : ( وَهَنْ) فعل ماض ، وفاعله ضمير مستتر جوازاً تقديره : هو ، يعود إلى ( رفعه ) والجملة خبر المبتدأ ( رفعه ) . ومعناه : ضَعُفَ وقوله : ( الجزا ) بالقصر للضرورة .
    ****

    701- وَاقْرُنْ بِفَا حَتْماً جَوَاباً لَوْ جُعِلْ شَرْطاً لإِنْ أوْ غَيْرِهَا لَمْ يَنْجَعِلْ
    702- وَتَخْلُفُ الْفَاءَ إذَا الْمُفَاجَأَهْ كَإِنْ تَـــجُدْ إذَا لَنَا مُكَافَأَهْ

    لما ذكر المصنف – رحمه الله – أدوات الشرط وعملها ، ذكر اقتران جواب الشرط بالفاء ، والقاعدة في هذا الموضوع :
    أن كل جواب يمتنع جعله شرطاً فإن الفاء تجب فيه .
    مثال ذلك : من سعى في الخير فسعيه مشكور . فجواب الشرط ( سعيه مشكور ) ، وهو لا يصلح أن يكون في محل الشرط ، لأنه جملة اسمية ، والشرط لا يكون إلا فعلاً – كما تقدم – فأُتي بالفاء للربط بين جملة الجواب وجملة الشرط ، وهذه الفاء زائدة ليست للعطف ولا لغيره ، ولا تفيد إلا عقد الصلة و الربط المعنوي بين جملة الشرط وجملة الجواب .
    وإعرابه : الفاء واقعة في جواب الشرط . و ( سعيه مشكور ) الجملة من المبتدأ والخبر في محل جزم جواب الشرط .
    وأشهر الأنواع التي لا تصلح أن تكون شرطاً ويجب اقترانها بالفاء ما يأتي :
    1- الجملة الاسمية كما تقدم . ومنه قوله تعالى : { وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ } ( الأنعام : 17 ) .
    2- الجملة الفعلية التي فعلها طلبي نحو : إن حياك أحد بتحية فحيه بأحسن منها ، ومنه قوله تعالى :{ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي } ( آل عمران : 31) .
    3- الجملة الفعلية التي فعلها جامد ، نحو :من يطلق لسانه فليس بسالم ، ومنه قوله تعالى : {إِن تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً * فَعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ}( الكهف : 39- 40) .
    4- الجملة الفعلية التي فعلها مسبوق بـ (لن ) نحو : إن صحبت الأشرار فلن تسلم ، ومنه قوله تعالى : { وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوْهُ } ( آل عمران : 115) .
    5- الجملة الفعلية التي فعلها مسبوق بـ (قد ) نحو : من مدحك بما ليس فيك فقد ذمك ، ومنه قوله تعالى { إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ } ( يوسف : 77) .
    6- الجملة الفعلية التي فعلها مسبوق بـ ( ما ) نحو : إن تجتهد فما أقصر في مكافأتك ، ومنه قوله تعالى : {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ } ( يونس : 72) .
    7- الجملة الفعلية التي فعلها مسبوق بالسين نحو : مهما تخف من طباعك فستظهر للناس ، ومنه قوله تعالى : { وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى } ( الطلاق : ) .
    8- الجملة الفعلية التي فعلها مسبوق بـ ( سوف ) نحو : من ظلم الناس فسوف يندم ، ومنه قوله تعالى : { وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء } ( التوبة : 28 ) . وقد تغني ( إذا ) الفجائية عن ( الفاء ) بشرط أن يكون الجواب جملة اسمية ، ومعناها : الدلالة على المفاجأة في الحال ، ولا بد أن يسبقها كلام ، وأرجح الأقوال في إعرابها أنها حرف لا محل لها من الإعراب ، كما تقدم في باب المبتدأ والخبر . ومثلها قوله تعالى : { وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ } ( الروم : 36 ) . ، فـ ( إذا ) حرف دال على المفاجأة مبني على السكون لا محل له من الإعراب ، (هم ) مبتدأ ، ( يقنطون ) الجملة في محل رفع خبر المبتدأ ، والجملة من المبتدأ والخبر في محل جزم جواب الشرط ( إن ) ومثالها أيضاً.قوله تعالى:{ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ}(الروم : 25).
    وهذا معنى قوله : ( واقرُن بفا ... إلخ ) أي : اقرن بالفاء ( حتماً ) أي وجوباً ، كلَّ جوابٍ لو جعلته فعل شرط للأداة ( إنْ ) أو لغيرها من أخواتها ( لم ينجعل ) أي : لم يصلح فعلاً للشرط .
    وقوله : ( واقرن ) بضم بالراء من باب ( قَتَلَ ) ويصح كسرها من باب ( ضَرَبَ ) ، ثم ذكر أن ( إذا ) الفجائية تخلف ( الفاء ) وتحل محلها فَيُصَدّر بها الجواب الذي لا يصلح أن يكون شرطاً ، ثم ذكر المثال وهو ( إن تجد إذا لنا مكافأة ) أي : منا مكافأة ، والمعنى : إن يكن منك جود فمنا المجازاة ، من كافأت الرجل : إذا جازيته على فعله ، فـ ( إذا ) رابطة للجواب بالشرط ، و (لنا ) خبر مقدم و ( مكافأة ) مبتدأ مؤخر ، والجملة في محل جزم جواب الشرط . واشتراط كون الجواب مع ( إذا ) الفجائية جملة اسمية يفهم من المثال .


    703- وَالْفِعْلُ مِنْ بَعْدِ الْجَزَا إنْ يَقْتَرِنْ بِالْفَا أَوِ الْوَاوِ بِتثْلِيْثٍ قَمِنْ

    إذا وقع بعد جملة جواب الشرط فعل مضارع مقرون بالواو أو الفاء ، جاز فيه ثلاثة أوجه :
    1- اعتبار " الواو " و " الفاء " حرفي استئناف . فالجملة بعدهما استئنافية ، والمضارع فيها مرفوع .
    2- اعتبارهما حرفي عطف . والمضارع بعدهما مجزوم ، لأنه معطوف على جواب الشرط ( ) . ومثال ذلك قوله تعالى :{ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ }( البقرة : 284) . فقد قرأ ابن عامر وعاصم برفع ( يغفر ) على أن الفاء استئنافية ، والمضارع مع فاعله المستتر جملة استئنافية ، وبعضهم يقدر مبتدأ،فالمستأنفة جملة اسمية والتقدير : فهو يغفر ، وقرأ باقي السبعة بجزم ( يغفر ) عطفاً على الجواب .
    3- اعتبار الفاء للسببية والواو للمعية ، فالمضارع بعدهما منصوب بـ ( أن ) مضمرة وجوباً ، والنصب قليل ، نحو : من يكثر مزاحه تسقط هيبته ويضيعَ احترامه ، بنصب ( يضيع )على إضمار ( أن ) ( ) . وهذا معنى قوله : ( والفعل من بعد الجزا إن يقترن . إلخ ) . أي : أن الفعل المضارع إذا جاء بعد جواب الشرط وجزائه وقد اقترن بالفاء أو الواو ، فهو جدير وحقيق بالتثليث ، أي : الأوجه الثلاثة التي ذكرناها ، وقوله ( قَمِن ) بفتح القاف وكسر الميم ، صفة مشبهة بمعنى : حقيق . وهي خبر المبتدأ ، وهو قوله ( والفعل ) .

    *****


  7. #7
    Banned
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    المشاركات
    2,206

    افتراضي

    704- وَجَزْمٌ أوْ نَصْبٌ لِفِعْلٍ إثْرَ فَا أوْ وَاوٍ إنْ بِالْجُمْلَتَيْنِ اكْتُنِفَا
    إذا وقع بعد جملة الشرط فعل مضارع مقرون بـ ( الفاء ) أو ( الواو ) جاز فيه وجهان .
    1- اعتبار ( الواو ) و ( الفاء ) حرفي عطف ، والمضارع بعدهما مجزوم ـ؛ لأنه على فعل الشرط ، كقوله تعالى : { إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } ( يوسف : 90) . بجزم ( يصبر ) عطفاً على ما قبله .
    2- اعتبار " الفاء " للسببية و ( الواو ) للمعية . والمضارع بعدهما منصوب بـ ( أن ) مضمرة وجوباً كقول الشاعر :

    ومن يقتربْ منا ويخضعَ نؤوه ولا يخشَ ظلماً ما أقام ولا هضماً ( )

    فإن قوله : ( ويخضع ) مضارع منصوب بـ (أن ) مضمرة وجوباً . وقد توسط بين فعل الشرط وجوابه( ) .
    وأما الرفع – وهو الوجه الثالث – فيمتنع هنا عند أكثر النحاة لأنه لا يصح الاستئناف قبل جواب الشرط ، لئلا يكون فاصلاً بين جملتي الشرط والجواب وهما متلازمان في المعنى .
    ويرى المحققون جواز الرفع على الاستئناف بناء على ما قرره النحويون من جواز وقوع الجملة المعترضة بين جملتي الشرط والجواب ، كقوله تعالى : {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ } ( البقرة : 24) ، فإن جملة ( ولن تفعلوا ) معترضة لتأكيد عجزهم في جميع الأزمان .
    وإلى جواز الوجهين المذكورين أشار بقوله وجزم أو نصب الفعل لفعل إثر ( فا ).. إلخ ) أي:أن الجزم أو النصب كلٌ منهما ثابت للفعل المضارع المسبوق بـ (الفاء ) أو ( الواو ) ( ان بالجملتين اكتُنِفَا ) أي :إن اكتنفته الجملتان . أي : أحاطت به جملتا الشرط والجواب . وقوله : ( اكتُنِفَا ) مبني للمجهول ، فهو بضم التاء وكسر النون ، أي : حُوِّط بالجملتين كما ذكرنا ( ) .

    705 وَالْشَّرْطُ يُغْنِيْ عَنْ جَوَابٍ قَدْ عُلِمْ وَالْعَكْسُ قَدْ يَأْتِي إنِ الْمَعْنَى فُهِمْ

    يجوز حذف جواب الشرط بشرطين :
    الأول : أن يدل عليه دليل بعد حذفه .
    الثاني : أن يكون فعل الشرط ماضياً .
    مثال ذلك : أنت الكريم إن صفحت عن المذنب ، فحذف جواب الشرط ، لدلالة ( أنت الكريم ) عليه ، والتقدير : إن صفحت عن المذنب فأنت الكريم .
    فإن لم يكن فعل الشرط ماضياً بأن كان مضارعاً لم يصح حذف جملة الجواب ، إلا إن سد مسدها جملة أخرى بعدها .
    كقوله تعالى:{مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}( العنكبوت : 5 ).فقوله (فإن أجل الله لآت) ليس هو الجواب،بل هو دليل الجواب( ) لأن الجواب يكون مسبباً عن الشرط ، والأجل آت . سواء وجد الرجاء أم لم يوجد ، وتقدير الجواب المحذوف – والله أعلم _- فليبادر إلى العمل الصالح ، وحذف جواب الشرط لتقدم دليله كثير جدّاً في القرآن ، كقوله تعالى : { وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } ( المائدة : 23) . ، أي إن كنتم مؤمنين فعليه توكلوا ( ) .
    ويجوز حذف فعل الشرط بشرطين :
    1- أن يدل عليه دليل ، ولا يذكر بعده في الكلام ما يفسره .
    2- أن تكون الأداة (إن ) المدغمة في (لا ) النافية .
    مثال ذلك : قل خيراً وإلا فاصمت ، والتقدير : وإنْ لا تقل خيراً فاصمت ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في اللقطة : " فإن جاء صاحبها وإلا استمتع بها " . ( ) . التقدير : وإلا يجيء صاحبها فاستمتع بها .
    وهذا معنى قولهوالشرط يغني عن جواب قد علم ... إلخ ) أي أن فعل الشرط (يغني) أي يذكر دون الجواب ، بشرط أن يدل عليه دليل . ( والعكس ) وهو حذف الشرط لدلالة الجواب ( قد يأتي ) ، ويفهم من ذلك أن حذف الشرط أقل من حذف الجواب ، وقوله : ( إن المعنى فُهم ) أي : بشرط أن يفهم المعنى بعد الحذف .
    ****








    706- وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ جَوَابَ مَا أخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ
    707-وَإنْ تَوَالَيَا وَقَبْلُ ذُو خَبَرْ فَالشَّرْطَ رَجِّحْ مُطْلَقاً بِلَا حَذَرْ
    708- وَرُبَّمَا رُجِّحَ بَعْدَ قَسَمِ شَرْطٌ بِلَا ذِي خَبَرٍ مُقَدّم

    إذا اجتمع شرط وقسم . فالأصل أن يكون لكل منهما جواب يخصه ( ) . غير أنه يجوز حذف جواب أحدهما اكتفاءً بجواب الآخر الذي يغني عنه ويدل عليه .
    فإذا اجتمع شرط وقسم حذف جواب المتأخر منهما ، لدلالة جواب الأول عليه ، نحو : والله من يعمل بأحكام الشرع ليفوزنَّ . فالمضارع ( يفوز ) مؤكد بالنون ، لأنه في جملة جوابية للقسم المتقدم ، وليس جواباً للشرط ، إذ لو كان جواباً له لكان مجزوماً ومنه قوله تعالى : { قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً } { الإسراء : 88 } . فقوله : ( لا يأتون ) جوب للقسم المقدر قبل اللام الموطئة في (لئن)، ولهذا جاء مرفوعاً ،ولو كان جواباً للشرط لقيل: ( لا يأتوا ) بالجزم .
    فإن تقدم الشرط فالجواب له على الأرجح ، وجواب القسم محذوف ، نحو : من يعمل بأحكام الشرع والله يفز ، فالمضارع ( يفز ) جاء مجزوماً ، لأنه جواب الشرط ، وجواب القسم محذوف .
    فإن اجتمع الشرط والقسم وتقدم عليهما ما يحتاج إلى خبر – كالمبتدأ – فالجواب للشرط مطلقاً ، سواء أكان متقدماً على القسم أم متأخراً ، نحو : أحكامُ الشرع والله من يعمل بها يفز ، وتقول : أحكامُ الشرع من يعمل بها والله يفز ، بجزم المضارع ( يفز ) في المثالين ، لأنه تقدم المبتدأ ( أحكامُ الشرع ) ، وخبره جملة الشرط .
    وقد جاء قليلاً اعتبار الجواب للشرط مع تقدم القسم وإن لم يتقدم عليهما ذو خبر . وهو اختيار الفراء وابن مالك ، ومن ذلك قول الشاعر :

    لئن كان ما حُدِّثتَه اليوم صادقاً أصُمْ في نهار القيظ للشمس بادياً ( )

    فقد تقدم القسم وتأخر الشرط . وجاء الجواب للشرط وهو المضارع المجزوم ( أَصُمْ).
    والبصريون يحكمون على هذا بالشذوذ ، أو أن اللام زائدة وليست للقسم ، فلا تحتاج إلى جواب .وهذا تكلف . فالحق أن اللام للقسم ، والجواب للشرط ، وجواب القسم هو أداة الشرط وما دخلت عليه من جملتيها .
    وإلى ما تقدم أشار ابن مالك بقوله : ( واحذف لدى اجتماع شرط وقسم .. إلخ ) أي : إذا اجتمع شرط وقسم فاحذف جواب المتأخر منهما ، استغناء بجواب المتقدم . ثم ذكر أنهما إذا اجتمعا وتقدم عليهما ما يطلب خبراً ، رُجِّحَ الشرط على القسم ، وفهم من قوله : ( رَجَّح ) أنه يجوز الاستغناء بجواب القسم . وفهم من قوله : ( مطلقاً ) أن الشرط يترجح سواء تقدم على القسم أو تأخر ، وقوله : ( بلا حذر ) تتميم لصحة الاستغناء عنه ، ثم ذكر أنه قد يترجح الشرط المتأخر وإن لم يتقدم ذو خبر والله أعلم .


    *****


  8. #8
    Banned
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    المشاركات
    2,206

    افتراضي

    فصل " لو "

    709- لَوْ حَرْفُ شَرْطٍ في مُضِيٍّ وَيَقِلْ إيلاؤهُ مُسْتَقْبَلاً لكِنْ قُبِلْ

    " لو " من أدوات الشرط ( ) . غير الجازمة . وهي قسمان :
    1- لو الشرطية الامتناعية .
    2- لو الشرطية غير الامتناعية .
    أما الأولى : فهي حرف يفيد تعليق حصول مضمون الجزاء على حصول مضمون الشرط في الزمن الماضي ، ومقتضى ذلك امتناع شرطها دائماً وأنه لم يحصل ، أما جوابها فقد يمتنع وقد لا يمتنع ، فإن كان الشرط هو السبب الوحيد في إيجاد الجواب امتنع الجواب ، وإن كان للجواب سبب آخر غير الشرط لم يمتنع الجواب بامتناع الشرط .
    فالأول نحو : لو كانت الشمس طالعة كان النهار موجوداً .
    والثاني نحو : لو ركب المسافر الطائرة لبلغ غايته ، فالشرط ممتنع في كلا المثالين .
    أما الجواب فهو ممتنع في الأول لأن الشرط هو السبب الوحيد في وجوده ، فإن طلوع الشمس هو السبب في وجود النهار .
    أما في المثال الثاني فالجواب غير ممتنع ، لأن الشرط ليس هو السبب الوحيد في وجوده ، بل هناك أسباب أخرى كالسفر بالسيارة – مثلاً – وبهذا يتضح أن قول المعربين في "لو " : ( إنها حرف امتناع لامتناع ) أي: امتناع الجواب لامتناع الشرط . فيه نظر ، لأن ذلك غير لازم - لما تقدم – ولعلهم نظروا إلى الكثير الغالب ، والعبارة الدقيقة أن يقال فيها : ( حرف يدل على ما كان سيقع لوقوع غيره ) أي : حرف يدل على ما كان سيقع في الزمان الماضي لوقوع غيره في الزمان الماضي – أيضاً – نحو : لو حضر أخوك لحضرت . أي : كان سيقع حضوري في الزمان الماضي لو وقع حضور أخيك ، وهكذا يقال في المثالين المتقدمين .
    أما (لو) الشرطية غير الامتناعية فتقتضي تعليق جوابها على شرطها – وجوداً أو عدماً – في المستقبل ، فترادف (إنْ ) الشرطية في التعليق ( ) وفي أن زمن الفعل في جملتي الشرط والجواب مستقبل ، والغالب أن يكون فعل الشرط وفعل الجواب مضارعين نحو : لو يقدم خالد غداً لا أسافر .
    فإن وليها ماض أوِّل بالمستقبل ، كقوله تعالى : {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ } ( النساء : 9) ، فالفعل (تركوا ) ماضٍ مؤولٌ بالمستقبل ( يتركون ) ، وإنما قدر ذلك ليصح وقوع ( خافوا ) جواباً وجزاء ، لأن الخوف إنما يكون قبل الترك ، لا بعده ، لاستحالته بعد موتهم .
    وهذا معنى قوله : ( لو حرف شرط ... إلخ ) أي : أن " لو " حرف شرط يكون بها التعليق في الزمن الماضي ، وهذه هي الامتناعية . وقوله : ( ويقل إيلاؤها مستقبلاً ) إشارة إلى (لو ) الشرطية غير الامتناعية التي يكون التعليق بها مستقبلاً وهو – مع قلته – قبله النحاة وقالوا بمقتضاه لوروده عن العرب .

    ***



    710- وَهْيَ فِي الاخْتِصَاصِ بِالْفِعْلِ كَإنْ لكِنَّ لَوْ أنَّ بِهَا قَدْ تَقْتَرِنْ

    من أحكام ( لو ) الشرطية أنه لا يليها إلا الفعل سواء كان ظاهراً كما في الأمثلة المتقدمة ، أو مضمراً نحو : لو خالد قدم لأكرمته . فِـ ( خالد ) فاعل لفعل مضمر يفسره المذكور ، ومن أمثلة ذلك قول عمر رضي الله عنه.(لو غيرُك قالها يا أبا عبيدة ) ( ).وقول حاتم الطائي ( لو ذاتُ سِوَارٍ لطمتني ) ( ) , وهي بهذا تشبه ( إن ) الشرطية ، لكنها تخالفها في جواز دخولها على ( أنّ ) واسمها وخبرها كقوله تعالى :{وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ واتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّه خَيْرٌ } ( البقرة : 103) . وقوله تعالى : {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ } ( الحجرات : 5) . وقوله تعالى:{ وَإِن يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ }( الأحزاب: 20). وقد اختلف النحاة في (لو) – والحالة هذه – على قولين :
    الأول : أنها باقية على اختصاصها وهو الدخول على الفعل . فـ ( أنّ ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر فاعل لفعل مقدر . والتقدير – والله أعلم – ولو ثبت أنهم آمنوا – أي : إيمانهم – ولو ثبت أنهم صبروا – أي صبرهم - .
    الثاني : أنها فقدت اختصاصها ، وأن المصدر المؤول من ( أنّ ) واسمها وخبرها في موضع رفع مبتدأ ، وخبره محذوف تقديره – مثلا – ثابت ، أو نحو ذلك مما يناسب السياق.
    والأول أظهر ؛ لأن فيه إبقاء (لو ) على اختصاصها ما دام أن تقدير المحذوف موجود على كلا القولين ، ولأنه ينبني على القول الثاني دخول الحرف المصدري على مثله بغير فاصل ، وهذا خلاف الأصل .
    وهذا معنى قوله : ( وهي في الاختصاص بالفعل كإنْ ....إلخ ) أي : أن (لو ) الشرطية بنوعيها مختصة بالدخول على الفعل ، مثل ( إنْ ) الشرطية ، ثم بين إن (لو ) تخالف ( إنْ ) فتدخل على ( أنّ) و معموليها .

    711- وَإنْ مُضَارِعٌ تَلاهَا صُرِفَا إلَى الْمُضِيِّ نَحْوُ لَو يَفِي كَفَى

    من أحكام " لو " الامتناعية أنه لا يليها إلا الفعل الماضي لفظاً ومعنى ، أو معنى فقط ( وهو المضارع المسبوق بـ " لم " ) نحو : لو أنصف الناس لاستراح القاضي ، لو لم يتخاصم الناس لاستراح القاضي ، قال تعالى :{وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ } ( هود : 118) .
    فإن جاء بعدها مضارع لفظاً ومعنى قلبت زمنه للمضي( ) كقوله تعالى : { قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ } ( آل عمران : 167) .( ) . ، أي : لو علمنا ؛ لأنهم علقوا الإتباع على تقدير وجود علم القتال ، وهو منتفٍ ، فانتقى الإتباع ، وإخبارهم بانتقاء علم القتال منهم إما على سبيل المكابرة ، وإما على سبيل التخطئة لهم في ظنهم أن ذلك قتال في سبيل الله وليس كذلك ، وإنما هو رمي النفوس في التهلكة ، ومثل هذه الآية قوله تعالى : { قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَـذَا } ( الأنفال : 31) ، وقوله تعالى : {لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ } ( الواقعة: 70 )
    وهذا معنى قوله : ( وإن مضارع تلاها صرفا ...إلخ ) أي : أن المضارع إن تلا ( لو ) ووقع بعدها صرف زمنه إلى المضي حتماً ، نحو : ( لو يفي كفى ) أي : لو وفى كفى .

    تتمة :
    لم يتعرض ابن مالك - رحمه الله – في الألفية لجواب " لو " وهذه نبذة عنه .
    اعلم أن ( لو ) بنوعيها لا بد لها من جواب ، وهو قسمان :
    1- ماض لفظاً ومعنى ، فإن كان مثبتاً فالأكثر اقترانه بـ ( اللام ) كقوله تعالى : {لَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً } ( الواقعة : 65) . وقوله تعالى : { وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَّأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ } ( الأنفال : 23) . وعدم الاقتران قليل ، كقوله تعالى : { لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً } ( الواقعة : 70) . وقوله تعالى :{ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ } ( الأعراف : 155) وإن كان منفياً بـ ( ما ) فالأكثر أن يتجرد من اللام كقوله تعالى :{ وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ }( الأعراف : 112)وقوله تعالى:{ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا} ( آل عمران : 168) .وهو كثير في القرآن ، ومن اقترانه باللام قول الشاعر :

    ولو نُعطى الخيار لما افترقنا ولكن لا خيار مع الليالي ( )

    فجاء جواب " لو " وهو قوله : ( لما افترقنا ) فعلاً ماضياً منفياً بـ ( ما ) واقترن باللام ، وهذا قليل . وقد يكون الجواب جملة اسمية مقرونة باللام كقوله تعالى : {وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ واتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّه خَيْرٌ } ( البقرة : 103) . فـ ( اللام ) واقعة في جواب (لو) ، و ( مثوبة) مبتدأ و ( خير ) خبره ، والجملة جواب (لو) ، و أوثرت الجملة الاسمية على الفعلية لما فيها من الدلالة على ثبات المثوبة واستقرارها ، وقيل : جواب " لو " محذوف تقديره : لأثيبوا . وجملة ( لمثوبة من عند الله خير ) مستأنفة ، أو جواب لقسم مقدر . والله أعلم .

  9. #9
    Banned
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    المشاركات
    2,206

    افتراضي

    أما ولولا ولوما

    712- أَمَّا كَمَهْمَا يَكُ مِنْ شَيءٍ وَفَا لِتِلْوِ تِلْوَهَا وُجُوباً أُلِفَا
    713- وَحَذْفُ ذِيْ الفَا قَلَّ فِيْ نَثْرٍ إذَا لَمْ يَكُ قَوْلٌ مَعَهَا قَدْ نُبِذَا

    أما : من أدوات الشرط غير الجازمة ، وهي حرف شرط وتوكيد دائماً ، وتفصيل غالباً ِ، أما كونها حرف شرط فدليله لزوم الفاء في جوابها – كما سيأتي – وأما كونها للتوكيد فقد ذكره بعض النحاة فقال : " أما " حرف يعطي الكلام فضل توكيد ، تقول : زيد ذاهب ، فإذا قصدت أنه لا محالة ذاهب ، قلت : أما زيد فذاهب .
    وأما كونها حرف تفصيل فهذا غالب أحوالها . كقوله تعالى : { فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ } ( الضحى : 9-10) ( ) ، وقد يترك تكرارها استغناء بذكر أحد القسمين عن الآخر ، كقوله تعالى : { فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ } ( آل عمران : 7) . ، وكأنه قيل : وأما الراسخون في العلم فيقولون ، وقد يتخلف التفصيل نحو : أما عليٌّ فمنطلق .
    وهي قائمة مقام أداة الشرط وفعل الشرط،ولهذا فسَّرها سيبويه – رحمه الله – بـ ( مهما يك من شيء ) ، والمذكور بعدها جواب الشرط ، ولهذا لزمته الفاء لربط الجواب ، فإذا قلت : أما علي فمخترع ، فالأصل : مهما يك من شيء فعلي مخترع ، فأنيبت ( أما ) مناب " مهما " يك من شيء " ، فصار : أما فعليٌّ مخترع ، ثم أخرت الفاء إلى الخبر فصار : أما عليٌّ فمخترع .
    وهذه الفاء لازمة في جوابها – كما تقدم – وهي للربط المجرد ، لا يجوز حذفها إلا إذا دخلت على قول محذوف فيغلب حذفها ، كقوله تعالى : { فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ } ( آل عمران : 106) ( ) . أي : فيقال لهم : أكفرتم ، فحذف القول استغناء عنه بالمقول ، فتبعته الفاء في الحذف ، على قاعدة : ( يصح تبعاً ما لا يصح استقلالاً ) . وقلَّ الحذف فيها عدا ذلك كقوله صلى الله عليه وسلم : " أما موسى كأني أنظر إليه إذا انحذر في الوادي يلبي " ( ) . وقوله صلى الله عليه وسلم : " أما بعد : ما بال رجال يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله " ( ) .
    وإعراب المثال : ( أما ) حرف شرط وتوكيد نائبة عن ( مهما يك من شيء ) ، مبتدأ مرفوع ، ( فمخترع ) الفاء رابطة و ( مخترع ) خبر المبتدأ ، والجملة لا محل لها جواب شرط غير جازم .
    وإعراب ( مهما يكن من شيء فعليٌ مخترع ) هو : ( مهما ) اسم شرط جازم مبتدأ ، ( يك ) فعل مضارع تام مجزوم ، لأنه فعل الشرط ، ( من شيء ) " من " حرف جر زائد , " شيء " فاعل لـ ( يك ) مرفوع بضمة مقدرة منع من ظهورها حركة حرف الجر الزائد ( فعلى ) " الفاء " داخلة على جواب الشرط و " علي " مبتدأ و ( مخترع ) خبره ، والجملة في محل جزم جواب الشرط ( مهما ) .
    وهذا معنى قوله : ( أما كمهما يك من شيء ..... إلخ ) أي أن (أما ) قائمة مقام أداة الشرط وفعله وهما : ( مهما يك من شيء ) وتجب الفاء ( لتلو تلوها ) تبعاً للمألوف من كلام العرب ، ومعناه : تالي تليها وهو الجواب، لأن تاليها مباشرة هو الشرط ، ثم ذكر أن حذف هذه الفاء قليل في النثر ، لا يقاس عليه إلا إذا حذفت مع القول - كما تقدم – وقوله : ( قد نُبذا ) أي طرح ، والألف للإطلاق ، وقوله : ( الفا ) بالقصر للضرورة في الموضعين .


    714- لَولَا وَلَوْمَا يَلْزَمَانِ الاْبتِدَا إذَا امْتِنَاعاً بوُجُودٍ عَقْدَا

    لـ ( لولا و لوما ) استعمالان :-
    الأول : أن يدلا على امتناع جوابهما لوجود تاليهما ، ولهما حكمان :
    1- دخولهما على مبتدأ محذوف الخبر وجوباً ، كما تقدم في باب الابتداء .
    2- لا بد لهما من جواب مصدَّر بفعل ماض لفظاً ومعنى ، أو معنى فقط ( وهو المضارع المسبوق بـ " لم " فإن كان مثبتاً قُرن باللام للتأكيد – غالباً – ( ) . نحو : لو لا العقل لكان الإنسان كالحيوان ، لو ما العمل لم يكن للعلم فائدة .
    ولم تقع " لوما " الامتناعية في القرآن . أما " لو لا " فقد جاءت في آيات كثيرة منها : قوله تعالى : { فَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ } { البقرة : 64 } قوله تعالى : { لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ }( سبأ : 31 ) ، وقوله تعالى :{ وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فَضَّةٍ } ( الزخرف : 33) . وقوله تعالى : { فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } ( 143- 144) فـ (لولا ) في هذه الآيات حرف امتناع لوجود ، وما بعدها مبتدأ ، سواء كان اسماً صريحاً كما في الآية الأولى ، أو ضميراً منفصلاً كما في الآية الثالثة والرابعة ، وخبر هذا المبتدأ محذوف وجوباً – كما تقدم في باب الابتداء – و مدخول اللام هو جواب ( لولا ) .
    فإن كان الفعل منفياً بـ (ما ) تجرد عن اللام غالباً نحو : لولا الهواء ما عاش مخلوق ، ومنه قوله تعالى : { وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ } ( النور : 21) .
    وإن كان الفعل منفياً بـ (لم ) لم يقترن بها ، نحو : لولا التجارب لم يستفد الإنسان ، لوما الجور وقلة الإنصاف لم يشرع القضاء .
    وقد يحذف جواب (لولا ) لدليل يدل عليه كقوله تعالى : {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ } ( النور : 10 ) فجواب " لولا " محذوف ، تقديره – والله أعلم – لعاجلكم بالعقوبة ونحوه .
    وإلى الاستعمال الأول لهذين الحرفين أشار بقوله : ( لولا ولو ما يلزمان الابتداء ) أي أن هذين الحرفين يلزمان الدخول على المبتدأ ، فلا يقع بعدهما غيره ، إذا ( عقدا ) أي ربطا امتناع شيء بوجود غيره ولازما بينهما ، والألف في قوله : ( عقدا ) للتثنية .

    715 - وَبِهِمَا التَّحضِيضَ مِزْ وَهَلَّا ألَّا أَلَا وَأَوْلِيَنْهَا الْفِعْلَا
    716-وَقَدْ يلِيهَا اسْمٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرِ عُلِّقَ أوْ بِظَاهِرٍ مُؤَخَّرِ

    الاستعمال الثاني لـ (لولا ولوما ) الدالة على التحضيض – وهو طلب الفعل بحثٍّ وقوة – ويجب حينئذ أن يليها الفعل المضارع ، ويساويهما في التحضيض والاختصاص بالفعل : هلّا ، وألّا، وألا ، فيليها الفعل ظاهراً متصلاً بها أو مفصولاً منها بمعموله المتقدم عليه ،أو يكون مقدراً.
    فمثال المضارع المتصل بها : لولا تؤدي الشهادةَ على وجهها ، ومنه قوله تعالى : {قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } ( النمل : 46) . فـ (لولا ) هنا بمعنى : هلّا ، وهو كثير في القرآن ( ). وقال تعالى:{لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ }( الحجر : 7) . فـ (لوما ) أداة تخصيص .
    ومثال المضارع المفصول منها: لولا الشهادةَ تؤدي على وجهها، لوما المنكرَ تغير بيدك أو بلسانك أو بقبلك . فـ (لولا ) أداة تخضيض و ( الشهادة ) مفعول مقدم لـ (الفعل ) تؤدي .
    ومثال المضارع المقدر : لولا الشهادة تؤديها ، لوما المنكرَ تغيره ، فـ (لوما) أداة تحضيض و (الشهادة ) مفعول به لفعل محذوف يفسره المذكور ، والتقدير : لولا تؤدي الشهادة تؤديها ، وقد مضى ذلك في باب الاشتغال .
    وقد يكون المضارع محذوفاً وليس في اللفظ فعل آخر يدل عليه ، ولكن سياق الكلام ينبئ عنه كقوله صلى الله عليه وسلم لجابر رضي الله عنه حين أخبره بأنه تزوج بثيب : " هلّا بكراً تلاعبها وتلاعبك " ( ) . أي : هلا تزوجت بكراً .
    فإن دخلت على فعل ماض فهو في تأويل المضارع كقوله تعالى :{ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ } ( المنافقون : 10 ) . فقوله : ( أخرتني ) ماض في معنى المضارع . إذ لا معنى للتأخير في الزمن الماضي ، وهو هنا للعرض .
    وهذان الاستعمالان لـ (لولا ) و ( لوما ) ذكرهما ابن مالك وبقي استعمال ثالث لم يذكره ، وهو الدلالة على التوبيخ ، واللوم على ترك الفعل ، وتختص بالفعل الماضي ، أو ما في تأويله . نحو : هلّا كتبت الواجب ، ومنه قوله تعالى : {لَوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء }( النور : 13). وقوله تعالى :{وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا } ( النور : 16) ( ) .
    وأما التحضيض بـ (ألا )فقد جاء في مثل قوله تعالى:{أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ }(التوبة : 13) ( ) . ، ولم يقع في القرآن تحضيض بـ (هلا ) أو بـ (ألّا ) .
    وإلى الاستعمال الثاني أشار بقوله : ( وبهما التحضيض مز .. إلخ ) فعل أمر أي : ميّز بـ (لولا ) و (لوما ) التحضيض ، لأنهما يدلان عليه . ويشاركهما في التحضيض ( هلّا ) وألّا ، وألا ) ، ثم ذكر أنها مختصة بالدخول على الفعل ، فقال : ( وأولينها الفعلا ) أي : أتبعها واذكر بعدها الفعل ، ولم يبين نوعه ، وهو المضارع ، والضمير عائد على الأحرف الخمسة المذكورة ، والألف في ( الفعلا) للإطلاق ، ثم بين أنها قد تدخل على الاسم في الظاهر ، فقال : ( وقد يليها اسم بفعل مضمرٍ عُلِّق ) أي : يكون متعلقاً بفعل مقدر ومعمولاً له . فيكون هذا الفعل بعد الأداة مباشرة ( أو بظاهر مؤخر ) أي : أو يكون هذا الاسم متعلقاً بفعل متأخر عن هذا الاسم فيكون من باب تقديم المعمول على عامله كما تقدم في المثال . والله أعلم .

    *****

  10. #10
    Banned
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    المشاركات
    2,206

    افتراضي

    الإخبار بالذي والألف واللام


    717- مَا قِيلَ أخْبِرْ عَنْهُ بِالَّذيْ خَبَرْ عَنِ الَّذي مُبْتَدأ قَبْلُ اسْتَقَرْ
    718- وَمَا سِواهُمَا فَوَسِّطْهُ صِلَهْ عَائِدُهَا خَلَفُ مُعْطِيْ التَّكْمِلَهْ
    719- نَحْوُ الَّذِيْ ضَرَبْتُهُ زَيْدٌ فَذَا ضرَبْتُ زَيْداً كَانَ فَادْرِ الْمَأخَذَا
    720- وَباللَّذَيْنَ وَالَّذِينَ وَالَّتي أَخْبِرْ مُرَاعِياً وِفَاقَ الْمُثْبتِ .

    هذا الباب وضعه النحويون لاختيار الطالب وتدريبه في الأحكام النحوية ، كما وضع علماء الصرف باب الأبنية لامتحان الطالب في القواعد التصريفية ، وكثيراً ما يصار إلى هذا لقصد الاختصاص ، أو تقوية الحكم ؛ لأن فيه إسنادين إلى الضمير وإلى الظاهر- كما سيتضح إن شاء الله – أو لغرض القصر أو تشويق السامع ونحو ذلك .
    فإذا قيل لك : أخبر عن : خالد ، من قولنا : خالد منطلق ، بالاسم الموصول (الذي ) فإنك تعمل في هذا الأسلوب خمسة أعمال :
    أحدهما : أن تبتدئ الكلام بموصول مطابق للاسم المذكور في إفراده وتذكيره وتثنيته وجمعه، وهو ( الذي ) و تجعله مبتدأ .
    الثاني : أن تؤخر الاسم المذكور إلى آخر التركيب لأنه يراد جعله خبراً عن الموصول .
    الثالث : أن ترفعه على أنه خبر عن ( الذي ) .
    الرابع : أن تجعل ما بين المبتدأ والخبر صلة الموصول .
    الخامس : أن تجعل في موضع الاسم المذكور الذي أخرته ضميراً مطابقاً له في معناه وإعرابه ، ومطابقاً للموصول لأنه هو العائد .
    فتقول : الذي هو منطلق خالد.فـ ( الذي ) مبتدأ ،وجملة (هو منطلق) صلة ، و (خالد) خبر المبتدأ . .
    وإذا قيل : أخبر عن : المحمدين : من : أكرمت المحمدين . قلت : اللذان أكرمتهما المحمدان ، وفي الجمع : الذين أكرمتهم المحمدون . وفي المؤنث : التي أكرمتها هند ..
    وعلى هذا فالمخبر عنه – في هذا الباب – هو المجعول في آخر الجملة خبراً عن الموصول الذي هو المبتدأ ،وهذا خلاف ظاهر السؤال . فإن ظاهره أن ( خالد ) و ( المحمدين ) مخبر عنه .
    وأن الاسم الموصول هو الخبر ، والجواب عن ذلك : أنه لما كان الاسم المذكور مخبر عنه من جهة المعنى ، صح أن يقال : أخبرْ عنه .
    وهذا معنى قوله : ( ما قيل أخبر عنه بالذي خبر .. إلخ ) أي : إذا قيل لك : أخبر عن اسم بـ ( الذي ) ، فليس هو على ظاهره ، بل هو مؤول . فتجعل الاسم خبراً مؤخراً وجوباً ، ( عن الذي ) حال كونه ( مبتدأ قبل استقر ) . وسوغ ذلك الإطلاق كونه في المعنى خبراً كما تقدم ( ) . وهذا إشارة إلى الأعمال الثلاثة الأولى .
    وقوله : ( ما سواهما ) أي : ما سوى المبتدأ والخبر مما هو موجود في الجملة ( فوسطه صلة ) أي للاسم الموصول ، وهذا هو العمل الرابع ، وقوله : ( عائدها ) أي عائد الجملة وهو ضمير الموصول ( خَلَفُ مُعْطِي التكملة ) أي جاء الضمير في موضوع الاسم الذي جعل في الآخر خبراً يكمل الفائدة ، وهذا فيه العمل الخامس ، وكلامه يفيد أن الضمير الذي يخلف الاسم المتأخر لا بد من مطابقته للموصول لكونه عائده .
    ثم ذكر المثال وهو أنك تقول : الذي ضربته زيد (فذا ضربت زيداً كان ) أي هذا التركيب كان في الأصل ، ضربت زيداً ، فعُمل فيه ما تقدم (فادر المأخذ ) وقس عليه ، والألف للإطلاق .
    ثم بين أنه إذا كان الاسم الذي قيل لك : أخبر عنه . مثنى أو جمعاً أو مؤنثاً ، فإنك تأتي بالمبتدأ الموصول وفق ذلك الاسم فيما ذكر (مراعياً ) في الضمير العائد ( وفاق المثبت ) أي موافقة الاسم المخبر عنه في المعنى .

    ****

    721- قَبُولُ تَأْخيْرٍ وَتَعْرِيفٍ لِمَا أُخْبِرَ عَنْهُ هَا هَنَا قَدْ حُتِمَا
    722- كَذَا الْغِنَى عَنْهُ بِأَجْنَبِيٍّ بِمُضْمَرٍ شَرْطٌ فَرَاعِ مَا رَعَوْا

    لما ذكر المصنف رحمه الله كيفية الإخبار ذكر ما يشترط في الاسم المخبر عنه بالذي أو أحد فروعه ، وهي أربعة :
    1- أن يكون قابلاً للتأخير ، لما تقدم من أنه يجب تأخيره إلى نهاية الجملة ، فلا يخبر بالذي أو فروعه عما له صدر الكلام ، كأسماء الشروط والاستفهام ، مثل : من ، وما ، لئلا تفوته الصدارة ، فإن كان الاسم لا يقبل التأخير بنفسه ولكن خَلَفُهُ يقبل التأخير صح ، مثل : الضمائر المتصلة ، كالتاء من قمتُ ، فيجوز أن يخبر عنها ، مع أنها لا تتأخر ، لأنه لا يمكن النطق بها وحدها لكونها ضميراً متصلاً ، ولكن يتأخر خلفها ، وهو الضمير المنفصل ، فتقول : الذي قام أنا .
    2- أن يكون قابلاً للتعريف ، فلا يخبر عن الحال والتمييز ، للزومهما التنكير ، فلا يخلفهما الضمير، لأنه ملازم للتعريف ، فلا يجوز في : جاء خالدٌ راكباً ، أن تقول : الذي جاء خالد إياه راكب .
    3- أن يكون قابلاً للاستغناء عنه بأجنبي ، فلا يخبر عن ضميرٍ عائدٍ إلى اسم في الجملة ، كالهاء من نحو : صالح أكرمته ، لأنك لو أخبرت لقلت : الذي صالح أكرمته هو ، فالضمير المنفصل هو الذي كان متصلاً بالفعل قبل الإخبار ، والضمير المتصل الآن خلف عن ذلك الضمير ، فإن قدرته رابطاً للخبر بالمبتدأ الذي هو (صالح ) بقي الموصول بلا عائد ، و انخرمت قاعدة الباب، وإن قدرته عائداً على الموصول بقي الخبر بلا رابط .
    4- أن يكون صالحاً للاستغناء عنه بالمضمر ، ليصح كونه عائد الموصول ، فلا يخبر عن الموصوف دون صفته ، فلا تقول في :أكرمت رجلاً عالماً : الذي أكرمته عالماً رجل . لأنك لو أخبرت عنه لوضعت مكانه ضميراً ، وحينئذ يلزم وصف الضمير والضمير لا يوصف ، ولا يوصف به .
    وهذا الشرط يغني عن ذكر الشرط الثاني ، لأن الإضمار تعريف وزيادة ، وقد ذكر ابن مالك في شرح الكافية أن ذكر الشرط الثاني زيادة بيان ( ) .
    وإلى هذا الشروط الأربعة أشار بقوله : ( قبول تأخير وتعريف ... إلخ ) أي : قد ( حُتم ) في هذا الباب ووجب كون الاسم المخبر عنه قابلاً للتأخير والتعريف ، وكذا يشترط (الغنى عنه) أي الاستغناء عنه بأجنبي أو الاستغناء عنه بمضمر ، وقوله ( فراع ما رعوا ) أي لاحظ ما لاحظوه من الشروط ( ) .

    723- وَأَخْبَرُوا هَنَا بِألْ عَنْ بَعْضِ مَا يَكُونُ فِيْهِ الْفِعْلُ قَدْ تقَدَّمَا
    724- إنْ صَحَّ صَوْغُ صِلَةٍ مِنْهُ لألْ كَصَوْغِ وَاقٍ مِنْ وَقَى اللهُّ الْبَطَلْ
    725- وَإنْ يَكُنْ مَا رَفَعَتْ صِلَةُ ألْ ضَمِيرَ غَيْرِهَا أُبِينَ وَانْفَصَلْ
    لما بين الإخبار بالاسم الموصول عن الاسم : ذكر هنا الإخبار بالألف واللام الموصولة ، فيخبر بالألف واللام عن الاسم بأربعة شروط ، زيادة على الشروط السابقة :
    1- أن يكون المخبر عنه واقعاً في جملة فعلية ، بخلاف الإخبار بالذي ، فإنه يخبر به عن الاسم الواقع في جملة اسمية أو فعلية ، فإذا قلت : خالد أخوك ، لم يصلح الإخبار بأل عن خالد ، لأنه في جملة اسمية ، والجملة الاسمية لا تصلح صلة .
    2- أن يكون الفعل متقدماً بخلاف ، ما يقوم عاصم . لأنه تقدم على الفعل نفي ، ولا يفصل بين أل وصلتها بنفي ولا غيره .
    3- أن يكون متصرفاً بخلاف:عسى المريض أن يبرأ ؛ لأنه فعل جامد ، وهو لا يصلح صلة لأل .
    4- أن يكون مثبتاً ، بخلاف المنفي كما تقدم .
    مثال ذلك: وقى اللهُ البطلَ ، فيجوز أن تخبر عن كل واحد من الفاعل والمفعول في هذه الجملة بالألف واللام ، لتحقق الشروط ، فتقول في الإخبار عن الفاعل ، الواقي البطلَ اللهُ . فـ ( الواقي ) مبتدأ ، و ( البطل ) بالنصب على أنه مفعول لاسم الفاعل ، وبالجر على أنه مضاف إليه ، و ( الله ) خبر المبتدأ .
    وتقول في الإخبار عن المفعول : الواقيه اللهُ البطلَ ، وذكر الهاء واجب لأن عائد ( أل ) الموصولة لا يحذف إلا ضرورة . فـ ( الواقيه ) مبتدأ والهاء مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله . و ( الله ) فاعل لاسم الفاعل ، و ( البطل ) خبر المبتدأ .
    ثم إن الوصف الواقع صلة لألف ، إن رفع ضميراً ، فإن كان عائداً على أل الموصولة وجب استتاره في الصلة ، لأن الصلة جارية على من هي له ، وإن كان عائداً على غيرها وجب بروزه . لجريان الصلة على غير من هي له ، فإذا قلت : بَلَّغْتُ من أخويك إلى المحمدين رسالةً . فإن أردت الإخبار عن التاء في (بلغت ) قلت : المبلَّغُ من أخويك إلى المحمدين رسالةً أنا ، ففي المبلغ ضمير عائد على (أل ) فيجب استتاره ، لأنه في المعنى لأل ، لأنه خلف من ضمير المتكلم ، ( وأل ) للمتكلم ، لأن خبرها ضمير المتكلم ، والمبتدأ نفس الخبر ، وإن أخبرت عن الأخوين – من المثال المذكور – قلت : المبلِّغُ أنا منهما إلى المحمدين رسالةً أخواك . وإن أخبرت عن المحمدين قلت : المبلغ أنا من أخويك إليهم رسالة المحمدون . وعن الرسالة تقول : المبلغها أنا من أخويك إلى المحمدين رسالة ، فـ ( أنا ) في هذه الأمثلة ، فاعل ( المبلغ ) لأنه اسم فاعل ، والضمير عائد لغير ( أل ) ، وضمير الغيبة هو العائد، وذلك لأن التبليغ فعل المتكلم ، و (أل) فيهن لغير المتكلم لأنها نفس الخبر الذي أخرته .
    وهذا معنى قوله : ( وأخبروا هنا بأل .. إلخ ) أي : أخبر العرب – في هذا الباب –بأل الموصولة ( عن بعض ) أي عن جزء كلام ( يكون فيه الفعل قد تقدما ) وهذه إشارة إلى الشرطين الأولين . وقوله ( إن صح صوغ صلة منه لأل ) أي من الفعل المتقدم ، بأن كان متصرفاً ومثبتاً .وهذا (إشارة) إلى الشرطين الأخيرين . وقوله ( كصوغ واق من وقى الله البطل ) هذا مثال لما اجتمعت فيه الشروط ، فهو خبر لمبتدأ محذوف ، أي : وذلك كصوغ ... وقد مضى بيان ذلك .
    ثم ذكر أن صلة (أل ) إذا رفعت ضميراً وكان هذا الضمير لغير (أل ) ( أبين وانفصل ) ، أي : قطع من العامل وانفصل ، إشارة إلى أنه يجب الإتيان به بارزاً منفصلاً كما تقدم ، والله أعلم .

    ***

+ الرد على الكتاب
صفحة 1 من 5 1 2 3 ... الأخيرةالأخيرة

ضوابط التعليقات على الكتاب

  • لا تستطيع إضافة كتب جديدة
  • لا تستطيع التعليق على الكتب
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك