ـ فما هو زواج المسيار ؟
ـ زواج المسيار يتم بنفس أركان الزواج ، غير أن الزوجة تتنازل عن بعض حقوقها ، كالإنفاق ، أو عدم إقامة الزوج معها بصفة دائمة ، وفى صحته نظر .
ـ فماذا عن زواج الهبة : يعنى قول الفتاة للشاب : "وهبتك نفسى ، أو وهبت لك نفسى" ويقولون إن الزواج : إيجاب وقبول ، وأنه لم يكن على عهد النبى r ولا الصحابة "ورقة" قسيمة زواج (1) ، إنما كان الإيجاب والقبول ، فهل هذا الزواج ـ زواج الهبة ـ صحيحاً أم لا ؟
ـ الجواب : هذا نكاح باطل ، فقد أجمع العلماء على إن هبة المرأة نفسها غير جائز (2) ، وان هذا اللفظ من الهبة لا يتم عليه نكاح ، فهو صورة من صور الزنا ، وقد تقدم الحديث بشأن أركان الزواج ، وهما الإيجاب والقبول ، وشروطه وهى : الصداق ، الإعلان ، الشهود ، والولى .
ـ ومن أحكام الزواج العرفى :
ـ فماذا عن الزواج السرى أو الزواج العرفى كما يطلقون عليه ؟
ـ الجواب : لابد أن نفرق بين الزواج السرى الذى استوفى الشروط والأركان التى وضعها الإسلام والشرع الحنيف لتكون معاشرة الرجل للمرأة معاشرة صحيحة ، نكاحاً وليست سفاحاً ، وبين الزنا الذى يريد أن يلبسه البعض عباءة الإسلام ويسمونه بغير اسمه ويصفونه بغير وصفه ورسمه ، فيطلقون عليه "الزواج العرفى" ، والزواج والعرف منه براء .
فالزواج السرى الذى اجتمعت فيه الشروط والأركان ولكنه لم يُعلن لظروفٍ ما ، فهو زواج صحيح ، وإن لم يُقيد ، فالزواج السرى أو أى زواج إذا توافرت فيه أركان وشروط الزواج ، من الإيجاب والقبول ، والمهر والإعلان والشهود والولى فهو زواج صحيح ، سواء قُيد فى عقد أم لا ، فهو من الناحية الشرعية صحيح إذا استوفى شروط وأركان الزواج وكان للأبدية وليس لوقت محدد مع ما يستتبع الزواج الشرعى من أحكام وتبعات .
يلجأ إليه البعض ـ بعدم الإعلان ـ لظروفٍ ما ، إلا أنه صحيح فى ذاته ، على خلاف بين أهل العلم فى وجوب الإعلان أو كونه مندوباً .
ـ سؤال : لقد انتشر فى بلادنا ـ مصر ـ خاصة فى الجامعة مسالة الزواج العرفى ، وكذا هو منتشر بين كثير من الطبقات فى مصر ، فماذا عما يسمونه بالزواج العرفى ؟
ـ الجواب : إن الحديث عن تلك الصورة من الزنا التى فشت وطفحت بها كثير من الجامعات والتى يسمونها بـ "الزواج العرفى" له موضع آخر نبسط فيه الكلام ، ولكن للصلة بينه وبين موضوع الكتاب نتطرق إليه على إيجاز فى محاولة لبيان حِله من حرمته ، ولكن لابد أن نبين أولاً أن الناس يقعون فى خطأ حينما يطلقون على الزنا اسم "زواج" عرفى ! .
فإنه أولاً : لابد من تحديد الألفاظ ، فإطلاق البعض ـ على تلك الصورة من الزنا ـ الزواج " لعرفى" خطأ ، فالزواج العرفى : أى ما تعارف عليه الناس ، كما تدل عليه لفظة "عرفى" المشتقة من "العُرف" ، والناس فى بلاد الإسلام لم تتعارف على زواج "سرى" يعرفه الفتى والفتاة فقط ويجهله أهل الفتاة أو الفتى ، هذا أولاً .
أما ثانياً : فهو فقده شرطاً هاماً من شروط صحة الزواج وهو "الولى" ، وعليه فهو صورة من صور الزنا ، وهو نكاح باطل إذ لم تتوفر له شروط الزواج الشرعى كاملة .
ـ كيف ؟ وقد توفرات فيه أركان الزواج : الإيجاب والقبول ، ثم شروط صحته : المهر "الشرعى" ـ ربع جنيه ! (1) ـ والشهود ـ شاهدين من زملاء الجامعة ! أو الأصدقاء فى الرحلة ! (2) ـ والإعلان : وقد علم صديقى الجامعة ، أو زملاء الرحلة بزواج فلان من فلانة ؟
ـ الجواب : نعم ولكنه فقد شرطاً هاماً وهو الولى .
ـ فما هى الأدلة على فساد النكاح بدون الولى ؟
ـ الجواب : الأدلة كثيرة جداً ـ وليس هذا موضع بسطها ـ ولكنى أسوق اليك بعض كلام أهل العلم حول صحة اشتراط الولى .
ـ أولاً : من القرآن الكريم : قوله تعالى : (فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ) (النساء : 25) .
قال الإمام القرطبي فى تفسيره (5\141) : أى بولاية أهلن وإذنهن .
ـ وقوله تعالى : (وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ) (البقرة : 221) .
قال الإمام القرطبى فى تفسيره (3\72) : فى هذه الآية دليل بالنص على أنه لا نكاح إلا بولى .
وقال الطبرى (2\379) : هذا القول من الله تعالى ذكره دلالة على أن أولياء المرأة أحق بتزويجها من المرأة .
وقال ابن عطية (2\248) : إن الولاية فى النكاح نص فى لفظ هذه الآية .
ـ وقوله تعالى : (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ) (البقرة : 232) .
وسبب نزول هذه الآية كما يقول معقل بن يسار : "زَوَّجْتُ أُخْتًا لِي مِنْ رَجُلٍ فَطَلَّقَهَا حَتَّى إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا جَاءَ يَخْطُبُهَا فَقُلْتُ لَهُ زَوَّجْتُكَ وَفَرَشْتُكَ وَأَكْرَمْتُكَ فَطَلَّقْتَهَا ثُمَّ جِئْتَ تَخْطُبُهَا لَا وَاللَّهِ لَا تَعُودُ إِلَيْكَ أَبَدًا وَكَانَ رَجُلًا لَا بَأْسَ بِهِ وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تُرِيدُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ ( فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ ) فَقُلْتُ الْآنَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ" (1) .
ـ قال الإمام الترمذى بعد روايته للحديث : وفى هذا الحديث دلالة على أنه لا يجوز النكاح بغير ولى ، لأن أخت معقل بن يسار كانت ثيباً ، فلو كان الأمر إليها دون وليها لزوجت نفسها ولم تحتج إلى وليها معقل بن يسار .
ويقول الحافظ فى الفتح (2) عند شرحه للحديث : وقد ذهب الجمهور إلى أن المرأة لا تزوج نفسها أصلاً .
ـ ومن السنة الشريفة قوله r : "لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ " (3) .
وفى السنن عنه من حديث عائشة ـ رضى الله عنها ـ مرفوعاً : "أَيُّمَا امْرَأَةٍ لَمْ يُنْكِحْهَا الْوَلِيُّ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ فَإِنْ أَصَابَهَا فَلَهَا مَهْرُهَا بِمَا أَصَابَ مِنْهَا فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ" (1) قال الترمذى حديث حسن ، وفيها عنه : "لَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ وَلَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا فَإِنَّ الزَّانِيَةَ هِيَ الَّتِي تُزَوِّجُ نَفْسَهَا" (2) .
قال ابن عباس ـ رضى الله عنهما ـ : البغية هى التى تزوج نفسها .
وقال الإمام مالك ـ صاحب المذهب المالكى ـ وقد سئل عن المرأة تزوج نفسها أو تزوجها امرأة أخرى ؟ قال : يُفرَّق بينهما ، دخل بها أو لم يدخل (3) .
ويقول الإمام احمد بن حنبل ـ صحاب المذهب الحنبلى ـ وقد سُئل عن امرأة أرادت التزويج فجعلت أمرها إلى الرجل الذى يريد أن يتزوجها وشاهدين ؟
قال : هذا ولى وخاطب ! لا يكون هذا ، والنكاح فاسد (4) .
ويقول الإمام الشافعى رحمه الله تعالى فى سفره العظيم "الأم" : فإن امرأة نكحت بغير إذن وليها فلا نكاح لها (5) .
ـ فماذا عن قول الإمام أبى حنيفة ؟
ـ الجواب : هذا هو ما اعتمده أصحاب القول بصحة الزواج العرفى ، حيث قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى بصحة الزواج دون ولى ، وقد خالف فى هذا القول جمهور أهل العلم ، ومن قبل السنة الصحيحة عن النبى r .
ـ كيف ؟ وهو الإمام الأعظم وأحد الأئمة الأربعة ؟
ـ الجواب : لا عجب ، فما من أحد قال أن الإمام الأعظم أو غيره من الأئمة أو الناس عامة قد جمع أصول العلم وفروعه ، وما غابت عنه سنة أو حديث من أحاديث النبى r ، بل قال بعضهم وقد سُئل : أين العلم كله ؟ قال : فى العَالم كلِه ، فما من أحد إلا وقد غابت عنه بعض السنة ، بل ما من أحد من الأئمة الأربعة إلا وقد صح عنه الأخذ بالحديث وإن خالف مذهبه .
فهذا الإمام مالك يقول : ليس لأحد بعد رسول الله r إلا ويؤخذ من قوله ويُرد ، إلا النبى r .
ويقول : إنما أنا بشر أخطئ وأصيب ، فانظروا فى رأيى ، فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه ، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه .
وهذا الإمام أحمد بن حنبل يقول : رأى الأوزاعى ، ورأى مالك ، ورأى أبى حنيفة ، كله رأى ، وهو عندى سواء ، وإنما الحجة فى الآثار .
ويقول الإمام الشافعى رحمه الله تعالى : إذا صح الحديث فاضربوا بقولى الحائط .
بل وهذا الإمام أبو حنيفة يقول : إذا صح الحديث فهو مذهبى .
قلت : وقد صح الحديث ، وهو قوله r : "لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ " (1) .
ـ إذن فما هو الدليل الذى اعتمده الإمام فيما ذهب إليه ؟
ـ الجواب : اعتمد الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى على قوله r : "الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا " (2) .
وقد رد العلماء تأويل الإمام واعتماده إياه حجة فى صحة الزواج بدون ولى ، بل وهذا أبو الحسن ومحمد بن يوسف وهما حملة علم الإمام أبى حنيفة قد خالفا أستاذهما وشيخهما فى مسائل عديدة عندما تبينت لهما السنة ، وظهر لهما وجه الحق فيها، وقد روى الإمام الطحاوى فى "الشرح" (1) عن محمد بن الحسن وأبى يوسف : أنه لا يجوز تزويج المرأة بغير إذن وليها .
وقال شراح الحديث كالإمام النووى فى شرح مسلم : "قوله : أَحَقُّ بِنَفْسِهَا : يحتمل من حيث اللفظ أن المراد أحق من وليها فى كل شئ من عقد وغيره كما قاله أبو حنيفة وأبو داود .
ويحتمل : أنه أحق بالرضا ، أى : لا تزوج حتى تنطق بالإذن ، بخلاف البكر (2) .
وقد أفاض الإمام ابن حزم فى الرد فى كتابه "المحلى" (3) .
ـ كما اعتمد أيضاً الإمام أبو حنيفة ما رُوى أن النبى r : "خَطَبَ أُمَّ سَلَمَةَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِي تَعْنِي شَاهِدًا فَقَالَ إِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِكِ شَاهِدٌ وَلَا غَائِبٌ يَكْرَهُ ذَلِكَ فَقَالَتْ يَا عُمَرُ زَوِّجِ النَّبِيَّ r فَتَزَوَّجَهَا النَّبِيُّ r".
وهذا حديث ضعيف ، أخرجه الإمام أحمد (6\295) والنسائى (3202) بسند ضعيف ، فيه ابن عمر ابن أبى سلمة : مجهول .
كما تُعقب أيضاً بأن الله U قال : (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) (الأحزاب : 6) كما أنه لم يكن أحد من أهلها حاضراً كما أخبرت هى ، ويكفى ضعف الحديث كما تقدم فلا يُحتج به .
وهذا حال الإمام رحمه الله تعالى : يعتمد حديثاً ضعيفاً (1) ثم يبنى عليه أصولاً وفروعاً ، كما يقول الإمام الشافعى رحمه الله تعالى : أبو حنيفة يضع أول المسألة خطأ ، ثم يقيس الكتاب كله .
قال ابن أبى حاتم : لأن الأصل كان خطأً فصارت الفروع ماضية على الأصل (2) .
ـ واحتج بعضهم بحديث رواه الطحاوى : أن أم المؤمنين عائشة ـ رضى الله عنها ـ زوجت حفصة بنت عبد الرحمن بن المنذر ابنَ الزبير ، وعبد الرحمن غائب بالشام ، فلما قدم عبد الرحمن قال : أمثلّي يُصنع به هذا ويُفتات عليه ؟ ووكلت عائشة المنذر فقال : إن ذلك بيد عبد الرحمن ، فقال عبد الرحمن : ما كنت أرد أمراً قضيته ، فقرَّت حفصة عنده ولم يكن طلاقاً" (3) .
وهذا متعقب بأنه موقوف ، والمرفوع مقدم على الموقوف (4) ، وهو أيضاً ليس صريحاً فى أنها ـ رضى الله عنها ـ أنها هى التى تولت التزويج ، فلعلها وكلت آخر ، كما روى الطحاوى أيضاً : "أنها انكحت رجلاً من بنى أخيها جارية من بنى أخيها فضربت بينهما بستر ثم تكلمت حتى إذا لم يبق الا النكاح أمرت رجلاً فأنكح ، ثم قالت : ليس إلى النساء النكاح" (1) ، والآثار فى هذا كثيرة جداً .
ـ وعليه فالزواج العرفى المفتقد لشرط الولى هو نكاح فاسد لا يصح كما تقدم كلام أهل العلم ، وقد خالفهم الإمام أبو حنيفة (2) وتقدم الرد عليه .


رد مع اقتباس

