+ الرد على الكتاب
صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 1 2 3 الأخيرةالأخيرة
النتائج 11 إلى 20 من 30
  1. #11
    Banned
    تاريخ التسجيل
    Dec 2009
    المشاركات
    1,117

    افتراضي

    الفصل الرابــع


    السـيـرية روائياً





    الفصل الرابع

    السيرية روائياً

    1 ـ نورا أمين: الوفاة الثانية لرجل الساعات:
    تعلن نورا أمين السيرية في روايتها (الوفاة الثانية لرجل الساعات)( ) منذ البداية، فيما تروي من تعزية رجل لها بأبيها، فتمشي (للمرة الأولى في حياتها) على سجيتها، وتبكي بتلقائية، وتشرع بكتابة هذه الرواية التي تهديها إلى ذلك الرجل الذي جعلها تشعر للمرة الأولى أن من مات هو أبوها.
    وإذا كانت الساردة تسرد الرواية بضمير الغائب حيناً، وبضمير المتكلم غالباً، فسوف تعود الكاتبة نفسها إلى الظهور باسمها الأول قرب نهاية الرواية، كما كان في بدايتها، حين تقرأ الأسرة نعي الوالد عبد المتعال أمين الذي يناديه أقرباؤه وأصدقاؤه بالاسم الذي سيحمله في الرواية: عبود. وفي هذا الموقع المتأخر من الرواية ستعلن الساردة ـ الكاتبة اللقب المناسب للمرحوم "رجل الساعات" سواء تملك هو الساعات أو تملكته هي أو فشل الاثنان في إحراز الملكية الحقيقية. ومن هنا جاء عنوان الرواية الذي لا يكتمل إلا بوفاة الثانية للأب: أي تحرر الابنة منه. فكما جاء في مفتتح الرواية، ها هي الساردة في النهاية تقول: "والآن منحني هو من موته حريتي".
    تبني الساعات الرواية في إحساس مرهف وعميم بالزمن. فالفصل الأول عنوانه (ساعات) والثاني عنوانه (ودقائق) والثالث عنوانه (وثواني) والرابع والأخير عنوانه (خارج الزمن). وفي هذا البناء ينقسم الفصل الأول وحده إلى فقرات تَتَعَنْوَنُ بالساعات، وأولاها (في العاشرة دوماً) تعرفنا على الأب في اللقاء المقدس كل خميس في بيت العائلة القديم، كما عوّد العاهل الأكبر ذريته منذ نصف قرن. والفقرة الثانية (في السادسة يحدث أن...) تنبش من ذاكرة الساردة عشقها للساعة السادسة، وتسرد من حياة الأب استقالته من الوظيفة التي تقدسها العائلة، وسط ضجة نصر أكتوبر (حرب 1973) والتفاؤل بوعود الانفتاح، ثم اندفاع (عبود) في اللعبة حسب قوانين السبعينيات (من القرن العشرين) ليصل إلى قمة الهرم، وليسقط فجأة، فيخرج من المولد الانفتاحي بلا حمّص، ويفترش في السادسة من مساء كل يوم حسرته وذكرياته، يشيد الجسور الورقية للماضي، ويحاول سبيلاً إلى الثمانينيات. أما فقرة (الثانية عشرة الرسمية) فتوالي سرد شطر من حياة الرجل الذي انتهى به عشق الساعة الرسمية إلى إرباك ساعة جسده. إنها الساعة التي يترقب فيها عبود ظهوراً رسمياً أخيراً يليق ببداياته، ويختتم العقد الأخير من القرن العشرين، وهو الذي يحسب أنه باللوحة التي تحمل اسمه الثلاثي قد صنع بيبلوغرافيا كاملة لمسار الاقتصاد المصري منذ الستينيات. وأخيراً، وفي فقرة (العاشرة صباحاً المرغمة) تصيب القرحة الرجل، فتتكلل ساعة الحائط في غرفته بالحمرة، وتدفن أسفل عقاربها موعداً سرياً تفيض فيه الدماء ليلاً من الرجل المريض. لقد أرغمت الساعة "هذه المرة على التوقف حيث لا يحلو لها، وخفت تماماً الضحك الذي كانت تطلقه عندما تتجمع عقاربها في رقم واحد".
    في الفصل الثاني (ودقائق) تسرد الساردة ما بعد موت أبيها بيومين. وكما في الرواية كلها، تنثال ذكريات الساردة، ومنها هنا فكفكتها للساعة الإنجليزية المستديرة التي جاء بها عبود من إحدى سفرياته. وها هي الساعة الآن لم تزل في لياقتها، غير أن عقرب الدقائق صار يندفع أماماً، ثم يطلق الصدى إلى الخلف لكأنه يتقدم، إلا أن شيئاً ما يجذبه خلفاً. والساردة الآن لا ترغب بفكفكة الساعة، بل تشفق عليها، وتتمنى لو أنها ترتاح من الوقوف طيلة السنوات المنصرمة. والآن أيضاً تقتحم الساردة غرفة أبيها، فتخال نفسها على حافة الموت: "أبتلع جسدي كله وكأنه عقرب متخف".
    في الفصل الثالث (وثواني) تنهمر ذكريات الطفلة والمراهقة عن أبيها. ففي الحادية عشرة نراها فخورة بأبيها الذي يشبه عبد الحليم حافظ في كل شيء، ومفتاح الإغراء عنده هو صوت المطرب. وتتوقف الراوية مطولاً عند حدثين مفصليين، الأول هو وقوفها في تلك السنّ على السقالة في العمارة، تفتش عن لغة أخرى تتيح لها هذا النوع من الطيران: "لغة تشبهني أكثر مما تشبهه هو". فالفتاة المعجبة بأبيها بدأ نموها النفسي والجسدي يومئ إلى الاستقلالية. أما الحدث الثاني فهو نهر الأب لابنته المدللة، مما سيورثها (رضّة) نفسية، فيبدو لها "أن ثانية من الزمن قد سقطت سهواً، لأنني أفقت فجأة وأنا في هذا الوضع على صوت عنيف ينهرني". لقد زلزل كيانها الصوت الذي تعودت ألا يصدر إلا نغمات العندليب، ففقدت صلتها به وقد غدا جرعة غريبة من العداء. ولذلك تفكر الفتاة في أن تكتب رسالة لأبيها تعلن بغضها له، وتتوعد بمحو اسمه من شهادة ميلادها كانتقام أبهى: "ذات يوم لن يكون جسدي مغيباً، وسوف تتبدى قسوة خيالي بما لا يستطيع هو أن يتخيله، عندئذِ سوف يتمكن لساني من لغة طافية تمارس كل قهرها عليه".
    في الخامسة عشرة لم تعد الفتاة تخرج مع أبيها في سيارته الفارهة. لقد بدأ حاجز مراهقتها يفصل بينهما. وحين يختفي ستاً وثلاثين ساعة جراء تعطّل سيارته، تحاول أن تتقمصه، وينتابها الشعور بفقدانه الذاكرة في حادث، فتفرح، لأنه سيكون الأب الوحيد الذي تتاح له فرصة التشكل من جديد، وسوف يتاح لها أن تبدأ معه علاقة جديدة: "سوف تكون حقاً فرصة لميلاد جديد، وسوف أشارك في تشكيل ذاكرة أبي بالانتقاء والحذف بما يسهل من تواصلنا ويطرد كل اللحظات السيئة التي مرت بنا، والتي خلناها غير قابلة للمحو".
    من بئر الطفولة والمراهقة تمضي الساردة في الفصل الأخير إلى الثامنة والعشرين من عمرها، حيث استقلت وابنتها. وهذا الفصل يبدأ بكتابةٍ تضارع قصيدة النثر (أربع صفحات ونصف) على النحو الذي جاءت به رواية فوزية شويش السالم (حجر على حجر) بتمامها. وفي تلك الصفحات تحلم الساردة بمن لا تستطيع أن تسميه، فيما يبدو أن لها به ارتباطاً قديماً، وأنها تتألم من أجله. وسيتجسد الحلم بموت أبيها. وها هي إذ ترقد في سرير الميت، تنشد أن تفيض عنها رائحته، وتستعيد الحلم وهي تضع دبلة زواج الميت في إصبعها: "لن أترك شيئاً خلّفه هو خصيصاً لي، ووضعه حيث سوف أصوّب نظراتي". وحيث تبحث البنت في أدراج أبيها تقع على كل ثروته: الساعة المعبرة عن مرحلة العبور إلى عالم رجال الأعمال، وساعة الأورينت التي تذكرها بمراقصة أبيها لها، وساعة المعمورة من الماركات الأصلية التي يروج لها قادة البلد والشخصيات العامة، والساعة النحاسية الأقدم التي تطوق بها معصمها الآن. وبعد اثنين وثلاثين يوماً من الوفاة يهدأ إحساس العضو الذي نزع من جسد البنت التي انقطعت عن بيت العائلة القديم، ولم تعد تشعر نحو الماضي إلا بالحياد. وفي هذه النهاية للرواية ستسرد الساردة زواجها: "وكانت دبلة أبي
    هي القطعة الوحيدة الذهبية في صندوقي"، متوّجةً بذلك الحالة النفسية الأنموذجية لاستبطان الأنثى أباها حباً وكرهاً، فالرواية تنادي الفرويدية كما تنادي السيرية وهي تضيف نصاً جارحاً جديداً إلى نصوص الجيل الصاعد من الروائيات العربيات: بنات شهرزاد.
    2 ـ عبده جبير: مواعيد الذهاب إلى آخر الزمان( )
    من التراث السردي يأتي عبده جبير بلعبة (الباب) في نظام التأليف، ليشيد روايته (مواعيد الذهاب إلى آخر الزمان)، وهي اللعبة التي أغوت آخرين من آخرهم أمين الزاوي في روايته (رائحة الأنثى) وأنيسة عبود في روايتها (باب الحيرة). فقد جاءت رواية جبير في خمسة أبواب، أولها وأطولها هو (باب في ثياب الساعات) وآخرها وأقصرها هو (باب في ثياب الأيام) الذي يناظر الباب الأول راصداً الأسبوع الأخير للراوي في الكويت قبل عودته إلى مصر، وذلك في هيئة يوميات، بينما رصد الباب الأول في هيئة الرسائل العيش الكويتي للراوي عبر ساعات الليل والنهار.
    وقد مضى عبده جبير من لعبة (الباب) إلى الكثير سواها كما سنرى، لتكون (مواعيد الذهاب إلى آخر الزمان) رواية تجريبية بامتياز، تعزز تجريبية الكاتب في روايتيه السابقتين (تحريك القلب ـ 1981) و(عطلة رضوان ـ 1995)، وهي التجريبية التي أعلنت عنها المجموعة القصصية الأولى للكاتب (فارس على حصان من الخشب ـ 1978) وتواصلت في مجموعتيه التاليتين (سبيل الشخص ـ 1982) و(الوداع تاج من العشب ـ 1997).
    تبدأ الرواية الأخيرة بمشروعات الرسائل التي يكتبها الراوي إلى من عرفهن في مصر، وتختلط أسماؤهن في الرسالة الواحدة وهي تستعيد ماضياً وتعرض حاضراً، وحيث لا يفتأ الراوي يقطع السرد بما يضفره بين قوسين ويدع كثيراً منه مبتوراً، وتلك هي اللعبة الثانية التي ستتواصل في الرواية. أما اللعبة الثالثة فهي لعبة الأقنعة (تسلية الراوي) التي تقنّع كل شخصية بقناع، فعامل البوفيه الباكستاني هو سلمان رشدي، وضحى هي سعاد حسني، والراوي رفعت الجمال هو رفعت محمد... والراوي يلعب هذه اللعبة لأنه غير قادر على أن يذكر الشخصيات الحقيقية. لكن هذه التعلة لا تخفي السيري في الرواية، وبالتالي ما بين شخصية الراوي والكاتب، بل لكأن التعلة تحرض على تبيّن السيري، سواء بما عرف عن تجربة الكاتب الكويتية، أو بما سيعاوده الراوي من ذكر صاحبه الروائي عادل السيوي، أو بما سيسوقه في الرواية بعامة، وتلك لعبة رابعة في (مواعيد الذهاب..).
    فرفعت الجمال إذ تعبر به عبارة (غريب الأطوار) يتململ: "لا أعرف من أية رواية معتوهة التقطت هذا التعبير"، لكأنه يهجو اللغة الروائية حتى تتقعّر، نقيض اللغة التي يكتب بها الرسائل والتي سيروي بها بقية فصول ـ أبواب (مواعيد الذهاب..). ورفعت الجمال في الباب الثاني يلتقي من دفعه إلى الهجرة: البطل ـ اللابطل (رضوان) القادم من رواية عبده جبير (عطلة رضوان)، الوحيدة التي استطاع رفعت إتمام قراءتها طول حياته، هي و(قصة الحضارة). وسيخاطب رفعت نفسه: وتخيّلْ نفسك بين يدي مؤلف روايات أحمق، فيسلق من امتهنوا كتابة الروايات من كل هب ودبّ، ويتطلع إلى "كاتب روايات حقيقي هو نبي عصره بمعنى الكلمة، وهو بالقطع موجود، وسيظهر ليملأ الدنيا روايات تخدش حياء القصة الكبرى وإن كان يطالعك بتصوير حياة شخص يراه أصحاب العقائد غارقاً في التفاهة".
    يرسم الباب الثاني من (مواعيد الذهاب..) أفواج المهاجرين المصريين وألواناً من العيش الكويتي كما في قصة المرأة المعيلة التي تتعيش من الادعاء بأن ابنها أسير لدى صدام حسين. ولأن الراوي يتقمّص في هذا الباب الرسام الشعبي، فالسرد يندفق غالباً في كتلة واحدة، لا تعنيها علامات الترقيم ولا علامات الزمان أو المكان أو الشخصيات. وإلى هذه اللعبة البنائية واللغوية، ستلي في البابين التاليين لعبتان أخريان لتعدد وتعمق لغات الرواية ومستوياتها وزوايا نظرها. ففي الباب الثالث (في يقظة الناجين) يقدم الراوي ملاحظته أولاً، وفحواها أن ما سيلي هو ملفات مصريين ممن نجوا من تحطيم الطائرة المصرية الشهيرة في السماء الأمريكية بعطل أو بصاروخ أو بانتحار إرهابي ـ من ينسى؟ ـ وكذلك ملفات من نجوا من تحطم الأوتوبيس المقلّ لمهاجرين مصريين على الحدود السعودية الكويتية. وقد تلت ملاحظة الراوي سرود كل من الناجين والناجيات، لتؤكد ـ مع ما سبق وما سيتلو ـ صيرورة الرواية ذلك الكتاب الافتراضي، كتاب الحشد المتلاطم الخارج من مصر إلى المحيط، ما أودى إلى الصحراء، وليس إلى جنة عدن ولا سفينة نوح ولا بلاد السندباد.
    في الباب الرابع يحمل رفعت الجمال الكاميرا ليصوّر العيش الكويتي. ولأن هذه الكاميرا روائية، تأتي فقرات بعناصر ما ستصوّر من أشياء وبشر وأحداث، وبالتالي تتوالى القصص الفرعية في الرواية كما في سائر أبوابها. ومن الباب الرابع إلى الأبواب الأخرى، تنهض الصورة الكويتية التي تنادي رواية هاني الراهب (رسمت خطاً في الرمال) سواء في المكاتب التي تتاجر بأبحاث طلبة الجامعة أو بزيارة بوش الأب للكويت أو بمعضلة (البدون) الذين لا يحملون جنسية أو بسباق الهجن.. والصورة نفسها تنادي رواية طالب الرفاعي (ظل الشمس) في تفاصيل حياة العمالة المصرية بخاصة في حي خيطان وسواه. فالغرباء فقدوا سيطرتهم على كل شيء، لأن كل شيء هناك (في الكويت) أصبح لا شيء، وفي المقهى تراهم متوحدين ومتشابهي الملامح، واللغة (خلطبيطة) من لغات شرق آسية ومن الإنكليزية والعربية، والتعصب ضارب بين العرب، وغطاء البنكنوت وحده يجعل الغرباء يحسون بالألفة، والحداثة على أشدها، ومجتمع الرفاهية القادم من الغرب يطلع بالجنس الثالث، وأغلب الوجوه في هذا الفضاء الكويتي عابسة، وجذور صاحب الوكالة التي يعمل فيها الراوي مكينة في البداوة..
    من هذا الفضاء يقرر الراوي أخيراً أن يؤوب إلى مصر، ليمتهن مهنة الكتابة كما هو صديقه الذي يكتب روايات صعبة: عادل السيوي. وها هو عبده جبير قد عاد من الكويت إلى الفيّوم ليتفرغ للكتابة، يحدوه صوت رفعت الجمال: "أحسّ بأن مخزوني يكفي لعدة مجلدات". والجمال سيكتب على الأقل ليتخلص من عذابات نفسه، أما عبده جبير فلعله لا يكتب لذلك وحده، بل لأننا بحاجة إلى رواياته.
    3 ـ محمد الباردي: الكرنفال( )
    يدوِّم خبر انتحار الشاعر والكاتب وأستاذ الفلسفة سليم النجار في مقهى ريجينه، حيث يتمركز السارد لرواية (الكرنفال) والذي يحمل اسم محمد الباردي، ليصير الكاتب واحداً من شخصيات روايته التي يجمعها هذا المقهى في تونس: "موطن النفوس الجريحة والأحلام المتكسرة"، لكأننا في إهابٍ روائي محفوظي (نجيب محفوظ). لكن محمد الباردي يهتك هذا الإهاب بما يكتب من سيرة المنتحِر وسيرته هو، وبما يروي وتروي الشخصيات جميعاً من الحكايا والأخبار العجيبة والغريبة، سواء ما تعلّق منها بالماضي أو بالحاضر الذي تحدو له البوارج الأمريكية الماخرة نحو الخليج.
    وإذا كانت رواية (الكرنفال) تبدأ بانتحار سليم النجار، فسوف تظل هذه اللفحة البوليسية تناوش الرواية حتى منتهاها، حيث يتكشف أن سليم النجار
    هو المناضل الأممي الشهير جوزيف سترادا، كما سيكشف اللبناني يوسف بشارة في مذكراته التي كتبها بعد ربع قرن على احتجاز وزراء الأوبك في فيينا، وكما سيكشف مناضل فلسطيني في برنامج قناة الجزيرة (بلا حدود). وليس استرادا ـ رفيق كارلوس في تلك العملية الفدائية الشهيرة ـ غير رفيق طفولة الباردي في مدينته (قابس). وليس أيضاً غير ذلك الشاب الذي استمالته الفلسفة عما أراد له أبوه من دراسة الطب، فتتلمذ على يدي الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو الذي كان يدرس في الجامعة التونسية حتى نهاية 1968. على أن سليم النجار الذي سيبدد ما يبدد من الميراث بعد وفاة أبيه، وسيسجن عاماً لمشاركته في إضراب طلابي، سيختفي ربع قرن من بعد، ثم يؤوب إلى تونس خائباً ليقضي منتحراً ويمنح رواية (الكرنفال) لغزها ومعناها، وهو من خاطب الباردي: "لقد قتلوا المعنى، وماذا يبقى للإنسان عندما يموت المعنى؟"، وهو من خاطب أيضاً حبيبته ياسمين: "لم يعد للكتابة معنى، كل شيء في هذه المدينة تلاشى معناه". ولا تفوت الباردي الإشارة إلى انتحار خليل حاوي في غمرة يأس سليم النجار الذي يحكم بانقضاء عصر الفلسفة والأفكار المجنونة، ويسأل يائساً: "أية فلسفة تستطيع أن تفسّر ضياع هذه المدينة؟".
    إلى ذلك تبدو شخصيات الرواية جميعاً مهجوسة بالمعنى. ولذلك هي مهجوسة بأن تحكي حكايتها ـ سيرتها ـ وحكاية غيرها، والعكس صحيح. فالمعنى حكاية والعكس صحيح، ولن يني محمد الباردي في الرواية مداولة ذلك وتوكيده، متوسلاً ضمير المخاطب دوماً كمفتاح وكمخفّزٍ للسرد، ومستبطناً مرة ومعلناً مرة لمفهوم بعينه للرواية، كأن نقرأ: "لم يبق لك غير الحكي، وما الحياة في النهاية إن لم تكن حكاية طويلة تتعدد فيها الفصول وتتنوع ولكنها تحافظ على ما يربط بينها حتى يكون لها معنى"، وكأنْ يخاطب أيضاً والدة صديقه المنتحِر: "احكي تستريحي. ما بقي لنا إلا الحكي ولا بدّ لهذه الحكاية أن تنتهي لتبدأ حكاية أخرى. حياتنا حكايا تتناسل الواحدة من الأخرى، تلتقي أحياناً، تتقاطع وتتضارب أيضاً، ولكنها حكايا نارها تأكل من تجاربنا الشخصية، وقد نختلق أشياء لم نعشها. قد نكذب ونحن نبحث عن منطق يجمع بين عناصر حكاياتنا. وما الفرق بين أن نعيش الأشياء أو نختلقها ونبتدعها؟ إن الأشياء نعيشها في الحقيقة والخيال، وهل هناك حقيقة بدون خيال؟". ومن هذا القبيل ما ينظّر للسيرة في الرواية أو العكس، كأن يخاطب الباردي نفسه: "وها أنت الآن تكتب سيرة سليم النجار ولكنك في حقيقة الأمر تتحدث عن نفسك. لا يكتب الإنسان سيرة غيره إلا عندما يجد فيها شيئاً من ذاته أو شيئاً من ذات مثيرة يريد أن يكون له بعضاً من إشعاعها".
    على أن سيرة النجار أو سيرة الباردي تتشظى في الرواية، ومنذ البداية، لتقدم في كل فصل من فصولها حكاية شخصية ما، أو تتابع ما تقدم من حكاية سواها. وخلال ذلك يحرص الباردي على أن يجعل من شخصية بائع الجرائد (ماجد) مصدر الحكايا التي سيكتبها في رواية. فماجد بالنسبة للكاتب هو سلطان الحكاية وصندوق العجائب والغرائب، وحكايته هي حكاية الدنيا. وماجد يعلم أن الباردي سيكتب أخبار المدينة التي يأتيه بها، كما فعل في روايته السابقة (حوش خريّف). وسنرى أن الباردي يُنطق ماجد لاسيما بما يوضح أو يعزز مفهومه هو الحكاية. فماجد الذي يدرك أن الباردي لا يستطيع أن يكتب دون أن يحكي هو، ويرى المدينة حكايا عجيبة، يذهب إلى أن الحكاية لا تكون كذلك إلا إن كانت عجيبة، ليتحول صاحبها إلى بطل. لكن الباردي يصحح نافياً أن يكون صاحب الحكاية بطلها، بل من يرويها ومن يكتبها، لذلك يحرم ماجد من البطولة مثلما ينفي البطولة عن المدينة التي قتلت كل أبطالها وتحوّل الناس فيها إلى رواة.
    هكذا تأتي حكاية حبيب البقّال الذي يعلق على رواية الباردي السابقة (حوش خريف) وحكاية فوزية مدير المركز التجاري السعودي، وحكاية الراقصة جنات التي ترقص في جربة وتمضي بها مدام سلمى إلى بالارمو في إيطاليا حيث يصير اسمها ريجينه، مذكرة بصاحبة المقهى السنيورة ريجينه، ولهذه أيضاً حكايتها التي وشمت طفولة الباردي. وتتوالى الحكايا من فصل إلى فصول، فتقدم عصبة المتقاعدين في المقهى، وذلك الجندي المتقاعد عبد الكريم، وعصبة الباردي نفسه، ومنهم لاسيما عبد الستار وزوجته المارشالة التي سيصيبه بالجنون رحيلُها مع صاحب المصنع الألماني.
    من انفجار الجندي عبد الكريم وجنون عبد الستار سيقوم الكرنفال في الفصل الرابع عشر، فينتأ السؤال عما خسرت الرواية حين قصرت الكرنفال على هاتين الشخصيتين، وهذا ما التفت إليه الروائي والناقد محمود طرشونة في تقديمه للرواية. فعلى الرغم من أن الكرنفالية قد حضرت في الجموع التي احتشدت لترى تمرد الجندي وجنون عبد الستار، ولترى قتل البوليس للثاني واعتقال الأول، فربما كان للكرنفالية أن تكون أكبر حضوراً وتعبيراً عن مرام الرواية، لو أن شخصيات أخرى من شخصياتها قد شاركت في الكرنفال.
    وقبل ذلك وبعده يستوفي ماجد والباردي حكايا صالحة وفتيحة ومدير البنك وضريح سيدي خذر وحارس الكنيسة وجابر السمّاك وموسى الحداد وسالم الجزّار وعبد الغني.. وبهذا الاستيفاء يشتبك تاريخ المدينة (قابس أو تونس) في زمن بورقيبة وأحمد بن يوسف بحاضرها، ويشتبك الحب بالقتل (عبد الغني يقتل مدام سلمى) والاشتراكية بالخصخصة وافتتاحيات جريدة القدس العربي التي يكتبها عبد الباري عطوان بإيقاع الحرب الأمريكية الوشيكة، وحقوق الإنسان بالخطى العسكمدنية كما ينحت الباردي من كلمتي العسكرية والمدنية. وستحدو لكل ذلك المتناصّات العربية والفرنسية من أشعار بودلير وموسّيه وشوقي بزيع وجمعة الحلفي والغناء الشعبي وغناء فيروز.. لنبلغ في النهاية تلك الجنازة التي يراها محمد الباردي ويسأل عابراً عنها، فيهمس له أنها "جنازة محمد بن الصادق بن الطاهر الباردي"، فالحكاية تأتي على صاحبها، وكاتبها ينتهي بنهايتها، إذ لا حياة له بدونها.
    لقد رأى محمود طرشونة في تقديمه للرواية أن سرها هو في (التحويل)، أي في صهر الأحداث المعزولة والنتف المقصوصة والأخبار العجيبة والحكايات الغربية إلى عمل روائي متكامل لـه معنى. وقد دلّل الكاتب على المكْنة في ذلك كله ـ فكيف أخطأ إذاً بين اسمي عبد الغني وعبد الستار ص 119 وص 120؟ ـ مشيعاً الروح الكرنفالي في الرواية كما يليق بها، إذْ لا يكون مخططاً، بل شكلاً مرناً يسبغ ـ كما يقال بحق ـ النسبية على رواسخ العقائد والأخلاق والقيم، ويفتح المشهد على رحابة المجتمع ورحابة النقيض. وإذا كان تحقيق الرواية لذلك لا يلغي السؤال عن الفصل الذي حملت الرواية عنوانه، كما تقدم، فقد مزجت الرواية بالروح الكرنفالي، وكما يليق بالكرنفال، بين النافل والسامي، بين المقدس والمدنّس. كما أطلقت الرواية السخرية ـ الضحك في وجه الخواء والخراب الذي لا يوفّر النفس ولا المجتمع ولا الوطن ولا العالم، فهل يكون كل هذا هو المعنى الذي يَلوب عليه محمد الباردي الكاتب مثل محمد الباردي الشخصية الروائية؟ هل كل هذا هو المعنى الذي جعل فقدانه من مناضل مثل سليم النجار ـ استرادا ـ ينتحر، كما ألبس التباسه على سلطان الحكاية وساردها (ماجد) فجعله يلحق بالراقصة جنّات إلى إيطاليا ليقع في التيه كما وقعت هي، وكما سيقع سواهما في الحب أو القتل أو الجنون؟

  2. #12
    Banned
    تاريخ التسجيل
    Dec 2009
    المشاركات
    1,117

    افتراضي

    الفصل الخامس


    الأنوثة وشماً روائياً


    الفصل الخامس

    الأنوثة وشماً روائياً

    1 ـ آمال بشيري: فتنة الماء( )
    تجدد رواية (فتنة الماء) لآمال بشيري السؤال عن حدود القصة الطويلة والرواية القصيرة، وإن تكن قد أعلنت جنسها على الغلاف: رواية. وفيما تصدرت به يتجدد السؤال عن المرأة وعن الخلق. فالتصدير يبدأ بمريم عبيد "التي نسجت الأسطورة بأصابع الغياب" وينتهي بخبر من غرقت قلوبهم في فتنة الماء، فجفت الأرض وتحولوا إلى غيم. وما إن تبدأ الرواية حتى تجدد سؤال قابيل وهابيل بعودة (الصلف) من المنفى وقتله لشقيقه شاهين ليستولي على بيته وبعض حبات من الرطب.
    غير أن كل ما يتعلق بالفانتازيا والعجائبية والغرائبية والخوارق، سرعان ما يطوي تلك الأسئلة طيّ الحكايا ـ القصص التي تتناسل في فضاء ما ـ قرية ما ـ ربما كانت الجزائر أو أية بقعة بالغة التعيين بقدر ما هي من بنات خيال محموم. وتبدو الرواية حكاية بعد قصة بعد أسطورة نسيجاً شفوياً وشعبياً متداولاً وطازجاً في آن. وأول ذلك ـ بعد قتل الأخ لأخيه ـ هو وصول الحملة الاستكشافية التي قطع قائدها ألسنة رجال القريةَ وذوّب خلايا النحل وصبّ ذوبها في آذانهم، فأفقدهم النطق والسمع، وأهدى جنوده ذوي اللحى الشقراء والعيون الزرق فتيات القرية، ونصّب على القرية مجنون المعجزات (الصلف) الذي انشغل بتعبيد طريقه نحو المساء: هل هي إذاً قصة الاستعمار الغربي ومن نصّب من الطغاة؟
    في هذه القرية التي يقضي رجالها نصف أعمارهم في البحر، والتي يجمع العريش نساءها حيث تتوه عقارب أدق بوصلة وهنّ ينسجن قصصاً من الخيال؛ في هذا الفضاء تثير (شعلو) زوبعة حيث تحل، بعدما رفض أبوها تزويجها من حبيبها سهيل. وليبرر الأب فعلته ادّعى أنَّ أم سهيل الفقيرة حملت به من شياطين البحر. ولأن "الحب في تلك القرية إما حكمة وإما جنون، وما بينهما رياء" فقد جنت شعلو، وأخذها البئر إليه بعدما قضى حبيبها، فأنبتت البئر شجرة ثمارها حمر ولزجة على شكل دموع، تمنح الذرية لمن يأكل منها، ما جعل الصلف يضم البئر إلى أملاكه. وفي هذا الفضاء أيضاً تقوم (حصاة المن) في عرض البحر حامية المظلومين وهي تنوح. وقد صارت الحصاة ـ بعد قضاء شعلو ـ مبقعة بالبياض ولامعة في الظلام، ومبشرة ببركة شجرة شعلو، فهلل الناس للبشرى بتحول هذه المجنونة إلى قديسة.
    لكن للقرية أيضاً مجنونتها مريم التي ترحل مع عاشقها (المنحاز)، والتي ستقول لقاضية الهوى "منحته جنوني فوعدني بالحكمة". لكن (المنحاز) سيجبن عن عشقه، فتعود مريم إلى عقاب أبيها الذي يدفعها إلى قتل نفسها، فتزرع قاضية الهوى قصتها على الشاطئ، وقصص القرية تتوالى من شخصية إلى شخصية من شخصيات الرواية المسكونة بالقتل والخرافة والطمع والشهوة والحب والتحدي والحلم والجنون والعقل. فقاضية الهوى التي ولدت من وشاية الشيطان لجسد أمها، تخدم بالوراثة عند سيدها (الجافي بأمر الله) ومنه تلد ابنها شمس الذي يصنع سلماً عملاقاً ليبلغ به السماء، ويحلم بامتلاك الكون أو أن يتحول هو إلى كون باهر. وقد أعتق الجافي قاضية الهوى فعزمت على منح موهبتها في الحب إلى العشاق، بينما راح شمس يحفر الجبل حتى يقبض على المعجزة فينادي أمه: "إذا كان معدنك من الحب فمعدني من ذهب".
    لقد اكتشف (مجنون الله) إذاً كنز الجبل وقال: "للجبل نفس قلبي فهو من ذهب"، فسلب (الصلف) الكنز، وأتى بالخبير الإنجليزي ليتولى ورجاله المنجم. ولأن الإنجليزي يريد لرجاله أسماء جديدة، أعاد قاضي القضاة (النرد) رسم شجرة الأنساب، فحصل الإنجليز على خريطة لوطن جديد، وصاروا الجيش الفتّاك لـ (الصلف) الذي أخذ يتاجر بثمار شجرة شعلو ويبني السجون ويسنّ قوانين الصمت، متنعماً بما يترك له الإنجليزي من كنز الجبل وبما تعود عليه ثمار شجرة شعلو بعدما يحولها الإنجليز إلى كبسولات طبية.
    إزاء طغيان الطاغية يدعو شمس أهل القرية إلى الموت الجماعي، فيوافقه عقلاؤهم. وبحركة سحرية يطيرون فتتهاوى أجسادهم في البحر، وتزغرد (حصاة المن) ويتنفس السمك خارج الماء، ويتحول الرجال إلى غيم، كما جاء منذ البداية في تصدير الرواية، لعل هذا التحول "يحدث الطوفان ليغرق القرية ويقضي على الرجل الذي بقر بطن أخيه ليستولي على بيته وبعض حبات من الرطب".
    في السبيل إلى هذه النهاية كانت قصة اللص الذي تحوّل إلى قاضي القضاة، و(الحبري) الذي قتل صديقه ـ كأنه يكرر قتل الصلف لأخيه ـ وأخذ ينظم السباقات الأسبوعية للحمير البيضاء، وكذلك هي حكايا عرافة القرية وابنها وسواهما مما تفور به رواية (فتنة الماء) على صغر حجمها، بمخيلّة مشبوبة ولغة مقتصدة. ومن المؤسف أن هذه اللغة تتعثر بما لا يحصى من العثرات ـ مرة أخرى: على صغر حجم الرواية ـ في الإملاء والنحو، وهو ما لا تنفع فيه تعللات الكاتبة ولا الناشر، وهو ما دأبت منذ سنوات على التحذير منه بقدر ما أراه يستفحل، ولاسيما في النصوص الجديدة، فيؤذي أيما أذى هذه النصوص، مهما كبر وعدها.
    2 ـ لطيفة الدليمي: حديقة الحياة( )
    كل شيء يسقط من الزمن: تلك هي حقيقة الوجود التي تجوهره كما تجوهر الإنسان، والسؤال يظل لائباً: أين يسقط الزمن؟
    قلب المرأة وحده يلاحق نبض الزمان الخفي: حقيقة أخرى تشكل السؤال اللائب كما تشكل حقيقة الوجود. وكل ذلك هو الأسّ الروحي الذي تقوم عليه رواية لطيفة الدليمي (حديقة الحياة).
    في هذا الأسّ هي ذي جنات وروابٍ معشبة، أشجار مثقلة بالثمار والزرازير المنقطة وعصافير الحب، دجلة يفيض على الأجراف وتبلغ مياهه الرائقة التي لها ألق البلور عتبات البيوت: إنها الطبيعة التي ليست إطاراً أو تزويقاً في رواية (حديقة الحياة)، بل جوهراً للكتابة تخلخله وتنقضه كتابةُ الحرب: "هجت أسراب الحمام والعصافير والزرازير وغابت الشحارير والبلابل منذ سقط أول صاروخ على بغداد".
    وفي الأسّ الروحي لرواية (حديقة الحياة) هي ذي الموسيقا أيضاً، لا تشكل فقط واحدة من الشخصيات المحورية (ميساء)، بل تأتي كالطبيعة نسغاً لمفردات وعبارات الرواية، نسغاً للغتها ولنبضها الإنساني الحار.
    الزمن، الطبيعة، الموسيقا، الحرب، الأنوثة: هو ذا ما يقوم به عالم هذه الرواية، وكل واحد من هذه المكوّنات يفعل في الآخر فعله العميق، فإذا بالأب (غالب) يفعم عشّ الحب الذي يضمّه مع الأم (حياة) ومع البنت (ميساء) بمقطوعات الكمان لغانم حداد وبألحان التركي مراد أورهان والإيطالي باغانيني، لتسحق الموسيقا الروح وتنهج شهوة الحياة في آن. لكن الحرب تغيّب الأب، وميساء التي ولدت عندما بدأ القصف ـ وهي إذن حرب الخليج الأولى ـ سيصيبها فقد أبيها بالذهول سنتين، وستبيع الأم حتى جهاز التلفزيون لتفي بنفقات علاج البنت، وستعمل في مشغل الخياطة أم نور إضافة إلى عملها مدرسة للأدب العربي، لكن ميساء تظل ذاهلة حتى (تقرر) فجأة أن تشفى، وتواصل التدريب على الكمان، ودراسة الآثار كما تمنى أبوها، بينما كانت الأم تريدها عالمة فيزياء، لعلها تخترع شيئاً يوقف تدهور الزمن في أجساد الناس.
    تطل ميساء في الرواية وقد بلغت الرابعة والعشرين، ولديها ست سيدات وفتيات تعلمهن الموسيقا، فيما تجرب تأليف قطعة موسيقية تسكن خلجاتها وعقلها منذ أعوام بعيدة. وإذا كانت قد تخرجت من قسم الآثار منذ سنتين، فهي لم تشارك في التنقيب غير مرة واحدة في (أور) حيث تقول: "وجدتني أعبث بالزمن" وحيث "أستخرج دهراً". ومع ميساء تطل أمها في الرواية: امرأتان غريبتان على هذا العالم الذي فتكت به الحرب الأولى فالحرب الثانية فَنُذُرُ الحرب الثالثة، حتى بات رجال المدينة لا يرون الزهور ولا يتمايلون مع الريح أو على إيقاع موسيقا، ولا يستطيعون ترديد كلمة عذبة لتتوغل موسيقاها في بزاتهم الجافة. لكأن الموسيقا تأنثت كالطبيعة في حديقة الأم حياة، كما تومئ هذه السطور وهي تؤشر إلى الذكورة أيضاً: "كما ينث المطرُ الناعمُ الوجهَ شهياً، يبعث الريّ في الجسد كله، تتعالى نغمة صادحة من كمان ميساء، فتجعل الليل الخامد بهياً، والعالم مكاناً آمناً يتيح للنساء أن يَحْلمنَ بحياة حقيقة، يعثرن فيها على حب حقيقي منزه عن الأغراض، ويلتقين برجال حقيقيين لم يعبروا طوق النار الذي ترك سحجات حريق على أرواحهم وثقوباً سوداء في أفئدتهم".
    بين مفصل وآخر من الحاضر الروائي، يستعاد الماضي. وإذا كان فقد الأب هو العلامة الفارقة في ذلك الزمن، فلعل ما يرسم جوهره كما يرسم واحدة من الدلالات الكبرى للرواية، ذلك الرسم السومري المقدس الذي أهداه غالب لحياة (الأب للأم): رجل وامرأة وبينهما النخلة/ شجرة معرفة الخير والشر، ووراءهما الأفعى، وهما يمدان أيديهما إلى عذوق النخلة. أما الدلالة فتعلنها الرواية، تعلنها الأم حياة وتعلنها ميساء: الرجل والمرأة شريكان في المعرفة، وليس في الخطيئة. على أن ميساء تحيا أزمتها مع من عشقت وعشقها: الشاب زياد الذي قضت الحرب على أسرته، فتعهدت حياة تربيته في منزلها إلى أن أنجز دراسته الجامعية في المسرح، وصار وميساء خطيبين. لكن زياد فتى من نار وصمت ورمل ودخان، ومساماته تفوح منها رائحة الحرب، ويلهبه ما كانت أمه تنفخ فيه: الرحيل، لذلك يرحل إلى أوروبا حيث يطّرد نجاحه، وتتواصل رسائله إلى ميساء، تدعوها إلى الخروج من العراق، وهي تكتب لـه منادية بعودته إلى العراق.
    تتوسّل الرواية لسرد علاقة ميساء وزياد المذكرات تحت عنوان (من أوراق ميساء) والرسائل التي ترد في تلك الأوراق. وبالطبع ينضاف إلى ذلك ما تتعهد به الساردة. وحين يتعلق السرد بخاصة بعلاقة شخصيتين أخريين (سوزان وغسان) فالوسيلة الفضلى تغدو الحوار ذا الطابع المسرحي. وليس يخفى هنا إفادة لطيفة الدليمي من خبرتها في الكتابة الدرامية، كما لا يخفى فيما يتعلق بالموسيقا والآثار من خبرتها التي يدلّل عليها ثبت أعمالها. فالموسيقا عنونت واحدة من مجموعاتها القصصية (موسيقا صوفية)، كما كتبت سيناريو وثائقياً عن الموسيقا في الحضارة العراقية بعنوان (صدى حضارة). ولعل ما يؤكد كل ذلك هو النصّ الذي كتبته ميساء (الآثارية العاطلة عن العمل) بعنوان (جلجامش وشجرة الصفصاف). وعلى الرغم من كل ما تقدمَ في بهاء رواية (حديقة الحياة) يبدو لي أن شخصية سوزان لم تكن مقنعة، عندما عبرت هذه المدرّسة للإنكليزية، الثرية، عن رغبتها في أن تتحول إلى رجل. فلا مقدمات الرغبة (أزمتها مع خطيبها عبد المقصود ومع عاشقها ومعشوقها الفنان غسان) جاءت كافية، ولا انتهاء هذه الرغبة جاء مسوّغاً، ومثله رغبتها في الزواج من طبيبها قبل أن تعود إلى غسان الذي يرفض الرحيل ـ مثل ميساء ـ بينما تلحّ هي على الرحيل، مثل زياد. ولعل هذا الخلل هو ما دفع بالحل القدري المباغت: موت عبد المقصود. ومن أسف أن هذا الحل القدري يتكرر في تتويج الرواية لدلالاتها، في نهايتها، حين يصور غسان مشرداً، وترى حياة الصورة في المعرض الذي أقامه غسان في حديقتها، وعزفت له ميساء، فإذا بحياة تعلن أن هذا المشرد هو الأب المفقود، فيجري الجميع إلى البحث عنه في مجاهل بغداد، ومهما يكن من خطأ أو صواب ما أقدّره هنا أو هناك من خلل، فقد كانت (حديقة الحياة) بحق تلك الإضافة الروائية المتميزة بالوشم الأنثوي.
    3 ـ زهرة كرام: قلادْة قرنفل( )
    "أهديك أجمل ما تصنعه نساء كردستان".
    بهذه العبارة يقدم شاعر منسي قلادة قرنفل للشابة الصحفية التي تروي رواية عَنْوَنَتْها الهدية، وكتبتها الكاتبة المغربيّة زهور كرام. وإذا كان الشاعر قد "اعتكف على الشعر بعد أن فارقته الحياة في الوطن، وغاب في شوارع لندن" فالقلادة ستغدو تميمة الشابة وهي تكابد العيش في زمن المكادونالد مثلما يكابده الشاعر في المنفى، والعشق يتضوّع كالقرنفل، والرواية لا تفتأ تضارع الشعر، فنقرأ:
    ليلنا مضاء بالنجوم
    أنا والقلادة
    خطونا مفعم بالقرنفل
    أنا والقلادة
    غير أن الرواية ستتأذى بهذه المضارعة، شأن أية سردية تبالغ في لغتها باقتفاء لغة الشعر، متوهمة الشعرية، وهو ما تعززَ بفيض الإيقاعات التي لم تفلح في أن توقّع للرواية بقدر ما بدت استطالة وإثقالاً ـ "ولقد اختفينا معاً" "ولقد انطلقنا معاً..." ـ ومثل ذلك جاء فيض تأملات الرواية وفيض نجواها للحبيب وللأب وللوطن، ولاسيما لنفسها حيث فاضت النرجسية بمثل هذه العبارة: أعانقني.
    ربما كان ذلك ما جعل الرواية تبدو حلبة لصراع الشعرية والسردية. وقد بدا انتصار الأخيرة حاسماً في بناء الشخصيات الأخرى، سوى الراوية والحبيب. فشخصية لَلاَّّ فضيلة /الحاجة فضيلة/ العمة قدّتها الرواية من جلمود، وعرّت جذرها في القرية /القبيلة كما عرّت أظفارها التي تنشبها في القرية/ القبيلة من مقامها في المدينة إذ ْتُغرق بالدين فلاحاً بعد فلاح، تقضم الأرض قطعة قطعة ـ بالأحرى، وكما في الرواية: "تنتشر أرضاً" ـ ومقدم القرية يتبعها ظلاً ظليلاً وخادماً أميناً، فإذا بواحدٍ تهرب ابنته إلى إيطاليا مع أجنبي، فيطأطئ متجللاً بالعار، وإذا بفتاة ينكشف شعرها فَتُساق إلى عرين الحاجة زوجة لأصغر أولادها، وأرض والد تلك الفتاة أو هذه تُساق إلى أملاك للاّ فضيلة التي ستعود من إحدى غيباتها مدرّعة بجهاز الكمبيوتر، كي تلقمه وثائقها.
    لكنّ الجلمودية ليست غير واحدة من شخصيات الرواية ـ نسائها اللواتي تقدمهّن راوية الرواية بضمير المتكلم، كما تقدم نفسها: الصحُفية التي ما زالت تعتقد أن أول مقالة كتبتها هي "التي استطاعت أن تكتب جرأتي.. وعريي.. بعدها خدشوا عريي.. فعدت أدراجاً أخبئني بألوان من الثياب.. وقالوا: هكذا نريدك".
    ليست عمّة الراوية وحدها من تريدها كذلك، بل ابنها الأصغر صالح أيضاً، ابن العمة الذي زوّجته أمه أول مرة من زهرة بنت الشرفي الذي التهمت الحاجّة أرضه، ثم زوّجت الولد المطيع من فاطمة لأن الأولى عاقر. وتحت ظل العمة يعيش مع أولاء جميعاً زوجها نسياً منسياً، ويعيش ابنها الأكبر مع زوجته عائشة التي تصبّ عنفها على أولادها، فتصرخ بها الراوية: "ما هذا الذي تفعلينه بأولادك؟" فتصرخ عائشة: "ما هذا الذي تفعلونه بي؟" ثم تصرخ: كلكم مجرمون. ووحدها عائشة مع زوجها سيعترضان أخيراًً سبيل الحاجّة ويغادران عرينها، بينما يمتّص العقم أنوثة زهرة حتى الموت، وتترجّح فاطمة بين الإنجاب والصمت والانفجار، ويشلّ الخوف صالح كما يشلّ الراوية حتى تقترب الرواية من نهايتها، وهي التي ابتدأت بالخوف، ولكن ليس من العمة وحدها.
    ففي البداية تلتقي بالراوية برئيس تحرير جريدة محسوبة على المعارضة عائداً من إجازته الصيفية. وفي حوارهما كما في نجوى الراوية نفسها في خلوتها، ينهض الخوف العميم. فالصحافي اكتشف البلد خلال إجازته، وهو الذي كان يكتب عن البلد من مكتبه فإذا: "وضعنا مهزلة" و"نحن ضعنا" و"على الأقل قبل الآن كنا نحلم" و"البلد في خطر" و"لا مؤسسات.. لا أشخاص".. أما الراوية فتعيّن الزمن: "إنه زمن ماكدونالد" حيث لا أحد يناقش ولا يقارن، وتصدع بالسؤال: "هل يكفي أن تكون خارج جغرافية الوطن لتدرج ضمن لائحة المغتربين؟ ما معنى أن تبقى داخل جغرافية الوطن وذاتك بعيدة عنك؟". وتتتوج هذه الصورة القاتمة بما تقوله صديقة للراوية: "نحن نحتاج إلى أن ندخل آلة ليعاد إنتاجنا من جديد.. تزيل الآلة كل الأوساخ، وتحتفظ بالنقاء".
    تبدو الراوية منذ البداية مسكونة بأبيها أغنية للوطن، ومسكونة بالحبيب. وبما يسكن الراوية التي فقدت أباها وأمها، ترفض الزواج من صالح كما أرادت العمة، وتنازع العمة في صمت سيليه الجهر في حصتها من ملكية البيت. وعبر ذلك مما سيمتد طوال الرواية، تتخفف الراوية من تاريخ خوفها، بينما تتعزز إشارات القرنفل إلى تلك الخفة ـ التحرر. وإذا كانت أولى تلك الإشارات إلى كردستان ستظل مبهمة، فما سيلي، سوف يغدو علامة على التحدي في صراع الراوية مع العمة، كما سيغدو علامة على ما ستبدل الرواية من شخصية صالح ليخرج من جبة الخوف ويغادر زمن الطفولة، حيث حبسته أمه، فلم تزوجه بمشيئتها فقط، بل صنعت له مؤسسة ثقافية أيضاً.

    لقد حُسِمَ الصراع أخيراً، وانتصرت الراوية على العمة إذ فضحت أسرارها في الكمبيوتر. وبينما عاد لصالح تردده، أنجزت الراوية النصر وأصيبت العمة بالشلل. وبمثل ذلك انتهى الصراع بين السردية والشعرية. فحيث طغت الأخيرة شُلّت الرواية، لكن عافيتها اتقدت حيث بنت السردية الشخصيات النسائية بخاصة، وحيث قدمت الأحداث والحكايات الصغرى والكبرى، لتصّح أخيراً الجلجلة من (زمن السّيبا) ومقاومة النفس الأمّارة بالهدنة إلى زمن الماكدونالد: "إن دخلت نفسك كان موتك".

  3. #13
    Banned
    تاريخ التسجيل
    Dec 2009
    المشاركات
    1,117

    افتراضي

    4 ـ هيفاء بيطار: امرأة من هذا العصر( )
    تعزز هيفاء بيطار، رواية بعد رواية، رهانها على الشخصية الروائية، جسداً وروحاً، في تأنيث الرواية. وهو الرهان الذي لا يوفّر المؤسسة الدينية، أو الزوجية أو الثقافية أو أية مؤسسة تعوّق حرية الإنسان، ولاسيما: الأنثى. فمن (أبواب مواربة) إلى (أفراح صغيرة.. أفراح أخيرة) ومن (نسر بجناح واحد) إلى (يوميات مطلقة) إلى (امرأة من طابقين)... تواصل هيفاء بيطار السبيل الذي اختارت منذ البداية ـ وفي القصة غالباً كما في الرواية ـ دون أن تعشى بالبريق الحداثي ولا بالاستفزاز أو الاحتفاء النقدي الذكوري، محاذرةً الرائج: الثأرية النسوية من الذكورة. ولعل كل ذلك يبلغ ذروة جديدة في روايتها (امرأة من هذا العصر) التي ترمينا منذ سطورها الأولى في مواجهة بطلتها المهندسة مريم لعلتها: سرطان في الثدي.
    في هذه البداية تسوق مريم ـ وهي راوية الرواية بضمير المتكلم ـ وقع النبأ العظيم عليها، إذ يتداعى كيانها فجأة، ويتجمع فجأة فرح العالم في قلبها فتهتف: "العالم فردوس، العالم فردوس"، وإذ يعاتبها ثديها: "كيف يطاوعك قلبك على أن تقطعيني وترميني خارجك!!" ويعطيها حكمته: "ذاكرة المرأة نهدها". وفي الليلة الأولى للنبأ العظيم ترى مريم نفسها على حافة جرف مسكون بالأشباح التي تتكشف عن الرجال الذين عبروا حياتها "كبرق، كحُرق، كنسمة ربيعية" فتستنجد بابنها الشاب لؤي الذي ظل مستغرقاً في شاشة الكومبيوتر. وسرعان ما سيبدو أن هذا الهجس إرهاص بالفكرة التي تومض لمريم بعد استئصال الثدي: "استحضار حياتي أثناء جلسات العلاج الكيميائي، ربما لألهي نفسي عن التفكير في تلك السموم التي أحسّها تسري في دمي، أو لرغبتي في تقويم ما عشته".
    قبل العملية التي رافقها فيها طليقها ووالد ابنها، فكرت مريم في أن نهاية ثديها ستكون نهاية الرجل في حياتها. وسوف يكون علينا أن ننتظر إلى نهاية الرواية لنرى كيف يتحقق ذلك في علاقتها مع الدكتور مسعود الذي قام بالعملية. أما فكرة استحضار الرجال فستنظم بناء الرواية منذ الجلسة الأولى حتى الجلسة التاسعة، وحيث سيكون أيضاً للمجتمع الجديد الذي انتمت مريم إليه (مجتمع المتسرطنين) حضوره.
    تحمل الجلسة الأولى عنوان (البخيل) حيث عيّنتْ مريم الرجلَ بصفته، وهي الأنثى العصرية: "ابنة زماني زمن الثورة الجنسية" والتي كانت تخطو نحو الأربعين، فقررت أن يكون لها عشيق، مؤمنة بحقوق النفس والجسد و: "أرفض أمراض الكبت تحت ستار الأخلاق".
    لقد كان ذلك العشيق هو البخيل الذي يؤجج نجاحُ مريم المهني شهوته، بينما يزداد نفوره منها كلما انتهت حفلة الجسدين. وفي هذه الجلسة تقص مريم أيضاً قصتها مع رجل آخر صادفته على الباخرة في رحلتها إلى اليونان. فهذه التي أرادت من الرحلة تنقية روحها من البخيل، علقت (وجيه) وعلقها، لكنه يبتر العلاقة لأنه لا يستطيع أن يتحمل تجاربها مع الرجال قبله. وهنا تسوق مريم حكمتها في الحب: "لا يشفي حباً قديماً إلا حب جديد". ولسوف تصوغ تجربتها مع السرطان الحكمة في صياغة أخرى تخاطب بها ابنها: "الحب هو الذي يجعل السرطان يموت"، بينما يقدم رجل الجلسة الثانية مفهوماً آخر للحب: "الحب يعني الاستحواذ. أن تكوني لي وحدي". ولسوف تكرس مريم بعد الشفاء، وإزاء عشق الدكتور مسعود لها، الحكمة التي خاطبت بها ابنها كعنوان لحياتها الجديدة، فتسعى إلى كل اللواتي مرضن مرضها، لتقدم علاجها الجديد: "لنقل إنه العلاج بالحب".
    قبل قصة وجيه تقول مريم "سأترك الفيلم الثاني إلى الجلسة الثانية للعلاج" في إشارة جديدة إلى ما للجلسات في بناء الرواية. وستعزز مريم ذلك في الجلسة الخامسة إذ تقول: "لا أظن أن الذاكرة أمينة، بل كثيراً ما تحوّر الأحداث وتركبها بطريقة مغايرة لما حصلت عليه في الواقع". فما قبل الجلسات وما بعدها ليسا إلا تمهيداً قصيراً ومتابعة قصيرة، وبالتالي فالذاكرة هي عتلة الرواية، كما بدا مع البخيل ومع وجيه، وكما سيبدو في الجلسة الثانية مع أحمد الذي تزوجها وأنجبت منه ابنها. لكن رضوخ الزوج لأمه المعارضة للزواج، أخذ ينخر في الحب، رغم أنه لم ينخر في علاقة الجسدين. وبعدما فرض أحمد الحجاب على مريم، تكاثرت شكوكه، فانتهيا إلى الطلاق، ومضت مريم إلى دبي هرباً من التجربة المريرة. وهنا تأتي الجلسة الثالثة التي أسلمت مريم فيها جسدها لعابرين، كما أسلمته في الجلسة الرابعة إلى رئيس جمعية (مناضلات) التي تدافع عن المرأة. غير أن هذا الرجل المأخوذ بآخر الصرعات الفكرية، سيعلم مريم كيف تغذي الذكورة السلطة (المنصب الرفيع)، وسيتكشف عن مستبد ينفي أفكار الآخرين. وعلى النقيض منه يأتي سامح في الجلسة الخامسة حاملاً الصفة النادرة في الرجال (الوداعة) كما ترى مريم. فهذا المهندس العالمي الأرمل الذي أحبته، ظل علامة الاستفهام الوحيدة في حياتها، لأن جسدها ظل يرفضه، وهي التي ترى أن "ليس مثل الجنس بقادر على تعرية حقيقة الإنسان". وعلى النقيض من سامح، يتكرر نموذج رئيس جمعية (مناضلات) في رجل الجلسة السادسة الذي عاش في ألمانيا منذ يفاعته، وكانت له زوجة ألمانية دفعها بساديته إلى الجنون. غير أن مريم نجت منه بجلدها بعد إخفاق زواجهما. ولن يكون بأفضل رجل الجلسة السابعة، ولا آخر السلسلة: ذلك الرجل الذي يعيش حياة زوجية معطوبة، لكن جبنه يدفعه عن حب مريم.
    في هذه السلسلة ثمة إذاً الزواج والحب والجنس. ولئن بدا الأخير هاجساً مركزياً، فإن مريم تتساءل: "ألست ضحية التركيز الإعلامي على الجنس؟". وإذا كان العطب الجسدي أو الروحي يعنون تجارب مريم، فهو أيضاً ما يعنون من عرفت من المريضات المسنات وربات البيوت من جلسة إلى جلسة،عبر قصص خيانات أزواجهن، مما جعل مريم تفهم "أنهن يحتجن تحديداً إلى خيانات أزواجهن كي يشعرن بوفائهن البطولي". وسيبلغ ذلك ذروته بعد الشفاء، وفي قصة المريضة (آمال) التي بُتر ثدياها وتخلى عنها زوجها، فحاولت الانتحار، ومضت إليها مريم في تشكلها الجديد، تهوّن عليها استشراء المرض ومواجهة الموت وصدمة الزوج.
    لقد انتهى المطاف بمريم إلى أن باتت تحسب نفسها كياناً غير مادي، والرجل لم يعد يحتل صميم حياتها. وذلك الهوى الغامض الكوني الذي بات يملؤها أكبر من هوى الرجل. وبفعل تجربة الجسد مع السرطان في ذروة تجاربه مع الحياة، تبدلت مريم أيما تبديل، فالرجل الوحيد في حياتها بات ابنها، وهمها بات فقط أن تعيش مع ذاتها بسلام، وأن تحاول علاج مثيلاتها بالحب.
    إنها امرأة أخرى ـ تحد آخر من نساء ـ تحديات روايات هيفاء بيطار، تصدع الأنوثة والذكورة بأسئلة الجسد والجنس والحب والأمومة والمؤسسة. وعلى الرغم من الخيار الأخير الملتبس بالنكوص أو التصوف، فإشارة الرواية تظل أقوى إلى أفق إنساني أرحب وأزهى.
    5 ـ عفاف البطانية: خارج الجسد( )
    في الدفقة الروائية للأصوات النسائية العربية الجديدة منذ أكثر من عقد، وفي كثير من النقد المتعلق بتلك الدفقة، تعالى الهجس بالخصوصية في اللغة والجنوسة ومقارعة الذكر والولادة والرضاعة والأمومة وعلاقة المرأة بالمرأة... وسوى ذلك مما تعنونه البطركية (الأبوية) منذ أخذت تفشو في الدراسات النسوية. ولم يفت تلك الدفقة الروائية ونقدها ما عرفت البطركية خلال العقود الثلاثة المنصرمة من تطور، كتأثرها بالانتماء القومي بحسب دراسات ما بعد الكولونيالية، أو النظر إليها في النسيج الاجتماعي، أو في نسيج النصوص والاستراتيجيات التي تنتج الهويات والذوات النسائية...
    وهاهي الدفقة الروائية العتيدة تتعزز برواية عفاف البطاينة (خارج الجسد) التي قدمت ثلاث نساء أو ثلاث حيوات في شخصيتها المحورية منى، لا تكاد واحدة تتلاشى حتى تنبعث الأخرى من رمادها. وإذا كانت هذه الرواية تنهض بفعل التذكّر، والسيرية تلوّح لها، فقد مضت باللعب إلى أفق أرحب وأعقد، اعتماداً على تناوب السرد بضميري المتكلم والغائب بين الشخصيات دون أي مانع، ودون الوقوع في التعمية أو الارتباك، وبالسلاسة التي تسم وصف المكان والجسد والحالة كما تسم الحوار، ولا سيما كلما جاء بالعامية الأردنية.
    على أن الرواية ابتدأت بوجيز يحاول إيجازها، وربما كان الأَوْلى أن تُترك للقراءة مباشرة من دونه. فالرواية تبدأ عقب الوجيز بعودة منى من بريطانيا إلى قريتها لتشهد احتضار أبيها، وحيث تشرع الذاكرة بالانثيال الغفل نادراً، والمنظم غالباً. وستظل تفعل ذلك حتى تستوفي ما انقضى من حياة منى، لتوالي ما تلا موت الأب وصيرورة منى إلى مسز مكفيرسون ثم إلى سارا ألكزاندر، وعلى نحو يجعل الرواية جزأين يمكن لكل منهما أن يكون رواية: واحدة في الفضاء الأردني والأخرى في الفضاء البريطاني.
    لقد كانت منى كما تروي حرةً في طفولتها التي محت الذاكرة أغلبها، حين كان الأب يعمل في الخليج. ولما تفتحت مراهقتها خسرت جسدها وإرادتها، فالأب العائد مدججاً بالمال خسر ماله وثنّى زوجته وتكاثر أبناؤه وبناته في القرية القبلية الأبوية. ومنى التي ضُبطت مع زميلها صادق، سينزل بها عقاب الأب بلا نهاية ولا رحمة، حتى تقايض السماح لها بالدراسة الجامعية بزواجها من محروس، وتشرع مقاومتها بالسفور: "تعاهدت مع نفسي ألاّ أنفذ أمراً إن لم يخدمها". وقد قدمت الرواية إزاء وحشية الأب وبذاءته، شخصية شقيقه سالم السجين السياسي السابق الذي يلجئ منى حيناً، وتغذيها مكتبته، وكذلك شخصية الطبيب الذي يحكم بعذرية منى، بينما تكمل الجدة صورة الأب، وفي الجامعة يكملها الأستاذ حسين الذي يقايض منى على النجاح بجسدها، وصنوه الأستاذ الذي يحاول الاعتداء على زميلتها إخلاص، وباقي ذكور العائلة والقرية. بل يبلغ الأمر أن تغدو الأم شبيهة بالأب. وعبر سرد هذه الذكريات تتوالى تحولات منى. فحين حكم الأب عليها بالعزل إثر (فضيحة) صادق، لجأت إلى الصلاة. وحين حُكِم عليها بالزواج من محروس، جعلته يقضي سنة في تبذير الذكورة والأنوثة حتى رضي الطلاق وخرج نصف فاقد لرجولته وكارهاً للزواج وللناس. لكن محروس سيصير صديقاً، بينما تتحدى منى ضرب أبيها، ويجعلها التحدي واللجوء ثانية إلى بيت العم سالم تكتشف أباها ـ كما يكتشفها ـ من جديد، وقد باتت تدرك أنها لا تريد أن تكون امرأة مثل الجدة أو الأم أو أي من حريم القرية، ولا ذكراً مثل أبيها أو محروس أو عامر أو أي من ذكور القرية. فما تريد منى هو أن تكون مختلفة، وأن تتعلم كيف تحول الأحلام إلى تفاصيل حياة يومية، فيما البطركية تتعقبها. فالأب يمنع شقيقتها منال من الزواج ست سنوات، كيلا يذهب راتبها إلى رجل آخر. والجميع يرون أولاد العائلة غزلاناً، بينما يرون (زقوم) بنات العائلة كزقوم البومة. وفي الجامعة تواجه منى معادلة المطلقة أمام الأستاذ المحترم حسين، وأمام العميد ورئيسي القسم اللذين ينصحان بلفلفة شكواها على الأستاذ. والخلاصة: "أنوثة يعيبها حتى صوتها مقابل ذكورة لا يعيبها الإشهار بشهواتها" أي: "صوت مهمش مقابل صوت السلطة".
    بعد عشر سنوات من الغياب تعود منى وقد بلغت الثلاثين ليملأها الخوف والكره نحو أسرتها. لكنها ترى أباها في مرضه وهي تتساءل: "أي رباط كان بيننا وأنا التي اشتهيت وأد لفظ الأبوة والذكورة؟". وقد رسمت الرواية برهافة تناقضات و تحولات مشاعر منى، ولا سيما نحو الأب الذي تمنت خنقه في مراهقتها، وتجذّذ الآن عيونُ الجميع جسده. وبمثل هذه الرهافة رسمت الرواية علاقة منى بالتاجر الثري سليمان الذي ترضى به زوجاً لأنه سيمضي بها إلى لندن، وهو الذي يبلغ عمره ضعف عمرها، لكأنه أب ثانٍ كما هو الزوج الثاني الذي رفضه الأب الأول. وبالوصول إلى هذه المحطة من ذكريات منى ينتهي ما يشبه جزءاً من الرواية، ويبدأ ما يشبه رواية جديدة.

    في لندن التي ترفض أن تكشف أقنعتها كي تبصرها منى، تصير هذه التي أحست أنها لا شيء وهي تخرج من بلدها كالغريبة، تصير زوجة شرقية بامتياز. لكن الوقت الذي يقضيه سليمان المتزوج من أخرى يتقلّص، والروتينية تعطب الجنس، فتلجأ منى إلى (دار الأرقم) لتتحدث مع النساء، وتتعلم قيادة السيارة، وتنفتح لها الدور العربية التي حملت معها كل شيء إلى اسكتلندة. وكل ذلك ينغّص على الزوج فيهجرها، ويجن جنونه حين تعمل في مدرسة عربية، وحين تحمل وتمتنع عن الإجهاض، فيضربها، وتشكوه للشرطة، ويصير يخدم نفسه في البيت، ويتدخل لدى المدرسة حتى تسرح من عملها.
    بعد الولادة عادت منى زوجة شرقية، بينما صار سليمان واحداً من أسرتها البعيدة، والمدينة صارت امتداداً لقريتها. وعبر ذلك تألقت الخصوصية الأنثوية للرواية في تصوير تجربة الحمل والأمومة، بينما يلوب السؤال: "لماذا يكون يوم ميلاد طفلي يوم عذابي؟" وهو السؤال الذي يلوب في رواية ليلى الجهني (الفردوس اليباب ـ 1998) حين تخاطب صبا جنينها: "قل لي كيف تكون مصدر عذابي وأنت ثمرة لذتي المجنونة؟". وقد أعانت الأخصائية النفسية منى على التجربة، حين بلورت لها مشكلتها في ذاتها، لا في سليمان ولا في الطفل آدم. وهكذا تبلور لمنى الهدف: أن تكون حرة، وصاغت برنامجها: معرفة /تنفيذ/ نجاح/ استقلال/ حياة. ومن أجل ذلك تدربت في مركز التجارة المحلي في دورة لمن يفكر في مشروع خاص، وقدحت شرارة العلاقة مع المشرف الشاب الاسكتلندي ستيورت مكفيروسون الذي تابع بعد الدورة التدريبية خطوة منى الأولى: إنتاج الأطعمة الشرق أوسطية للمطاعم. ومقابل غيرة سليمان وتعويقه، دفع حب منى للمرأة التي صارتها، ورعاية مكفيرسون، إلى خطوة أكبر من النجاح، حتى استقلت بالسكنى بعد أربع سنوات، بينما صديقتها أم منار الفلسطينية تحضّها كصديقتها الإنكليزية إيلين على الصبر على سليمان والتمسك ببيت الزوجية. وإذا كانت غطرسة سليمان قد تفككت أمام القانون، فالنساء العربيات لا ينين يحذرن منى من عدم الاعتماد على الرجل، كما كانت أمها وشقيقتها تحدران. وبالمقابل كانت جارتها كارول تحرضها على العلاقة مع ستيوارت. وقد انتهى كل ذلك إلى الطلاق وكره آدم لأبيه. وإذا كان سليمان قد عاد ليدخل حياة ابنه بصورة طبيعية، فستيوارت سيتجنبها حيناً تحت وطأة قتل شاب باكستاني مسلم لأخته التي تزوجت من إنكليزي مسيحي. وستلي ذلك مجزرة مدرسة آدم على يد مدمن، والتي يقتل فيها ابن كارول. وبينما تدوّي أنباء الجرائم ضد الأنوثة في تركيا، يتساءل ستيوارت عما تفعله النساء العربيات والمسلمات ضد تلك الجرائم، ويصدع منى: "أنت تشاركين بصمتك في الجريمة، بينما تحمله هي أيضاً شطراً من المسؤولية. وهنا تنوء الرواية بما حشد الانترنيت فيها من تاريخ الجريمة في العالم كله، كما ناءت من قبل بما حشد ستيوارت من تاريخ اسكتلندة. ويبلغ ذلك بمنى أن تجد نفسها "بين تأويلات شرقية وأخرى غربية، تأويلات دينية وأخرى عقلانية، تأويلات سماوية وأخرى إنسانية. أضيع بين التأويلات. أضيع بين حقب التاريخ، أضيع وأصبح أكثر تشتتاً وحيرة. يسكنني فراغ. إيماني الذي عصفت به زلازل الممارسات البشرية يتركني مفرغة من الأمل".
    ينقطع سرد هذا الشطر من حياة منى بالالتفات إلى بداية الرواية، والعودة إلى الوطن، حيث الحرمان من حقوق الإنسان والحرية والطفولة، وحيث الجفاف مقابل الخضرة في بريطانيا. وتحاول منى التأقلم، وتصلح بيت العائلة الخرب باحثةً عن الأمل، لكنها كلما احتكت بالناس ازداد الأمل استحالة. وبمتابعة الرواية للشطر السابق من حياة منى، تصير مسز مكفيرسون، ويلحق بها العم سالم بحثاً عن عمل، ويقرعها على زواجها ونسيانها أنها غربية ومسلمة: "ماشية على حلّ شعرك" و"أنت مش حرة". وسيأتي خبر زواجها بعامر ليتعقبها وهي تلوب: "لو كنت ذكراً لما تبعني العفن، ولما وقف بيني وبين شرفات المستقبل. حتى جنسي الذي لم أختره، أكره ما يلقيه عليّ من قيود". وهكذا تترك ابنها عند سليمان، وتبيع البيت ومشروعها التجاري، وتتخفّى هرباً من عامر والقتل. وحين تظهر تكون قد ولدت ابنتها من ستيوارت، وأنجزت تبديل اسمها وهيئتها، فصارت كما اختارت امرأة ثالثة هي سارا ألكزاندر، تتابع دراستها، وتعود إلى الوطن للمشاركة في مؤتمر حول حقوق الإنسان، وتتحدث عن الجرائم ضد الأنوثة، وتلتقي عمها سالم وشقيقتها سناء اللذين ينشطان للدفاع عن حقوق الإنسان، ولكن دون أن يعرفها أحد، فبعضهم يقول إن أصلها عربي، وبعضهم يقول إن أصلها يهودي، وهي التي لم تعد "ابنة الصدفة والقدر" بقي لها مما كانت في لبوس منى وفي لبوس مسز مكفيرسون، صوتها القديم مدافعاً عن حقها في الحياة.
    بذا أنجزت رواية (خارج الجسد) حفرها في البطركية، كما كانت لها إضافتها المتميزة إلى ما أدعوه بوعي الذات والعالم في الرواية العربية. وبذا حُقَّ لعفاف البطاينة أن تباهي بما قدمت من الشخصيات الأنثوية والذكورية، فضلاً عما ذكرت من السلاسة والرفاهة وملاعبة الضمائر. أما الدفقة الروائية للأصوات النسائية الجديدة، والتي تتعزز برواية (خارج الجسد) فلها كما لم يكتب الذكر من الرواية قول رورتي بصدد وحش الذكورة: "إن ذلك الوحش متمرس جداً على التكيف، وأعتقد أنه سيبقى على وضعه في بيئة فلسفية ذات تمركز منطقي، مثلما يبقى في بيئة فلسفية تناهض التمركز المنطقي".

  4. #14
    Banned
    تاريخ التسجيل
    Dec 2009
    المشاركات
    1,117

    افتراضي

    6 ـ ليلى الجهني: الفردوس اليباب( )
    في الدورة الأولى (1997) لجائزة الإصدار الأول التي تنظمها الدائرة الثقافية في الشارقة، أنيط بي التحكيم في حقل الرواية، ولست أدري حتى اليوم إن كان معي شريك في التحكيم أم لا. وقد منحت رواية (الفردوس اليباب) العلامة الأولى، وكان أن فازت هذه الرواية بالجائزة الأولى.
    بالإعلان عن أسماء الفائزين علمت أن صاحبة (الفردوس اليباب) هي الكاتبة السعودية ليلى الجهني. وبعد ست سنوات قرأت للناقد السوري عزت عمر، الصديق المقيم في الشارقة، مراجعة لرواية ليلى الجهني قال فيها إنه يعتقد أن لجنة التحكيم لم تنتبه إلى خلل فني واضح في تلك الرواية، أو أنها جاملتها لأسباب عديدة لا يهمه ذكرها، إلا أن ذلك لم يمنعه من القول: "إن غبناً كبيراً طال الروايتين اللتين احتلتا المركزين الثاني والثالث".
    للأسف لم أعد أذكر هاتين الروايتين. ومن المعلوم أن منظمي الجائزة يحذفون أسماء كتاب وكاتبات المخطوطات المتسابقة، ويعطونها أرقاماً. وبالتالي، لا مكان للمجاملة لأي سبب كما ذهبت غمزة الناقد. غير أن الأهم هو ذلك الخلل الفني الواضح في الرواية، الذي حدده الناقد في أن حضور الراوية الأولى (صبا) على صعيد اللغة والتفكير قد ظل مستمراً فيما روت الراوية الثانية خالدة من الرواية "ولم تتغير الخصائص الأسلوبية لفعل السرد، فكان ذلك مطباً فنياً أوقعت الكاتبة فيه نفسها".
    قبل ذلك كان الناقد قد اعتبر الرواية أقرب إلى القصة القصيرة، وقال: "ولا أعتقد أن إضافة قسم ثانٍ لراوٍ جديد بهدف تطويل الحدث ومطّه كان ذا فائدة. حيث أنه انتهى مع انتهاء دور البطلة بخروجها عن الحياة. ومجموع الترقيشات المضافة على لسان الراوية الجديدة، إنما كان غايته الرئيسة
    هو إيصال خبر انتحار البطلة، وكان من الممكن اجتراح وسيلة أخرى غير الراوية الجديدة".
    لست أدري كيف يستقيم ذلك مع ما سبقه من امتداح الناقد لـ "قدرة الكاتبة على السيطرة على الحدث وتفعيله بما أمكنها من أساليب القص المبتكرة والتي تراوحت بين السرد الشاعري المعتمد على رمزية شفافة (...) أو المنولوج الإنساني العذب المتداخل مع سائر تفاصيل الحدث، الذي بدأ صاعقاً ومثيراً، ثم مال إلى تراجيديا قاسية". وفي موقع آخر عبّر الناقد عن اعتقاده بأن "الوعي بأهمية المكان من قبل الروائية، منح روايتها بعداً إنسانياً كبيراً، وذلك من خلال إسقاط الحالة الفكرية والنفسية للبطلة على فضاء المدينة، الأمر الذي جعل مدينة جدة تنتقل من حيزها الواقعي إلى حيز دلالي يتكيف مع عالم السرد متحرراً في الوقت نفسه من النزوع الديكوري، إن صح التعبير".
    ألا يكفي الرواية أن تكون قد أنجزت هذا الإنجاز، حتى لو صحّ ما ذهب إليه الناقد فيما روته الراوية الثانية خالدة؟
    من الحق أن ميزة الروائية ـ وكما عبّر عزت عمر نفسه ـ كانت في إدراكها لالتباس لحظة الانتقال الدرامية ـ بين الحياة والموت ـ بحبكة فيلم هندي يستدر الشفقة والدموع، لولا أن الكاتبة فضّت الالتباس بما وفّرت من أساليب السرد المختلفة. فالحب الرومانسي والغدر والانتحار علامات شائعة في الفيلم الهندي كما في أفلام الميلودراما العربية وسواها. غير أن الفيصل هو في التجسيد الروائي لذلك، وهو الفيصل الذي تحقق في (الفردوس اليباب) على نحوٍ يؤهلها إلى الإعلان عن كاتبة متميزة وواعدة كروايتها الأولى، وهو ما أكدته ليلى الجهني من بعد.
    ففي اللحظة السردية الأولى التي تولّتها صبا، تروي مغامرتها مع الشاب عمر، وصولاً إلى حملها منه وميله عنها إلى صديقتها خالدة، وهو ما شبحها بين التخلص من الجنين وبين الفضيحة التي يترصدها المجتمع الذكوري بالموت، وبين الانتحار، فاختارت الأخير. وصبا فتاة مثقفة مترفة وكاتبة، تنوء تحت وطأة المجتمع الذكوري وهي تستعيد الخطيئة الأولى في حياتها وموتها، وتلوب بالسؤال:
    "خالدة: أليس عذاباً أن تكوني امرأة؟ أحياناً يداهمني هذا الشعور عندما أحرم من أشياء تافهة فقط لأني امرأة.
    ـ مثل ماذا؟
    ـ مثل أن أعلق صورة لصلاح السعدني على جدار غرفتي.. حين علقت صورته أتدرين ماذا فعل أبي؟ أنزلها ومزقها أمام عينيّ، ثم خرج دون أن ينبس كلمة..".

    إزاء غدر عامر صبت صبا نقمتها على كتبها (ثقافتها) التي لوحت لها بالحرية، فكان ما كان: "كنت أرميها كتاباً كتاباً ورائحة الورق المحروق تملأ رئتي. والأسماء والأمكنة والسطور كلها تتلظى في الجحيم، وربما كانت تلعنني، أجل، مثلما سيلعنني الناس، غدا ًعندما أراهم يتهامسون..". وسوف تتألق الرواية وهي تصور مكابدة صبا للحمل والأمومة التي ستسفحها، فيلوب السؤال أيضاً مخاطباً الجنين: "قل لي: كيف تكون مصدر عذابي وأنت ثمرة لذتي المجنونة؟ وكيف أكون سبب موتك وحبل الحياة يمتد مني إليك؟".
    هنا تأتي اللحظة السردية الثانية التي تولّتها خالدة، فتضيء لحظة صبا ولحظتها هي وقد صعقها غدر عامر بها وبصبا كما صعقها انتحار صديقتها. وعبر اللحظتين يأتي فضاء المدينة (جدة) كشخصية محورية ثالثة في الرواية، بدّل فيها انعطاف الزمن النفطي/ الحداثي ما بدّل، لكنها ظلت راسخة: "في كل مرة كانت تزيح طرفاً من قميصها ـ البحر ـ ويتبدى جسدها الطري المالح المخبوء تحت البحر مثل حورية، فقط كي تبقى، يهمها جداً أن تبقى حتى لو نبذت قميصها بعيداً واستلقت عارية أمام بصر الكون وسمعه". وكما شكّل فصل (تفاصيل اللوعة) وفصل (سقوط الوردة) ذروتين في الرواية وهما يرسمان مكابدة صبا للحمل والأمومة المسفوحة، يشكّل تبدل جدة أيضاً ذروة ثالثة: "جدّة الآن ليست أكثر من قبر رحيب ومع ذلك يكاد ينطبق على ضلوعي. جدّة قارة ثامنة تغور في ملح الدمع قليلاً قليلاً (...) أغور معها، قارة أخرى مجهولة لم يكتشفها غير ديك نقر قلبها فتسرّب الماء، وغارت الرمال وأشجار الجوز وتكعيبات اللبلاب المخضرة أبداً، والنوارس والكتب والأوراق والناس الذين بنوا بيوتهم على تخومها وغنوا كما يغني البحارة والصيادون على أنغام السمسمية".
    لقد كانت (الفردوس اليباب) فاتحة الإضافة الروائية التي تتواتر سنة بعد سنة في مسابقة الإصدار الأول التي اختطتها الدائرة الثقافية في الشارقة، وتبعتها فيها جهات عامة وخاصة شتّى في بلدان عربية عديدة، وهذا هو الأهم: أن يُتاح للأصوات الجديدة المتميزة أن تظهر، سواء اختلف الحكام والنقاد أم اتفقوا، بل سواء أخطؤوا أم أصابوا.
    7 ـ رجاء عالم: موقد الطير( )
    هذا حصن في أعلى الجبل لم يبلغه بشر من قبل. لكن الرخمة سكنته منذ كانت المدينة، فكان جبل الرخمة: كان البيت الحجري مثل رخٍ رابضٍ على كتف الجرف، كانت المغارة التي جَسَدُها ثلجة بيضاء، كان مرو الصخر وكانت الخيمة... وكان يا ما كان.
    كانت الحكاية وكانت حورية وتوأمها عائشة. كان آدم أباً وكان سهل ابناً وكان شراحيل الذي يقود التوأمين منذ البداية إلى موقد الطير. كانت عطرة الحبشية وابنها مسعود وكان الحاج جبريل الحبشي وكانت المربية أم شيخة: أولاء هم بشر رواية (موقد الطير) للكاتبة السعودية رجاء عالم.
    وكما كتبت الكاتبة قبل هذه الرواية وبعدها، ترمح المخيلة على هواها، فإذا بنا في (موقد الطير) مع حورية التي تُحتضر طوال الرواية، ولنا أن نصدّق أو نكذّب أنها جواد وأنها سقطت عن الجواد، وأن ذبذبات أحلامهما تتحد، وأن الموت والزمن والرائحة والحلم والخيال والعين والبومة: شخصيات روائية. وكل ذلك ينكتب بالثراء اللغوي المعهود في روايات رجاء عالم، سوى أن الهنات تتوافر هذه المرة، من تشكيل الكلمات إلى مثل هذه المفردة (سراً  سرى) ومثل هذه الجملة (ظلت عيناها معلقتان  معلقتين).
    لكن المغامرة المشبوبة طوال الرواية تُنسي القراءة هذه الهنات، وتتطوح بها فيما يوحّد ويمايز التوأمين حورية وعائشة أو الأب والابن ـ آدم وسهل ـ أو الجسد والروح أو الفناء والخلود.. فإذا الرواية سردية صوفية بامتياز، تعزز الفعل الصوفي في الرواية العربية، مما تقوم عليه تجربة جمال الغيطاني وإدوار الخراط وسواهما، مع التوكيد على ما تنفرد به رجاء عالم من تأنيث التجربة الإبداعية، سواء في رواية (موقد الطير) أم في رواية (حبّى)، وبدرجة أدنى في سواهما.
    فلندع ذلك الآن ولنمض مع معجزة البويضة/ الدم الذي يجري بعفوية في حياتنا اليومية، ولا يستوقفنا إعجازها، كما نقرأ في (موقد الطير). ولنمض إلى بوابة أيوب التي تفتح في الرواية على مملكة أربعاء الرماد ـ الأربعاء الأخير من صفر ـ لنلاقي مثل أيوب سؤال حورية له: "أيمكن أن يكون خيالي نبيّ  نبياً؟" بينما يخاطبها الخيال: "لا تستسلمي لكلمات فتصيغ فتصوغ لك ما لا يصاغ بكلام، هناك مقام للمسكوت عنه لا تدنسيه بالتجاوز بالتفاسير".
    لنمض إلى زواج عائشة من آدم وإنجابها لمن تسميه (سهل) بعين لا ترى إلا الأم: هي مشكاة وهو طالع منها، هي تكشف له الظاهر وهو يكشف لها الباطن، والأمومة تشق عائشة إلى قلبين، وتصلهما لجسدين، بينما الأب يتوق ـ لفرط عشقه عائشة وغيرته من ابنه ـ إلى أن يحشر جسده بين الوجه والوجه متسائلاً: "ما هذا الذي وُلِدَ مني لينفيني؟".
    في غمرة ذلك يبدو الجسد سؤال الرواية الأكبر. فالتخصيب ـ الإنجاب مثلاً ليس فعل لذة بقدر ما هو استنساخ روح من روحك ليكون (آخر)، وبقدر ما هو استنبات لجسد من جسدك، أي بتر لجزء منك. وجسد حورية التي يداويها الحاج جبريل الحبشي ـ وهو الداء ـ يخاطبها: "أنا محاولة للتعبير
    أو لكشف الحجب علن اللامرئي، تلك القوى التي لا يمكن فهمها والتي تسعى للفت انتباهكم والتواصل معكم بطريقتها الغامضة لتقول لكم مفهوم الخلود، ذلك الزمن اللانهائي". وإذا كانت حورية بالمقابل لا تؤمن بجسدها الذي يموت، ولا تُعرَف إلا به، فجسدها نفسه يؤكد على أن تدرك أنّ مهمة الخيالات غير المرئية التي تتوالد من الجسد البشري، ليست فقط أن ترسم حاضره من ماضيه، بل أن تفتح له أزمنة جديدة لا نهائية للوجود. وحين تنجز عائشة لوحتها فتفتح بالرسم سبلاً جديدة للعشق، يتحد جسدها وجسد توأمها حورية وجسد اللوحة في إحرام المطر، فكل الأجساد تذوب في ماء واحد.
    إنه الجسد الصوفي إذاً، ولذلك يصير للدمية قلب، ويصير للوحة قلب وعين، ويتجسد حرف الألف في اللوحة. وبهذا الجسد تتحد الذكورة والأنوثة كما تقرأ عائشة حالة ابنها وعينه "أستطيع أن أقول إنه يرجعنا لما قبل الانشطار الأول بتمام تذكيره وتأنيثه". وبهذا الجسد تتحد عناصر الكون، فينخطف الحجر في الحجر والشجرة في الشجرة والوالد في الولد. وإزاء هذا الجسد، كما هو الأمر إزاء جسد الرواية، تتعدد القراءات والدلالات، وهو ما تراه الكاتبة نفسها في الرواية نفسها نوعاً من القرصنة، يضفي حيوية لا تُضاهى على الحبكة، حيث تبتكر فئة من القراء حبكات فوق حبكات المؤلف المطلق، فَتُضفي على المقروئين وجوهاً لا تُصدق لفرط غرائبيتها. وسيلي في الرواية أن قلةً من الرواة تعرف كل شيء عما تروي. لكن عائشة التي يصوغ الصراع على الحبكة علاقتها بتوأمها حورية، ليست من هذه القلة، بل هي ـ أم رجاء عالم؟ ـ تظل على مبعدة من الشخصيات الروائية، كي تشطح القراءة (القرصنة) الجسورة، فتجعل الشخصيات تباغت مؤلفها، وتتأكد مصداقية حبكة (موقد الطير) في تكوير الأرض وهبوط حواء بآدم والجنة والنار والولادة والموت: "كل ذلك لا يكتسب معنى إلا بانسياقنا في لعبة التعدد". ورواية (موقد الطير)
    إذاً لعبة، أي حكاية، أي مخيلة رامحة ومغامرة مشبوبة، فحذار من الاغترار بها ومن أشراكها.
    8 ـ أمنيات سالم: حلم كزرقة البحر( )
    "ما الذي يتبقى حين تنأى الذكريات وتصير حلماً؟".
    بالسؤال تبدأ الكاتبة الإماراتية أمنيات سالم روايتها (حلم كزرقة البحر). وسرعان ما تندفق الذكريات لتتماهى الرواية بالسيرة، والرواية تصوغ نخلة من روحها قائلة: "وكأنني ألد نفسي".
    إلى الجزيرة الحمراء تفرّ الراوية من المدينة الحديثة. والجزيرة الحمراء بقعة من إمارة رأس الخيمة، حيث نشأت الراوية قبالة البحر الذي لم يجد غير رأسها بقعة يستوطنها: "ربما لهذا السبب لا أرى بوضوح داخل رأسي غير زبد وموج عات وممرات عميقة مليئة بالمرجان ولؤلؤ منثور بلا صياد ماهر".
    وهذه المسكونة بالبحر تعصف بها النوستالجيا إلى الطفولة والأسرة والمدرسة وذلك العالم الذي تقوّض منذ هلّ الزمن النفطي بالحداثة وما بعدها، في الطبيعة والمجتمع، في الجسد والروح. ولعل ذلك ما جعل نصيب التداعي في البناء الروائي راجحاً. بيد أن الكاتبة أسلمت السرد أيضاً لغير الراوية، فتعددت زوايا النظر، واختلف القول، وتداخل الزمن النفطي الحداثي بما قبله. وعبر ذلك سمقت شخصيات الأب والجدة والخال، سواء بعلاقتها بالراوية أو بما يندفق من ذكريات كل منها، لتعيد تشكيل الجزيرة الحمراء التي باتت قفراً منفراً، وقد كانت "بيوتها صغيرة ومتراصة ومتآلفة، جزيرة ساحرة لا أعرف لِمَ سموها الحمراء... ربما لأن ترابها كان أحمر بشكل مدهش... كنت أرى النوارس على شاطئها كأنها قطع غمام عذبة متناثرة على سطح أزرق لامع كالساتان".
    لقد كان البحر حليباً ـ عنوان الفصل الأول: "البحر حليب وأنا البسكوت" ـ لكنه كان أيضاً الأب الذي يعمّد طفلته بالسباحة في هذا المجهول الساحر وقد جاء بالقراصنة كما جاء باللؤلؤ. وقد تولّى الأب ـ كما تولت الجدة ـ في الرواية رسم ذلك الشطر من الزمن قبل النفطي الحداثي، قبل ولادة الرواية، حين كان كل شيء شاقاً، وكان الأب فتى و"كان العيب أن يفتتح عربي دكان تجارة بيع وشراء. كانوا يحسبونه مقتصراً على القراشية رغم أن والدي كان تاجر لؤلؤ، يعرف كيف يحترم ماله ولا يبذّر... ترك لي حرية التجارة". ولما ابتدأ النفط يخلخل ذلك الماضي (خمسينيات القرن العشرين) سافر الأب إلى الكويت يدرس ويعمل، ثم عاد عاملاً لدى تجار دبي، فأبو ظبي، حيث باتت للراوية ذاكرتها وذكرياتها، لذلك تستعيد السرد. واللعبة عينها تتثنّى من الجدة، سواء قبل أن تكون للراوية ذاكراتها وذكرياتها أم من بعد. فتلك هي الحفيدة تشارك جدتها طحن الكحل وتعبئته في زجاجات، وبيعه في أنحاء الفريج. وتلك هي البراقع التي كانت الجدة تخيطها، العلبة السحرية لعدة الخياطة، العلكة ذات الورق الأصفر كأنها عسل مصفى.. فبمثل ذلك تؤثث الرواية الماضي، بينما الجدة تنعطف حين تسرد ذكرياتها من ضمير المتكلم إلى ضمير الغائب، وتقوم مقام الأب في غيابه، مثلما يقوم مقامه الخال الذي يصطحب الراوية إلى الهند.
    إزاء الحضور الدافئ الغامر لذلك الثلاثي (الأب ـ الجدة ـ الخال) ينتأ غياب الأم إلا أن تقرّع وتخيف الطفلة بكلب القيلولة الأسود الذي يلتهم الصغار إن خرجوا من بيوتهم. لكن الراوية ستخرج. ومن الفريج إلى المدرسة سيكون لها الفضاء الموّار بالصديقات والمدرسات والجيران، وإذا بالحياة "فستان فضفاض، ملون ومزخرف بالعجائب"، وإذا بعبد الحليم حافظ وإحسان عبد القدوس وغادة السمان يملؤون المراهقة بقصص وأغنيات الحب حتَّى... حتَّى تموت الجدة، فيتزعزع كيان الراوية. بل حتَّى يموت الأب، بل حتَّى يحل النفط وتتبدد حكايا الجن وكلب القيلولة وترين الكآبة وتنشب المدينة الغارقة بالزحام والأنفاس والألوان.
    إنها "منافي الغربة" كما هو عنوان واحد من فصول الرواية. إنها "خطوط الجنون" كما هو عنوان فصل آخر. ومن حال إلى حال، ومن زمن إلى زمن، هي ذي الذكورة تسوط الأنوثة: "ذات ظهيرة والرمال الناعمة تتشرب من الجو سخونته، أخرج لزيارة الصديقات المجتمعات الآن عند آمنة... يناديني هندي: تعالي. أجري خائفة.. يلحق بي.. يضع يده على عنقي باحثاً عن سلسلة ذهب.. لا يجد شيئاً.. يضربني وأفلت من يده مسرعة نحوهن. أبكي وأنا أجري أسابق الريح الساكنة ذاك الوقت... أصل لأخبرهنّ بما حدث.. تذهب إحداهن لتخبر الأولاد المجتمعين عند أول الطريق... نركض جميعاً بحثاً عن ذاك الرجل المجهول... كل السكك خالية... اختفى.. ننتظر عند دكان البقالة نتربص به.. أعود للبيت مرتعشة وخوفٌ ما شلّ قدرتي عن إخبار أمي التي ستمنعني من الخروج بعد أن علمت بالأمر".
    ليس الأقربون إذاً أرحم من الأبعدين، فالأم كالهندي، والأسرة كالعمالة الوافدة في قهر الراوية التي تتساءل عمَّا إن كانت المراهقة شعراً طويلاً مسترسلاً، يخشى شقيقها ـ إن تركته للريح ـ أن يلحق بها صغار الحيّ. أم إن المراهقة كما يمضي السؤال، "خيط الدم كلّما لاح صارت فضيحة الأنثى مروعة، وعليها الاحتشام لأنَّ المحيطين بها وحوش آدمية؟".
    بالمقابل هي ذي شقيقة الراوية "ابنة التكنولوجيا واللغات الأجنبية والنظافة الزائدة كأنها مغسولة على الدوام". ولأن الراوية مسكونة بالنوستالجيا، تحكم بخسران شقيقتها عبق الماضي وسحره وذكرياته، على الرغم من أن حظها قد يكون طيباً لأنها جاءت في الزمن الجديد. أمَّا الراوية، فهذا الزمن يملؤها بالخوف:
    "الخوف من كلام الناس
    الخوف من المرض
    الخوف من الظلام
    الخوف من كل شيء، أي شيء، بإمكانه أن يسجن حريتنا وأنفاسنا الطليقة".
    تلك هي الرواية الأولى لأمنيات سالم التي سبق أن كتبت القصة والشعر. وهذه الرواية التي جاءت في نهاية القرن العشرين، هي الأولى لكاتبة في الإمارات العربية المتحدة. وقد ترجحت في الرهان على السيرية وعلى اللغة الشاعرية، وكبر الرهان في بناء شخصيتي الأب والجدة كما في شخصية الراوية. غير أن فخ الذاكرة قد أوقع بالرواية غير مرة، فَحُقًَّ لناقد مثل عزت عمر أن يصفها بالمحاولة الخجولة التي تختلط فيها السيرة الذاتية بحياة أبطالها، كالعهد بكتّاب الرواية الأولى.
    9 ـ جوخة الحارثي: منامات( )
    الرواية هي (منامات) والكاتبة هي جوخة الحارثي، فمن تكون إذاً صاحبة المنامات التي ترى نفسها بعد سلسلة طويلة من الانكسارات والتعذيب المستمر، تخلع قميصاً بيتياً وتقدمه إلى خطيبة معشوقها، معتذرة من الخطيبة عن طول استعارتها القميص، ثمَّ تروي: وانخلعت عن جحيمي بمعجزة، تعلقت بأستار الكعبة أدعو بالخلاص، كتبت عشرات السطور من قاع روحي السقيم، مزقتني المنامات الطويلة المتكررة....؟
    ربَّما تلّخص هذه السطور رواية (منامات)، أي تلخص حياة العاشقة المفجوعة بأبيها وبمن عشقت، فكتبت مناماتها، أي: كتبت الرواية. لكن التلخيص يقتل أي رواية. وحسبنا إذاً في تلك السطور التي تأتي في مطالع رواية (منامات) أنها تبلور المحاور، وتقترح على القراءة تكثيفاً قد يكون عوناً على استيعاب المقروء. وعلى أية حال، فرواية (منامات) ستكرر مثل هذا التكثيف أو تلك البلورة، فإذا بالساردة تروي: "امتدت هذه الأصابع الآثمة إلى القلم، وكتبت عن سجن القلب في زنازين لا فناء لها".
    كما تروي الساردة أن (الحكاية وما فيها) هي: "التقينا وتعذبنا بإتقان، ثمَّ افترقنا، هذا كل شيء". وكأنما تستبق الساردة القراءة النقدية وغير النقدية، فتخاطب نفسها: فلأسردْ هذه الأحداث المجنونة سرداً منطقياً. لكنها بكتابة (حكايتها) تكتشف أن لا أحداث تسردها، وإنما هي مشاعر تختزل الحياة كلها. والآن، إذ تسرد الساردة ذلك، تختنق "كأيّ حمقاء بالدخان الذي نسميه ببساطة، بمحاولة إقصاء، بتواطؤ غبي: الماضي".
    إنه الماضي إذاً، والروية شظايا الذاكرة. والساردة تعلن غايتها من مواصلة الاحتراق بالذكريات: "أريد نظاماً وسط هذه الفوضى، أريد مشجباً لتعليق الذكرى".
    ولعله يمكن القول إذاً إن رواية (منامات) مشجب لتعليق الذكرى. وما المنامات التي عَنْوَنَتْ الرواية وتناثرت فيها إلا واحدة من وسائل (النظام) الذي تبتغيه، أي (النظام) الذي به تقوم الرواية كفن. أمَّا الوسائل الأخرى فمنها ما تناثر في الرواية، وبغزارة، كالمتناصات الصوفية والشعرية، ومنها أيضاً الجري على نهج إدوار الخراط في لعبة (هزج) أصوات الحروف، حيث تندفق في الكثير من رواياته جمل وفقرات تنوّع على حرف بعينه أو أكثر، لعل السيالة اللغوية تعبر عن السيالة الشعورية.
    وهكذا تفعل الساردة في رواية جوخة الحارثي مراراً. فحين يخاطب العاشق المعشوق في زمن العشق الدائل تلك العاشقة، بعدما رأى الخريطة التي أنجزت، أنه فخور بها، يندفق القول: كان لفخ الفاء في فخره صدأ أراني تآكل سجف الغد، ولخور الخاء خوار يكشف خشية التقدم، وفي وحل الواو غار وجيبي، وعلى حد الراء المرائية الجهرية تكشف سري". ومثل ذلك يتكرر دون أن يضيف شيئاً، كمنامات الساردة التي تدرك أنها منامات متكررة لا تقول مزيداً كل مرة، بل هي تمزقها بإتقان وحسب بعد خراب العلاقة.

    بتجريد الرواية من التكرار، ومما يبهظها من مضارعة لغة إدوار الخراط، ومن مضارعة الشعر، ومن المتناصات الصوفية، تصبح (الحكاية وما فيها) أن فتاة تعيش مع شقيقتها (مي) في كنف زوج أمها (شمسة)، وللفتاة صلة وثيقة بعمتها المتصوفة المولعة بالجنيد وبالفضيل بن عياض. وهذه الفتاة التي تعلّم أمها الكتابة، ستعشق زميلها الذي كان يحول الصور الجوية إلى خرائط دقيقة مستخدماً حاسوباً ضخماً ومعقداً. والزميل يبادل العشق زمناً، ثمَّ ينأى مؤثراً خطيبته التي خُطبت له منذ المهد، ومخلفاً العاشقة في خراب الروح زمناً.
    ليس مهماً من بعد أن يلتقي العاشقان كغريبين. وبدرجة أدنى من الأهمية تبدو (مي) وهي تتفوق في الجامعة، وتمضي في طريق السياسة والمظاهرات. وبدرجة أدنى أو أعلى من الأهمية تبدو علاقة الساردة بأمها، فالأهم هو ما لاتني الساردة تبدي فيه وتعيد من علاقتها بالأب الذي كان يخاطب ابنته: أنت نبتة خضراء، ولا تغادرها صورته قبل مرضه وبعده. لقد مات الأب بلا شيخوخة، أمَّا حبها فقد شاخ وتهرّأ وملأته الدمامل والبثور، لكنه لم يمت. وفي سعيها للخلاص من الماضي ـ العشق والفجيعة ـ تمضي الساردة إلى الكعبة "ولم تطفئ دموعي ناري، واستعذت، وكنتَ شيطاناً مارداً لا أقوى عليه، فسلّمت".
    على نحو ما، غامض، ترى العاشقة المفجوعة أن حبها لحبيبها كان خيانة لأبيها. كما ترى أن الحبيب ربَّما لم يخنها إلا كما خانت أباها. وبعد سنوات الفجيعة هي ذي تحاذر من الانزلاق في (هوة التفكير) بأبيها، لكنها تسقط وتخون من جديد، إذ لا تخبر أباها بما فعلت هي وبما فعلت أمها التي تزوجت من غيره. والأمر في ذلك كله يبدو حالة أنموذجية للتحليل النفسي كما بدت في رواية نورا أمين (الوفاة الثانية لرجل الساعات) وفي غيرها. وما يعزز أنموذجية الحالة (المرضية) في رواية جوخة الحارثي (منامات) أن النرجسية قد بلغت من الساردة مبلغ المرض أيضاً، وهو ما وسم لغة الرواية، وفوّت النماء على الشخصيات الأخرى، وبلبل لعبة المنامات، أي بلبل بناء الرواية، فما عاد للالتماعات التي انطوت عليها الرواية شأن يذكر، وما بقي للقراءة إلا الحسرة.

  5. #15
    Banned
    تاريخ التسجيل
    Dec 2009
    المشاركات
    1,117

    افتراضي


    الفصل السادس


    التاريخ روائياً


    الفصل السادس

    التاريخ روائياً

    1 ـ خيري الذهبي: فخ الأسماء( ):
    في تجربته الروائية المميزة، يقوم الرهان الأول لخيري الذهبي على الحفر في التاريخ، منذ روايته الأولى (ملكوت البسطاء ـ 1976)، ولاسيما في ثلاثيته (التحولات). ويقوم الرهان الثاني للكاتب على الحفر في التراث السردي. أمَّا رهانه الثالث فيقوم على ما دعوته منذ عام 1982 بـ (تقليدية الرواية الحديثة)، ولعله لم يزل صحيحاً، على ضوء ما وسم روايات الذهبي من المواءمة بين التقليدي والحداثي.
    وهاهي الرهانات الثلاثة تبلغ أقصاها في رواية الذهبي (فخ الأسماء). فليس من العسير على المرء أن يكشف عن الأس التاريخي للرواية. ولاسيما لمن قرأ بعض المقالات التي ضمّها كتاب الكاتب (التدريب على الرعب( )) .
    فالسلطان العجوز هو برقوق، والجغتائي هو تيمور كما تجلو مقالة (التدريب على الصمود)، وفيها لاسيما تلك الشخصية الروائية التي سنرى: ابن عرب شاه، أي ابن ملك العرب، صاحب كتاب (عجائب المقدور في أخبار تيمور). وفي مقالة (القط في القفص) يمتح الكاتب من كتاب (الحيوان) للجاحظ الشخصية الروائية (نوري) وخبرته بتربية الحمام، وما جاء أيضاً عن تربية القطط. أمَّا مقالة (الكذب الأجمل من الصدق) عن لوقا السميساطي السوري (لوقيانوس الإغريقي)، فتجلو ما رشح إلى رواية الذهبي ممَّا كتب لوقا في (قصة بسيطة) عن رحلته البحرية، ومصادفته الجنية ـ الحورية التي تمسخ العشاق..


    لكن لعبة التناص في رواية الذهبي، وبالتفاعل مع اللعب السردي التراثي، يخرجان بالقراءة من عنق مثل هذه المطابقة إلى الأفق الروائي الزاخر والساحر، وحيث يشتبك سحر الحكاية ببلاغة التاريخ. ففي ذلك الزمن المملوكي وفي الشام (دمشق) والصحراء والشرق الذي جاء منه الجغتائي ـ تيمور لنك ـ تطوحنا الرواية في فخاخ الأسماء بين الماضي والحاضر والمستقبل، كأنما هي ليالٍ جديدة من (ألف ليلة وليلة) ـ وللكاتب روايته (ليال عربية ـ 1980) ـ ستنهض روايةً بالبناء الحكائي، حيث تتوالى ثلاث حكايا كبرى، وفي كل منها حكايا أصغر فأصغر، وكل حكاية قد تبدأ الرواية بطرف منها، لتقطعه حكاية أخرى أو طرف منها، ثمَّ تكون عودة إلى طرف جديد أو إلى التتمة، كما قد تأتي الحكاية كلها دفعة واحدة. ولا يخفي تقليدية السرد في ذلك أن يتناوب عليه السارد بضمير الغائب مع الشخصية الروائية بضمير المتكلم، أو أن تنفرد الشخصية الروائية بالسرد، كما هو أغلب حصة الحكاية الثانية الكبرى من الرواية. لكن الأهم يبقى أنه ـ عبر ذلك ـ ينعجن التخيلي بالتاريخي، فتصير الحكاية بسحر الفن تاريخاً، ويصير التاريخ حكاية.
    حكاية الرؤوس ـ الثمار:
    بكيس الثمار ـ الرؤوس التي يحملها رسل الجغتائي للسلطان الشامي، تبدأ الحكاية الكبرى الأولى للرواية، مع (نوري) الذي يحكي حكايته مع الحمام،
    أي حكاية جنونه الإبداعي الخاص الذي تسبب بهجران امرأته له. فلقد قضى نوري عشر سنوات يرعى زواج الذكر الهندي بالأنثى المروحية، جيلاً فجيلاً، إلى أن كان له (الزوج المعجزة) والحمامة الكاملة، وتلك هي خديعته للسلطان، فمملكة الحمام مملكة السلطان، ونوري أراد فعل شيء مخالف لإرادة السلطان الذي لا يحب التغيير والتجديد، ويعدّ تطعيم الشجرة بنوعين كفراً. ونوري مؤمن، وإن كان يعبث بالمخلوقات. لكنه حين بلغ مراده أحس بالخواء، وهو يتساءل عن جدوى إبداعه ما دام لا يستطيع أن يظهره للناس، فشرط الوجود بحسبانه معرفة الناس بالموجود. ولكن هل سيغفر الإبداع له عند السلطان؟
    حين يصل الخبر إلى السلطان، يسمي إبداع نوري بالحمام الزاني، ويأمر المبدع أن يعدَّ ما أبدع وجبة لسلطانه، ويعينه صاحب حمام السلطان. وهنا تتوقف حكاية نوري وتتوالى حكاية رسالة الجغتائي (كيس الثمار ـ الرؤوس)، وتبدأ تأويلات البطانة لها. فابن السلاخ يراها رؤوس بشر تحمل آثار الحرق والتحبير، لكن الراهب العجوز قرياقوس القادم من دير الشيروبيم له تأويله الذي يأتي حكاية جديدة تقطع الحكاية الكبرى. فالراهب يتحدث عن مكتبة الدير، وعما فيها للوقا السميساطي من حكاية رحلته البحرية إلى الجزيرة العجيبة، حيث النساء جذع كرمة فيما دون الركبتين، وحيث تحول من لحق من بحارة لوقا بالنساء إلى شجيرات كرمة. وهي إذأ حكاية تؤول حكاية، فالرسالة ـ الرؤوس هي ثمار. وهذا التأويل يقلق القلم دار الذي لم يبلغ علمه حكاية لوقا، وقد يغضب ذلك السلطان، فيمضي إلى جامع النوري حيث جماعة العور والهتم والجدع، أي القلندرية، وهي الجماعة الوحيدة التي سمح السلطان بها، لأنها لا تنافسه على المدينة، ومنصرفة إلى إيذاء الجسد والتعبد.
    يؤول مولى الجماعة للقلم دار حكاية الرسالة ـ الرؤوس بحكاية ملك الهند وطائر العنقاء. وتؤول كبيرة الجواري وصديقة السلطان الرسالة بالأرق الذي سكنه منذ وصل رسل الجغتائي. وعبر هذا التأويل تأتي حكاية هذه المرأة التي لقيت هذا الذي سيصير سلطاناً، في سوق النخاسة، وصدقت يقينه من مستقبله، وباتت عشيقته حتَّى كبرا، فباتت الصديقة الرؤوم. ومن تأويلها، إلى المبارزة في نَحْرِ واحد من العوام رقبته فواحد، افتداءً للسلطان، مقابل افتداء رسل الجغتائي له واحداً فواحداً، تنتهي الحكاية الكبرى الأولى فيما يشبه نهاية القسم الأول من الرواية، إذًْ يحضر المماليك الفتيان الثلاثة الذين يحملون من رجل السلطان في بلاد الروم رسالة التحذير من قدوم الجغتائي، ويتحدثون عن تيههم في الصحراء، وعثورهم على المدينة ـ الحلم التي ستكون الحكاية الكبرى الثانية في الرواية، أي القسم الثاني.
    حكاية المدينة الهاربة:
    في طريق عودة المماليك الثلاثة، هبت "عاصفة من عواصف الصحراء التي لا يمكن التنبؤ بها" فخبطوا حتَّى طلعت لهم المدينة التي يحسب كل منهم أنها مدينته التي ابتيع منها، فهي "المدينة الطفولة، المدينة ما قبل الأحلام والرحيل وراء السلطان"، وهي مدينة هذا الإيقاع الذي سيظل يترجّع في الرواية: "لا جائع فيها ولا عطشان ولا من يبيت خارج سرير حب". وقد عثرت على المماليك التائهين قافلة حملتهم إلى حلب، فأرسل حاكمها معهم كتيبة من الجند والمهندسين بحثاً عن المدينة الهاربة، لكن البحث خاب. ومع شيوع حكايتها في الشام، طلع الصباح على السلطان بمفاجأة خلو المدينة إلا من قلّة، إذ خرج الأهلون إلى الصحراء بحثاً عن المدينة الأسطورة التي طالما تحدثت عنها الكتب، وروت عنها الجدات. أمَّا السلطان فيرسل رجالـه ينادون في البوادي والمدن إعلاناً من مدينة بلا سكان تدعوهم لسكانها، شريطة أن يخلعوا أحلامهم قبل دخولهم: إنها مدينة الطبالين المزوقة تزويق العاهرة، بلا ذكر لسالخي الجلود ورسل الجغتائي.
    بحمّى الغرائبي والعجائبي، بحمّى الفانتازيا، تتشظى حكاية المدينة ـ الحلم إلى حكايا الباحثين عنها وقد تبددوا في الطريق فرادى. فضارب الطنبور (لطفو) الذي سمع حديثاً عن "مدينة تتجلى، تغيم، وتحضر، وتختفي، تغازل وتتمنع هناك في عمق الصحراء، سمع حديثاً عن مدينة لم يجرؤ حتَّى على الحلم بوجودها" يعصف به الحنين إلى الشام فيلوب السؤال: "كيف عميت عيناي فلم أعرف أن المدينة الهاربة ليست إلا المدينة التي تركتها وراءك"؟ وستتوازى حكاية لطفو مع المدينة، وحكاية المرأة التي ستأخذ بلبه (فرنتى)، حتَّى إذا بلغ المدينة بدت المرأة فيها كالرجل: النصف الأسفل لواحدهما من حجر، فهتف باسم فرنتي، فانزلقت المدينة إلى الغياب، كما ستنزلق مع الآخرين، وكلُّ لسبب. فالشيخ المؤذن أحمد بن محمد بن عبد الله، الذي يحلم بكتاب يكتبه، ويغني في حفلات سرية ليتعيش، يلاقي مدينته ـ حلمه، حيث المعري والحلاج وحلم الخلود في كتاب. ولأن من فيها يشخصون فيه الكسل والضعف والجبن عن الحلم، تزلق المدينة منه إلى الغياب، وهو منذور لما قدروا أنه مطهرة: حريق مدينة.
    وهذا أيضاً هو الشاعر أبو القاسم الفستفي الذي نذر نفسه للشعر الصافي، فلم يلق تقديراً حتَّى انخرط في السائد، وبات علم الهجاء، التقى (فرنتى) وكتب لها قصيدة الحب التي طلبت، والتي ستغنيها للسلطان، فيؤخذ بها. ولأن فرنتى ـ كما سيلي في الحكاية الأخيرة من الرواية ـ أرضعت السم، وباتت سماً لمن يقربها، فسيموت السلطان متسمماً بها. أمَّا الشاعر، ففي بلوغه المدينة الحلم، سيتحول إلى أنثى، وتبدو له فرنتى وقد تحولت ذكراً، شأن كل من في المدينة، لكن المدينة تنزلق منه إلى الغياب.
    وهكذا تتوالى الحكايا، فتبدو المدينة الأسطورة مدينة الخوف للشيخ شاكر الذي يطن في أذنه السؤال كالذبابة (ما السلطان؟)، وتبدو للقلم دار المدينة التي لا متعة فيها ممَّا تعوّد، والمدينة التي تتجسد (تتقمص) فيها فرنتى بشخص الحلم دار الذي كان القلم دار قد نصح السلطان بسلخه. والمدينة هي لبرهان الدين مدينة الصلاة، ومدينة الأمل المتنكرة في غابة، ومدينة الفرج المنتظر. وهي تلك النبوءة التي أرسلتها بلابل منذ بدية الرواية، وستظل تتواتر بصيغ شتى "ستطير وتطير، في قفص تطير... وعلى الجمال تطير، وفي أرض اليباب تطير". لكن برهان الدين الذي كان قد أسس في الشام الأخيات ـ أي المنتديات والنقابات بلغتنا ـ سيزلق السؤال بالمدينة منه إلى الغياب، شأن سواه.
    حكاية الهزيمة:
    فيما يشبه القسم الثالث من الرواية ـ وفصولها جميعاً بلا ترقيم ولا عنونة ـ تأتي حكاية فرنتى جاسوسة الجغتائي التي أنجزت مهمتها بتسميم السلطان، وغادرت إلى بغداد يأكلها الفراغ الذي يعرفه كل مبدع بعد إنجاز مشروعه الكبير وهو يتساءل عمَّا إن كان أضاع الزمن عبثاً، وعما سيفعل من بعد، وعما إن كان يستطيع مفارقة مشروعه. ولعل لأسئلة الإبداع هذه، مع ما سبقها من أسئلة نوري، أن ترسم أسئلة الكاتب نفسه أمام روايته أو أمام ما أنجز من تجربته الروائية، مثلما هي أسئلة التاريخ التي تترجع في الرواية بين الجغتائي والسلطان والقلم دار، فلعلها أسئلة الكاتب وما كتب. فالجغتائي يدعو "اللهم اجعل التاريخ صديقي، ولا تجعله عدوي". والسلطان جمع حوله المؤرخين الأحياء ورواة وتلامذة من مات منهم، ليحرم خصمه منهم.
    بالعودة الخائبة لمن خرجوا يبحثون عن المدينة الهاربة، تبدأ الحكاية الكبرى الثالثة والأخيرة في الرواية، وتتشظى في حكايا موت السلطان وتنصيب ابنه الفتى، ووصول الجغتائي إلى الشام، وهرب السلطان وجيشه إلى مصر، وتحريض الشيخ المؤذن أحمد للناس على المقاومة، ودحر أولاء للغزاة حتَّى تشعل حيل الجغتائي وتواطؤات الكبراء نار الفتنة، وتكون الهزيمة التي سيحمل الجغتائي بعدها من (مثقفي) المدينة المنكوبة من يحمل إلى مدينته، وتتحقق نبوءة بلابل.
    إلى ذلك كله، وفي سائر الرواية، بقيت أيضاً حكايا السلطان والجغتائي. وهي تعزز ما تقدم ـ وبالمخيلة المحمومة دوماً ـ الإشارات إلى يومنا وإلى غدنا، سواء تعلقت بالعوام أو بالمثقفين أو بالحكام أو بعواصف الصحراء. ولئن كانت تلك الإشارات هي بلاغة التاريخ، فهي أيضاً سحر الحكاية، وبها توقعنا رواية خيري الذهبي في (فخ الأسماء).
    2 ـ سلام عبود: يمامة: في الألفة والآلاف والندامة:
    تندرج روايات اللحظة الأندلسية في السيرورة الروائية التي ابتدأت مع جرجي زيدان ومعروف الأرناؤوط، ولم تنته بأمين معلوف وفوزية رشيد وسالم حميش وربيع جابر ورضوى عاشور... وصولاً إلى سلام عبود في روايته (يمامة: في الألفية والآلاف والندامة( ))
    وحديث الرواية والتاريخ يستدعي قضايا شائكة وعديدة، من الالتباس بالهرب من الراهن وبالنوستالجيا، إلى البحث في المصادر والمراجع، إلى التناص معها أو المضارعة اللغوية أو الولع والانبهار بكبائر ما مضى وبصغائره.. ويتجدد ذلك الحديث من نص إلى نص، مافارت به الرواية العربية في العقدين الماضيين بخاصة، ليس على مستوى الناقد وحسب، بل على مستوى الكاتب أيضاً. وهذا سلام عبود ينوه في صدارة روايته (يمامة..) باعتماد الجانب التاريخي في روايته على مجموعة من المصادر العربية والغربية ـ أليس هذا بتحصيل حاصل؟ ـ يعدد منها (طوق الحمامة) لابن حزم، و (مصارع العشاق) للسراج القارئ، و(حي بن يقظان) لابن طفيل، (وأخبار النساء) لابن قيّم الجوزية.
    أمَّا الأهم فهو ما يلي من تنويه الكاتب بصنيعه الأدبي في المادة التاريخية، حيث يقول: "أمَّا النص الأدبي فقد احتوى طائفة من الأحداث أخذت بتحوير طفيف من كتب التراث العربي. ولم يتوقف الأمر على ذلك، فقد جرى نقل عدد غير قليل من النصوص: عبارات وجملاً وأحياناً فقرات طوالاً، ولم يجر تعليمها، وتمييزها عن النص القصصي، لكيلا تبدو جسماً غريباً يقطع سياق التلقي عند القارئ، وتجنباً للنبوّ جرى تذويب تلك النصوص في سياق النص القصصي بالتحوير والتعديل، أو من طريق دسها دساً خفيفاً.
    إن الحفر الأدبي في التاريخ هو في هذه الرواية إذاً، وبحسب كاتبها، نقل وتحوير وتذويب وتعديل ودس (خفيف)، وكل ذلك كرمى للقارئ: أين هي إذاً مقتضيات ذات النص، مهما يكن للقارئ منها؟
    أمام مثل هذا السؤال، ليس المعول عليه ما يرسل الكاتب في تصدير للنص أو في سواه، بل المعول عليه هو النص وحده. ونص سلام عبود توسل التناص، من صريحه بما أورد من آيات قرآنية وأشعار مثلاً، إلى درجات لعبه الأخرى العديدة، والتي تقوم جميعاً على تمثّل المادة التاريخية أو الوثائقية، وإعادة إنتاجها كما يتطلب الفن، لكي لا ينزلق الروائي إلى حلبة المؤرخ، فلا يكون روائياً ولا يكون مؤرخاً.
    لقد اختار سلام عبود في روايته لحظة أندلسية أخرى غير لحظة سقوط غرناطة التي استهوت المبدعين الآخرين، إذ عاد إلى ما قبل ذلك، بحثاً عن جذور السقوط، كأنما يضاعف ويعمق الحفر في جذور الراهن، فكانت قرطبة فضاء رواية (يمامة..) وكان عبد الله بن يعيش بطل الرواية المثقف وضحية الاستبداد والفساد الناخرين في الجسد القرطبي ـ الأندلسي، فإذا بـ "قرطبة زينة الدنيا، تبدو مثل جثة هامدة"، منذ مستهل الرواية، حيث يؤوب إليها ابن يعيش من منفاه القريب في أليشانة.
    ومنذ مستهل الرواية يتكشف بناؤها عن مواطن طويلة ومدججة بالسرد التاريخي، تقدم بناء مؤسس الخلافة الأموية في الأندلس (الناصر) للزهراء، كرمى لجاريته، ونكبة الزهراء على يد البربر، وبناء المدينة التجارية والسياسية (الزاهرة) وهدم الخليفة الرابع المهدي لها، كذلك يأتي بناء ووصف مسجد قرطبة، وهرب المستكفي وشغور الخلافة، وتقديم المجاهد ابن منصور.. وإذا كانت مواطن السرد التاريخي هذه تحتشد في البداية، فهي ستتراخى من بعد، ليغلب نهوض بناء الرواية بسرد الأحداث في الحاضر الروائي وبوصف نثار جغرافيا المدينة، والأحوال النفسية لشخصياتها الرئيسية، ولاسيما البطل. وسينتزع الحوار الغلبة من الوصف ومن النجوى وسواهما من التقنيات، فيبدو متأرجحاً بين الإيجاز والرشاقة، وبين الإطالة والإبهاظ. ويتوزع ذلك كله على الماضي وعلى الحاضر الذي يمضي بالرواية قدماً إلى تعليق ابن يعيش في الساحة لحرقه هو وكتبه، ثمَّ بقاؤه معلقاً فيما الفتنة تندلع والناس يعزلون الخليفة، فقرطبة لم تعد بحاجة إلى خليفة، أموياً كان أو غيره.
    كان ابن يعيش قد فرّ إلى أليشانة بعد مصرع صديقه الخليفة عبد الرحمن. وفي بداية عودته يلتقي مصادفة الجارية (حور)، التي تأخذ بلبه، وتدعي أن اسمها يمامة. ومن خولة زوجته وابنة قاضي سبتة، إلى إيزابيلا الجارية النصرانية التي استهوته في منفاه، إلى يمامة ـ حور ـ تلح الرواية على العشق الذي يؤنث الفضاء الروائي في سبتة وأليشانة، ولا سيما: قرطبة. ويظهر هنا بقوة فعل (طوق الحمامة) و(مصارع العشاق) في جسد الرواية وروحها، سواء عبر ابن يعيش أو عبر خولة ذات الأب العربي والأم البربرية، والتي تجيد اللسانين العربي والبربري، وباعها النخاسون اليهود في سوق فردان بعد سبيها، فاشتراها صديق لابن يعيش، ثمَّ قدمها لـه. وإذا كانت خولة تبدو كشهرزاد، تشفي زوجها بالحكي من فعل نكبته، وتحتضن عشقه ليمامة، فالأمر يبلغ ذروته عندما يقبض على الرجل، وتتحول الرواية إلى واحدة من روايات السجن السياسي المعاصر الفذة، ثمَّ تظهر يمامة باسمها الحقيقي (حور) جارية لسجّان ابن يعيش، وهو المجاهد ابن منصور.
    بعد مشاهد التعذيب في قلعة رباح، ما يورث ابن يعيش العمى بعصارة الصبار، والعجز الجنسي، وبعد نقله إلى قصر ابن منصور، تظهر يمامة التي فرض عليها سيدها الرتق لأنها رفضته. ولأنها المؤتمنة والمقربة إلى سيدة القصر ـ إلى حد الاشتباه بالسحاقية ـ يوكل أمر السجين لها، وهي التي علقته أيضاً منذ تلك المصادفة الوحيدة. كذلك ترعى العاشقة معشوقها، وتتزوجه في سرهما، وتشتبك الأسئلة على ابن يعيش: "أهي حور أم يمامة، أم كلتاهما؟ أهي إجبار أم اختيار أم اجتيار؟" و"أهي إيزابيلا أم يمامة أم كلتاهما" و"أهو عبث محض! وجنون أم حكمة! أين المعاني"، كما تشتبك الأسئلة على ابن يعيش منذ أن يبدأ تلميذه السابق ابن مسروق بالتحقيق معه فيما كتب وفيما يعتقد، فكأنما تترجع أصداء محاكم التفتيش الراهنة التي تلاحق الكتّاب والكتابات في الفضاء العربي اليوم. وينتهي الأمر إلى أن يقدم ابن يعيش لابن مسروق إقراراً بتهمه طالباً الغفران، فيصدم حور التي تكشف آنئذ لـه عن سرها ـ في مفاجأة ميلودرامية ـ ، والتي تعدّ لفرارهما، لكن ابن يعيش اليائس يستسلم، فيقاد إلى المحرقة.
    تتوزع الرواية على عشرين فصلاً، تؤكد منذ البداية على تأنيث الفضاء: "قرطبة مولاتي ـ خولة: سبتة أم قرطبة ـ ..." وتذكر بعنونة أحمد يوسف داود لفصول روايته (فردوس الجنون) كلّما أمعنت في المضارعة اللغوية التراثية، ومن ذلك أن يكون العنوان حديثاً نوبياً.. ويبدو في المتن الروائي ضغط تلك المضارعة، ممَّا حدّ من التنوع اللغوي الذي تضطرم احتمالاته في الرواية. فإذا كان الصوت التراثي الجهير يستوي فيما يتصل بحوارات ابن مسروق وابن يعيش، عبر تهميشات الأخير على كتاب المرزباني (أشعار النساء) أو الخوض في أمر المعتزلة والإيمان بالله.. فذلك الصوت نفسه يأتي ضاغطاً عندما تنادي يمامة مثلاً "يا طول حزناه ممَّا أرتنيه عيني"، أو عندما يخص إيزابيلا التي يعلمها ابن يعيش العربية بالإنجيل (في ترجمة اسحاق بن بلشك القرطبي من اللاتينية)، أو عندما يخص اليهود... وبالطبع، يناط ذلك كله بسطوة السارد التي تتبدى في السرد التاريخي، وفي الشرح ـ إتلاف عصارة الصبار للعينين مثلاً ـ وفي الترميز بالمرأة الذي أعقب حديث اللذة، لنقرأ: "خولة وإزابيلا وترا اللذة، هما النشوة والسكينة، خولة هي السكينة الممتعة، وإيزابيلا هي نشوة الإيناس والصبر. أمَّا حور ويمامة فهما مزيج شيطاني من المتعة والألم". على أن الرواية ظلت ـ على الرغم من ذلك ـ صوتاً خاصاً في السلسلة الروائية التي تحفز في التاريخ، وتروي مكابدة مثقف الأمس ومثقف اليوم في العشق والمعرفة وعصف الفساد والاستبداد.

  6. #16
    Banned
    تاريخ التسجيل
    Dec 2009
    المشاركات
    1,117

    افتراضي

    3 ـ ثائر تركي الزعزوع: السلطان يوسف:
    في فاتحة روايته (السلطان يوسف( )) يقص علينا ثائر تركي الزعزوع أنه مضى إلى أنقرة في مهمة صحفية (شباط ـ فبراير 1995) وحلّ ضيفاً على كليم أوغلو رئيس تحرير القسم الثقافي لجريدة (خبر). وقد صادفت ذلك زيارة الرسام الإيطالي المعروف جوزف جابيري، السوري الأصل، والستيني. وفي لقاء الثلاثة يكشف جابيري أنه حفيد السلطان يوسف (واسمه الأصلي يوسف جابر يوسف) الشهير في منطقة البوكمال على الحدود السورية العراقية، موطن الزعزوع نفسه، والذي انطلق إثر عودته إلى سورية، ما يحفظ من السيرة الشعبية للسلطان يوسف، إلى البحث في المراجع والمصادر التالية:
    1 ـ من التاريخ الشعبي الفراتي ـ بيروت 1964، الدكتور عادل سالم، وهو مكتوب بالفرنسية، وقد ترجمه سامر الأزهري.
    2 ـ الفرات السوري وما حوله ـ دمشق 1972، للدكتور ألبير رشيدة.
    3 ـ الحركات السرية الدينية والسياسية في المجتمع العربي الإسلامي في القرنين التاسع عشر والعشرين للدكتورة الألمانية كاتلين، ف، ويندور.
    4 ـ كنت عسكرياً في المشرق ـ دمشق 1964، للميجور الفرنسي سيباستيان ديدييه، وبترجمة فراس الشكر.
    5 ـ رسائل السلطان ـ بغداد 1969 لجامعه ومحققه ومقدمه جاسم الراضي.
    أمَّا المصادر الشعبية الشفوية التي تتبعها الزعزوع، فيذكر أنها شحيحة وقليلة، ومنها التسعيني الحاج إسماعيل أصغر أخوة السلطان، كما يذكر أنه زار بيت عبد الله العاني الذي ولد فيه السلطان، وما يزال قائماً بعد 142 سنة
    من تشييده.
    وفي فاتحة روايته ينفي الزعزوع، كقاص، اهتمامه من قبل بالتاريخ، ويحدد دافعه إلى كتابة الرواية بالانقطاع فترة عن كتابة القصة، كما يحدد نهجه فيها بجمع أكبر قدر من المعلومات، والتوفيق بينها، متجنباً قدر المستطاع خيال كبار السن وكذبهم، وكل ذلك التماساً منه إلى نوع جديد من الكتابة، لم يكن قد جربه.
    قد يكون من الضروري هنا أن نبيّن أن الكاتب ينتمي إلى الجيل الشاب الذي ظهر في العقد الماضي في سورية، وابتدأ شاعراً، إذ صدر لـه عام 1994
    (لأنَّه الوقت... لأنك امرأة)، وإلى المخطوطة القصصية التي يذكرها في ثبت أعماله (الليلة الثانية من شباط) كانت قد صدرت له رواية (رحلة زاعم)
    عام 1997. وعلى الرغم من أن هذه الرواية قد عبرت هوناً، شأن الكثير من إبداعات الجيل الشاب في الرواية وغيرها، إلا أنها رواية بالغة التميز، بما انطوت عليه من تجريبية في البناء، ومن استثمار للأسطوري والخارق في السرديات الشعبية الشفوية، ولاسيما الديني منها. كما تلفت في رواية (رحلة زاعم) النكهة المحلية الحارقة وتهجين اللغة، والاندياح بين التاريخي والمتخيل، ولا سيما في شخصية زاعم، ما ينادي بناء الكاتب لشخصية السلطان يوسف في روايته التالية (السلطان يوسف).
    وعلى أية حال، تمضي الروايتان بقارئهما، من دعوى التاريخ والبحث الماهد وإعلانات الكاتب إلى لعب التخييل وجمالية الكتابة. وبالتالي، لا يهم أن يكون صحيحاً أو لا كل ما سبق من الكاتب، وفيه ما يشي بأن المرء مقبل على صنو لواحدة من روايات جرجي زيدان، أو أنه مقبل على كتاب في التاريخ، مادام الكاتب نفسه، في تلك الفاتحة، يسمي عمله بـ (الكتاب)، بعدما ما سماه على الغلاف (رواية).
    أليس من الطريف والملبس ـ من بعد ـ أن يختم الكاتب روايته بهذه الإشارة: "فكما بدأت الحكاية فإني أنهيها، ولابدَّ أن أعترف بأن كل الأحداث والشخصيات هي خيال، وأي تشابه بين الواقع وبينها هو مصادفة".
    لقد جاءت الرواية في ثلاثة فصول، تصدّر كل منها مقتطف من واحدة من رسائل السلطان الثلاث، وتتبع أولها ولادته ونشأته، مستهلاً بمشهد موت راجحة، وقصة تلك الهندية التي جاء بها عبد الله العاني (جد السلطان) طفلة، وبانزواء زوجها جابر (والد السلطان) في الجامع إلى أن تخرجه منه جورية، فيتزوجان.
    من قصة فرعية تفضي إلى قصة فرعية وتشتبك بها، تتوالى الرواية بالاسترجاع غالباً وبالاستباق نادراً. والأهم في ذلك ما اكتنف ولادة ونشأة يوسف ما يؤهبه ليكون السلطان، فجده يهدهده بالآيات ويروي لـه الحكايا التي سيرويها الطفل الذي يحفظ القرآن في العاشرة، ويدير الدكان في غياب أبيه، ويميل في مراهقته إلى الوحدة، حتَّى قال فيه تاجر "ابن جابر العاني ولي من أولياء الله، في فمه لسان ينطق بالعجائب". وسيقول مثل ذلك مجاهد، حين يكون السلطان يوسف قد التحق بثوار غوطة دمشق ضد الاستعمار الفرنسي: "قد وضع الله فيك سراً نعجز عن فهمه، أنت تشبهنا ولا تشبهنا، ولهذا فأنت ترى ما لا نراه. اسمك مفتاح عمليتنا، لأنك فتحت عيوننا على أمور لم نكن نعرفها".
    تتكرر قصة (راجحة) مع (عجية) التي تنشأ مع يوسف، حتَّى إذا رآها في مراهقته عارية تغني، صعق ولازم الجامع كما فعل أبوه من قبل، لكن (عجية) تخفق فيما أفلحت فيه (راجحة)، ويلبث يوسف في الجامع يقرأ في التراث الصوفي (ابن عربي والغزالي وابن الفارض والحلاج) حتَّى يقع الزلزال الذي سيورث شقاً في ظاهر البلدة.
    بليلة الزلزلة ـ أو الزنزالة كما لا زال يقال في ذلك الشرق السوري ـ يبدأ الفصل الثاني من الرواية، إذ يخرج يوسف إلى الشق ويختفي فيه، وعجية تناديه كل نهار إلى أن يأمرها صوت أن تتهيأ كعروس، عندئذ يظهر لها يوسف ويتزوجان وينجبان والد الرسام الإيطالي، فيما يكون الأتراك قد اقتادوا والد السلطان إلى الحرب، وشقيقه خليل قد أخذ يقود المقاومة، ليلجأ مع المقاومين إلى الشق، ويلتقي بشقيقه الذي ينظم حياتهم: نوم النهار وإحياء الليل، وتقسيم المكان إلى كهف الأرواح حيث تقيم عجية وابنها، وكهف النظرات حيث يقيم يوسف، وكهف الأحلام حيث يقيم الآخرون، وسيسمي السلطان يوسف رسائله الثلاث بأسماء الكهوف هذه.
    إبان ذلك يكون الأتراك قد رحلوا، والفرنسيون قد حلوا، فيواصل من في الشق المقاومة، ويقسمهم يوسف إلى جماعة التموين وجماعة الحافظين وجماعة السائرين، معلناً سلطنته على المكان، ومنصباً منهم (عبد الناصر) أميراً، حتَّى إذا أمضّ الأمر اثنين منهم، وآبا إلى ذويهما، قبض الفرنسيون على أحدهما، فأفشى سِرّ السلطنة، وظفر بها الفرنسيون.
    هنا يبدأ الفصل الثالث، بعودة والد السلطان بعد ستة عشر عاماً من اقتياد الأتراك لـه. وتحمل أم جاسم الراضي على المعتقل، وتفر بمن فيه إلا السلطان الذي يقتاد إلى سجن القلعة في دمشق، ومنه سيفر ويلتحق بالثوار إلى أن يقضي وهو في الثامنة والثلاثين. ويختم الكاتب الرواية بملحق يجلو ما حل بابن السلطان الذي يهرب إلى بغداد ثمَّ يرحل إلى المغرب فإيطاليا، ليتزوج وينجب الرسام الإيطالي. وهذا الملحق يذكر بما ختم به الكاتب روايته السابقة (رحلة زاعم) فيا سماه (قصص قصيرة جداً) تضفر وتطلق ما تقدم في المتن من الحالات والمصائر العالقة.
    لقد تدخل السارد علانية مرة واحدة في رواية (السلطان يوسف) حين سرد بين قوسين سقوط الدولة العثمانية ودخول الإنكليز إلى البوكمال، قبل الفرنسيين. وفيما عدا ذلك توسلت الكتابة أسطرة الشخصية، من السلطان إلى والد مصطفى إلى السيدية... كما توسلت الشعبي في الغناء والتطبيب الجسدي والنفسي وأنسنة الطبيعة وفي الخارق، وتلونت اللغة جراء ذلك، ولكن بحدود دنيا، كما في لغة السيدية، بخلاف ما تجسد في الرواية السابقة (رحلة زاعم). ولئن كان أثر قدوم الكاتب من الشعر إلى الرواية أقوى في هذه الرواية من تاليتها، فقد جاءت الأخيرة إضافة متميزة إلى ما يتواتر في سورية من حفر الرواية في التاريخ، وليس من الرواية التاريخية، والمهم أن الرواية قد اكتسبت بثائر زكي الزعزوع كاتباً يؤكد وعدها من الأجيال الجديدة.
    4 ـ شعيب حليفي: رائحة الجنة:
    بعد رواية (زمن الشاوية ـ 1994)، تأتي رواية شعيب حليفي هذه (رائحة الجنة( )) أشبه بجزء ثانٍ تتصدر بسبع ملاحظات للقارئ، أبرزها ما ينفي المرجعية، وما يطالب القارئ بالامتناع عن التأويل، كما ألفنا من كتاب كثيرين، نشداناً للتقية، ربَّما سيحرض على تقري المرجعية في الرواية، وعلى التأويل.
    وفي مستهل كل فصل من (رائحة الجنة) يثبت الكاتب مقتطفاً ما، وتوجيهاً منه للقراءة (اللسان ما فيه عظم ـ اللهم نعوذ بك من فتنة الكلام...) وإلى هذا التبويب، يلجأ الكاتب إلى الحيلة الأليفة للتمييز بين زمني الرواية: الماضي والحاضر، فيجعل للأول المستوى الطباعي الأسود (الغامق) وللثاني المستوى العادي، لكن ذلك لا يُراعى دوماً، لعلة في الطباعة، أو لسواها.
    هكذا تعجل البداية بما كان من استيطان الشاوية ومكارطو، لتبدأ سيرة هذا الشطر من الريف المغربي، ولتحضر الرواية الأولى من انطلاقة الرواية الثانية. ومن نهاية القرن التاسع عشر إلى نهاية الحرب الثانية تمضي (رائحة الجنة) من الريف إلى سوار المدينة (حي التناكر قرب باب المرسى) إلى فضاء الآخر الأوروبي (فرنساـ ألمانيا). وتشتبك المفاصل والتحولات التاريخية بحيوات الشخصيات الروائية، فيقايض (عبو الريح) الناس أرضهم ببضاعة مخزنه، بينما كان (علي الشاوي) جد الشاوية، قد قال عندما صار قائداً وساومه الملاكون: "والله لو وضعتم الوطن، ترابه كله من ذهب، وشجره أعواد ند مشتعلة، على يميني، ووضعتم على شمالي الشمس والقمر، لن أتخلى عن الشاوية، والتي هي من تراب وزمنها من نار".

    لكن (عبو الريح)، وشريكه الألماني (مانيسمان) وأولاد (ولد المخزن) الذين صاهرهم الألماني يستولون على الشاوية، ويصير (عبو الريح) محمياً دولياً لفرنسا وألمانيا وبريطانيا، حتَّى ضد المخزن.
    وببدعة المحمي، وبدعة المخالط للنصارى بالتجارة والمال، يشل الحق ويسود الباطل، فيما يقبل الاستعمار، وينزح (عبد السلام الشيدي) إلى حي التناكر عند (سيد الساهل) والد شامة التلميذة المتخايلة. ويتعمد الحب بين شامة و (طوير الجنة) ـ كما يلقب والدها عبد السلام ـ بمهاجمة (بابور) الغزاة والسيطرة عليه. ويعجز جنود الريح (الاستعمار) عن ردع القادمين من الشاوية، فيتقدمون بباخرة جديدة، وينجزون سيطرتهم، وتتوالى صور المقاومة، فالجنرال الفرنسي داماد ينتقم من مكارطو، والمناوشات الليلية المفرقة تتواصل، وتقوم ثورة الأعشاش وحرب تطوان ومعركة إيمسلي، ويقود عيّاد ومنصور المقاومين.
    من هذه العناصر تندفق الرواية بشخصياتها من جيل إلى جيل، وتستقل من الجزء الثالث (الفصل بالأحرى) كل شخصية بسرديتها، من محمد الشيدي (ابن عبد السلام) إلى سعيد الريح (ابن عبو الريح) الذي يبيع أملاك أبيه بعد موته، وينتقل إلى مركز حضري آخر هو (بسطات). وستبرز مع الحرب العالمية الثانية مسألة (الآخر) بالتحاق محمد الشيدي بالجيش الفرنسي، على الرغم من أنه لم يصدق من خطب: (انتصار فرنسا انتصاركم أنتم). وبهذا تغدو الباخرة، فمرسيليا، فمعسكر (دونكيشوت الأعمى) في باريس ـ حيث مقاومة الألمان ـ فضاء للرواية بعد الوطن (الريف ومراكز الحضر).
    وسنرى مع محمد الشيدي زميله الحطاب العبدي، راوياً في الفصل ـ الجزء ـ الخامس لمغامرة والده (احديدان) في مطلع القرن: حبه لعبدية وهو سجانها في قصر أبيها، فرار الحبيبين السجينين، إعادة عبدية إلى القايد ورميها في بئر مهجور، نجاة (احديدان) وزواجه. وقد جاءت هذه القصة الفرعية عبر المونتاج الذي يوازي بين الماضي ـ زمن القصة، والحاضر ـ الحرب، حيث يلتقط محمد الشيدي الجنود الألمان ليلاً، ويصطنع حادثاً للسيارة التي يقودها، فيقضي على حمولته من الجنود الفرنسيين أيضاً، ويلجأ إلى بيت الإغريقية، فيوهمها أنه من سلالة الأنبياء، وأن ولادته في الشاوية كانت عجيبة، وإنما جاء إلى فرنسا ليجلب لها الانتصار. لكنها تسأله: لماذا لم تطرد بنبوءتك الاستعمار من بلادكم؟

    فيقول لها: نحن دعوناهم ليجلبوا لنا علومهم، ثمَّ سنطردهم. وهذه النقلة الروائية هي المجلى الأكبر للعلاقة مع الآخر، فإذا كان السابقون يقولون: "دائماً كان الآخر يستعبد البلاد والعباد، ويتاجر في الكرامة والأعراض، ويجد القلوب الضعيفة والعقول الخفيفة التي تساعده على تنفيذ جرائمه "فإن (محمد الشيدي) يسمي الإغريقية (ريمة)، والآن، في زمن الآخر وفضائه، وبزواج محمد الشيدي من أرتميس. وحين يغادر مع قائده الفرنسي ـ دونكيشوت الأعمى إلى الداخل الألماني، يترك بذرته في رحم الإغريقية بيسيوس، ويحمل الشاوية في أعماقه، ويوصيها، إن وضعت ذكراً، أن تسميه باسم جده هو (علي الشاوي) وإن وضعت بنتاً أن تسميها باسم جدتها (شامة)، وكان ـ مثل الحطاب العبدي ـ قد روى حب شامة وعبد السلام وزواجهما. فبدت شامة هنا، وحيث حضرت في الرواية، شخصية تشم القارئ بوشمها، مثل عبدية.
    ينتأ تقويل الشخصية الروائية فوق احتمالها في هذا الشطر من حياة الشيدي، ليؤدي مقولة الرواية في العلاقة مع الآخر. وسوى ذلك تبدو الرواية متناغمة بنكهتها الحارقة التي قد تكون ساعدت عليها المتناصات من الغناء المغربي. والتوشية بالعامية من دون إثقال، لكن الأهم هو الزمن الحاضر لفضاء الوطن، وبالطبع، الشاوية بخاصة، حيث تفعمنا رائحة الجنة: رائحة الأرض ورائحة دخان الحرائق، وحيث تلك الشخصية الروائية الفاعلة بامتياز: الريح، التي نسبت إليها (عبو الريح) والفرنسيين (جنود الريح). وكما ابتدأت الرواية بالريح الصفراء القادمة من جهة المزامزة وراحت تهب بالأدجنة، ولم تعد ريحاً واحدة، ستختم الرواية، في انتظار الريح الأخرى التي ستقتلع الرداء والأحلام من جذريهما.
    لقد أومضت (رائحة الجنة) في سبيل الآخر، غير ما عهدنا طويلاً من شأن الرواية العربية مع الفضاء الريفي، وليصحّ ما قالت شامة من اندغام الأزمنة الثلاثة، من الفضاء الريفي إلى فضاء الوطن: "التاريخ: كيف نتذكر الماضي دائماً، وحينما يتعلق الأمر بالجنة والشاوية، نندفع إلى المستقبل؟".
    5 ـ محمد الأشعري: جنوب الروح :
    بموت (الفرسيوي)، وهو أول من استوطن دوّار (بومندرة) تبدأ رواية (جنوب الروح( )) لمحمد الأشعري، في الصباح الرمضاني الأول. وتتوالى رسوم ذلك الريف المغربي عبر الموت والثأر والأعياد الدينية والأفراح والأتراح والأولياء. وعلى الرغم من استئثار الكبار، فللصغار حصّتهم من ذلك، كما في صلاة الاستسقاء، أو التبرك بالطفل المشوه (إدريس). لكن الرسوم جميعاً تأتي في حراك الهجرة الريفية. فبالهجرة من النقاط المبعثرة إلى الدواوير، نشأت القرى. والثأر كان مسبب هجرة (الفرسيوي) الكبير بأسرته، بعد قتل كبير أسرة القلعي. كما كانت مقاومة الاحتلال الفرنسي مسبباً جديداً للهجرة، فإثر ثورة عبد الكريم الخطابي هاجر إلى السنغال من هاجر. وبعد الاستقلال صار للهجرة وجهة جديدة، إلى أوروبا، فازدهر الريف بما أرسل المهاجرون إلى ذويهم، لكن المدينة (المغربية) اجتذبت القرى المزدهرة، فصارت للهجرة وجهة جديدة، وتقوض الازدهار.
    وكما ابتدأت الهجرة الريفية بنزوح غامض، نحو نهاية أكثر غموضاً، ورسمت رواية (جنوب الروح) مصائر المهاجرين في الوطن وخارجه، وصولاً إلى عودة (محمد الفرسيوي) إلى (بومندرة) وبقاء ابنه (مزيان) في الرباط وكذلك: عودة (عمار بن سالم الفرسيوي) من ألمانيا، فهل هي إذاً سيرة انقراض المكان التي سيتفقدها (مزيان)؟
    لقد توسلت (جنوب الروح) الحلين الروائيين الأليفين: أجيال أسرة الفرسيوي، والمفاصل التاريخية. لكن الرواية تخلصت من مألوف الحلين بكسر استقامة الزمن حيناً، وحيناً بتجسيد الأحداث والتحولات التاريخية في حيوات الأفراد والجماعة: الحب والجوع والجفاف والانتخابات القروية ومعركة وادي الدشر والمجاذيب، ولاسيما: الموت، فروزنامة الرواية هي روزنامة الموت، وأداتها هي الحكاية المتجذرة في التراث السردي، كما يقولها ـ يعيشها محمد الفرسيوي، الشخصية المركزية، على الرغم من كثرة الشخصيات، المعارف منها والنكرات.
    فهذا الذي اختفى خمس سنين بعيد زواجه، وأشيع موته، عاد إلى (بومندرة) بعد موت أبيه، ليحدث الناس عن أحوال الريف، ثمَّ يجابههم بالحقيقة، فهو لم يكن في الريف، وإنما يخترع ويخرف، مطوّراً ما يعرفونه. ويتحول (محمد الفرسيوي) من راوٍ للأخبار إلى راوٍ للحكاية، فيحكي لزوجته الثانية (فضيلة) سيراً لأولياء ومجانين ومغامرين وعشاق وضحايا وجلادين، ويصوغ شذرات من حيوات مبتدعة، ونتفاً من أحلام واستيهامات، وأحاجي الليل والنهار. ومحمد الفرسيوي اشتغل في هجرته حمالاً وفراناً وبائعاً متجولاً وسمساراً صغيراً... بعدما التقى (سوالف) في عيد المولد، وهام خلف هذه المرأة ـ الطيف مخبولاً، وأدمن حلقات الحكواتية للسيرة الهلالية ولألف ليلة وليلة، ثمَّ تحول إلى حكواتي، فتعثر لأنَّه ابتدأ كالآخرين بحكاية قمر الزمان وولديه الأمجد والأسعد، لكنه انطلق عندما أخذ يروي سيرته كجزء من ألف ليلة وليلة، منذ نشأته حتَّى لقاء (سوالف). وعندما ترك (الحكي) آب إلى (بومندرة)، وأقام مع نورية حتَّى ماتت أمها، فعرضت عليه الزواج، لكنه اختفى تاركاً لابنه (مزيان) دفتراً بضيق بشبكة الأسماء المتقاطعة التي سيلعب بها مزيان، وهو يتقفى سيرة انقراض المكان.
    لقد افتتحت (جنوب الروح) بمشهد اكتشاف العجوز هموشة لموت (الفرسيوي) الكبير. وسرعان ما يتواتر السرد على إيقاع الموت: (سلام) الذي بلغ مائة وعشرين سنة يسرد من خلال القبور، ثمَّ يموت، وتعقبه زوجته (كنزة). ومثل الموت سيلي الاختفاء، ومنه ـ سوى ما تقدم من اختفاء محمد الفرسيوي في النهاية ـ اختفاء خطيب (يامنة) الفاسي، وهو الحدث الذي سيطلق (يامنة) كشخصية روائية بامتياز، تعزف عن الزواج بعد اختفاء الفاسي، وتصبح حرة، تجلد بلسانها من تشاء، تكلم الرجال بما تشاء، تخلد المقاومة بأشعارها، تفضح البخلاء، لتغدو في المحصلة ضرورة للدوّار، ويتقدم الحب فيه بفضلها، فهي من تبوح إليها النساء بأسرارهن وأوجاعهن، وهي التي تزوّج قبيحة ببيت شعر، لكنها في النهاية تنصرف للتسبيح، وتقضي بميتة عجائبية.
    وبمثل هذه العجائبية تتغلل شخصية (سوالف) أيضاً، فهي تستولي على (محمد الفرسيوي) طيفاً وحقيقةً. وبفعل ومضتها يندفق بالحكي بعدما أُرتجَ عليه. وبفعل اختفائها يسعى إلى مراكش، فتومض له، ثمَّ تختفي، فيهيم مخبولاً وزاهداً، ويزور قبر ملك الجن، لتكشف المرأة البدينة سره، ويعزف عن النساء، ويطوف ناثراً الحكايا ومتهجداً باسمها، ليلعب أخيراً لعبتها، ويختفي عندما تعرض عليه (نورية) الزواج. هكذا يرسم محمد الأشعري الشاعر الذي استمالته الرواية ـ كما استمالت حسن نجمي وإبراهيم نصر الله وخليل صويلح وسعدي يوسف وفاضل العزاوي وشوقي بغدادي واللبناني عباس بيضون وسواهم ـ عقوداً من تاريخ الريف المغربي، معتمداً لاسيما على ضمير الغائب، سوى الفصلين الخاصين بمزيان، إذ يرويهما بضمير المتكلم. كما يعتمد الكاتب على الحوار الذي تغلب عليه العامية المغربية، فتؤكد نكهتها، ولكن بقدر ما تقف دون قارئ عربي غير مغربي. ولعل المرء لا يغالي إن رأى في مكنة محمد الأشعري ذلك الاشتغال الانثروبولوجي الذي رآه محمد سليم فيما كتب عن رواية (جنوب الروح( )).

  7. #17
    Banned
    تاريخ التسجيل
    Dec 2009
    المشاركات
    1,117

    افتراضي

    الفصل السابع




    الزمن المستعاد روائياً


    الفصل السابع

    الزمن المستعاد روائياً

    1 ـ يوسف المحيميد: (فخاخ الرائحة( )):
    في محطة الحافلات تدفع المصادفة بالملف الأخضر الذي نسيه صاحبه، إلى يد (طراد) الهارب من المدينة. ومن استعادة طراد لما عاشه، إلى قراءته لما في الملف، تنبني رواية يوسف المحيميد (فخاخ الرائحة) من حكايا الماضي التي يشارك في سردها أيضاً السوداني توفيق العبد. وللرواية إذاً ثلاثة رواة، سيكون نصيب الملف أدناها، بينما تتوزع فصول الرواية على طراد وتوفيق، فينفرد كل منهما ببعضها، ويشتركان في بعضها. وفي أغلب الفصول يتناوب السارد بالضمير الغائب (هو) مع توفيق أو طراد بالضمير المتكلم (أنا) على السرد.
    ومنذ بداية الرواية ـ غير المعنونة، على العكس من الفصول جميعاً ـ يصب طراد لعنته على المدينة التي لجأ إليها صبياً طائشاً وأعزل، كما يحدثنا السارد. لكن طراد سيبدو شاباً وهو يروي تحت عنوان (سجناء الرمال) ما جعله يفر من الصحراء إلى الرياض، فيتقلب فيها من منافسة العمال الهنود والبنغال في تنظيف السيارات إلى فراش وحارس لبنك وحارس لبوابة قصر ومراسل في الوزارة، حيث يُفتضح سرّ أذنه المقطوعة، ويبلغ ازدراء المدينة لـه قصيّاً، فيلعن البلد الجحيم والمدينة الجحيم، ويقصد المحطة جاهلاً بوجهته الجديدة. وهاهنا تأتي المصادفة التي تقوم عليها الرواية بقدر أقل من الإقناع،
    إذ يعثر طراد على الملف الأخضر الذي سيقرأ فيه دفتراً من أربعين صفحة، هي مذكرات صاحبه ناصر. كما سيقرأ طراد وثائق ناصر، ويرى صوره. وممّا يقرأ، وممّا تستثير القراءة من الذكريات، سيتكشف ناصر عن ابن طراد الذي أنكره، بعدما رفض ذووه زواجه من تلك المطلقة التي عشقته وعشقها، وحملت منه، لكنه اختفى من عالمها، وتركت هي وليدها في (كرتون موز) لتنهش عينه قطة، قبل أن يُلتقط، ثمَّ تتبناه سيدة من علية المجتمع، ثمَّ تتخلى عنه، ثمَّ... إلى أن يستوفي الملف حياة ناصر الذي سيحضر أخيراً، ويخطف ملفه من يد أبيه، في مصادفة جديدة ومجانية، فالرواية لا تستثمر لقاء الأب وابنه لأول مرة. وبالتالي، لو حذف اللقاء، لما خسرت الرواية شيئاً.
    على أن الأهم هو ما حققته الرواية من الفرادة في رسم شخصياتها، ولاسيما طراد وتوفيق ونهار، وكذلك في رسم فضائها المترامي بين السودان والرياض والصحراء. وسيكون اتقاد الوصف الوسيلة الفضلى في ذلك، ومنه ما أنسن الطبيعة، من الذئاب إلى النوق إلى شجر العوشز والشفلح والطلح والغضا.. وكذلك يأتي خرف والدة طراد، وجسد معشوقته التي تخلى عنها، وتفريغ حمولة الباخرة (قمر إفريقيا) من البهائم والرقيق...
    ولئن كانت (الرائحة) تبدو مناط الوصف في الرواية، فهي أيضاً إيقاعها الكبير الذي يتصادى مع ما شرع يتواتر في الرواية العربية (رائحة الأنثى للزاوي أمين ـ في انتظار الحياة لكمال الزغباني ـ الأسلاف لفاضل العزاوي ـ باء مثل بيت مثل بيروت لإيمان حميدان يونس ـ الآرق لرشيد بو جدرة ـ وراق الحب لخليل صويلح..) وهو ما ينادي بقوة رواية باتريك زوسكند (العطر).
    لقد شكلت الرائحة حياة توفيق وطراد أيما تشكيل. فالأول فيما يروي للثاني تحت عنوان (رحلة العذاب الأبدي)، وحيث يحفّز الثاني السرد بالسؤال، هرب طفلاً من قريته أم هباب وسط السودان، بعدما هربت أمه من سيدها وأحرق (الجلاّبة) القرية. لكن الطفل وقع مع الفارين في فخ الرائحة، فاصطادهم تجار الرقيق، ونقلوهم متنكرين ثياب الإحرام إلى من يشتري في الرياض قبل إعتاق العبيد وتحريم تجارة الرقيق. ولدى (أم الخير) مالكة توفيق، سيُخدَّر ويُخصى، وهاهو يخاطب طراد بعد عشرات السنين: "في المرة الأولى بعت إنسانيتي برائحة شحمة وصرت عبداً، وفي الثانية بعت رجولتي برائحة قطنة وصرت خصياً!! قاتل الله الرائحة كلها، لو لم أملك أنفاً يا طراد، لو أنني فقدت أنفي مثلما أنت فقدت أذنك اليسرى".
    أمَّا طراد الذي تطيشه رائحة القهوة ورائحة سفود الشاورما ورائحة عوادم السيارات التي ليست "غير رائحة طيور النهار"، فقد نشأ في الصحراء يشم من أميال رائحة الإبل والرجال والذئاب، إلى أن وقع في فخ الرائحة. فهذا الذي كان يحصل لقمته ولقمة أسرته من قطع الطريق، وكانت الذئاب ترعاه من بعد وتحذره في آن ـ كما يروي في فصل (عراك طويل) ـ سيروي في فصل (سجناء الرمال) مصادفته لنهار، وعراكهما، حتَّى الرهق، ثمَّ تآخيهما واشتراكهما في قطع الطريق إلى أن يصادفا قافلة الحجاج التي ستوقع بهما، فيدفنان حتَّى الرأس في الرمل. ولأن طراد خان الشجر والشعبان والخباري والغياض والذئاب منذ آخى نهار، جاء الذئب إلى المدفونين تسبقه رائحته، كأنما شم رائحة آدمية، ونهش رأس نهار وأذن طراد الذي يتساءل: "هل الرائحة الزكية النبيلة الفاتنة، ذات الخيوط الطويلة المتشابكة الدائرة، الشبيهة بخيوط العناكب، هي التي أوقعت هؤلاء كما الذئاب؟ هل الرائحة ذاتها التي تشبه طفلاً يقود هؤلاء كالعميان في ظلام الدروب، هي التي قادت الذئاب العمياء في صمت الصحراء، وهي تقطع درب الشفلّح، تهرول صوب رائحة العرق والخوف؟".
    كما غررت رائحة الشحم ورائحة المخدر بتوفيق، غررت رائحة الإبل بطراد. والذئب الذي كان "يكنس بخطمه الرائحة الآدمية المنسابة بفتنة فوق الرمل" سيدفع بطراد إلى المدينة، فراراً من الصحراء، بعدما نهش أذنه. وفي الرياض، مثلما كان شذى العطر النسائي النفاذ يفعل في سائق القصر، ستفعل في طراد رائحة معشوقته التي تشبه رائحة الحدائق والزهور الصباحية.
    هذه (السحرية) التي للرائحة ستتعزز بما لسحر الحكاية بعامة في الرواية. فالرواية التي تنهض كاستعادة لما عاشه طراد وتوفيق، تتقدم حكاية فحكاية، سواء تجزأت الحكاية أم لا. ولا يكاد يخرج من ذلك إلا فصل (وثائق رسمية) الذي يقدم وثائق العثور على اللقيط وتسميته بـ (ناصر) بلغة بيروقراطية تنضاف إلى ما لوّن اللغة الروائية من النزر العامي البدوي أو السوداني.
    هكذا يحكي توفيق حكاية اعتداء الارتيري عليه، وحكاية (أبو يحي الحلواني)، من شرائه لتوفيق إلى دعوى عثوره على كنوز سليمان أو جالوت أو بني هلال ـ يتساءل توفيق مشيراً إلى تجارة الرقيق: "هل نحن الكنز؟" ـ إلى إعارته توفيق لجاره العطار. وهنا تأتي حكاية خيرية بنت العطار في فصل (شهوة القمر) لتنفح المخيلةُ الشعبية والخرافةُ الحكاية بسحر أكبر، فعلى الرغم من التحذير المتوارث من نشر الملابس ليلة اكتمال القمر، تنشر خيرية ملابسها، ويشمّ ضوء القمر الفضي الرائحة، وتحمل خيرية وتلد البنت التي سينسبها الناس إلى أبيها القمر، لكن توفيق الخصي الذي يخدم خيرية، سيعرف سرها وينطوي عليه، وهو السرّ الذي يماثل سر طراد مع معشوقته وابنهما الذي أنكراه، مثلما يتماثل التشويه بين أذن طراد وعين ابنه ناصر وخصاء توفيق، أو مثلما يتماثل فعل المخيلة الشعبية والخرافة في حكاية خيرية، معه في حكاية اختفاء (سياف) شقيق طراد الأكبر الذي اختطفه جنية وتزوجته وبات أعظم ملوك الأرض...
    تبدو الحكاية حاجة روحية مسيسة لتوفيق وطراد. وربما لذلك يخاطب الأول والثاني: "ولنضيء ليل الرياض النائمة كعجوز بدينة بالحكايا والحزن الطويل".. ولأن الرواية قائمة بالاستعادة ـ الحكاية، اتكأ لعبها بالزمن، تقديماً وتأخيراُ، على مثل هذه البداية من حكاية إلى حكاية: "ذات ليل ـ ذات صيف ـ ذات عصر ـ بعد سنوات.." وعندما تستوفى الحكايا أخيراً، ويخطف ناصر الملف الأخضر من يد أبيه، يمور في القراءة ـ على الرغم من فجاجة المصادفة ـ وجع شفيف ملء دهشة اكتشاف ذلك الفضاء الصحراوي والسوداني والمديني، الذي عجن توفيق من الرق إلى العتق، كما عجن طراد من البداوة إلى المدنية، وحيث بدا أن العبد ظل عبداً، وهو يحمل ورقة حريته، ضالاً في الشوارع، لا يملك قوتاً ولا يعرف صنعة، وليس لـه ما ينافس به في سوق العمل ذلك الوجه اللبناني النظيف أو البنغالي الذي يعمل بأجر أرخص فأرخص، كما بدا البدوي ابن البراري والقبائل الحرة قد غدا مسخرة من حوله حتَّى لم يعد يطيق صبراً، فقصد محطة الحافلات، ولكن إلى أين، بعدما صادف الملف الأخضر في بداية الرواية، وصاحب الملف ابنه في نهايتها؟
    2 ـ محمد أبو معتوق: جبل الهتافات الحزين( ):
    من النادر أن يصادف المرء رواية عربية ساخرة. وقد يكون ذلك وحده كافياً لدراسة مثل هذه الرواية، (جبل الهتافات الحزين) لمحمد أبو معتوق ولكن بعد أن نبين أن المعنيّ ليس الرواية التي يكون للسخرية فيها نصيب. ولعل ضرب المثل برواية إميل حبيبي (الوقائع الغربية) أن يبين المقصود.
    فمن هذه الرواية ومن جملة الكتابة الروائية لإميل حبيبي، يمكن للمرء أن يبلور علامات كبرى للرواية الساخرة. وإذا كان ذلك في حضورٍ لما قيل في السخرية والأديب الساخر بعامة، وأقربه وربما أهمه كتاب بو علي ياسين (بيان الحد بن الهزل والجد ـ دراسة في أدب النكتة)، فيمكن للمرء أن يعدد من تلك العلامات: كتابة الواقع الساخر، وليس وقع الساخر، تماماً كما اقترح يوسف المحمود للقصة القصيرة الساخرة، كذلك: الاشتغال على المبالغة والتورية والغرائبية من بين مقومات الساتير، والاشتغال على تبادل الأدوار بين النقائض، والقياس على الخطأ، واستغراب المألوف، وتداخل العوالم، والمفارقة اللغوية، والمقلب، والمواربة، ما رسم بو علي ياسين من بنية وتفانين النكتة. وقد يشدد بعضهم على أن يكون ذلك كله في فضاء الهامش والمدنس.

    وبناء على ذلك تقبل القراءة على رواية محمد أبو معتوق (جبل الهتافات الحزين) كرواية ساخرة بامتياز، فكيف تحقق لها ذلك؟
    تتمحور هذه الرواية حول حامد الطروقي الذي غلب عليه لقبه (عجروم). وتتابعه الرواية من طفولته إلى شبابه في مدينة حلب، بين منتصف الأربعينيات ونهاية الخمسينيات من القرن العشرين. وتقوم السخرية في هذه الرواية أساساً بتكوين المحورية، وبالزبالة. فلعجروم علاقة معرفة واكتشاف حميمة بالزبالة. والزبالة لـه عالم متكامل غني ومعقد وآيل للسقوط وحافل بالإشارات الغامضة إلى ماض قريب، وهي خلاصة من خلاصات الوصول إلى المجد والسلطان، أمَّا عود عجروم الذي ينكش به جبل الزبالة فهو بمنزلة عصا الجنرال أو عصا المايسترو. وسيغدو جبل الزبالة مقام عجروم بعد طرد والده له، ومفجر وشاهد تحولاته، وفضاء أحداث كبرى، شخصية وعامة. كما تعلن الرواية أن هذا الجبل هو السرّة التي تربط حياة حي التضامن بالمدينة. موقّعةً ومنوعةً على لازمتها الكبرى "في الليل العميق والظلمة العميقة".
    وتربط عجروم أيضاً بالماعز علاقة ود ومصارحة، فالماعز يحب الزبالة، وصريح حد التهتك. فمن بين الحيوانات العجماء والناطقة، هو وحده الذي لا يخفي عورة. ولقد شهد جبل الزبالة علاقة الفتى عجروم بالراعية علياء، والغزل أو الاتصال بالعض الذي سيغدو لغة عجروم العاطفية مع بنات خالته الثلاث، بعدما ينتقل مقامه من الجبل إلى بيت الخالة. كما سيغدو العض والخلط بين المعضوضات وباءً اجتماعياً، ما سيقسم المدينة ويذر قرن الخلافات والانقلابات. هكذا يصبح (العض الغامض) ناظماً لعلاقات الناس، ويطلق شعارات الحزب الشعبي فيها: (القوة ـ المواجهة ـ التضامن) فيخلط سورية بالعراق والأردن عبر الدعوات الشهيرة التي دوّت في نهاية الأربعينيات ومطلع الخمسينيات من القرن العشرين.
    هكذا توحد السخرية بين الشخصي والعام، بين الحب والسياسة، فعجروم الذي يقع في هوى (هدى) بنت السياسي والملاك (الوزان)، يخاطب جبل الزبالة: "أيها التخمر البطيء الذي يكوّن الصداقة، كيف يتكون الحب المفاجئ؟ أيتها العلاقة التي توحد بين النفايات الرخيصة والنفايات العظيمة، من يوحدني بها (بهدى)؟".
    على مستوى آخر، وإثر الانقلاب العسكري الذي جاء باتفاقية التابلاين إلى سورية، تقلّب السخرية الروائية المواجع بين تمديد المجارير في الحي الشعبي وبين أنابيب النفط والكهرباء والرجولة، وما ابتدعت الرواية من وزارة للفحم والأنابيب. فالمجارير نشرت الذباب، ما دفع بالمواطنين، بعد أن أعياهم اللطش والكش والذب، إلى أن يطلب الواحد من رفيقه أن يصفعه كلّما رآه، عوضاً عن التسليم عليه ومصافحته، فكانت الصفعة تسقط مائة ذبابة وأكثر من على وجه الصديق.
    وكما اشتغلت روايات جمّة خلال فترة الانقلابات العسكرية التي عصفت في سورية أواخر الأربعينيات ومطلع الخمسينيات من القرن الماضي، تشتغل رواية (جبل الهتافات الحزين). ولئن كانت هذه الرواية قد سمّت قادة الانقلابات (حسني الزعيم ـ سامي الحناوي ـ الشيشكلي)، فقد تلاعبت بأسماء الأحزاب فالحزب الوطني (الشامي أساساً) سُمّي: حزب الوطن، وحزب الشعب (الحلبي أساساً) سُمّي: الحزب الشعبي، وحزب البعث سُمّي: حزب القلعة، والحزب الشيوعي سُمّي: الحزب الأممي، والإخوان المسلمون سمتهم الرواية الحزب الديني. وتنادي هذه المواربة والتورية التعيين الروائي الذي يبتدع من تاريخ وجغرافية سورية تاريخه وجغرافيته، فتلجأ الرواية إلى التناص، وتثبت نص البلاغ رقم واحد للانقلاب الأول، فيبدو تبديل أسماء الأحزاب من السذاجة بمكان، لا تنفع فيها تقية ولا تفي بحق السخرية. وينتأ هنا بخاصة الحرص على الموازاة بين كل انقلاب وبين حدث ما في الحياة الشخصية لعجروم، وهو عمدة (الوزان) في الانتخابات، مع أنه طالب من الإعدادي إلى الثانوي!
    هاهنا بدا عجروم مسخراً لأداء المسرودية التاريخية بالأسلوبية الساخرة. لكن عجروم ظل ـ في المحصلة ـ شخصية روائية ثرية ومعقدة وديناميكية، بفضل ما وفرت له الرواية في نشأته وتطوره وعلاقاته. ولعل ذلك قد كان كافياً لتقدم الرواية قراءتها التاريخية من دون نتوءات التناص أو اللاتعيين أو تحميل عجروم ما لا يحتمل. وربما كان ذلك بالتالي أوفى للدلالة الروائية على نزع التمجيد عن تلك الفترة من تاريخ سورية، والهزء برموزها السياسية والاقتصادية والسخرية منهم.
    تنطوي الكاريكاتيرية التي تظهر بها شخصية عجروم مثل أغلب شخصيات الرواية (القبضاي أبو الحسنين ـ خليل الأعرج..) على نبض إنساني حار. وتحشد الرواية من العام والخاص ما يؤهب لتطور الشخصية الروائية. على أن الرواية لا تخلو ممّا يثقل على ذلك أو على فنيتها بعامة، كالحرص على شرح دلالات جبل الزبالة، أو كتوسل الأقواس التي تعترض السرد بإضافة ما، حيث تبدو الاعتراضات مجانية غالباً، ويبدو حذف الأقواس أوفى لانتظام السرد.
    وما أثقل على الرواية ذلك الحرص على إحالة قلعة حلب إلى رمز، وهو ما سبق إليه وليد إخلاصي ـ الحلبي مثل أبو معتوق ـ منذ عقود في رواية (أحضان السيدة الجميلة). فطالب الثانوي عجروم يمضي إلى القلعة ويحكي لها طويلاً عن محبته، ويطلب منها أن تكون ملهمته، لكن القلعة لا تستجيب. وعجروم يربط بين القلعة وبين الحبيبة هدى الوزان، فيصدم عاشقها وصديقه خليل الأعرج، ويلوي خليل عن عجروم لأنَّ الأخير يحب ابنة الوزان كما يحب القلعة. وأستاذ الجغرافيا يصيح بعجروم: القلعة هي المعرفة، والقلعة هي الناس. وهذا الأستاذ يسمي مؤجرته العجوز بأم القلعة، ويهجوها بمفردات القلعة: حبس الدم والسور التالف وخندق الأحزان...
    على أن السخرية لا توفر هذا الترميز المتعالي، فعجروم يهتف: عاشت القلعة ولتسقط الأنابيب ـ أنابيب النفط ـ ويهتف: الحياة للقلعة وفلسطين وإسكندرون.
    بالمقابل جاءت أنسنة الماعز تعبيراً ساخراً حاراً، ومثله جاءت أنسنة بغلة القبضاي (المصون) أبي الحسنين، وانكسار القبضاي نفسه بعد زواجه من عدوية، وقبل ذلك علاقته بالعاهرة فطوم. والحق أنه على الرغم من التعرجات الفنية السابقة، ومثلها ما تناثر من أخطاء لغوية (ص 5 ـ 158 ـ 466...)، فإن (جبل الهتافات الحزين) تتقدم كرواية للزمن المستعاد ومأساوية حد السخرية، ورواية ساخرة حد الهجاء والبكاء. ولا تخفى إفادة كاتبها في حواراتها من عهده بالكتابة المسرحية، كما تنمّ عن خبرة عميقة في الحياة الشعبية، وتحفل بالدلالات التي تخاطب يومنا وغدنا، إذ لا نعدم ولن نعدم من يرتطم مثل عجروم بجثة الاستعمار، فيظهر لديه ميل للتأمل، أو من تغير لـه الشرطة خارطة وجهه فيما خارطة الوطن تتغير من إسكندرون إلى فلسطين إلى... إلى سائر ما يدغم الرواية والسخرية في نسيج حياتنا وتاريخنا.
    3 ـ محمد هاشم: ملاعب مفتوحة( ):
    باللمسة المبدعة التي تكشف المجهول في المعروف جداً وجيداً، تتقرى رواية محمد هاشم (ملاعب مفتوحة) خراب الحاضر على إيقاع خراب العقود الخمسة الماضية، أي عبر حياة الراوي الذي يقدم الرواية. بالتناوب بين ضميري المتكلم والمخاطب، حيث تقوى الغواية بالسيرية، وحيث تبدو المادة الروائية رقيقة ومعقدة ورجراجة معاً، لكنها تسري في القراءة سرياناً محموماً بما توفر لكتابتها من الحساسية ومن الذكاء.
    أمَّا الحاضر فعنوانه اليأس والانكفاء الذي يتوّج حياة الراوي مصطفى، المولود إبّان اعتقال الشيوعيين المصريين في عهد عبد الناصر، لتبدأ معارك الطفولة وتتواصل حتَّى يبلغ مصطفى معارك الحاضر. وللمعارك جميعاً ذلك السبب: البقاء "رغم وجود مبرر كاف قديماً، تزايد ليصل حديثاً إلى الإيمان العميق جداً بعدم وجود مبررات أصلاً للوجود قديماً وحديثاً".
    يسترجع مصطفى ما عاش عشية الاحتلال الأمريكي للعراق. بينما تأتي مزاوجة الحاضر بالماضي مع اقتراب الرواية من النهاية ـ بالإضافة إلى ومضات سابقة ـ فالاسترجاع النابض بالحنين والأسى هو ما تبدأ به الرواية وتمضي، ولكن غير راثية ولا مصنّمة، بل متوسلة السخرية وهي تحاول إحياء الرميم من فضاء موطن الطفولة (طنطا) بذاكرة دقيقة ستجعل الرواية تعجّ بالأحداث والحكايا والشخصيات والمسميات.
    فالجمهورية المصرية الأولى التي ولد فيها مصطفى هي جمهورية عبد الحليم حافظ الذي كان يغني لأواخر الخمسينيات الناصرية من القرن الماضي (على راس بستان الاشتراكية / بنغني غنوة فرايحية). هاهنا جاء الاسكندراني الحاج شوقي إلى طنطا ليقيم مصنعه "استجابة لنداءات ساذجة مثل التمصير والصناعة الوطنية". ثمَّ جاءت الجمهورية الثانية بموت أولاد الحاج الثلاثة، بينما يعلن أحمد عدوية سلطة السحّ الدحّ أمبو، ونجوى فؤاد ترقص لنيكسون وكيسنجر. وإذ يتنازع باقي أولاد الحاج على (المسكن) المتوقف وعلى ملكية الأرض الخراب (فشل الإصلاح الزراعي والتصنيع) ويتيهون في الأسواق (فشل الانفتاح) بعد إعلان السادات نعيم البزنس والتخلص من صداع الحرب ونكد فلسطين؛ بذلك تأتي الجمهورية الثالثة التي تبلغ ذلك "العجين السياسي الخاص بابن الرئيس القاعد على الكرسي من سنة 1981".
    في هذا (التاريخ) الروائي يسيح الاتحاد الاشتراكي "كقطعة ثلج تحولت لماء، سرعان ما تتبخر، وتحولت الاشتراكية إياها وأي اشتراكية أخرى حتَّى قومية الطراز أو المستوردة ـ قبل زمن الفراخ الفاسدة وزمن يوسف عبد الرحمن ورؤسائه والمبيدات القاتلة وأثنائهما معاً، إلى كلمة تجلب لقائلها غضب الحكومة وسخرية الجمهور إياه الذي انتظر وغيره أن تلعب البيله وتسلك المسالك...". ومن ذلك العهد الذي فرض على لويس عوض في سجنه أن يحمل جردل الغائط، من عهد الكبار الذين يقسمون بالمنجزات القومية على ذبحٍ أي معترض على استكمال المسيرة الثورية، طلع ماكي ومسعود من رفاق صبا مصطفى، وتعاوناً زمنا على مساعدة الحجاج في التخفيف من ثقل النقود المربوطة حول الخصور تحت ملابس الإحرام. أمَّا الآن فقد بات ذلك النشال ماكي صاحب وكالة "المدينة المنورة لتجارة السيارات". وهاهو المعلم الدسوقي الذي تبدأ الرواية بموته وموت زوجتيه يؤثر في الاقتصاد الوطني من خلال جهوده الخلاقة في تهريب دقيق المخابز وبيعه خارج التسعيرة "إضافة لثقافته القانونية الواسعة التي ساهمت في إنقاذه من قضايا التموين". وليست السخرية وقفاً على هذا (التاريخ) الروائي، بل هي ترسم الشخصيات والعلاقات. ففي ملعب الطفولة حيث يتسيد مصطفى وسيد ابن المعلم الدسوقي، يقوم السباب البريء، ويتسلحان بالزلط لممارسة البراءة "وطرد الهكسوس من الملعب، إذا فشلت مفاوضات إدماجنا في الفريقين أو في الحوار البريء المتواصل". ومثل ذلك كثير سيجعل من النكرات الروائية ـ الشخصيات الروائية المتكاثرة والعابرة، معارف بامتياز، مثل زهرة وعنايات زوجتي الدسوقي، أو عم عبد الرزاق القهوجي أو الدكتور حمدي أو ربعة الجزمجي أو الشيخ كوته...
    خرج مصطفى من طنطا عام 1968 إثر قتل أبيه لزغلول، وهو الحدث المفصلي الذي يومض مراراً قبل أن ينجلي في نهاية الرواية. وقد كان مصطفى يعود إلى مرتع الذكريات من حين إلى حين، أمَّا العودة الحاسمة التي تقوم بها الرواية فتأتي عام 2003 وهو يتخيل زغلول ويفتش في طنطا عن ظلال ما في ملعب المعركة الحاسمة الأولى. ولأن البيوت تغيرت "وتسرب الجميع تدريجياً بين الموت والرحيل فأنت تحاول الآن استعادة كيفية خروجك من هناك وسط الصليل والقعقعة". ولئن كان الاسترجاع يفور بالشخصيات والأحداث والأمكنة في بداية الرواية، فستلي هذا هدأة لما هو أكبر أثراً، وفي رأس ذلك تأتي نرجس التي انتحرت، فكان لها في روح مصطفى ملعبها المفتوح. وببلوغ الرواية أخيراً حاضر مصطفى تصير روحه ملاعب مفتوحة، فيخاطب نفسه على إيقاع سقوط بغداد: "عد همجياً كما كنت صغيراً، حيث الناس أطيب وإن قتلوا. سلّمْ الكتب للهواء أو النار أو بائع الروبابيكا، هاأنت الآن بين خيارين أحلاهما مر. قاتل أو قتيل في ملاعب مفتوحة، ليس للعب
    فيها قواعد".
    لقد صار مصطفى كاتباً يعيش من تدبيج عروض الكتب والندوات في مجلات الخليج التي تغلق تدريجياً ـ كما نقرأ ـ وينوء تحت وطأة الزواج واللقمة، فيقوده شيك وقعه بلا رصيد إلى السجن، ويهتف بشعار الحاضر:
    "أخي المواطن ضع يدك في جيب المواطن" وجيب المؤمن لأخيه المؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً لمحلات الكباب (الشو sho) البلدي في الحسين". ويبلغ اليأس بمصطفى أن يتحاشى النظر لوجوه الخلق جميعاً، وأن يؤثر النظر للشارع في المطلق.
    إنها سيرة مصطفى وجيله التي ترسم عالماً من الخرائب والفوضى. وهذا العالم الروائي هو بامتياز عالم الخرائب والفوضى، ولكن بعد أن يكون لـه بالكتابة نظامه، أي تقوم الرواية بفنها، ويكون لها ـ كما عنون محمد هاشم روايته ـ ملاعبها المفتوحة، وهي الملاعب ـ الرواية التي لم يشغل نفسه محمد هاشم بتزويقها الحداثي، بل ترك الشخصية المحورية (الراوي مصطفى) مثل الشخصيات ـ المعارف ـ النكرات تتشكل بالحب والعنف والمكر والتمرد واللامبالاة والحسد، لكأن الشيطان هو سيد هذا الفضاء في الجسد والسياسة والاجتماع. وفي الآن نفسه، لكأن القيم النبيلة الضائعة تؤكد وجودها وسط ذلك كله وبرغم ذلك كله.

  8. #18
    Banned
    تاريخ التسجيل
    Dec 2009
    المشاركات
    1,117

    افتراضي

    4 ـ الحبيب السالمي: عشاق بيّهّ
    لحظة الوقوف على حافة القبر، تقدم رواية (عشاق بيّه( )) أربعة عجائز يقتربون من الثمانين في ركن منسيّ من الريف التونسي، وفي زمن لا يحدده إلا إدبار عهد الفرنسيين والاستعمار، وإن يكن بوسع المرء أن يخمّن زمن الاستقلال كزمن روائي في خمسينيات القرن الماضي، وما دامت الرواية تخلو من أية إشارة إلى ما تلا ذلك في العقود الأربعة الماضية. ولئن وشى ذلك بأولوية الشخصية في (عشاق بيّه)، فسرعان ما ستؤكد الرواية بصمت رهيف أولوية الزمن وأولوية المكان اللذين عجنتهما الشخصية وانعجنا بها، مثلما ستؤكد الرواية ذلك كله بسردها المتفرد في عريه وصمته ـ هل يفسح النقد لمثل هذا التعبير؟
    تبدأ الرواية بالحركة شبه الوحيدة، والتي تنظم عيش العجائز الأربعة، كما تنظم السرد. فتحت (زيتونة الكلب) يجتمع البرني والمكي ومحمود الصبايحي والطيب. وكما في نهاية الرواية، هي ذي في فاتحتها الرواية ساعة البرني الذهبية الألمانية، تطلق القول على وجهيه: الظاهر الذي يحرك الذكريات ويمتلئ بمشاحنات أصدقاء العمر، والباطن الذي يؤكد أن الزمن هو البداية والنهاية لأولاء المتطوحين على حافة القبر، مثله مثل زيتونة الكلب.
    بتكليف من الحكومة، كان والد الرني من يردع زرّاع حشيشة التكروري، وهو من جاء بأول ساعة إلى دوّار العلا وكل الدواوير، وأورثها لابنه الخبير بتجارة الغنم، وصاحب اللسان الذي يغزل على الحرير كما يقول محبوه، والمنبهر كغيره بقوة الألمان. ولقد حفظ البرني القرآن، وسافر وخالط العلماء ـ رجال الدين، ويسّر لمحمود الصبايحي الزواج من خدوج ـ شقيقته المتوفاة. وإذا كان الصبايحي مهووساً بالدقة والنظافة، ويكابد السل وسعاله، فالطيب الذي يصفه البرني الأعمى، هو من يقلل من شأن الساعة، فتثور ثائرة البرني، فيما رابعهم وأصغرهم المكي الذي ينادونه بالفرخ، يزدرد في انطوائيته متعة المشاحنة ـ الحوار، حتَّى يهتف بهم محمود مباغتاً بالدعوة إلى الوضوء والصلاة.
    لن تذكر الساعة بعد هذه البداية حتَّى تختم الرواية بموت محمود وحزن صحبه عليه، وقدومهم بعد دفنه إلى الزيتونة، حيث يتشاحنون بشأنه، ثمَّ يخرج البرني ساعته، ويتأملها طويلاً، ولا يعاكسه الطيب. والبرني الآن هو من سينادي إلى الوضوء والصلاة، لنودعهم أخيراً وهم "يركعون ويسجدون. وبين حين وآخر ترتفع أصواتهم للتكبير في تنافر لذيذ. والخلاء من حولهم يصغي".
    بين هذه النهاية وتلك البداية تتوالى لقاءاتهم التي اعتادوها منذ أعوام عقب الغداء والقيلولة، إذ يحملون أباريقهم ويمضون إلى زيتونة الكلب حتَّى المغيب، ولا ينقض ديدنهم مطر ولا حر ولا جنازة ولا عيد ولا مناسبة. وقد يلعبون لعبة الخربقة, و يفيدون من صندوق الصبايحي (المقصات وماكينة الحلاقة...) ويتقلبون مع ناظمهم الآخر للوقت وهو ظل الزيتونة "يحكون صدورهم وظهورهم باستمتاع واضح. ينظفون أسنانهم وآذانهم بما يعثرون عليه من أعواد. يقلمون أظافرهم ويعالجون ثآليلهم وبثورهم ودمّلهم. يذرون الرمل الساخن على وجوههم المفتوحة بعد أن ينظفوها من كل ما تجمّع فيها من قيح ودم فاسد".
    بمثل هذه اللغة التي تناجز الماضي ـ الشيخوخة بفعل المضارع، يقيم السرد فصلاً من الرواية ففصلاً، كما يقيم الحوار فصلاً، مشبعاً بخصوصية كل شخصية، كأن يرمي المكي (المثقف) فيهم: البرني، بأسئلة الموت والقيامة والجحيم، فتربك الأسئلة دخيلة البرني. وستقلق مثل هذه الأسئلة سريرة محمود الصبايحي فيما برد الشتاء يلفحه بالموت، مثل قطرات الدم التي يقذفها سعاله. وإذ ينتصر محمود على الشتاء سنراه يصرّ على الانفراد تحت الزيتونة، والظلام يلفعه، ونقرأ: "كان يشعر بأن ثمَّة ما يشده إلى زيتونة الكلب كما لم يشده أبداً من قبل، منذ أن صار يتردد إلى المكان. إحساس غريب لا يدري كيف يصفه، إذ إنه خليط من الكآبة والانتشاء والخفة والتخلص من عبء ما".
    من قبل، ومع مخاتلة الموت للقاء الأصدقاء كل حين، ومع مخاتلة الذكريات، تنهض الرواية على ما يتعلّق بالأرملة (بيّه) التي صارت تُنادى (الهجّالة). وأول ذلك هو حضور شقيقها العيدي إلى الزيتونة شاكياً دعوى مراودة محمود لها، ما شاع في الدوار. وسيكون تحقيق الآخرين الذي يقوده البرني حتَّى يقاطعهم نداء الصلاة. ثمَّ ستكون رواية الصبايحي لنجدته (بيّه)، مكذّباً ما روت عن اعتدائه عليها. وسيكون أيضاً تحقيق البرني مع محمود، بمعزل عن الآخرين. فالبرني لم يكف يوماً عن اشتهاء (بيّه) في سره، منذ رآها في الخلاء عارية. وهو، وإن كان يعرف أن نفسه (ماتت) منذ زمن بعيد، لكن قلبه يلهف بذلك الشيء "الذي هو هبة ونعمة من عند ربي"، ولذلك يثير غيرته من أن يصدق ادعاء الهجالة، ويكون محمود قد تمكن منها، كما يعزيه أن محمود ـ في هذه السن ـ لن يقدر على ذلك. وهاهنا يحضر علي ابن المكي من مهجره الألماني فيخضّ العصابة كما يخضّ الدوار.
    فعلّي الذي ملّ الروميات "مملتُ اللحم الأبيض البارد.. أريد لحماً حاراً" يتزوج (بيّه). ومن مناوشات العجائز بالعمل المعيب الذي كان لعلي قبل الهجرة (ممرض مخدِّر) إلى شائعات طلاقه وزواجه وما جاء به لأبيه ووعده لـه بالحج، إلى ما يفجره حضوره من ذكريات محمود عن الألمان، وما يفجره عرسه من ذكريات محمود عن عرسه هو، ستشغل (بيّه) الجميع. وسيشعر البرني بقليل من الحقد على ذلك الذي ظهر فجأة ليفسد الأمور، ويحدث خللاً في نظام الدوار، كما سينفجر هذيان الطيب أمام صحبه عن الهجّالة، فهو الآخر عاشق لها في سره. وإذا كان سيبدو نادماً على ما هذى به، في خلوته مع البرني، فالأخير سيحلم بالهجالة تحت الزيتونة، ولكن زوجته لن تلبث أن تملأ الحلم، حتَّى إذا مضت (بيّه) مع علي إلى ألمانيا، رانت الذكريات على الفصول التالية، من المكي وأصطحابه لابنه علي، إلى سرقة الزيتون والأرانب والدجاج، فسرقته الحمير من دون ابنه، وبصحبة الطيب.
    ولأنه لابدَّ من حكاية ما، فالبرني يلح على الطيب أن يحكي حكاية حانوت القمار، والطيب الذي لا يجيد حكي الحكاية، يحاول أن تكون هذه المرة أجمل من أية مرة سابقة.
    لا يغفر البرني لبيّه زواجها من آخر "كأنه كان لابدَّ أن تظل أرملة إلى الأبد. منذ أن شاءت الصدفة أن يراها عارية. كأنه كان ينبغي أن تبقى له وحده رغم بعدها". وكما في حضورها، ستشغل بيّه عاشقها في غيابها، فالعيدي يأتي العجائز برسالة منها تشكو فيها الزوج الذي تكشّف عن لصّ. وإذا كان البرني يخشى الدفاع عن بيّه كيلا يثير شكوك المكي القديمة، فهو يتشفّى من ابن المكي، ويحار الآخرون الذين يخشون جرأته وصراحته، في صمته.
    يتفق العجائز على كتابة رسالة إلى عليّ ليبدل سلوكه مع بيّه. وعندما يخبرهم العيدي بشكواه لدى الحاكم على عليّ، تبدأ بيّه تتحول إلى امرأة عارية بالنسبة للبرني، وذلك يذكره بالموت وانطفاء الرغبة، ويغمره الإحساس العميق باللامبالاة، وبهدأة الروح والجسد وقد استعاد توازنهما المفقود، بينما نرى الطيب يبالغ فيما يحسب أنه ينتظر ابن المكي عند الألمان من سوء، لكأنما ينتقم بذلك لعشقه ولمعشوقته وينجدها، ويعاقب زوجها. وربما تراءى بعد كل ذلك أن بطولة الرواية تنعقد لهذه المرأة التي لا يحضر في الرواية من الجيل الأصغر فالأصغر سواها وزوجها وشقيقها. بيد أن عشق الطيب والبرني لبيّه، وانعقاد فصول جمّة عليها، يظل محكوماً بلحظة العجائز الأربعة على حافة القبر، وبالتالي: بالزمن، والذكريات، والموت، وبزيتونة الكلب التي ترمّز كل ذلك. فهي المكان السري المقدس والغامض كما يراها العيدي، والتجويف الهائل في جذعها هو القبر المائل دوماً لمحمود، وللجميع هي ذلك الكائن اللازمني الذي تستمر الحياة فيه بإيقاعها السري.
    5 ـ ميرال الطحاوي: نقرات الظباء :
    تنقش ميرال الطحاوي في رواية (نقرات الظباء( )) شاهدة القبر على ذلك العالم البدوي، وعلى النسوي منه بخاصة. ولعل ذلك يفسر تصدير الكاتبة لروايتها بهذه الشذرة الكاوية "على صدري حطّيت شهايد / بلا موت يا عَلَمْ. ولعل ذلك يضيء أيضاً وأولاً لعبة الرواية في انبثاق عالمها من هذه الصورة أو تلك، ما بقي من العالم الدائل معلقاً على الجدران، ومنداحاً في الشفوي (الحكاية والغناء) وفي الأثر، لتبدو الرواية في جملتها حفراً في الروح والجسد والطبيعة والثقافة، حيث تغدو الكلمة مسباراً أو فرشاة أو كاشطاً ما يتوسل الأركيولوجي، وحيث تقوم لعبة الرواية على الحساسية البالغة، والحذر، والبحث، وبنبضها الإنساني الحار، سواء كان خافتاً، أو صاخباً، وسواء قامت في الرواية الوشاية بالسيرة أو لا.
    هكذا تبدأ (نقرات الظباء) ممّا في الإطار من صورة هند أو انشراح أو سقاوة أو سهلة، وما هو خارج الإطار. وإذا كانت الصورة الأولى تطلق قصص من فيها وتشبكها حدّ التيه، فإن ذلك سيهدأ رويداً، وباطّراد مع انفراد أحدهم أو إحداهن. بصورة تالية، وبالتالي بقصة واحدة في فصل واحد، تضيء ما تقدم ـ وما سيلي ـ وتضيف إليه.
    ومنذ البداية تلوح الرواية بما لعله مفتاحها الأكبر، ما يتصل بالعنوان (نقرات الظباء). فهند التي أدخلوها بيتاً طينياً وسدوا منافذه حتَّى ماتت، تحكي حكاية السهى ـ الظبية التي ركضت في السماء. ولأنها تركت وليداً صغيراً على الرمال، لا يعرف كيف يهرب من صياده، تركت له نقراتها المضيئة نجوماً تتنبأ بمواضع الخطر. كذلك هي الجدة النجدية التي تأتي إلى الرواية من خارج إطار الصورة، والتي تتخيل يوميات ـ أسرار هند في الكشكول، ما لم يعرفه أحد، فهذه النجدية تراقب من فتحة السقف نقرات الظباء وهي ترحل: نجمات قليلة متناثرة تركض في السماء.
    من هذا المفتاح ـ العنوان تأتي كبرى إشارات الرواية إلى الطبيعة والأسطورة والمصائر التراجيدية الفردية والجماعية. وهذا ما سيتوالى في رسم الفضاء البدوي والمدني، بينما تتقلب به عقود القرن العشرين، من العهد التركي والإنجليزي والملكي إلى عهد جمال عبد الناصر والإصلاح الزراعي، وحيث يتصادم التاريخ بالسيري والتخيلي، وتتلاطم القبلية وأنساب البشر والخيول، وتنمّ الرواية عن مكنة مذهلة من مفرداتها في الجوارح والخيل والصيد والغناء والحياة اليومية. وسيأتي الكثير من الرواية فيما تنقل الراوية بضمير المتكلم عنها وعن أبيها وأمها وجداتها وأجدادها، لكن الكثير أيضاً سيحمله الضمير الثالث ـ الغائب. ومن جملة ذلك سينهض الفضاء بين إقطاع البدو، وخليج منازع وعبيدهم والخيام والجبل الأخضر ومصيف مطروح والقاهرة ومهاوي القنص التي تترامى حتَّى كندا وأستراليا، ومواطن العلم حتَّى فرنسا وأمريكا و..
    وسيمور هذا الفضاء بحيوات الجد الكبير محجوب والجد منازع والعبد سهم ولملوم الباشا الباسل وابنته سهلة التي سيتزوجها والد الراوية.. ومن النساء: العمة مزنة وسقاوة التي أتى عليها الصداع والتشنجات، وانشراح التي فقدت ذاكرتها منذ نجت بالذهب من العسكر الذين جاؤوا لتطبيق قرارات الإصلاح الزراعي وتشتيت الملكيات الكبرى المترجرجة بين البداوة والفلاحة والترحال والاستقرار.
    لكل من هاته الأسماء والأحداث، ولسواها، قصته التي تقدمها رواية (نقرات الظباء) مفردة أو مجزأة، لتبدو متناسلة من سواها، أو أصلاً لسواها، ومتقاطعة مع سواها. وإذا كانت الصور منطلق القصّ، فللرواية أيضاً صندوقها، كما يليق بالقص الشعبي والشفوي الذي يغالب البهوت المألوف عندما يغدو مكتوباً في رواية، وحيث امتحان الأكزوتيكية الذي تتحول معه الرواية، فيما هو غالب، إلى معرض للعجائبي والغرائبي، وإلى تلمذة غير نجيبة للواقعية السحرية، وإلى غواية ـ استخذاء أمام بريق الترجمة والعالمية.
    لكن ميرال الطحاوي تدير ظهراً لذلك. ولعلها من أجل ذلك عددت اللعب الروائي. فهند نفسها ما فتئت تعود إلى العالم الذي خنقها، صبية صغيرة بضفائر، ولكن في هيئة قطة، لتتواصل قصتها، ويشتبك عرسها باستقالتها من الحياة، بجنونها، بلوحات بيير كام الذي يسمّي نفسه سليمان، ويعدد اللعب الروائي منذ أن أخذه العالم البدوي إليه، وراح يرسم عبيد هرر أو هنداً عارية أو مهرات مستكينة، لإحداها عينا هند. ومثل لوحاته يمتلئ صندوقه بمذكراته وحفرياته، ليكون ذلك التصادي مع رواية (خارجة الحب) لأهداف سويف في لعبة الصندوق، ومع ثلاثية إدوار الخراط في الحفريات.
    لكن أي لعب في رواية (نقرات الظباء) يبدأ من، وينتهي إلى لعبة الصور. ففي ختام قصة ـ فصل انشراح، يأتي طرف الخيط في يدها صوراً غائمة "تحاول استكمال تفاصيلها، وكأن ثمَّة طريقاً عليها أن تتعقبه، ومصيراً مماثلاً مجبرة على تكراره. كانت هند تأتيها كثيراً، تحدثها أن تغلق ذلك الصندوق، لكنها كانت مصرة". وإذا كان إطار الصورة ـ إطارات الصور ـ المذهّب قد أصبح بلون الرمال باهتاً، فلأن الزمن فعل فعله في الأصل، وصارت الصور "مجرد أشياء تعسة تحتاج إلى الكثير من الترميم، مثل الحمامات التي تخرج منها صراصير وأسراب نمل، أثاث عليه بقايا سنوات كثيرة أتعبته".
    وهذا هو المآل إذاً: موت ذلك العالم، ما أشّرتْ إليه مغادرة والدة الراوية إلى البيت الموروث في منيل الروضة بالقاهرة، تاركة الأب والعمة...، أو ما أشّرتْ إليه خيبة النداءات لوصل النسب مع الأرومة العتيدة في الجزيرة العربية.
    لم ينفع في درء هذا المآل أن يكون والد الراوية قد تعلم في فيكتوريا كوليج، أو أن يكون قد وفّر لابنته تعليماً أكبر، أو أنه عاد من سعيه خلف نزاع بني سليم وهلال بديوان من الشعر النبطي. فالحلم بإصدار جريدة باسم القبيلة يكون شعارها (البداوة أصل الحضارة) قد تبدد، وما بقي إلا سؤال أبو شريك العيادي كلّما لاقى حفيداً "ابن من يا ولد". لكن الأحفاد الذين سئموا ترداد أنسابهم العتيدة وحكايا العيّادي ـ الظل الأخير للماضي، باتوا يحاولون التخلص منه. والسيرة التراجيدية تنقفل على هسيس خافت ولائب، ترسله هند بخاصة، فيذهب بدداً.
    6 ـ محمد إبراهيم الحاج صالح: أحداق الجنادب :
    من نصف سورية الشرقي، وبعد انتظار طويل، جاءت الرواية على يد عبد السلام العجيلي، وإن تكن القصة قد ظلت هواه الأكبر. وفي انتظار تالٍ أقصر بدت القامة السردية السامقة للعجيلي شبه وحيدة، بينما تتوالى روايات سليم بركات وخليل النعيمي، ومن بعد، روايات إبراهيم الخليل ومية الرحبي وخليل صويلح، وأخيراً: محمد إبراهيم الحاج صالح الذي قدم من القصة القصيرة إلى الرواية، شأن شيخ الجميع العجيلي، وشأن إبراهيم الخليل ومية الرحبي، بينما جاء سليم بركات وخليل صويلح ـ وبندر عبد الحميد أيضاً ـ من الشعر. ومن جملة ذلك توفرت للرواية نكهة ذلك الفضاء الفسيفسائي الشاسع شرقي سورية، ببدويته وفلاحيته، ولاسيما: بكرديته (سليم بركات)، وبدت السيرية حاملاً روائياً بامتياز، من سليم بركات وخليل النعيمي إلى خليل صويلح ومحمد إبراهيم الحاج صالح الذي تلت روايته (أحداق الجنادب( )) تلك العلامة الفارقة التي رسمتها مجموعاته القصصية (قمر على بابل 1993 ـ دفقة أخيرة ـ 1995 ـ عصا اللافتة ـ 2000).
    بخلاف ما فعل سواه، وما هو مألوف في السيرية الروائية، اختار محمد إبراهيم الحاج صالح لحظة فاصلة أو مقطعاً حاسماً من السيري. ولعل ذلك هو ما جعله يذيل الرواية بعبارة (لم تتم). أمَّا اللحظة / المقطع فهي ـ هو التخم ما بين الطفولة والمراهقة في واحدة من سنوات الوحدة السورية المصرية
    (1958 ـ 1961)، كما تعلن الإشارات المبثوثة إلى جمال عبد الناصر وصوت العرب والخلافات بين البعثيين والمنتسبين إلى الاتحاد القومي في مضافة جد الراوي.
    بعيني الطفل الذي كانه الراوي، يرسم عالم الرواية ويقرأه. ويندر أن ينتأ في ذلك حضور الشاب أو الكهل الذي آل إليه زمن الكتابة. وإلى عيني ذلك الطفل، سترسم عالم الرواية أيضاً وتتقراه عيون أقرانه (الدكدوك ـ حمو ـ عليا ـ عبده ـ عيسى)، ليحق للرواية أن يكون عنوانها (أحداق الجنادب) على الرغم من أن ذكر الجنادب سيعبر مرتين فقط في الرواية، أثناء وصف الصيف، فنقرأ في بداية الفصل السابع: "ما إن ترتفع الشمس فوق الضحى حتَّى ينهض الصهد. صهد يملأ الأرض ويفيض إلى السماء ليجعلها خيمة من بلور رهيف. على الأرض لون النبت المصفر ولون التراب المطحون بالعطش وفي السماء لون الرماد. ولا صوت إلا صوت انقصاف القصل من الحر اللاهب وإلا خشخشة القش تحت أظلاف الدواب. حتَّى الجنادب تؤثر الصمت في ظل النبت المصوح الأصفر أو في ظل الشوك". كما نقرأ أنه لو لم تكن الظهيرة قبساً من جهنم لـ "كنا سنحسّ بانتقال الجنادب بين الشوك من ظل ناشته الشمس إلى ظل أبعد". ولعل قراءة المقتطفين السابقين تفي بالإشارة إلى ما تميزت به الرواية: من الروي بضمير جماعة الجنادب ـ الأطفال (عصافير الزبل في تشبيه آخر) إلى الرواي بضمير المفرد، ومن الوقفات الوصفية المدققة المتطاولة إلى الحسّ العميق بالطبيعة، ولاسيما منها بالحيوان، وهذه سمة لعالم روايات سليم بركات. وإلى هذا الذي تميزت به الرواية تنضاف المهارة بلعبتي الارتجاع والاستباق. ففي الأولى يندغم الماضي والحاضر في الزمن الروائي، وتشتبك في السنة المعنية من حياة الطفل وقائع وذكريات شتى، كمجيء البلدوزر إلى القرية بعد الفيضان ورسمه سداً بينها وبين الوادي الكبير، وهو ما سيؤرخ لولادة شقيق الراوي ياسين أو كهرب بنت التونسي بصحبة سائق الحصادة السيرياني، أو كبروز حكمة فارس في انتخابات 1954.. أمَّا لعبة الاستباق فستوفر على الرواية المنازعة بين الراوي ـ الجندب وبين ما صار إليه زمن الكتابة، كما ستلوّن سرود السنة المعنية من حياة الطفل. فحياة التونسي (أبو عبد الله)، سيجمّع الجنادب نتفها لترتسم في عقولهم كأسطورة لرجل خفي لم يكن بينهم، وحنجرة الجد ستعلو لاستقبال وسائل المص... وتتكاثر في الرواية العبارات التي تدغم زمن الراوي بزمن الكتابة، مثل "سنفهم نحن الصبيان فيما بعد" و"سنعرف لاحقاً" و "سنعرف تماماً عندما نكبر".. وفي هذا ما يتصل بانتظام الرواية زمنياً، حيث تلون التتالي الغالب فاتحةٌ ما للسرد، مثل: "كنا في أول الصبا" أو "مضت أيام طويلة".
    هكذا تقدم الرواية أحداثها، وتقدم شخصياتها بمقتضى كل حدث، وما يتصل به من مكان فمكان، أو ما يستدعيه من الماضي. وبداية ذلك تكون في مضافة الجد، حيث الوسائد والسجاد ـ سجادة الغرباء والسلطة ـ والقرم والركوة والفناجين وصباب القهوة والشيوخ والممنوعات على الشباب، وحيث الحكايا والصمت. ويتوسل الكاتب غالباً في الوصف المدقق للمكان أو الشخصية أو الحدث الجملة الطويلة التي كان يمكن لها أن تكون أيسر وأسلس، لو أن الكاتب راعى علامات الترقيم. ولعل هذا المثال من الجملة الأولى في الرواية أن يكون كافياً "لن تزول أبداً صورته (،) وهو يمضغ التتن أو الشاي في إسبالة غير مكتملة الجفنين (،) كأن لذة مص السائل من تحت اللسان لا تكتمل إلا مترافقة مع الإغماضة الناقصة".
    من المضافة، تمضي الرواية إلى بيت التونسي وزوجته التركية التي يناديها الجنادب بالبطة، ومن هنا ستتوالى معابثات الجنادب ومشاكساتهم ونقاراتهم ما تحفل به يومياتهم من فصل إلى فصل طوال السنة، وبالاشتباك مع ما تحفل به يوميات القرية المتاخمة لتل أبيض على الحدود السورية التركية.
    فعندما يموت فيصل المجنون ابن التونسي نقرأ "كان في عقولنا مرتبطاً بالسعالي والجن والأماكن المسكونة وبصفير الريح وظلمة الليل". ومن جنازة فيصل إلى دفنه، سيبدأ الموت يفعل فعله في تكوين وعي الجنادب، ما سيضاعفه عثورهم على الغريقة بنت السلطان ورؤيتهم الميتة عارية. كما ستبدأ الشرطة (الدولة) تفعل فعلها المماثل منذ قدومها ببلاغ تقديم العلف لخيولها، إلى سقي هذه الخيول، إلى نبش قبر الميتة وتشريح جثتها لتحديد سبب الوفاة، إلى مصادرة سلاح محمود عم الراوي في غمرة هياج القرية فرحاً بعذرية الميتة. وإذا كان النشيد الوطني (حماة الديار) أو نشيد (الله أكبر فوق كيد المعتدي)
    أو الهتاف (ناصر ناصر) أو سجن محمود، سيفعل فعله في تكوين الوعي الوطني أو القومي للجنادب، فأناشيد المريدين والشيوخ في عيد المولد النبوي، ومن أجل شفاء الراوي من التأتأة، ستفعل فعلها في تكوين الوعي الديني. على أن كل ذلك يظل رهن الطفولة، مثله مثل السرّ الذي يقوم بين الراوي الطفل وبين الطفلة عليا. فهذه الجندب التي تعارك أخبث الجنادب (دكدوك)، ستتلعثم عندما تلفظ أنها والراوي واحد، وسيقول الراوي: "وأحسست بشيء يميع في صدري وبرغبة في وضع يدي بيدها". وسنراه مصغياً لأنشودة دينية ممَّا يغني الشيخ، ويشعر "بسيالة تهويم (،) وغصباً عني أبدلت ليلى بعليا".
    لقد أصيب الراوي بالتأتأة لأنَّه تسبب بخسارة فريق مدرسته لمباراة كرة القدم مع فريق آخر. وستلازمه العلة حتَّى نهاية الرواية، لكنها لن تحول دون انخراطه في حياة الجنادب، وحيث عليا هي الأنثى ـ الطفلة الوحيدة بينهم ـ فيشارك في صيد العقارب ودسّها في بيت العجوز زهرة، ويشارك في سرقة دكان الرهاوي، وهو ما سيجعل جده يأتي به إلى بيته، حماية لـه من عقاب الأب الدائم النقار مع الأم. وفي كل ما تقدم تبدو شخصية حسون الملقب بالدكدوك تنافس الراوي على بطولة الرواية، كما ينافس جد الراوي أباه وأمه. وإلى أولاء ومن سبق ذكره من شخصيات الرواية، يصخب عالمها بشخصيات المعلم الحموي والشيخ وقاسم الحوراني وسائق البوسطة الأرمني ورئيس المخفر وأبو الهنيين... وبتنوع هذه الشخصيات أجيالاً وطبائع ومصالح ولغات وأقواماً، تقوم فسيفساء الرواية كما تتشهى المخيلة الطفلية، وتتخصّب بالمتناصّات الوفيرة من الأناشيد الدينية والأمثال، وبالهجنة اللغوية في أهجيات الأطفال وتشاتم فريقي المباراة ولسان التونسي وزوجته التركية ولسان الكردي والد حمو... ومن الملاحظ هنا ـ على مستوى لغوي آخر ـ ما تشغلّه الرواية من مفردات غير متداولة (يدردم ـ تنود ـ تُراددِ ـ سرطت سرطاً ـ مهارفة..)، فكما تحتفي بعامية بدوية أو بلكنة تركية وكردية وأرمنية، تحتفي بالفصحى. وبعد ذلك كله، يجبه السؤال هذه الرواية التي لم تقع في غواية السيرية، عمَّا سيليها ليؤكد خطوة صاحبها التي تبدو بالغة الوثوق وكبيرة الوعد، وهي المكتوبة ـ كما هو مثبت في نهايتها ـ عام 1988. وهذا السؤال يتعلق أيضاً بالبواكير الروائية السيرية التي تتوالى في سورية (خليل صويلح وسمر يزبك ورجاء طايع) في غمرة الفورة الروائية العربية.

  9. #19
    Banned
    تاريخ التسجيل
    Dec 2009
    المشاركات
    1,117

    افتراضي

    7 ـ أحمد إبراهيم الفقيه: فئران بلا جحور
    في مستهل روايته (فئران بلا جحور( )) يذكر أحمد إبراهيم الفقيه أنه نشر الفصول الأولى من الرواية في مجلة (الرواد الأدبية) قبيل هزيمة 1967. لكنه تحت وطأة الهزيمة لم يكمل كتابة الرواية ونشرها، ومضى ـ هرب ـ إلى بعثة لدراسة المسرح في لندن. ومن بعد، وكلما حاول العودة إلى الرواية، كانت المسودات تحبطه، ولم يفلح إلا بعد أكثر من ثلاثة عقود في استعادة تجربة الرواية التي كان شاهداً من شهودها وهو في العاشرة. والرواية إذاً تشتغل على منتصف القرن العشرين في ليبيا، وفيها ما فيها من السيرة الذاتية، فيما هي تسجل فصلاً من فصول كفاح البداة "ضد قسوة البيئة وظلم الطبيعة وتقلبات المناخ الصحراوي وصعوبة الظرف التاريخي".
    فبعد ثلاث سنوات من الجدب، شدت الرحال من مزدة إلى جندوبة قافلة من أربعين كائناً، يقودها شيخها حامد أبو ليلة. وليلة الوصول، بعد نفاد الزاد ينحر الشيخ جمله الوحيد للقافلة التي أمضّها الجوع، وهو من عرف جندوبة من قبل في هجراته ـ تغريباته. وسوف تستعيد الرواية، وهي تروي يوميات القافلة في جندوبة، ماضي أفرادها في مزدة التي لم يغادرها الموظفون ومن التحق ولدٌ له عاملاً بمعسكر ما للجيش الإنكليزي. ومن ذلك الماضي تقوم بخاصة صورة الأسلاف الذين كان يدفعهم الجدب إلى تطيين باب الحجرة لتصير قبراً ينقذ من العيش. كما يحمل الرحّل من ذلك الماضي علاقاتهم التي ستصطرع في جندوبه، فبائع الأحطاب عبد العالي الذي كان يسمّي الفقيه (الفقي) برهان، بالنبي الدجال، يشك في سعي الرجل خلف زوجته هو (فاطمة)، ويستذكر زواجه منها وشائعة سحر الفقي لها، ويرفض في جندوبة الصلاة خلفه. أمَّا خديجة، زوجة الشيخ، فتستذكر في فصل خاص بها زواجها وحجتها، والشيخ نفسه يستذكر ـ أصالةً، أو بنيابة السارد عنه ـ جهاده في (جيش) سليمان الباروني، ومعجزة نطق الحمامة للشهادة بين يديه، وتحولها إلى امرأة مليحة، وهي التي كانت قد مسختها عجوز شريرة.
    وفي الرواية سوى ذلك الكثير مما يلهب الخيال بالسحر والأسطورة والخرافة، سواء تعلق بالإنسان أم بالطبيعة، فتلك هي الشمس، منذ بداية الرواية، تعجب ببلوغها منتصف السماء، فتلبث في قيلولتها التي تحيل الأرض إلى شريحة من شواء، إبّان بلوغ القافلة لجندوبة، حيث سيطلق القبطان صيحته المروعة معلناً خواء السنابل، وحيث ستزلزل أقدام القافلة مدينة النمال، فتفر منها شراذم، وتلحق دوريات بمن فر، وتخاطب الملكة شعبها بخطة الرحيل ومنها: "ما أعظم جهل الفئران بقدرة الإنسان على القتل والفتك والإيذاء".
    إلى مدينة النمال المنكوبة، تصور الراوية مستعمرة الجرابيع التي تتصارع أجيالها، وتربّي نشئها على الرفاهية، وتجاورها أقليات أجنبية، أكثرها خطراً هي الأفاعي والثعابين التي تدفعها الشمس الملتهبة إلى الهياج، وتعيش على اغتصاب جهود الآخرين. ومن ذلك تصور الراوية اصطيادها للفئران، وبناء هذه لجحورها، وزفاف إناثها، ومخازنها الممتلئة بالسنابل التي سبقت القافلة إليها. وفي متابعة أخرى للجرابيع، سيلي في الرواية تأسيسها لوطنها حيث ألقت قافلة مزدة بالرحال، ووقعَ رحيل النمال عليها، بأوجع من رحيل الخنافس والجنادب والعناكب والسحالي والجعارين. وإذا كان قدوم الإنسان قد روّع الجرابيع، وأشاع الروح الانهزامية في جيلها الصاعد، فها هو شيخها يخطب غاضباً: "هذه الأرض ملكنا وليست ملكاً لأحد غيرنا" ويضيف: "إن هؤلاء الناس عارضون، جاؤوا اليوم ويذهبون غداً، أمَّا نحن فباقون، ثابتون على مدى الدهر". ولتلافي الكارثة تقوم في الجرابيع لجنة إغاثة المنكوبين ولجنة الإعداد والبناء وصندوق الهبات والتبرعات، فأي خطاب ترسله الرواية على لسان الحيوان، ملوحة بما لم يفتأ التراث السردي يرسله ـ تكفي الإشارة هنا إلى كليلة ودمنة ـ كما لم تفتأ الحكاية الشعبية ترسله؟
    بالعثور على السنابل، تنقلب حياة القافلة، من الحفر العشوائي للجحور، إلى تنظيمه والتكتم عليه والاحتفال به ودرسه ليلاً... وها هنا تنقلب حياة القافلة من جديد بوصول أولاد جبريل إلى البقعة عينها في مثل فرار قافلة مزدة من الجدب. فنساء أولاء لا يتحجبن، والحلي تزينهنّ، وما يحمل أولاد جبريل من أخبار الواحات الشرقية مذهل، حيث صار الناس يطبخون السحالي ويذبحون الجراء ويشربون مرق النمل جرّاء الجدب. وسرعان ما يفتضح سر السنابل والجحور، ويعشق الفقي برهان سيدة أولاد جبريل (رابحة) التي تقرأ الطالع، فيما يقضي هو صباحه كسواه في جمع السنابل، وبقية نهاره تحت الجوسق، يعلم الصبيان ويكتب الرقى والأحجبة.
    ليلاً، يساهر بنات نعش الجمعُ الذي تقود رابحة اندماج فريقيه، ويعزف مسعود الملقب بالروماني على المقرونة. ومن يوم إلى يوم تتواصل حياة الجمع صدمة فصدمة، من لدغة الأفعى لفاطمة وإنقاذ الفقي لها، إلى عرس الروماني من إحدى بنات جبريل على الرغم من اعتراض الشيوخ، إلى مفاجأة الذئاب لزينب وعامر بن شيحة وفضح أبو حمامة لعشق الفقي لرابحة، إلى عرس رابحة والفقي..
    وعبر ذلك تتعمق الرواية في حياة الكائنات الأخرى، فالكلاب التي استطاعت بعبقريتها عقد صداقة تاريخية مع المصدر الدائم للكوارث: الإنسان، تلتقي بحرارة، ما كان منها من مزدة وما جاء منها مع أولاد جبريل، عكس البشر المتنافسين، والكلاب المتآزرة تحتفل بنصرها على الذئاب، وتكرم شيخها مرزوق بالزواج من "الكلبة الجميلة ذات الصوت الرخيم والعينين السوداوين الساحرتين والشفة القرمزية التي تغري بالتقبيل، والتي أرسلتها كلاب جندوبة منذ أسابيع للترحيب بكلاب الجنوب، فوقع مرزوق صريع هواها منذ ذلك اليوم". وفي حفل الزفاف يخطب مرزوق أن وراء كل كلب عظيم "كلبة جميلة مثيرة نبيلة كهذه الكاعب".
    أمَّا الجرابيع فلا تفتأ تسعى لإيقاف المجزرة التي يرتكبها البشر. ومن أجل ذلك تجمع السحالي والخنافس والجنادب والعناكب والفراشات والديدان ومجموعة من النمال المحاربة، وتستبعد من التحالف رمزي الشر والخيانة: العقرب والأفعى. ويقرر هذا التحالف استخدام الحرب الشعبية ضد الغزاة من البشر، وتشكيل المفارز الانتحارية، وتفتح لذلك سجلات التطوع، ويبدأ الهجوم بعدما يحضر البشر المبيدات من مركز جندوبة. وسنرى هنا كيف تطلب الحشرات الرأي من سيد حكماء البراري: الضب، فينهى عن الانتقام من البشر ويشير بالهروب من المواجهة لتفادي الإبادة، وبالاستعانة بفئران المدينة، وبالإخصاب والتوالد (السلاح الجنسي). وتأتي الحرباء أخيراً ببشرى الخلاص بحسب الرؤيا التي رأت، فإذا بعصاب جماعي يصيب القوم من غير البشر، وإذا بالسماء تصب السيل صباً، فيخرج السيل من الوادي كما توقع الشيخ حامد، ويجرف ما يصادفه، مطارداً البشر والكائنات جميعاً.
    بهذا ينتهي ما تروي (فئران بلا جحور) من صراع الإنسان مع الإنسان، ومع الطبيعة ومع الكائنات الأخرى، ومن صراع هذه معه، وحيث لا تخفي الأمثولة نفسها، ويفعم السخرية ذلك الإحساسُ العميق بوحدة الوجود، فيما يفعل التراث السردي المكتوب والشفوي فعله في الرواية، سواء في البناء الحكائي أو في اللغة أو في المتناصات الغنائية والشعرية.. ما يجعل من هذه الرواية، وهي تستعيد ذلك العالم الغاطس في سديم الزمان الغابر ـ كما كتب أحمد إبراهيم الفقيه في مقدمته ـ إضافة متميزة لذلك الركن الروائي العربي المتعلق بالصحراء والبادية، ولاسيما بأنسنة الطبيعة.

  10. #20
    Banned
    تاريخ التسجيل
    Dec 2009
    المشاركات
    1,117

    افتراضي


    الفصل الثامن




    اشتباك الأزمنة روائياً


    الفصل الثامن

    اشتباك الأزمنة روائياً

    1 ـ فوزية شويش السالم: حجر على حجر( ):
    حجر على حجر
    مغامرة على مغامرة
    سفر على سفر
    عشق على عشق
    احتلال على احتلال
    ملفات على ملفات
    حفريات على حفريات
    حجر على حجر
    إنَّها رواية فوزية شويش السالم (حجر على حجر)، مكتوبة على هذا النحو الذي يضارع شكل القصيدة الحديثة ولغتها، سواء في صدارة كل حجر ـ فصل، أم في المتن، كأن الرواية تضارع في الآن نفسه منحوتات الحجر، مثلما تضارع السيرة الذاتية، والتاريخ. وأول ذلك يأتي فيما ترويه اليهودية الغرناطية (راشيل) عن رحيلها بعد سقوط غرناطة، محملة بالبقجة التي أودعتها سجادة ـ وطناً، وبرسالة أبيها إلى ذويه في اليمن. وستتوالى في الرواية فصول مغامرات راشيل بين غرناطة ومالقة، ثم على المركب إلى الهند، وفي الفرار من القراصنة البرتغاليين إلى الغابة، ثم إلى اليمن حيث يجمعها المركب بالبحار اليمني (يهرحب بن همام) الذي يعشقها وتعشقه؛ وفي اليمن تتواصل الرحلة/ المغامرة خلف أثر ذوي راشيل، بينما ينبتر الحب بسبب الدين.
    في الحجر ـ الفصل الأول (غرناطة) والثاني (حجر النسيان) والرابع (لكل حجر قصيدته) تتوزع حكاية راشيل. وفي الحجر الأول أيضاً تبدأ البنت بتقديم مذكرات أمها (موضي) عن شهر العسل الذي قضته مع يوسف عام 1980 في غرناطة. ومنذ هذه البداية تنبئنا الفتاة بأن أمها كاتبة أنقذت ذاتها بالطلاق. ونحن إذن في الرواية بين زمنين، يعود أولهما إلى بداية القرن الخامس عشر، والثاني إلى نهاية القرن العشرين. وسيتعلق الحجر ـ الفصل الثالث (حجر للدمار) بالزمن الثاني، حيث تشتبك حكاية البنت التي لن تغفر لأمها طلاق أبيها، وحكاية الأم التي كتبت نص (حارسة المقبرة الوحيدة). وسنرى
    في الحجر ـ الفصل الرابع أنها أيضاً صاحبة نصوص (النوخذة) و(الشمس مذبوحة والليل محبوس) و(مزون)، وتلك هي روايات فوزية شويش السالم، فكيف اشتبكت السيرة الذّاتيّة بالراوية في هذه السيرة الروائية أو الرواية السيرية؟
    في الحجر ـ الفصل الثالث تحمل الأم سجادتها الأثيرة إلى لندن بعدما ينشب الخلاف بينها وبين زوجها. وفي لندن، وبأثر من الروسي جورجي يتفجر نداء السجادة الذي سيدفع الأم إلى اليمن بحثاً عن الجذور: جذور الجد وجذور السجادة التي يشبهها العم جورجي بالسجاد الأناضولي أو المغاربي الأندلسي الذي انتقل عبر يهود إسبانيا إلى العالم. ولكن قبل أن تبدأ الأم رحلة البحث عن الجذور في اليمن، تعود إلى الكويت، ويكون الطلاق جراء ما اكتشفت من علاقة أخرى للزوج، ثم يكون الاحتلال العراقي للكويت، بينما تمضي البنت إلى ميامي في أمريكا للدراسة.
    هكذا تتعدد وتتفرع وتتشابك الخطوط والقطب في نسيج الرواية. وإذا كانت أصوات راشيل ويهرحب وسواهما من الماضي، وأصوات الأم والبنت والأب والجدة وسواهم من الحاضر، إذا كانت هذه الأصوات تتوحد في لغة الساردة الموشّاة بالشعر، فإن ما يخلخل هذه الأحادية اللغوية، أو هذه السطوة للساردة، هو تلك المتناصات المتنوعة والغزيرة من موشحات ابن خاتمة وابن الخطيب وعبد الكريم القيسي وغيرهم، ومن الأغاني اليمنية ومن التوراة، وكذلك تلك الهوامش التي تشرح المسميات والإشارات اليهودية والهندية وسواها.
    تلك هي رواية فوزية شويش السالم (حجر على حجر): رواية الرحلة، ورواية المذكرات، ورواية الحفر في التاريخ، ورواية الذات اللائبة خلف سر الفن، من الكتابة إلى ذلك التكرار اللامتناهي في السجاد، كأنما هو حكاية الكون. وإذا كانت رحلة راشيل خلف ذويها ستبقى معلقة، فإن رحلة الأم خلف سر السجادة تظل معلقة أيضاً. وإذا كان السياسي يسفر في الرواية عبر الاحتلال العراقي للكويت، فهو يبدو أكبر سفوراً في غلالته الروائية، وبالأحرى أكبر أثراً في نقض الدعاوى الصهيونية التي تطوّب اليهود واليهودية عبر التاريخ، بينما التاريخ العربي الإسلامي يرسل رسالة المواطنة والتسامح من الأندلس إلى اليمن، على الرغم من النتوءات التي بترت الحب بين راشيل ويهرحب، فالرسالة ليست دعاوية، بل واقعية، وبواقعيتها تخاطب الحاضر كما تعبر عن الماضي. ومما يضيء ذلك ما تناهب دخيلة راشيل إزاء ما نشأت عليه واعتقدته كيهودية، وإزاء الخبرة الروحية التي تأتتْ لها في الهند وفي اليمن.
    أما الأم الكاتبة ابنة زماننا، فقد تتوجت رحلتها بمعجزة الحجر، بينما ابنتها تحيا في ميامي تجربتها في وعي الذات وفي وعي الآخر. وفي جماع ذلك يكون تاريخ على تاريخ
    يكون سحر على سحر
    ويكون لنا أن نقرأ ونفكر في أمسنا وفي يومنا، في الفن.
    2 ـ سمر يزبك: صلصال( ):
    لعل المرء لا يبالغ إن رأى أن الرواية في سورية تذهب أعمق وأجرأ وأشمل من الكتابة السياسية السورية التي أفلتت من القمقم في السنوات القليلة المنصرمة، سواء تعلق ذلك بهذه السنوات أو بأي أمس داجٍ من العقود الأربعة الماضية.
    وإذا كانت التجاذبات أو الثأرية أو الحزبية أو الغرارة قَدْ وسمت كثيراً من تلك الكتابة السياسية، فقد بدت الرواية غالباً تعزز إنجازها الفني الحداثي وهي تتقرى الآن والأمس، مما تمثّل له روايات فواز حداد (مرسال الغرام) ونهاد سيريس (الصمت والصخب) ومنهل السراج (كما ينبغي لنهر) وأحمد يوسف داوود (فردوس الجنون).. ورواية سمر يزبك (صلصال).
    فبعد روايتها الأولى (طفلة السماء) التي عرّتْ المؤسستين الطائفية والأسرية، تواصل (صلصال) تعرية هاتين المؤسستين وسواهما (المؤسستان الزوجية والعسكرية بخاصة)، وذلك في بناء أعقد وبمهارة أكبر، ابتداء بالزمن الروائي الذي جاء يوماً واحداً يتشظى في حيوات الشخصيات كما يتشظى في التاريخ عبر الرهان على لعبة التقمص، وهي اللعبة التي تأسست في الجذر الصوفي كما لعبها من قبل جمال الغيطاني ومؤنس الرزاز وسليم مطر وآخرون منهم أنيسة عبود وأحمد يوسف داوود اللذان تلفّع لديهما ذلك الجذر بـ (العلوية) وجاء أكبر سفوراً في رواية (صلصال)، كما تدلل ـ على الأقل ـ المتناصات مع الخصيبي (الحسين بن حمدان) والمكزون السنجاري.
    وكما جاء الزمن الروائي يوماً واحداً، جاء الحدث الأساس واحداً: موت حيدر إبراهيم، وهو ما يتشظّى في أحداث كبرى وصغرى حيث يتشظى الزمن. فالرواية تبدأ بافتتاحية ترسم لحيدر صورة شاملة، طفلاً وعاشقاً وضابطاً وخائباً ومتطوحاً في تجلياته وصور حيواته السالفات، ثم تمهد الرواية للحدث الأساس بانتظار زوجة حيدر السابقة سحر النصور في لندن لعشيقها علي حسن الذي يطير به موت حيدر من دمشق إلى قريتهما بدلاً من لندن. وهكذا يترامى الفضاء الروائي بين لندن وتلك القرية الجبلية من ريف مدينة جبلة، ويبلغ في التاريخ الكوفة، لكنه يتركز بين جبلة واللاذقية وبين العاصمة دمشق.
    إثر صفحة الافتتاحية وصفحتي التمهيد، يأتي الحدث، الأساس: موت حيدر كما ستكتشفه ابنته رهام وخادمته دلاّ. ثم تبدأ سلسلة طويلة من استرجاع ما سبق، قبل أن يتواصل الاسترجاع بالاشتباك مع وقائع اليوم الأخير. وسيقطع ذلك اختفاء الميت ثم فرار رهام بأوراق أبيها وقراءتها لتلك الأوراق قبل أن يقبض عليها رجال علي حسن، لتعود الرواية إلى خاتمتها بشروع علي حسن في قراءة الأوراق وانتهاء اليوم الروائي الطويل العاصف.
    بهذه الخطاطة المبتسرة جاء البناء الروائي ليطلق الأسئلة التي تفجرت بالصراع بين حيدر وعلي: أسئلة الصداقة والحب والجسد والعسكرة والفساد والإيمان. فالرجلان عاشا معاً طفولتهما القروية، حيث تجاوزت الصداقة ما بين الإقطاعي والقصر (حيدر) وابن الفلاح. وليس هذا بالتناقض الوحيد بين الشخصيتين كما سينجلي في دراستهما في المدرسة الداخلية باللاذقية، وفي انتسابهما للكلية العسكرية، وفي انخراطهما في قيادة المتغيرات السورية منذ ولّت مرحلة الخمسينيات من القرن الماضي حيث "كان كلّّ شيء مبهماً" إلى ما تلا في الستينات، حيث أثبت "هؤلاء الضباط الذين انقسموا فيما بينهم أثناء مؤتمرات حزبهم الحاكم التي سبقت اختلافهم، أن باستطاعتهم حكم البلاد وإقصاء كلّّ من خالفهم وإبعاد شبح الانقلابات".
    كان حيدر "سليل الأطياف والأرواح" وأمير الحكايا الحزين"، مأخوذاً بالثقافة وعاشقاً رومانسياً لدلاّ ولسحر النصور، ومسكوناً بتقمصاته من جيل إلى جيل. ولم يكن بالتالي لمن هو كذلك أن يتابع طريق رفاقه، لذلك استقال من الجيش في 10/3/1971 بعدما تزوج من سحر وأنجب رهام، فعافته امرأته، وقضى عمره من بعد في القرية، تخدمه دلاّ، ويخرج كلّّ يوم إلى الصيد
    ولا يصيد، حتى مات على إيقاع سقوط بغداد عام 2003.
    أما علي حسن فقد تابع المشوار مخلفاً رفيقه الذي هرب خلفاً بصحبة عشقه وأوراقه، بينما هرب علي إلى الإمام مدججاً بالحديد والنار: "لقد حصل على كلّّ شيء: ولاء طائفته، ولمعان المجد، وسطوة الحضور. تقلص كلّّ من حوله إلى أذناب تتحرك كيفما اتجه". ولقد وصم علي صديقه بالخيانة لأنه اختار البقاء تحت، رداً على وصم حيدر لـه بخيانة عهد الفروسية الذي أبرماه في عنفوان صداقتهما. وقد مال علي حسن بزوجة صديقه وعاشا عاشقين، كما عاش ابنه فادي ورهام. لكن علي يشك في أن رهام ابنته هو، فسحر ليست متأكدة من أبوة حيدر لرهام، ولذلك يفصم علي عشق الولدين، ويرسل ابنه إلى لندن ليدرس العلوم السياسية. فالابن لم يحلم كأبيه بأن يكون ضابطاً. وهذا المدلل الوحيد بين ست بنات واحد من جيل السياسيين الشباب الواعد "بدماء جديدة في البلاد". إلا أن إرادة فادي تحدها إرادة أبيه، وهو ممزق بين قلبه ومجده القادم. أما رهام المولودة سنة هزيمة 1967 ـ هل لهذا دلالة ما؟ ـ فقد غرقت بعد فادي في البذخ والمجون مع كبار الشخصيات من أصدقاء علي حسن، لتنتقم منه بسطوتها عليهم. ولسوف تتساءل رهام بعدما تكبر عن سر هجران والدها للعالم، وستجعله يخطو أول خطوة بعد استقالته، فيقف إلى جانبها في مشروعها ـ حلمها بتحويل الشاطئ الجنوبي لمدينة جبلة منطقة سياحية.
    ثمة نوع من التناظر يتبدى في فصم علي حسن لعلاقة ابنه ورهام، ولعلاقة حيدر وسحر. كما يتبدى التناظر في الصراع الصامت الصاخب بين رهام وعلي حسن، وبين الأخير وحيدر. على أن الصراع الأول سيبدو في المحصلة رافداً للصراع الثاني، كما هو ناتجه. ومثل ذلك هو الصراع بين أستاذ التاريخ العجوز وعلي حسن. فهذا الذي علّم الضابطين علي وحيدر، سيتبرأ من الأول ويخلص للثاني. وسيلقى حتفه على يد حراس الأول الذي روّض بلاداً بأكملها، فهو "الواحد فقط، أبداً لن يتكرر. ذريته كلها لن تحمل في صلبها رجلاً مثله، لأنه لن يتكرر". وسوف يتوالى التناظر في الرواية عبر لعبة المرآة. فالمرآة طريق حيدر إلى الحياة، وابنته حقيقة واقفة في قلب المرآة، وعلي حسن في النهاية يسكن المرآة وحيداً يطوّحه السكر ويهزمه حيدر الخارج من المرآة سراً للحياة والموت. على أن الأهم من تناظر الصراع، هو أن يرسم العيش السوري منذ ثلاثة عقود حين تدفق النفط وسقط، كثروات البلاد، في دوائر النهب، وفيما تلا ذلك حيث: "اندلعت حرائق وشقاقات واغتيالات جماعية وتصفيات جسدية وحملات اعتقال وحصار مدن وقصف أحياء آهلة السكان. وبدا أن النعرات الطائفية والمذهبية والعشائرية تستفيق من سباتها، وتتسلل رويداً رويداً إلى مظاهر الفقر والحاجة والبطالة وكمّ الأفواه، إلى جانب الخشية العميقة من يوم الغد الغامض القاتم". وستعزز الساردة ذلك مرة بعد مرة، كما في التعقيب على رحيل حيدر عن دمشق: "ليست قيادة هذي التي صعد بها علي حسن مع رفاقه في الحزب، ففرضوا قانون الأحكام العرفية والطوارئ، ثم انقلبوا على بعضهم البعض وحكموا البلاد".
    على أن الرواية تخرج بهذا الصراع من جسده السوري إلى جسده العربي الإسلامي القائم في التاريخ، وذلك عبر أوراق حيدر التي يخاطب فيها قرينه، وهما يتقمصان من جيل إلى جيل، كأن يقول: "كنت في ذلك الزمن أعيش معك. كنت آخر قتلاك. أنا آخر قتلاك. أنا آخر من قتلك، وأنت أول من قتلني". ولن يفتأ حيدر يخاطب قرينه: يا قاطف الرؤوس اليانعة، أو: يا سيد الخراب، أو: أيها الضبع القادم.. ليتواصل التقمص من الحجاج إلى علي حسن إلى عبارة حيدر الأخيرة التي استقت الرواية عنوانها منها: "أنا آخر صلصال يموت من عناصر تكوينه". ولقد أثقلت المتناصات على أوراق حيدر بقدر ما مضت بالرواية إلى أفق التاريخ. ومثل هذا الإثقال كان أيضاً إثقال المعلومات التاريخية المتعلقة بالفينيقيين أو العثمانييّن أو الفرنسيين. ولعل ذلك ما جعل الرواية تستدرك الإثقال بلعب لغوية وبنائية شتّى. فقصيدة النثر اليتمية تلوّن التناص مع دونكشوت أو كليلة ودمنة. والرائحة ستغدو إيقاعاً وإن تباعد، فالرواية تبدأ بعبارة حيدر: "رائحتها حرب الكون ضدي" وبعبارته تتتوّج حين تقرأ ابنته أوراقه: "أنا تلك الرائحة".
    إنَّها رائحة احتراق اللحم البشري من تنّور ابن المقفّع إلى تنّور حيدر. وإذا كانت رواية (صلصال) تعزز شيوع لعبة الرائحة في الرواية العربية ـ بفضل باتريك زوسكندر ربما ـ فبهذه اللعبة كما بلعبة المرايا أو المتناصات
    أو التناظر أو التقمص... وأولاً وأخيراً: بلعبة الذكريات "خطاف الزمن المرعب"؛ بكل ذلك تنضاف رواية (صلصال) إلى جديد الرواية في سورية، الأجرأ والأعمق والذي يتعزز إنجازها الفني الحداثي وهي تتقرى الآن
    أو الأمس.
    3 ـ رشيدة خوازم: قدم الحكمة( ):
    إذا كان الحريق الجزائري في العقد الماضي هو الشاغل الأكبر للرواية في الجزائر، فالمستقبل هو الشاغل الآخر، ولكن على غير طريقة رواية الخيال العلمي. فبعد رواية (المخطوطة الشرقية) لواسيني الأعرج، وبعد رواية إبراهيم السعدي (بوح الرجل القادم من الظلام) تأتي رواية رشيدة خوازم (قدم الحكمة) لتغامر في قراءة خمسين سنة قادمة، بينما تجهد لتوكيد نسبها الحداثي المؤسس على الحكاية. فرشا خوزي تحكي لحفيدتها رنا كي تنام، بينما تغمض الجدة عينيها وتتذكر ـ تحكي، فتتتالى حكايا الشخصيات الكثيرة وتتشظى وتتلملم وتتكامل في الإطار الأكبر، أي في الرواية التي نقرأ، وهي ما كتبت سيدة باشي خازن من سيرة أسرتها، ودفعت به إلى جابر للنشر. وللرواية إذاً أكثر من راوية سوى الجدة. فالحفيدة رنا تروي، وريما سلطان تروي، والكاتبة المفترضة تبدأ الرواية وتختمها وهي تؤكد على أن حكايتها لا تصلح أن تكون رواية "لأنها ليست وكراً للعنادل"، وتطلب من جابر حذف الكلام الذي ضفرته بين قوسين، وتصحيحاً جيداً، ورسم الغلاف، وتغيير الأسماء لأنها لا تريد كشف أسماء أسرتها، أما الأسماء الهامشية فلا تهم. كما تطلب أن تحمل الرواية اسمها الحقيقي: سيدة باشي خازن. وبهذا تلعب الرواية لعبة الميتا الرواية، ولكن ليس في البداية والنهاية فقط. فرشا خوزي تتساءل عن الكاتب الحقيقي للرواية، وتعدّ التفاصيل مسألة ثانوية "إذ الأجدى أن نقرأ الرواية.. فقط.. نقرأها بحب وبشوق.. كما نلتقي صديقاً غائباً. تلك الرواية مصنوعة من عبق اللحظات النادرة، لحظات الكشف عن الحقائق الصغيرة التي تملأ أدراج الروح". والرواية بحسب رشا ليست بحاجة إلى من يحاكمها، بل إلى من يصغي إلى حركاتها الصغيرة الدائرية، الطفولية، لأنها طفلة تقفز على الرصيف بثياب المدرسة وقد شردت ضفائرها من ثرثرة المعلم. لكأن الكاتبة بذلك تتحرز على ما ينتظر روايتها من النقد، فتجعل رشا تقرف ممن يبحثون عن آباء الرواية وتتساءل: "ألا تكفي الأم"؟. غير أن هذه الحمية الاستباقة لن تردَّ الإشارة مثلاً إلى روايتي واسيني الأعرج وإبراهيم السعدي، أو إلى رواية الميلودي شغموم (خميل المضاجع) بصدد الفصل الثاني من رواية (قدم المحكمة) حيث البرنامج الإذاعي لمحمود باش خازن. ولن تردّ تلك الحمية الإشارة أيضاً إلى تهريب الآثار في هذه الرواية وفي أكثر من رواية لأهداف سويف وإدوار الخراط مثلاً، مع التشديد على أن تدقيق النسب الأبوي أو الأموي للرواية ليس تشكيكاً بالضرورة، كما أن جهارة النسب الأمومي ليست كافية بالضرورة.

    لقد جعلت الكاتبة لفصول روايتها عتباتها من عبارات لراسين وبومارشيه وبودلير وأمين معلوف وبروست وهيجو.. أما العتبة المنسوبة لميشيل بوتور فهي التي تومئ إلى مفهوم الرواية وإلى مرماها: أن تكون تعبيراً عن مجتمع يدرك أنه يتفكك. فمرام (قدم الحكمة) أن تكون تعبيراً عن إدراك المجتمع الجزائري أنه يتفكك منذ اندلع الحريق فيه، وإلى نصف قرن قادم، وبالاندياح في أرجاء العالم، من إسبانيا وفرنسا إلى اليابان وروسيا وفلسطين وتركيا.
    فالرواية تبدأ بلقاء العجوزين محمود ورشا في استنبول: هي تحدثه عن ابنهما أمين المتوفى كما ستكشف خاتمة الرواية، وعن ابنهما الذي حمل الاسم نفسه، وحملت به في آخر لقاء لها بمحمود في ستراسبورغ قبل أن تنتقل إلى حيفا؛ ومحمود يحدثها عن ابنته سيدة أي من تريدنا الرواية أن نصدق أنها كاتبتها، والتي تدير عنه المطعم في استنبول. ومن هذه البداية المعقدة أو المعجوقة، تتناسل الحكايا والشخصيات: رحلة رشا إلى خبنة في الصحراء وحب أشرف وتركه لها ومحاولتها الانتحار ثم العلاج النفسي ـ اللقاء بمحمود الذي كان يدرس في معهد علوم الآثار وزواجها ـ سنوات مونمارتر 2003 ـ 2005، فستراسبورغ ولقاء ميلود، فموسكو حيث تنعطف بها علاقتها بجميل كحلون إلى حيفا، ثم ستراسبورغ من جديد لتلتقي محمود وتحمل منه بأمين الثاني، ثم حيفا من جديد، إلى النهاية التي تعود برشا وحفيدتها إلى الجزائر، فتدهس سيارة الحفيدة، وترحل رشا إلى استنبول، أي نعود إلى البداية التي جمعتها بمحمود.

    لهذا المسلسل الطويل مفتاحه السحري: المصادفة. ومن حلقة فيه إلى حلقة، ومن مصادفة إلى مصادفة، سنتابع عمل محمود ورشا في الإذاعة العربية في ستراسبورغ، والبرنامج الإذاعي عشية عيد الحب، ومعرض العطور الذي يفجر ذكريات رشا عن مصنع في (خبنة) وعن رحلة الموت إلى الصحراء. كما نتابع علاقة رشا في ستراسبورغ مع ميلود سباق صاحب مجلة (دروب) والتي ستجمع رشا بريما سلطان. وهنا يبدو كأننا بصدد رواية جديدة تروي علاقة ريما بأستاذها ميلود الذي درّسها عام 1991 ثم جمعتهما ستراسبورغ عام 2009 وهو يلهج "أنا بحاجة إلى لملمة سيرتي". فما يحرك الراوية الأساس سيدة باش خازن يحرك ميلود ابن الأندلس. ولئن كانت ريما "ذلك الشعاع الأخير لعاصمة تحترق "فميلود صار" حكاية طريفة ومغرية" ورجلاً من رذاذ الحكايا التي تحبها رشا، ولكنها لا تفهمها أبداً.
    في عام 2011 يسافر ميلود سباق ورشا خوزي لتغطية الاحتفال بمرور قرن على ميلاد ليف تاراسوف. وهناك تصل رشا الرسالة التي تنبئ بموت الحبيب الفلسطيني القديم باسم، فتعود من موسكو إلى حيفا. وفي الطائرة تصادف تاجر البواخر الفلسطيني جميل كحلون. وسنكون قَدْ بلغنا من مسلسل الحكايا حكاية رشا مع الفخاريات والحلي والأيقونات التي يهربها الشاعر الروسي ميتا راسكوليفيتش من الجزائر، ويتخفى في بيت صديق أثناء اندلاع الحريق الجزائري، ويلتقي الجارة دينا ويتزوجها بعدما قضى زوجها في تفجير حافلة.
    في فلسطين يبلغ بنا المسلسل حلقة جديدة/رواية جديدة من حكايا الفلسطيني الميت باسم الذي انتقل إلى قرية الشجرة بعد عودة مجموعة من قرى الـ 48 إلى السلطة الفلسطينية عام 2012. وفي هذا المستقبل الذي تنجزه رواية (قدم الحكمة) سنرى جمعية (السقف الحاني) كفرع لمنظمة (أبناء الشتات) التي تقدم الخدمات للمعزولين أسرياً أو مهنياً، وللذين فقدوا جزءاً من عائلاتهم أثناء حروب نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين. ولتلك الجمعية علاقات دبلوماسية واسعة "كأنك تتحدث عن ديانة جديدة"، بل إنَّها "تقنية جديدة" ستجعل الجزائرية رشا خوري تزور ((إسرائيل))، والسلطة الفلسطينية ما زالت هي السلطة الفلسطينية بعد عشرين أو خمسين سنة‍.

    في مزرعة جميل كحلون يعالج الدكتور ضرار رشا من صدمتها بموت باسم، كما عالجها الدكتور مرزوق من صدمتها بترك أشرف لها في خبنة. وباسم هو الحبيب الفلسطيني الذي نشأ في الشتات (حمص) وتعاهد مع جميل على شراء باخرة وتفجيرها بالمحتلين الإسرائيليين. وإذا كانت علاقته برشا قَدْ أخفقت، فقد جاءت بها إلى إسرائيل، لترى هذه البلاد أجمل مما كانت تتصوره. ففي حيفا هي ذي الحلويات الفلسطينية وأكلات الساحل الفلسطيني، وهو ذا شارع بترا الذي يعرفه الناس باسم نينادي نور. وهي ذي قرية الشجرة التي كانت تتخيلها زمن العلاقة مع باسم منهكة جراء الحرب، فإذا بها تبدو متألقة كأنها تحتفل برحيل باسم. أما المنعطف الأكبر في حياة رشا فهو ما سيتأتى على قدومها إلى حيفا، إذْ يفلح جميل كحلون في إقناعها بترك ستراسبورغ والعمل معه، وهو المهووس بالمال ومن كان سمساراً صغيراً في الموانئ فصار حوت البواخر الذي يتاجر أيضاً بالماركات المبرفتة (المغشوشة).
    مع جميل دخلت رشا في معترك جديد غامض يصخب بالاغتيالات والانتحارات. وسيساعد رشا وجميل في تجارتهما إسماعيل ابن ميلود، وهو الشاب العبقري في اختراق شبكات المعلوماتية، والقابض بالتالي على أسرار دولية خطيرة، لذلك تلاحقه الشرطة الدولية حتى تعتقله ورفاقه. وتلك إلماعة جديدة من الرواية إلى المستقبل. فإسماعيل عمل في مركز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية مع شباب من بلدان مختلفة يحاولون اختراق السماء: "يريدون التأريخ للدلالات الفينومينولوجية لشكل الأحداث للوصول إلى أقصى تخوم هذه الدلالات عبر المسافة والمخيلة الجماعية". كما يعمل إسماعيل في وكالة سبيكر للأنباء بينما يعارضه أبوه، وبينما ترى رشا في مشروعه ورفاقه نوعاً جديداً من التاريخ، قَدْ نكون بحاجة إليه: "قَدْ نتمكن بذلك من الوقوف على الدلالة الحقيقية لما يحدث حولنا".
    وتؤخذ رشا برؤى إسماعيل ورفاقه المستقبلية، فأكبر الصناعيين يعتمدون على حدوسهم ومعلوماتهم، وهم يرعبون الجميع بلعبهم بالماركات المحمية، وبالجاسوسية الصناعية. لكن لميلود رأياً آخر في ابنه: "لا يريد أن يفهم أنه مهدد في كلّّ مرة بالإفلاس والمرض والشيخوخة المبكرة. شاب بلا دفء. هو في حقيقة الأمر شاب طاعن في السن، أو بالأحرى شيخ صغير".

    من حيفا إلى طوكيو سيظل جميل كحلون حاضراً في حياة رشا. وستحضر الجزائر في رسالة ريما لها متسائلة: "ما الذي بقي من مدينتنا؟ ما الذي تبقى مني ومنك؟ أنحن لعبة أشباح تتماهى مع الخراب؟". وتبدو ريما كوة أخرى على ما أصاب الثقافة الجزائرية من الحريق، فهي صديقة بختي بن عودة. ورسالتها هي تصرّف برسالة لنصيرة محمدي. وهذه الكوة تنادي الرواية العربية أيضاً بالسؤال "هل أطرق باب الشمس كما فعل الياس خوري؟" وبذكر (مدن الملح). على أن الجزائر التي رمى حريقها في نهاية القرن العشرين بريما ورشا ومحمود وميلود في أصقاع الأرض، ستعود وترمي رشا بعد نصف قرن، حين تعود إليها عجوزاً في الثانية والثمانين مع رنا، لكن الجزائر ستلاقي بالدهس الشابة وتطرد العجوز رشا إلى استنبول، فتلتقي بالعجوز محمود، وتنتهي الرواية.

    إنَّها المغامرة الخطرة في تخييل المستقبل. ولئن كان ذلك يبقى رهاناً مفتوحاً لقارئ المستقبل، فمغامرة الكتابة أمام القارئ الآن تبدو مرتبكة بطموحها الكبير، إذ تروم النسب الحداثي فتلعب لعبة الميتاراوية ولعبة العتبات والمزاوجة بين فصول المونولوجات وفصول الحكايا ولعبة العبارات الفرنسية والحوارات بالعامية... بينما تضيق ساحة اللعب بكثرة اللاعبين وتدافرهم، وبتداخل اللعب وتنازعه بينهم. ولكن أليس لكل مغامرة فضيلتها؟

+ الرد على الكتاب
صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 1 2 3 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الكتاب

ضوابط التعليقات على الكتاب

  • لا تستطيع إضافة كتب جديدة
  • لا تستطيع التعليق على الكتب
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك